كونفوشيوس... فيلسوف الصين الأول

"يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤتَ الحكمة فقد أوتي خيراً كثيرا" صدق الله العظيم

عباس جواد كديمى *

[email protected]

لعلّ من نافلة القول أن نشير هنا إلى أن التراث الإنساني، بكل أنواعه، هو ملك للبشرية جمعاء، غير مرتبط بزمان أو مكان أو أمة، أو بظرف معين أو حادثة خاصة. ومن المؤكد أن أبرز صفة للتراث الإنساني هي ديمومته وحيويته، رغم تقادم السنين واختلاف العادات والتقاليد والمجتمعات. ومن هنا، ظل التراث الإنساني، بكل ما احتواه من آداب وفنون وعلوم وإنجازات، العلامة الأبرز والأنصع في التاريخ القديم والحديث، وهو أيضا- وهذا الأهم- الرابطة المشتركة التي تقرب البشر من بعضهم البعض، وتؤكد إنسانيتهم وتماثلَ مصائرهم رغم العديد من الاختلافات المرتبطة بالتاريخ أو الجغرافيا. ولكن، حتى وإن تعددت الاختلافات، فإنها لن تفسد إنسانية المرء، ولن تغير من حقيقة أن التراث الإنساني هو نتاج مشترك للبشر في كل مكان. ومن هذا المنطلق، نشأت فكرة تلاقح وتمازج الحضارات في العالم، وجرت العادة وتواصلت الجهود للعمل المشترك في كافة المجالات وصولا إلى نتائج تخدم الناس في كل مكان. ومن هذه الجهود، إسهامات الترجمة لنقل آداب الشعوب وتراثها الحضاري عبر لغات مختلفة، ليتسنى للناس التعرف عليها والاستفادة منها، وتطبيق الصالح منها وفقا للظروف الواقعية لكل أمة وكل بلد وكل زمان.

وما محاولتي هذه للكتابة عن كونفوشيوس(551- 479 ق.م) إلا مسعى متواضع لإبراز جوانب، ربما لم يتم التطرق إليها من قبل، وتعميمها بين القراء العرب، خدمة لهدف إنساني خالص لا يركز على التعريف بشخصية شهيرة جدا، غنية تماما عن التعريف التقليدي، ولكن لإلقاء مزيد من الضوء على جوانب قد تكون خافية، أو لم يتم التطرق إليها بشكل واسع من قبل. وليغفر لي القارئ العزيز زَلّتي إن أخطأت في تعبير، ولكن الذي أريد قوله هو إنني حريص – بدافع إنساني- على أن أتشاطر شيئا جديدا عرفته عن هذا الفيلسوف الحكيم الكبير، وأشعر بالسعادة والفخر لطرحه أمام القراء العرب.

الاقتراب من كونفوشيوس... فيلسوف الصين الأول

قد يثير عنوان المقال شعورا بأن كونفوشيوس بعيد، ونسعى للتقرب إليه بشكل أو بآخر، أو أنه قريب ونحاول التقرب منه أكثر. وهذا النوع من الشعور صحيح في كلا الحالتين، وأعني كونفوشيوس القريب البعيد، أو القديم المُتجدّد. هذا الفيلسوف الكبير قريب في الذاكرة وعلى اللسان، لكنه غامض للكثيرين الذين يترددون في الاقتراب أكثر من فلسفته وتعاليمه على أساس أنها معقدة صعبة على الناس العاديين، ويفضلون الاستماع لتعاليمه مَشروحةً مُبَسّطةً جاهزة، لا أن يقتربوا منها بأنفسهم ويتعرفوا على حقيقتها ويلمسوها ويشعروا بدفئها، ذلك الدفء الذي يبعث الانشراح والطمأنينة في النفس مثل ينبوع ماء رقراق، أو نسيم خريفي عليل، ويثير في الوقت نفسه الإعجاب بشخصية إنسانية فذة شغلت الدنيا في حينها، وظلّت خالدة إلى يومنا هذا رغم مرور أكثر من ألفين ومائتي سنة.

