قهوة بنكهة صباحك: الصفات لموصوف واحد

قهوة بنكهة صباحك:

الصفات لموصوف واحد

فراس حج محمد /فلسطين

[email protected]

تتكاثر الصفات وتتعدد لموصوف واحد هي قهوة الصباح المعتادة، التي لا يحلو صباحٌ بدون رائحتها مع أغنية فيروزية تعيد لقلبي وروحي اتزانهما وتجدد في خلايا دمي كل الشوق الذي يسوق كل وقتي حيث هي، لعل يوماً ما ستزهر حديقة اشتياقي ورداً لا يذبل، فهي لَيست نِصفي الآخر، بل هي أنا في مكان آخر، نعم إنها هي أنا في مكان آخر، فتبا لمسافة تطاولت وأوهام تجمعت وآلام تشكلت لتبعد القلب عن نبض القلب، يا له من حنين ويا له من وجع أليم.

تتعانق القهوة مع أثيرية اللغة، فتكشف اللغة عن أنثوية محببة في هذا المشروب، هل كانت القهوة مؤنثة لتأخذ وتستولي على كل الصفات الأنثوية؟ ألم يكن أبوها البنّ؟ فهل كان البنّ مذكرا؟ ألم تكن الشجرة هي أصله؟ فهل الشجرة مؤنثة؟ إن منبتها التراب، فهل التراب مذكر؟ تسقيه السماء بغيثها وحنينها، فهل السماء والغيوم مؤنثة؟ وهل الغيث مذكر؟ علاقات متشابكة في الوصف والوجود بين التذكير والتأنيث، فهل الأنثى قهوة؟ وهل البن رجل؟ سلسلة غير منتهية تكشف عن مدى التعالق الكوني الوجودي بين كل مذكر أصله أنثى وبين كل أنثى أصلها أو موئلها مذكر، فهل للحياة أن تستقيم بغير أنثى؟ لا أظن، ولكن هل كل أنثى هي أنثى؟ وهل كل مذكر هو مذكر؟ أكاد أصاب بهلوسة اللغة.

جمعنا للقهوة كل صفات الأنثى، تلك الأنثى المعشوقة، فهي تحبها وأنا كذلك، فهل كانت القهوة مرآة أرواحنا، فلا قهوة بدون حضورها وحضوري، وهل تعكس المرآة شخصا غائبا؟ تنعدم وجودية القهوة في غيابها فلا طعم لها بدونها، فهي الحاضرة الساكنة فينا، والمتحركة في دمائنا، هي توأم الروح، لم تعط سرها لأحد سوانا، نحبها وتحبنا، المتألقة البهية، المتجلية الحضور، المغنية الراقصة الحنون، المتيمة، والعاشقة الولهانة، الفاتنة المفتونة، الخجولة الكتومة، الجريئة في اقتحام قلوبنا، والمتحدثة للكون بأسرارنا، الجميلة الرقيقة، الساهرة الغافية، السابرة العميقة، المعاندة المطيعة، الرائحة الغادية، المسافرة المقيمة، المثيرة المستثيرة، المتعجبة المتسائلة، المجيبة عن كل ما يدور في مكنون نفوسنا، لكل ذلك هي من جمعتا، على الرغم من أنها شقية مشاكسة، إلا أنها جمعتنا جسدا وروحا، فهي ماهرة لعوب، نقية صافية صفاء خدها الأزهري المصفى كزهرة نرجس متفتحة في ضفاف الرياحين توزع أرجها وتفيض بإحساسها في كل ناحية من نفسي وكياني، تمنحني اللذة والمتعة، فهي ألذ من الرحيق، وأقوى من الوقت، ولا شيء يعادل لذتها، ولذائذ طعمها مجبولا بروح صاحبتها وصاحبها المفتون فيها المسكون بحبها.

سيظل طيفه وطيفها في عناق دائم مع كل فنجان جديد في صباح جديد، قهوة متجددة مع كل إشراقة روح لتكون قهوة بنكهة صباحها، وستبقى تصنع فرحنا، لن يغادرها الإحساس بالحب وطعم الشوق والحنين، إنها الوقت والحياة وكل الأمنيات، إذن ستبقى بمنتهى الحضور والألق، ليكون اللقاء والحضور الأبدي، وإلى ذلك ستبقى متوهجه، فلا شيء سيطفئها، وستظل تبوح بكل أسرارنا وترعى سرنا الصغير، فهي من أشرفت على ولادته، وستظل ترعاه حتى يطل بثوب أبيض وبيدها وردتها الجورية الحمراء لتزين العالم ببهاء عرسها، ليحتفل الكون معنا وقد تحقق مراد القلب والروح، تلك الأمنية المشتهاة، وهي مرفأ كل حب صادق ووفاء لمحبوبة لن يكون لها في الدنيا بأجمعها مثيلٌ، إنه ليس حلما من أحلام اليقظة والمنام وإنما هو أمل متعلق بإرادة الله، وعلينا أن نحسن رعايتها، والإخلاص لطقوسها، فلا مفر لها من أن تكون في قلب القلب وبهجة الحياة القادمة.