حدث في التاسع عشر من شوال

محمد زاهد أبو غدة

في التاسع عشر من شوال سنة 406 توفي في بغداد، عن 62 عاماً، الإمام أبو حامد الإسفراييني، أحمد بن محمد بن أحمد، الفقيه العلامة ورئيس الشافعية في عصره،  و أحد أعلام المذهب الشافعي.

ولد سنة 344 في إسفرايين بالقرب من نيسابور في شمالي شرق إيران، وكان يحرس في درب، وكان يطالع الدرس على زيت الحرس، وأفتى وهو ابن سبع عشرة سنة، ورحل إلى بغداد في العشرين من عمره، فدرس فقه الشافعي على الفقيه الجليل الورع أبي الحسن علي بن أحمد بن الـمَرزُبان المتوفى سنة 366، ثم درس بعده على أبي القاسم الداركي، عبد العزيز بن عبد الله، المتوفى سنة 375، وكان فقيهاً إماماً، قال عنه أبو حامد الإسفراييني: ما رأيت افقه من الداركي.

وسمع أبو حامد في بغداد سنن الدارَقطني من جامعها الإمام الحافظ علي بن عمر الدارقطني البغدادي، المتوفى سنة 385 عن 49 عاماً.

وقد تأول بعضُ العلماء الحديثَ الذي رواه أبو داود والطبراني عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله يبعث لهذه الامة على رأس كل مئة سنة من يجدد لها دينها. فقالوا: جاء الشافعي على رأس المئتين، وأبو العباس أحمد بن عمر بن سريج على رأس الثلاث مئة، وأبو حامد الإسفراييني على رأس الأربع مئة. قال الإمام الحافظ الذهبي في تاريخ الإسلام: وكان على رأس الأربع مئة أبو حامد الإسفراييني، وعلى رأس الخمس مئة الغزالي، وعلى رأس الست مئة الحافظ عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي، وعلى رأس السبع مئة شيخنا تقي الدين بن دقيق العيد، على أن بعض هؤلاء يخالفني فيهم خلق من العلماء، والذي أعتقده من الحديث أن لفظ من يجدد للجمع لا للمفرد، والله أعلم.

وأقام أبو حامد الإسفراييني ببغداد مشغولاً بالعلم، ودرّس وهو في السادسة والعشرين، حتى صار أوحد وقته وانتهت إليه الرياسة وعظم جاهه عند الملوك والعوام، كان يحضر درسه في مسجد عبد الله بن المبارك ببغداد ثلاث مئة متفقه.

وشرح الإمام الإسفراييني كتاب المختصر الذي صنفه الإمام إسماعيل بن يحيى المزني تلميذ الإمام الشافعي وجمع فيه علم الإمام الشافعي، وجاء شرح أبي حامد في خمسين مجلداً ذكر فيها خلاف العلماء وأقوالهم ومآخذهم ومناظراتهم، ولذا قيل له الشافعي الثاني، وكان الناس يقولون: لو رآه الشافعي لفرح به. قال النووي عن هذا الكتاب: واعلم أن مدار كتب أصحابنا العراقيين أو جماهيرهم مع جماعات من الخراسانيين على تعليق الشيخ أبي حامد، وهو في نحو خمسين مجلدا، جمع فيه من النفائس ما لم يُشارك في مجموعه من كثرة المسائل والفروع، وذِكرِ مذاهب العلماء، وبسطِ أدلتها والجواب عنها، وعنه انتشر فقه طريقة أصحابنا العراقيين.

وأخذ عنه الفقهاء والأئمة في بغداد، منهم أقضى القضاة أبو الحسن الماوردي علي بن محمد المتوفى سنة 450 عن 86 عاماً، ومؤلف كتاب أدب الدنيا والدين وكتاب الأحكام السلطانية، واتفق العلماء من الشافعية وغيرهم على  تفضيل أبي حامد الإسفراييني وتقديمه في جودة الفقه وحسن النظر، قال أبو إسحاق الشيرازي: سألت شيخ الحنفية في بغداد أبا عبد الله الصيمري، الحسين بن علي المتوفى سنة 436: من أنْظَرُ من رأيتَ من الفقهاء؟ فقال: أبو حامد الإسفراييني.