الملايين يعرفون كونفوشيوس، اسما وفلسفة وتعاليم وطقوسا، ولكن إلى أي مدى يعرفون حقيقة أقواله وسلوكياته التي جعلته بهذه المنزلة الكبيرة، بحيث قال تشاو بو، أول رئيس وزراء في إمبراطورية سونغ التاريخية الصينية، إنه يستطيع إدارة العالم(المعروف آنذاك) بنصف تعاليم كونفوشيوس!. وهذا دليل على الأهمية والتأثير البالغين لتلك التعاليم في ذلك الزمن. أما أهميتها في يومنا هذا، فسنحاول قدر الإمكان إبرازها في هذا المقال عبر حِكَم أو عبارات مُنتقاة من أقواله وأقوال تلامذته في مناسبات عديدة مختلفة.

لقد عرفت كونفوشيوس منذ فترة طويلة لكوني درستُ في كلية إنسانية ببغداد، فيها قسم للفلسفة، حيث درس العديد من أصدقائي الذين كانوا يذكرون اسمه في مناسبات كثيرة، الأمر الذي أثار في نفسي الرغبة للتقرب أكثر من الفلسفة عامة ومنه خاصة. ولكن، للأسف ظلت معرفتي شبه اسمية فقط. وسبب تلك المعرفة السطحية هو أننا كنا نرى الفلسفة فعلا مُعقدة وواسعة وغيبية، إضافة إلى خلو مكتباتنا، آنذاك وربما حتى اليوم، من ترجمة صادقة لتعاليم هذا الفيلسوف.

الحمد لله أن ظروف عملي في الصين كمترجم، أتاحت لي فرصة للقراءة والاستماع والبحث عن "معلم الصين الأول"، كما يدعوه الصينيون. فوجدت فيه الكثير مما يشرفني أن أتشاطره مع الأصدقاء العرب، الذين يبعث لي العديد منهم رسائل تطلب مني مشاطرتهم أي معلومات عن الصين عامة، وعن تراثها الفكري الأدبي الإنساني بشكل خاص.

لقد كُتِب الكثيرُ عن هذا الفيلسوف، حتى انتفت الحاجة للتكرار، وبات من المُستحسَن التركيز على ما هو جديد ومفيد.

عرفناه نحن العرب باسمه المشهور الشائع كونفوشيوس، المأخوذ من اسمه الأصلي كونغ تشيو، الذي تحوّل إلى كونغ فو تسه، وفيها معنى "المعلم كونغ". ومن هذا الاسم الأخير جاءت تسميته الشائعة خارج الصين ، في الشرق والغرب، المعلم كونفوشيوس. ولد في أسرة عريقة، وأظهر منذ طفولته نبوغا وتميزا وشغفا واضحا بالعلم والمعرفة، والأخلاق الحسنة. فكان حتى في ألعابه مع أقرانه، يختار ما يتناسب مع التقاليد الاجتماعية السائدة، ويجسد الطقوس والشعائر المُتّبعة في ذلك الحين. شَبّ مُحبا للعلم مواظبا عليه، فذاع صيته بين القاصي والداني، حتى بات له أتباع أو تلاميذ بلغ عددهم نحو ثلاثة آلاف، من بينهم اثنان وسبعون نابغة، عملوا على تسجيل كل أقواله وسلوكياته، وأضافوا إليها ملاحظاتهم وملاحظة أساتذتهم، ثم وثّقوها في كتاب مشهور هو ((كتاب الحوار))، الذي نقله للعربية الشيخ الجليل المرحوم ما جيان، المعروف عربيا باسم محمد مكين. وقد تمّ نشر هذا الكتاب مؤخرا، وهو جدير بالاقتناء.

محمد مكين، صيني مسلم، يشعر كل من يتابع إنجازاته في مجالات التعليم والترجمة العربية في الصين، يشعر بتأثر يملأ القلب احتراما وإجلالا وخشوعا لشخصه الكريم، ولتلك النوايا الصادقة والجهود الجبارة للتقريب بين الحضارتين العربية والصينية في مجالات الأدب واللغة والعلم والمعرفة، حتى صار محمد مكين رمزا خالدا في مسيرة اللغتين الصينية والعربية، وعَلَما من أعلام التقارب الحضاري الإنساني بين هاتين الأمتين العريقتين. أول ما يتبادر إلى ذهن المرء وهو يقرأ ترجمة هذا الشيخ الجليل هو أنه - رحمه الله - بذل جهدا كبيرا وتحمّل الكثير من أجل نقل الكلمة بصدق المعنى ودقة الأسلوب، دون أن تتوفر لديه هذه الإمكانيات والأدوات التي ننعم بها اليوم خلال عملنا في مجال الترجمة. كان- رحمه الله- يعتمد على نفسه وعلى ما تيسر من نزر قليل من القواميس اللغوية وكتب الشرح اللغوية الأخرى، ولكنه أبدع في مهامه النبيلة، وعلى رأسها تأسيس كلية اللغة العربية في بكين لأول مرة، وتعميم اللغة العربية بين الصينيين، ثم جهده الكبير في ترجمة ((كتاب الحوار)). وللأمانة، يجب أن أقول هنا إنني قرأت ترجمته وتأثرت بها، ولكن لم آخذها حرفيا. واخترت أقواله الواردة في هذا المقال المتواضع، التي أرغب في تشاطرها مع الأصدقاء القراء العرب، وترجمتُها عن نصوص صينية وأخرى إنجليزية، مُعتمدا أولا وأخيرا على الله سبحانه، ثم على جهودي ومساعدة زملائي الصينيين الذين شرحوا لي النصوص الصينية، وسعينا بكل المستطاع لضمان دقة المعنى الأصلي للحكمة الكونفوشيوسية.

