الأستاذ عبد الرحمن الباني صحابي عاش بيننا

محمد سعيد المولوي

الأستاذ عبد الرحمن الباني صحابي عاش بيننا

خواطر ومشاهدات (1)

محمد سعيد المولوي

ما سأكتبُه ليس ترجمةً لأبي أسامةَ رحمه الله وجمعنا وإياه تحت لواء سيِّد المربِّين صلى الله عليه وسلم، وإنما هي مشاهداتٌ وذكرياتٌ من احتكاكات زرعت في قلبي حبَّ الرجل واحترامَه؛ لذا ستأتي مقطَّعةً قد لا يكونُ بين بعض أجزائها اتِّصال، وسيدخلُ فيها بعضُ الحديث الشخصيِّ.

كان أولُ معرفتي بالأستاذ عبدالرحمن الباني في الخمسينيَّات من القرن الماضي، ولم يكن لي يومها علمٌ بالسَّلفية وما تعني، وقد كنت دخلتُ أحدَ مساجد دمشق([2]) لصلاة المغرب فرأيتُ قومًا يصلُّون وآخرين ينتظرون، وما إن انقضَت الصلاةُ حتى نهض القاعدون فأقاموا صلاةً جديدة، فلم تقبَل فطرتي هذا الأمر، فسألتُ الإمامَ الثاني([3]) عن قسمة جماعة المسلمين، فنشأ بيني وبينه حوارٌ يعلم الله أنِّي كنت فيه مؤدَّبًا، ولكنَّ الشيخ أخذ يصيح، فهُرعَ إليَّ تلامذتُه لكمًا وضربًا، وكسروا نظَّارتي، وأسالوا الدَّمَ من أنفي. وأراد رفاقي أن ينتقموا لي ولكنِّي منعتُهم، وأنا أُشهد من يقرأ هذه الكلمات أني سامحتُ الشيخَ ومن ضربني، غفر الله لي ولهم جميعًا.

ولقيتُ بعد بضعة أيام أحدَ أصدقائي فقال لي: ماذا صنعتَ مع الشيخ ناصر الدِّين الألباني؟ فقلتُ: لا شيء، ولا صلةَ بيني وبينه، غير أني أراه يجيء على درَّاجته إلى مسجد الجامعة (جامعة دمشق) يوم الجمعة للصَّلاة! فقال صديقي: لقد استدعَتهُ السُّلطات واتَّهَمته بأنه أرسلكَ لتُحدِثَ فوضى في المسجد. فقلت: والله، لم يحصُل هذا، ولا بدَّ أن أعتذرَ إليه؛ لما سبَّبتُ له من الإزعاج، فإن كنتَ تعرف له عنوانًا فدُلَّني عليه، فقال: إنَّ له درسًا يقيمُه يوم الجمعة في غرفة كبيرة في حيِّ عرنوس يحضُره عددٌ من مثقَّفي دمشق، فذهبتُ إلى هناك وحين استقرَّ بي المقام بين الحاضرين رأيتُ أمرًا عجَبًا! فقد كنت حضرتُ من قبلُ دروسًا لعدد من الشيوخ والعلماء، ولم يكن أحدٌ من الحضور يجرؤ على النِّقاش والسؤال! أما هنا فالنِّقاش متاحٌ للجميع والسؤال أمرٌ طبيعي!

وعرفتُ فيما بعد أسماء عدد ممَّن يحضُر الدرسَ؛ منهم: الأستاذ عبدالرحمن الباني، والأستاذ محمود مهدي الإستانبولي، والأستاذ أحمد راتب النفَّاخ. ولكنَّ الجالس لا ريبَ كان يسترعي انتباهَهُ الأستاذ الباني رحمه الله، وما يتمتَّع به من دقَّة في التفكير، وهدوء في الطبع، ورزانة في الكلام، وهذا الهدوء كان من أهمِّ صفاته، ولكنَّه كان ينقلب إلى رعد مُجلجِل إن أُسيءَ إلى الإسلام وأحكامه وثوابته، وجامعُ المرابط يشهدُ له بذلك.