ومن تلاميذه الإمام أبو الفرج الدارِمي، محمد بن عبد الواحد البغدادي الدمشقي، المتوفى سنة 448 عن 90 عاماً، وكان إماماً بارعاً مدققاً حاد الذهن، حسن الفقه والحساب والكلام في دقائق المسائل، شاعراً فصيح اللهجة. مرض أبو الفرج فعاده أستاذه الشيخ أبو حامد الإسفراييني فقال:

مرِضتُ فارتحت إلى عائد ... فعادَني العالمُ في واحدِ

ذاك الإمام ابن أبي طاهر ... أحمدُ ذو الفضل أبو حامد

ومن تلاميذه أبو الحسن المحاملي البغدادي، أحمد بن محمد الضبي، المتوفى في بغداد سنة 415 عن 47 عاماً، وكان غاية في الذكاء والفهم وبرع في المذهب، وله مصنفات كثيرة في الخلاف والمذهب. قال الشريف أبو القاسم علي بن الحسين الموسوي المرتضى: دخل عليَّ أبو الحسن المحاملي مع الشيخ أبي حامد، ولم أكن أعرفه، فقال لي الشيخ أبو حامد: هذا أبو الحسن المحاملي، وهو اليوم أحفظُ للفقه مني. وهذه القصة تدل على فضل الإمام وسعة أخلاقه وحرصه على استمرار العلم واحترام العلماء. رحمه الله تعالى. ونقل النووي أن المحاملي لما عمل كتابه المقنِع وجَرَدَ فيه المذهب، وأفردَه عن الآراء المخالفة، أنكر عليه شيخه أبو حامد الإسفراييني هذا المنهج في التأليف، وقال إن ذلك يقصِّرُ الهممَ عن تحصيل الفنين: الفقه والخلاف، ويحمل على الاكتفاء بأحدهما، ومنعه من حضور مجلسه، حتى احتال لسماع درسه من حيث لا يحضر المجلس.

ومن معاصري الإمام أبي حامد القاضي أبو القاسم الدَينَـوَري، يوسف بن أحمد المتوفى سنة 405، أحد الأئمة المشهورين وحفاظ المذهب المصنفين وأصحاب الوجوه المتقنين، انتهت إليه الرئاسة في بلاده في المذهب، ورحل الناس إليه رغبة في علمه وجوده. حُكيَ أن الشيخ أبا علي الحسين بن شعيب السنجي لما انصرف من عند الشيخ أبي حامد الإسفراييني اجتاز به فرأى علمه وفضله فقال له: يا أستاذ، الاسم لأبي حامد والعلم لك! فقال: ذلك رفعته بغداد وحطتني الدَينَوَر. يعني أن بلدته صغيرة لا يشتهر من فيها، والدينور بلدة جبلية قرب كرمنشاه اليوم في شرقي إيران.

وكان أبو حامد رحمه الله يكرم العلم والعلماء، كان من معاصريه الإمام المقرئ أبو مسلم الفرضي، عبيد الله بن محمد المتوفى في بغداد سنة 406 وقد بلغ 82 عاماً،  وكان ثقة صادقا ديِّنا ورعا، يكره أدنى سبب حتى المديح لأجل العلم، وكان يبتدىء كل يوم بتدريس القرآن، ويحضر عنده الشيخ الكبير ذو الهيئة فيقدم عليه الحَـدَث لأجل سَبْقه إذا فرغ من إقراء القرآن.

وكان الإمام أبو حامد الإسفراييني إذا جاءه أبو مسلم الفرضي قام من مجلسه إلى باب مسجده ومشى حافيا مستقبلا له، ومن تقوى هذا الإمام المقرئ أن أبا حامد كتب إليه مع رجل خراساني كتابا يشفع له أن يأخذ عليه القرآن، فظن أبو مسلم أنها مسألة قد استُفتي فيها، فلما قرأ الكتاب غضب ورماه من يده وقال: أنا لا أُقرئ القرآن بشفاعة.

ولما ورد بغداد العلامة أبو سعد الإسماعيلي الجرجاني، شيخ الشافعية بجرجان، والمتوفى بها سنة 396 عن 63 عاماً، عقد له فقهاء بغداد مجلسين تولى أحدهما الشيخ أبو حامد الإسفراييني، وتولى الثاني أبو محمد الباجي، فبعث الباجي إلى القاضي المعافى بن زكريا الجريري يستدعيه إلى الحضور ليجمل المجلس، وكانت الرسالة مع ولده أبي الفضل، وكتب على يده هذين البيتين:

إذا أكرم القاضي الجليلُ وليَّه ... وصاحبَه ألفاه للشكر موضعا

ولي حاجة يأتي بُنيَ بذكرها ... ويسأله فيها التطول أجمعا

فأجابه الجريري مع ولد الشيخ:

دعا الشيخُ مطواعا سميعا لأمره ... نواتيه طوعا حيث يرسم أصنعا

وها أنا غاد في غد نحو داره ... أبادر ما قد حده لي مسرعا

ومن معاصري الإسفراييني أبو عبد الرحمن السلمي، محمد بن الحسين النيسابوري شيخ خراسان وكبير الصوفية بها، وصاحب التصانيف الكثيرة، والمتوفى سنة 412 عن 87 عاماً. ألف أبو عبد الرحمن السلمي تفسيراً سماه حقائق التفسير، وصارت لهذا التفسير شهرة في زمانه بين العلماء والحكام، وحكى السلمي: ولما دخلنا بغداد، قال لي الشيخ أبو حامد الاسفراييني: أريد أن أنظر في حقائق التفسير، فبعثت به إليه، فنظر فيه، وقال: أريد أن أسمعه منك. ولكن هذا التفسير لم يلق القبول لدى العلماء، قال الإمام الذهبي في ترجمته في كتابه تاريخ الإسلام: كتابه حقائق التفسير ليته لم يصنفه فإنه تحريف وقَرْمطة.

ولم يكن أبو حامد رحمه الله يتردد في إبداء رأيه فيما يراه صواباً، جرت فتنة في سنة 398 بين السنة والشيعة، سببها أن بعض الهاشميين قصد أبا عبد الله محمد بن النعمان المعروف بابن المعلم - وكان فقيه الشيعة - في مسجده بدرب رباح، فعرَّض له بالسب، فثار أصحابه له واستنفر أصحاب الكرخ وصاروا إلى دار القاضي أبي محمد الأكفاني والشيخ أبي حامد الإسفراييني، وجرت فتنة عظيمة.

وأحضرت الشيعة مصحفاً ذكروا أنه مصحف عبد الله بن مسعود، وهو مخالف للمصاحف كلها، فجُمِعَ الأشراف والقضاة والفقهاء وعُرِضَ المصحف عليهم فأشار الشيخ أبو حامد الإسفراييني والفقهاء بتحريقه، ففعل ذلك بمحضر منهم، فغضب الشيعة من ذلك غضبا شديدا، وقصد جماعة من أحداثهم دار الشيخ أبي حامد ليؤذوه فانتقل منها إلى دار القطن، وصاحوا: يا حاكم يا منصور، يعرِّضون بتأييد الفاطميين في مصر، وبلغ ذلك الخليفة فغضب وبعث أعوانه لنصرة أهل السنة، فحرقت دور كثيرة من دور الشيعة، وجرت خطوب شديدة، وبعث الخليفة عميد الجيوش إلى بغداد لينفي عنها ابن المعلم فقيه الشيعة، فأخرج منها ثم شُفِعَ فيه، وعاد الشيخ أبو حامد إلى داره على عادته.

وفي العصر الذي عاش فيه الإمام أبو حامد شاعت المناظرات المذهبية في الفقه والأصول وغيرها من العلوم، وكان هو مبرزاً فيها لحضور ذهنه وكمال تفكيره، وكان يقول: ما قمت من مجلس النظر فندمت على معنى ينبغي أن يُذكَرَ فلم أذكره.

قال أبو حيان التوحيدي في رسالة له بعنوان ما يتمثل به العلماء: سمعت الشيخ أبا حامد يقول لأبي طاهر العباداني البصري: لا تعلِّق-  أي لا تكتب - كثيراً مما تسمع منا في مجالس الجدل، فإن الكلام يجري فيها على ختل الخصم ومغالطته ودفعه ومغالبته، فلسنا نتكلم فيها لوجه الله خالصا، ولو أردنا، لكان خطونا إلى الصمت أسرع من تطاولنا في الكلام، وإن كنا في كثير من هذا نَبوءُ بغضب الله، فإنا نطمع في سعة رحمة الله.

وقابله بعض الفقهاء في مجلس مناظرة بما لا يليق، ثم أتاه في الليل معتذراً إليه فأنشده:

جفاءٌ جرى جهراً إلى الناس وانبسطْ ... وعذرٌ أتى سراً فأكدَّ ما فرطْ

ومن ظن أن يمحو جليَّ جفائه ... خفيُّ اعتذارٍ فهو في غاية الغلط