إن الدافع الأول والأخير هو محاولة إبراز جوانب محدودة، لأنني أدرك جيدا أنني لن أستطيع الإلمام بكافة جوانب هذا المعلم الكبير، وأعرف جيدا تواضع إمكانيتي في مجال ترجمة وشرح وتحليل مثل هذا العمل الكبير. ولكن ما يَشفعُ لي هنا هو رغبتي الصادقة في التأكيد مجددا على هذه الحِكَم والروائع الأخلاقية، وتقريبها للقارئ العربي في هذا الوقت بالذات، حيث العالم المادي اللاهث الخُطى، وحيث نحتاج إلى الحكمة والموعظة الحسنة. ونذكر هنا قوله تعالى: "الذين يستمِعون القولَ فيتّبِعون أحسَنه". صدق الله العظيم. والحديث النبوي الشريف الذي يقول: "الحكمةُ ضالة المؤمن، حيث وجدها فهو أحق بها".( حديث صحيح). وعلى هذا الأساس، اخترت بعض جواهر الحِكَم وشذرات الكَلِم ومحاسن الوصف، لوضعها بين أيدي القراء العرب، والله سبحانه يوفقنا لما فيه الخير والسداد.

الفضيلة لدى كونفوشيوس:

تتركز الفلسفة الكونفوشيوسية في جوهرها على الفضيلة والأخلاق الحسنة وحب الخير والتسامح والتبادل، أي أن يحب المرء لغيره ما يحبه لنفسه. وكان يوضح الصفات الحميدة لدى الإنسان بأقوال مباشرة أو بالإجابة على أسئلة تُطرح عليه، ومنها على سبيل المثال لا الحصر:

سُئل ذات مرة عن صفات الرجل الكامل الخُلق؟، فأجاب المعلم الكبير: "هو من يجعل الصواب قوام عملـه، ويفضله على الآداب، ويُظهِره بالتواضع، ويُتّمّه بالإخلاص، ومن كان هذا حاله فهو إنسان كامل الخُلُق."

وعندما سُئل عن المؤدب قال: "هو من يتخذ الأمانة والصدق مذهبا له، ولا يتردد عن تصحيح خطأه، ولا يصاحب من هم دونَه علما وفضلا".

وأكد على أن :"كل إنسان فاضل هو متحدث مؤثر، ولكن ليس كل متحدث مؤثر هو شخص فاضل. وكل ذي مروءة إنسان شجاع، ولكن ليس كل شجــاع ذا مروءة."

وزاد على ذلك بالقول: "الإنسان الفاضل يتحلى بالهدوء الخالي من المكابرة، والوضيع يبدو عليه التوتر والتكبر".

ومن وصفِه للإنسان الفاضل: "الفاضل مؤانس غير مخادع. وناقص التربية مخادع لا مؤانس."

وقال يصف الإنسان طيب الأخلاق والمعاملة: " طيب الأخلاق يَسيرةٌ خدمته، لكن من الصعب رضاه، فإن حاولت أن ترضيه بغير الحق، لن يرضى. وإذا استخدم آخرين، فإنه يكلف كل واحد منهم حسب قدراته. أما عديم الأخلاق، فصعبة خدمته، لكن من السهل إرضاؤه. فهو يرضى بغير الحق، وإذا استخدم الناس، حاول استغلالهم تماما."