وتوطَّدَت صلتي به مع الأيام، وزادت قوَّةً حين أتممتُ الدراسةَ في كليَّة الآداب ودخلتُ كليَّة التربية بجامعة دمشق، فإنه ممَّا كان يحزُّ في النفس أن الموادَّ التي كانت تدرَّس تتناول التربيةَ عند اليونان والرُّومان والغزاليِّ وابن جَماعة، وتهمل التربيةَ عند أعظم المربِّين محمد r، فقرَّرتُ أن أجعلَ رسالتي بعنوان ((المربي محمَّد r))، فكان ذلك ممَّا أفرحَ الأستاذَ الباني ولقي عنده القَبول. وتوثَّقت الصلةُ بيننا أكثر حين تصدَّيتُ مع بعض الإخوة الزملاء لمؤلِّف كتاب الاجتماع([4]) الذي كان مقرَّرًا في كليَّة التربية، وقد أحصينا فيه خمسًا وستِّين مخالفةً للإسلام، وكدنا نطيحُ به من الجامعة، بدعم عدد من أفاضل أساتذتنا على رأسهم الأستاذ الباني، فاضطُرَّ ذاك المؤلِّف إلى تمزيق صفحات من الكتاب في الصفِّ.

ولستُ أنسى أني كنت أزورُ الأستاذَ الباني في مكتبته، فأستعيرُ منها ما أشاء، لا يمنَعُ عنِّي كتابًا، وكنت أزورُه في مكتبه في وزارة التربية، فأنهَلُ من علمه ولطفه وجميل خُلقه، ولم يكن الرجلُ يضَنُّ بعلم أو معرفة، أو توجيه أو نصح. وكنت أقفُ منه موقفَ الطالب من المعلِّم، ولم يكن يُبدي ضجَرًا أو تأفُّفًا على كثرة أعماله وواجباته، وكنت أزورُه في بيته فيرحِّبُ بي، ويفتحُ لي قلبَهُ وعقله، ويمدُّني من علمه الغزير.

ولا يكاد يُرى إلا حاملاً حقيبتَهُ اليدوية، وهي مملوءةٌ بالكتب والأوراق النافعة، يصعَدُ بها على ثِقَلها جادَّات المهاجرين المرتفعة في حرِّ الصيف وبرد الشتاء، ولو فتَّشتَها لوجدتَّ فيها من البحوث والدراسات ما ليس مطلوبًا منه في عمله، ولكنَّ رائدَهُ كان على الدوام تحصيلُ العلم والمعرفة، ونفعُ المسلمين وطلاب العلم.

وكان - رحمه الله - يحرِصُ على الشباب المسلمين الملتزمين، ويسعى في دفع الأذى عنهم، ومن ذلك: أنه حين اتهمَتني السُّلطات السورية بالعمل على تأسيس حزب في المدرسة؛ لِما رأت من تعلُّق الطلاب بي والتفافهم حولي، وأنا ما انتسَبتُ إلى حزب في حياتي، ولا عملتُ لحزب أبدًا. حين حصل هذا استجاب معاونُ وزير التربية للسُّلطات وقرَّر أن ينقُلَني إلى مدينة دَير الزَّور، فتصدَّى لقراره الأستاذان الفاضلان الدكتور عبدالرحمن رأفت الباشا، والأستاذ عبدالرحمن الباني، وكان لوقفتهما الصادقة معي عميقُ الأثر في إلغاء القرار، رحمهما الله وجزاهما عنِّي خيرَ الجزاء.

وبعد التخرُّج تقدَّمتُ إلى مسابقة للابتعاث إلى إسبانيا لمتابعة الدراسة في مرحلتَي (الماجستير) و(الدكتوراه)، ونجحتُ الأولَ فيها، ولكن تدخَّلت الأيدي الخبيثة وأوقفت إيفادي، وأُرسِلَ الرَّديف([5])! وحين قابلتُ مسؤولَ الأمن محتجًّا، ادَّعى أني من جماعة الإخوان المسلمين، ولمَّا أنكرتُ ذلك قال كلمةً عجيبة وهي: إن كلَّ من يصلِّي ويصوم هو من جماعة الإخوان. فأجبتُه على الفَور: إنَّ هذا التعميم يجعلُ رئيسَ الجمهورية من الإخوان. فأُفحِم وسكت.

