أعيادنا في ظلال العبودية لله

خطبة العيد

10/ذي الحجة/1434

د. محمد سعيد حوى

دعونا نقف مع المعنى الأعمق لأعيادنا؛ لنرى ثمرات ذلك، وكيف نتحقق بها ونعيشها؟ فكل أعيادنا ازتبطت بعباداتنا العظيمة الموسمية كالصيام، أو العمرية كالحج؛ فكان المقصد الأسمى من الأعياد هو استشعار حقيقة العبودية لله؛ شكراً على نعمائه، و اعترافاً بأفضاله، وتوحيداً خالصاً في العبودية له، وتعظيماً لحقه سبحانه، لذلك عندما كان الحديث عن نهاية الصوم قال تعالى ﴿وَلِتُكْمِلُوا العِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [البقرة: 185]

وعندما كان الحديث عن هذه الأيام أيام عيد الاضحى كان قوله تعالى : ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً لِّيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ المُخْبِتِينَ ،الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ،وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا القَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [الحج: 34-36]فلاحظ التأكيد على التوحيد وتكبير الله، والشكر له.

حقيقة العبودية:

فالعبودية: طاعة وخضوع وتذلل، مع حب ورضا وتسليم، مع تعظيم، و توكل وثقة. تحقيا لمعنى ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ﴾ [الذاريات: 56]،

واعلاها الاحسان فيها (قَالَ: مَا الإِحْسَانُ؟ قَالَ: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ) صحيح البخاري

مسيرة العبودية في حياة الأنبياء:

وعندما نعيش مع  أعمال إبراهيم  الجليلة في تحطيم الأصنام والهجرة الأولى الى فلسطين، ثم الهجرة بأهله إلى مكة، ثم استجابته لامر الله بذبح ولده، ثم بناء البيت:كلها تتجلى فيها حقائق العبودية، ومعنى العبودية.

وهكذا تجد كل أعمال  ومواقف إبراهيم تجسد هذه المعاني، وأعلاها لما أمر بذبح ولده،

﴿ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي المَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ، فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ، وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيمُ ، قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ ،إِنَّ هَذَا لَهُوَ البَلاءُ المُبِينُ ، وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ، وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ ،سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ ،كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ، إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المُؤْمِنِينَ ﴾ [الصافات: 102-111]

نجد معاني العبودية هي المتجلية في كل شيء

ولنعد لأنفسنا، ونسأل أين نحن من العبودية، لم نؤمر بذبح أولادنا، بل دون ذلك بكثير، كم نفعل حباً وتعظيماً وتسليماً قلبياً.

فالآن عد وانظر الى كل أعمال الحج والأضحية كيف تتجلى معاني العبودية

لماذ الوقوف في عرفة؟ ولماذا مزدلفة؟ ولماذا الرمي ؟ ولماذ السعي ؟ و لماذا الطواف؟

كله الخضوع مع التسليم والتوكل والرضا والحب

لماذا الاضاحي؟ إنها العبودية في التعبير عن الشكر بالافتداء والاستعداد للتضحية

وهكذا كان إبراهيم ومحمد صلى الله عليهما وعلى جميع الانبياء

حقائق العبودية تتجلى

في تحقيق معاني الربوبية،  وحقائق الألوهية ﴿ أَلاَ لَهُ الخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ العَالَمِينَ ﴾ [الأعراف: 54]

فتتجلى حقائق معاني الربوبية إذا نزل مصاب أو قدر أتسلم وترضى، وتتعامل وفق ما يرضي الله؟

 وتحقيق حقائق الالوهية، ننجلى في صحة العبادة وإخلاصها، وأن يكون حق التشريع لله:بيّن ذلك سبحانه: مع الانقياد: قال تعالى: ﴿  وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً ﴾ [الكهف: 26]﴿ وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ﴾ [الكهف: 110] ومن هنا نسأل انفسنا كم نحن متحققون بالعبودية لله بحيث يتجلى في سلوكياتنا وتصرفاتنا

حقائق العبودية تتجلى في صحة الولاء: ﴿ لاَ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ المُفْلِحُونَ ﴾ [المجادلة: 22]

 العبودية: الخضوع والطاعة مع الرضا والتسليم مع الحب والتعظيم؟:

 فكم تظهر ثمرات ذلك؟ وكم نحسن فيها؟ فمثلا تأتي أوامر الامتناع عن الربا وأوامر الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين، ونصرة الحق ورفض الظلم؛ فكيف تكون مواقفنا؟ 

عندما تتعارض مصلحتي الخاصة كتحصيل جاه او منصب او مال او أي فائدة دنيوية عندما تتعارض مع شرع الله ماذا أفعل؟ 

عندما تأتي أحكام  هل نقول انني غير مقتنع بها، كالمواريث، وكشهادة المرأة، والحجاب والتعدد، والطلاق، والربا؟

البعض يقول :انا مؤمن بكل شيء الا بتحريم الخمر، او الحجاب او الربا ،او موالاة الظلمة،

إبليس طرد لرفضه أمراً واحداً؟!

تأتيك الرشوة،والاغراءات والحصول على أموال بشكل غير مشروع، ولا يكتشفك القانون،ماذا افعل؟

من هنا كان قوله عليه الصلاة والسلام عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ، وَعَبْدُ الخَمِيصَةِ، إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ، تَعِسَ وَانْتَكَسَ) صحيح البخاري

ثمرات العبودية لله

ستظهر أولاً في وحدة الامة ﴿ إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ ﴾ [الأنبياء: 92]

ثانيا : العلاقات بين الخلق﴿ وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي القُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي القُرْبَى وَالْجَارِ الجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً ﴾ [النساء: 36]

﴿ وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ القَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الحَمِيدِ ﴾ [الحج: 24]

 ويتجلى ذلك في مواصفات عباد الرحمن في سورة الفرقان  

العيد والعبودية:

فالأعياد عبودية خالصة؛ وبالعبودية نتحر من ظلم الطغاة، واستكبار المستبدين، ورجس الفاسدين، ونتحرر و نتطهر من سلوكيات الاستذلال و القهر ؛ فلا معنى لعيد الأضحى إذا كانت الأمة تعيش حالة الاستعباد والسكوت عن الاستبداد، ولا تضحي لأجل الحرية والكرامة، ولا حرية ولا كرامة إلا بالعبودية الخالصة لله

الإحسان في العبودية:

وطولبنا بالتحقق بالإحسان في العبودية:

 و يوضح ذلك  حديث رسول الله (قَالَ: مَا الإِحْسَانُ؟ قَالَ: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ) صحيح البخاري

فهل حققنا معنى المراقبة والشهود لله في كل شيء؟

العبودية أسمى مقام:

لا اسمى من العبودية فكان ثناء الله على محمد في اعظم مقاماته انه عبد

كما في رحلة الاسراء

وتكرر (واذكر عبادنا...) في موضع الإشادة والثناء على الأنبياء

 العبودية طريق النصر

﴿ وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المُرْسَلِينَ إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون ﴾ [الصافات: 171]

﴿ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْداً مَّفْعُولاً ﴾ [الإسراء: 5]

العبودية طريق الأمن:

(فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف)

العبودية أعظم أمر إلهي:

﴿ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ الدِّينَ ،وَأُمِرْتُ لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ المُسْلِمِينَ ﴾ [الزمر:11- 12]

المقصرون في حق العبودية:

البعض يريد ان يتهرب بتحريف القول، أو بتجزئة الدين

أو بالاقتصار على العبادات الموسمية، أو بالانفصام بين السلوك والفكر.

(يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله؛ ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين)

وفي أعيادنا ثمة حقوق لا بد من التذكير بها على طريق العبودية:

أهلنا في فلسطيين؛ كيف ننتصر لهم ونثبت مواقفهم

الشهداء والأسرى الذين يفتدون الأمة بأرواحهم ودمائهم وحريتهم ، ويضحون حقيقة بكل شيء لتتحرر الأمة، فكيف نقوم بحقهم؟

المستضعفون، وواجبنا تجاههم

الإسرة والأطفال وإدخال السرور عليهم

الأرحام والوالدين والجوار

الأمة الإسلامية و همومها؛ كلها واجبات عظيمة في أعناقنا؛ تعرفاً إلى حقوقهم وقياماً بها.

">