ومما قاله حول كريم الأخلاق: "هو من إذا رأى الربح، فكّر في الحلال. وبذل نفسه إذا اقتــضى الكرمُ المخاطرة. ومن لا ينسى عهده مهما طال الزمن."

وقال أيضا: "الإنسان الكامل الخُلق قانع مطمئن البال، بينما الناقص الخلق مكتئب مشغول البال."

أهمية العلم عند كونفوشيوس:

إنه حامل لقب المعلم الخالد، ومؤسس أول مدرسة خاصة! وأول من نادى بحق الجميع في تحصيل العلم بلا استثناءات أو مزايا طبقية. فقد كان التعليم حكرا على الأغنياء والطبقة العليا بمجتمع الصين القديمة. أولى هذا التربوي الكبير أهمية بالغة للعلم والاستزادة من المعارف، وبذل جهده لنشر العلوم والفضائل في المجتمع، وسعى لرفع مستوى التعليم ومنهجيته، وركز على تحسين وتعزيز الثقافة والفكر والأخلاق. ولتأكيد أهمية المسيرة العلمية، وصف نفسه قائلا: " منذ الخامسة عشرة من عمري، كرّست نفسي للتعلم، وواظبت عليه." ومن وصاياه في هذا المجال:

" تعلَّمْ كأنك لا تستطيع أن تُدرِك العلمَ، وكأنـك تخـشى أن يفوتك."

وقال واصفا عملية التعلم واحترام العلم: "كل متعلم يستحق الاحترام... فقد تؤتي جهودُه ثمارَها ويصبح مثقفا متميزا بالأخلاق الحسنة. ولكن إذا بلغ المرءُ الأربعين أو الخمسين من عمره ولم يشتهر بعلم من العلوم، فلا يستحق الاحترام."

وذات مرة، تحدث مع تلاميذه قائلا: "هل سمعتم عن ست كلمات وست نتائج؟، قالوا:لا. قال: أحدثكم عنها: إن السعي للمروءة دون السعي للتعلم تكون نتيجته الجهالة. والطموح للذكاء دون الطموح للتعلم تكون نتيجته اضطراب الفكر. والتعلق بالوفاء دون التعلق بالتعلم نتيجته عدم الاكتراث لعاقبة الأمور. والولوع بالصراحة دون الولوع بالتعلم نتيجته الخشونة. والتعلق بالشجاعة دون التعلق بالتعلم نتيجته العصيان. والاهتمام بالعزيمة دون الاهتمام بالتعلم نتيجته الغلوّ في السلوك."

وأشار أحد تلاميذه إلى أي نوع من التعلم يجب أن يسعى إليه الإنسان، فقال: "أطلب العلم بالتوسع، ولتكن همّتك صــادقة، واستفسر عما يعنيك، وفكّر في أشياء قريبة منك، فإن في ذلك التعلم الصحيح." وهذا يعني ألا يتجاوز المرء حدود تفكيره إلى أشياء معقدة فارغة لا طائل منها. وهنا نذكر قول الله تعالى" يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء أن تُبدَ لكم تسؤكم." صدق الله العظيم.

السياسة والحكم الرشيد في أقوال كونفوشيوس:

كان الفيلسوف العظيم يؤكد على أن السياسة تبدأ من أصغر وحدة بالمجتمع، ألا وهي البيت والعائلة. فإذا ساس المرء أمور عائلته بالأخلاق الفاضلة، ساهم بنشر الفضيلة في عموم المجتمع، وهو القائل ردا على سؤال: "لماذا لا تعمل بالسياسة؟ فقال: ليست السياسة العمل في الوظائف الحكومية فقط. أن تبرّ والديك، وتعامل أهلك بالحُسنى، هي نوع من السياسة". ونقتطف هنا بعضا من أقواله حول هذا الموضوع:

سُئل عن السياسة فقال: "السياسة هي أن يكون الأمير أميرا، والوزير وزيرا، والأب أبا والابن ابنا." يعني أن يؤدي كل فرد عمله بجدية وإخلاص.

ووصف السياسة بالقول: " إنها الإصلاح، فإذا جعل الحاكم نفسه أسوة حسنة لرعيته، فلن يجرؤ أحد على الفساد."