وبعد لأيٍ حصَلتُ على الموافقة بمساعدة الأستاذ حسن عبيد رحمه الله، ولكنَّ الابتعاث كان إلى مصر، فنلتُ منها درجةَ (الماجستير) بأعلى تقدير، ووقَّعتُ عقدًا مع الحكومة المصرية لطبع البحث([6]). وبعد أن قطعتُ شوطًا في إعداد بحث (الدكتوراه)([7]) فوجئتُ بإيقاف إيفادي، مع أن أستاذي الدكتور شوقي ضيف زكَّاني تزكيةً عالية! وحين قابلتُ معاونَ الوزير وناقشتُه في الموضوع وحدَّثتُه عمَّا بذلتُ من جهد في البحث، كان جوابه جملةً مقتضبةً فضحته، وهي قوله: يكفينا أن يكونَ معك (ماجستير)!

وطلبتني كليةُ الدعوة في المملكة العربية السعودية، وحلَلتُ في مدينة الرياض؛ لأجدَ الأستاذَ الباني هناك، ولتبدأَ صفحةٌ جديدة من الصِّلة والعلاقة، ظلَّ ضياؤها يُنير دربي العلميَّ والأدبيَّ. وإن كلَّ من يعرفُ الأستاذَ الباني يعلم أنه لا يُضيع دقيقةً من عمره في غير فائدة؛ من علم وتعليم وإرشاد وتوجيه، ولقد كان بيتُه قبلةً لطلاب العلم والباحثين، فهذا يحضِّر بحثًا لدرجة (الماجستير)، وذاك يحضِّر لدرجة (الدكتوراه)، وذلك يؤلِّف كتابًا.. وكلٌّ يقصدُ الأستاذ ليستفيدَ من علمه وخبرته ومكتبته الثريَّة.

وكنت قد توجَّهتُ إلى كتابة القصص للفتيان والأطفال، مع عنايتي بالتأصيل المنهجيِّ العلميِّ في كتابة أدب الأطفال، فإذا زُرته بادرَني بالسُّؤال عن أدب الأطفال وما يتصل به، وهو لا ريبَ أدرى منِّي بجواب سؤاله، ولكنه يرغب دومًا في الاستزادة والاستفادة، وإذا زارني سألني عن أعمالي الأدبية والعلمية.

وبعد: فإنَّ ما يمكن أن أكتبَهُ من الذِّكريات المتصلة بأستاذنا الباني يملأ صفحات، ولكنِّي أقتصر على ما ذكرتُ آنفًا؛ خشيةَ الإطالة، ولكن اسمحوا لي أن أذكُرَ خصلةً من أخلاق هذا الرجل العظيم الذي يُشبه بصلاحه وأخلاقه وتواضعه الصحابةَ الكرام رضوان الله عليهم، أحسَبُه كذلك ولا أزكِّيه، أقول: إنني لم أنقطع عن الرياض؛ مُستشفيًا وزائرًا لابنتي وأقربائي فيها، وإنني لا أكاد أصلُ الرياض حتى يتكرَّمَ بزيارتي الأخ العزيز أيمن ذوالغنى؛ مخبرًا أن الأستاذين عبدالرحمن الباني ومحمد بن لطفي الصبَّاغ يودَّان زيارتي للسلام عليَّ، وكنت أرفض حضورَهُما، وأقول: هذان العالمان إذا لم تحملني قدماي لزيارتهما فإني سأسعى إليهما سيرًا على رأسي، وإذا بهما يُفاجئانني بالحضور، فأذوب خجلاً وحياءً، وهذه أخلاقُ العلماء الربَّانيين في سلوكهما.

رحم الله الأستاذ الباني، ومدَّ في عمر الدكتور الصبَّاغ.

والحمد لله ربِّ العالمين.

 

من اليمين: د. محمد الصبَّاغ، وأ. سعيد المولوي، وأيمن بن أحمد ذو الغنى،

والشيخ عبد الرحمن الباني

                

([1]) تفضَّل الأستاذ المولويُّ مشكورًا بكتابة هذه الكلمة - برغم مرضه وإعيائه - استجابةً لطلبي؛ لتنشرَ في كتابي الذي أعدُّه في سيرة شيخنا الباني عليه رحمات الله، فجزاه الله عنِّي وعن محبِّي الشيخ خير الجزاء، وأسبغ عليه من أثواب العافية. هذا، وإن جميع الحواشي والتعليقات على هذه المقالة بقلمي (أيمن بن أحمد ذوالغنى).  