وحادثه أحد الأمراء طالبا منه النصيحة للحكم الصالح، قائلا: "هل ترى أن أقتل الفاسدين فيلتزم غيرهم الصلاح؟". فأجابه كونفوشيوس : " ما الذي يدفع سياسـتك إلى القتل؟ إذا شئت الصلاح أصبح الناس صالحين، لأن أخلاق الرؤساء كالريــح وأخلاق المرءوسين كالعشب، وإلى أي جهة هبّت الريح مال العشب إلى تلـك الجهة."

سأله تلميذه تشانغ تسه قائلا: "كيف يطبق المسئول الحكم الرشيد؟، أجابه المعلم: "إذا اهتم بخمس حسنات، وابتعد عن أربع سيئات فقد طبق الحكم الرشيد. فسأله تلميذه عن الحسنات الخمس، فقال المعلم: هي أن يجود على الرعية من غير إنفاق ويكلــفهم الأعمال من غير ظلم، ويكسب ما يرغب فيه من غير طمع، ويكون هادئا مـن غير تكبر، ومهيبا من غير قسوة. فسأله التلميذ مرة أخرى: ما معنى الجـود على الرعية من غير إنفاق؟، قال الأستاذ: إذا يسّر للرعية طريق الانتفاع بما عندهم من المنافع، ألا يعتبر ذلك جودا من غير إنفاق؟، وإذا اختار ما يناسبهم مــن الأعمال وكلفهم بها، فمن يتظلم منه؟. وإذا رغب في المروءة واكتسبها فأين الطمع؟. إن عامل الناس بالاحترام جماعات كانوا أو أفرادا، صغارا كانوا أو كباراً، أ فليس بهادئ من غير تكبر؟ وإذا لبس ثيابا وعمامة حسنة، وظهرت عليه الرزانة، فنظر إلـيه الناس بعين المهابة، ألا يعتبر مهيبا من غير قسوة؟. فسأله التلميذ تشانغ تسه عن السيئات الأربع؟، فأجاب المعلم: إذا ظلم رعاياه من دون أن يربيهم سُمّـي عنـيفا، وإذا طالبهم بإتمام عمل مفاجئ دون سابق تبليغ، سُمّي جائرا، وإذا أصــدر أوامر على مهل، ثم ألحّ في تنفيذها على عجل، سُمّي سيئا، وإذا كان مُقترا عند دفع الرواتب أو المكافآت للناس سُمّي بخيلا.

وعن تعامل الحاكم مع الرعية قال: "إذا سعى الحاكم لقيادة الرعية بالفضائل والآداب، ستكون صالحة تستحي من ارتكاب الجرائم. وإذا قادها بالأحكام وحاول إصلاحها بالعقوبـــات، سيكون كمن يحاول التخلص منها وهي غير مُستَحية من ارتكاب الجرائم."

ويصف أحد ملوك الصين قائلا: "ما عرفت في الملك (يو) من سوء، فقد كان يتناول من الطعام والشراب الشيء البسيط، ويقدم أفخر ما يستطيع قربانا للآلهة والأرواح.

وكـانت ثيابه رثة، لكنه يرتدي أفضل ما لديه عند حضور الشعائر والطقوس. وكان يسكن في بيت متواضع، لكنه يبذل قصارى جهده في حفر الترع والخـنادق."

التواضع عند كونفوشيوس:

التواضع هو صفة الحكماء، وهو معيار أساسي واضح لثقة المرء بنفسه. ومما لاشك فيه أن شخصية بأخلاق كونفوشيوس كانت مثالا للتواضع الجليل.

سأله أحد تلاميذه مرة عن رأيه في" فقير بلا تملق، وغني بلا تكبر" ، فأجابه المعلم الكبير: "هذا رائع، ولكن الأفضل أن يكون فقيرَ الحال، غنيَ العقل والقلب. وغني بلا تكبر، محافظ على القيم والأخلاق." ونستزيد من صفات تواضعه بذكر الأمثلة التالية:

قال متحدثا عن نفسه: "أما الحكماء وذوو الأخلاق الفاضلة، فكيف أجرؤ عــلى ادعاء منزلتهم؟ وغاية ما يجوز أن يقال في شخصيتي هي أنني رجل يعمل جهده مـن غير ملل ليبلغ منزلتهم، ويعلّم غيره ذلك من غير كلل."

وله أيضا: " أ تظنون أن لي علماً؟ لم يكن لي علم ولكن كلما سـألني رجل، مهما كان، عن أمر، فإني أحدثه عنه من بدايته إلى نهايته، لا أخفي عــنه شيئاً."

وتحدث قائلا: " تظهر على الإنسان الفاضل ثلاث صفات، لم أتمكن من الوصول إليها، وهي المروءة التي لا يحزن معها، والحكمة التي لا يتحير معها، والشجاعة التي تساعده على نسيان الخوف." فعلق تلميذ من تلامذته على ذلك بالقول: "يا معلم، هذا وصفك لنفسك!".

إيمانه بالقضاء والقدر:

قبل الحديث عن إيمان هذا الفيلسوف الكبير بالقضاء والقدر، من الضروري الإشارة إلى أن الكونفوشيوسية ليست ديانة، فهي لم تدعُ لدين، ولا إلى إله، لكنها ركزت في مبادئها وحواراتها وتعاليمها على أسلوب حياة وسلوكيات اجتماعية وإدارية وسياسية، ودعت إلى إحياء الطقوس والعادات والتقاليد الاجتماعية والدينية المتوارثة عن الآباء والأجداد، إضافة إلى كثير من آداب وأخلاقيات التعامل بين الناس، وحتى مع محيطهم الطبيعي.

والإيمان بالقضاء والقدر هو من صفات الحكماء والعقلاء الذين يتبعون طريق الحق الواضح المستقيم. وكان الفيلسوف الكبير لا يفضل الكلام عن أمور غيبية مثل الموت، والأرواح، وقد ورد عنه قوله: "إننا لا نستطيع فهم الحياة، فكيف نفهم الموت؟"، وفي نفس المعنى قال ردا على سؤال عن الأرواح بعد الممات: " إنك لا تستطيع خدمة الأحياء، فكيف تستطيع خدمة الموتى؟". وهناك العديد من الأقوال للفيلسوف الكبير تؤكد إيمانه بالقضاء والقدر، نذكر منها:

قال: "إن انتشرت سُنّتي كان ذلك من القضاء والقدر، وإن ضاعت كان ذلك من القضاء والقدر، فما الذي نستطيع فعله مع القضاء والقدر؟."

وسُئل أحد تلامذته ذات مرة: " هــل يوجد في سُنّة السلف الصالح الدعاء للمرضى؟، فقال: "موجود. فقد ورد في الأحاديث: دَعونا لك عند الملائكة في السماء والأرض. وقد قال المعلم كونفوشيوس: كان دعائي منذ زمن بعيد".

شخصيته كما وصفها تلاميذه:

قالوا عنه: " كان دمثا وقوراً ومهيباً غير عنيف، ومحترماً هادئاً."

ووصفوه بأنه: "كان مُنقطِعا عن أربع خصال هي: لا يتبع الهوى، ولا يستبدّ بما يرى، ليس معانداً، وليس أنانياً."

ووصف أحد تلامذته مبادئه فقال:"إذا رفعتُ النظر إليها، صارت كأنها أعلى مما كانت، وإذا حاولت أن أنفذ فيها صارت كأنها أمتن مما كانت. وإذا أراها أمامي صارت كأنها ورائي. المعلم(كونفوشيوس) يرشـــد النـاس بالتــدريج إرشاداً حسناً، وقد وسّع بالعلوم مجال فكري وضبط بالآداب سلوكي، حتى أنني لو رغبت في هجر دراسة مبادئه لما تمالكت نفسي. ولمّا بذلت مجهودي فيها، صارت كأنها تقف أمامي راسية شامخة، لا أستطيع إليها سبيلا، حتى لو رغبت في أن أرتقي إلى ذروتها."

وسُئل تلاميذه عنه: "هل صحيح أن معلمكم لا يتكلم ولا يضحك ولا يأخذ شيئا؟" فأجابوا: "لقد بالغ من أخبركم ذلك، والحقيقة أن معلمنا لا يتكــلم إلا إِذا حان وقت الكلام، فلا يملّ كلامه. ولا يضحك إلا إِذا وُجِد سببٌ للضحك، فلا يملّ ضحـكه. ولا يأخذ إلا إذا كان الأخذ حلالا فلا يمل أخذه."

هذا غيض من فيض أفكار وحِكَم وتراث هذا الفيلسوف الكبير، فيلسوف الصين الأكبر... ولمن رغب بالمزيد يمكنه الاستزادة من نبع الحكمة الإنسانية الحسنة... ومن الله التوفيق.

       

* إعلامي عراقي مقيم في العاصمة الصينية بكين.

وباحث في الشئون الصينية يعمل في بكين.