([2]) هو جامع التوبة بحيِّ العُقَيبة من أحياء دمشق القديمة.

([3]) هو الشيخ محمد سعيد البرهاني (1311-1386هـ/ 1892-1967م) رحمه الله، وهو فقيه حنفيٌّ متضلِّع، وشيخ الطريقة الشاذلية. وكانت العادة يومذاك أن تُقامَ جماعتان في المسجد لكلِّ صلاة، الأولى للشافعية، والأخرى للأحناف، وتلك البدعة الذميمة من أبلغ الأدلَّة على سطوة العصبية المذهبية في تلك الحقبة من تاريخ بلاد الشام.

([4]) هو الأستاذ حافظ الجمالي (1334-1424هـ/ 1916-2003م) رحمه الله، أحد أعلام التربويين والمفكِّرين القوميِّين العرب، ومن مؤسِّسي ومنظِّري حزب البعث في سوريا، تولَّى الوزارة والسِّفارة، وله مؤلَّفات وترجمات عن الفرنسية. أُحيلَ على التقاعد مبكِّرًا؛ لمعارضته التوجُّهَ الطائفيَّ الذي اتخذته قيادات الحزب. وحدَّثني الملحق الثقافيُّ السعوديُّ بدمشق الأستاذ الشاعر خالد الخنين: أن حافظ الجمالي زاره في مكتبه قبل سنتين من وفاته، وطلب منه نسخًا من مصحف المدينة المنوَّرة، فأبدى الأستاذ الخنين استغرابه! فقال له: لقد صار القرآن صديقي، والحمد لله الذي هداني بعد أن عشت عمري في ضلال.

وأما القصَّة التي أشار إليها الأستاذ المولوي فكانت في سنة 1956م، وكان كتاب علم الاجتماع للجمالي مقرَّرًا في كلية التربية، وأطلع عليه الأستاذُ مروان قنواتي الأستاذَ المولوي، فاستخرج ما فيه من مخالفات شرعية، وأعدَّ تقريرًا بشأنها، وجعل الطلاب في مسجد جامعة دمشق يوقِّعون عليه، ثم قدَّم التقريرَ إلى مفتي الجمهورية الشيخ الطبيب محمد أبو اليسر عابدين، ونسخًا منه إلى رئيس الجامعة د. أحمد السمَّان، وأعضاء في البرلمان السوريِّ، وطلب إلى خاله الشيخ عبدالرؤوف الحنَّاوي أن يكتبَ رسالة موجَّهة إلى العلماء والدعاة يحثُّهم فيها على اتخاذ موقف شديد من حافظ الجمالي وكتابه، فخطب جلُّ خطباء الشام في الموضوع، ثم شُكِّلت لجنة لدراسة موضوع فصل الجمالي من كلية التربية، وكان من أعضاء اللجنة: رئيس الجامعة السمَّان، ومفتي الجمهورية أبو اليسر، والدكتور مصطفى السِّباعي، والدكتور مصطفى الزرقاء.. وبعد جدال ونقاش لم يُقرَّ فصل الجمالي؛ لاعتراض أربعة أعضاء آخرين، وبقي يحاضر في كلية التربية، ولكنه صار يمزِّق في المحاضرات صفحات كاملة من كتابه ويُلغي تدريسها للطلاب.   

([5]) وكان الرديف الذي أرسل إلى إسبانيا: أستاذتنا الفاضلة د. هناء دويدري، أستاذة الأدب الأندلسي في كلية الآداب بجامعة دمشق.  

([6]) كان بحث الماجستير للأستاذ المولوي هو دراسة وتحقيق ديوان عنترة بن شدَّاد العبسي، وقد نشره المكتب الإسلامي ببيروت، ثم دار عالم الكتب بالرياض.

([7]) كان بحث الدكتوراه في دراسة وتحقيق كتاب ((معجز أحمد)) لأبي العلاء المعرِّي شرح فيه ديوان أبي الطيِّب المتنبِّي.