نبذ التطرف العنيف وبناء السلام في العراق

د. علاء إبراهيم الحسيني

مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات

يتنافى العنف والتطرف مع القيم الدينية والأخلاقية والإنسانية بل مع أبسط مقومات المجتمعات المدنية والحضرية ويعد العائق الذي يحول دون التمتع بجوهر الحقوق والحريات، ومن شأنه أن يؤدي إلى أنماط متجددة من التفكك الاجتماعي والنزاعات وانعدام الاستقرار فلا يستقيم أمر الفرد أو المجتمع، والعراق كما العديد من البلدان حول العالم يعاني من ويلات التطرف العنيف بكل صوره الدينية والقبلية والاجتماعية بل وحتى الثقافية منها.

 وقد كانت حلول الحكومات العراقية المتعاقبة أمنية بالدرجة الأولى كون الخطر الماثل أمامها يتمحور في عصابات تكفيرية عنيفة ومتطرفة اختطفت الإنسان والأرض وعاثت بهما الفساد ولم يتم الالتفات إلى ضرورة التأسيس لإستراتيجية وطنية متكاملة من شأنها أن تقتلع أسباب التطرف العنيف وتقوض الأسس التي يقوم عليها وغرس ثقافة السلام والعيش المشترك الكريم، وان كانت هنالك جهود قامت بها وزارة الداخلية والأمن الوطني وجهاز مكافحة الإرهاب ووزارة العمل والشؤون الاجتماعية وغيرها من الجهات الرسمية انطلاقاً من المادة السابعة من دستور جمهورية العراق لعام 2005 التي تلزم الدولة بكل مؤسساتها بمحاربة الإرهاب بجميع أشكاله وحماية الأرض العراقية من أن تكون مقراً أو ممراً له والعنف والتطرف كلاهما من تطبيقات الإرهاب سابق الذكر كونهما يرهبان الناس الآمنين ويسلبان الراحة والاستقرار، إلا إن الجهود الحكومية لمكافحة الإرهاب اتسمت بالارتجال وعدم الاستمرارية بسبب عدم وجود رؤية ومشروع أو إستراتيجية وطنية متكاملة في هذا الصدد.

 لهذا ندعو مجلس الوزراء إلى تشكيل لجنة عليا تأخذ على عاتقها صياغة إستراتيجية وطنية لمكافحة الإرهاب والتطرف بكل صوره لاسيما العنيف الذي يضرب بعض أطناب المجتمع العراقي نتيجة تظافر عدة أسباب تقف في مقدمها:

1- النزاعات بكل صورها حتى الأسرية منها.

2- التمييز على أسس الجنس أو الدين أو المذهب أو غيرها.

3- التخلف والجهل والافتقار للتعليم.

4- النقص الحاد في فرص العمل والخدمات وغيرها.

5- عدم سيادة حكم القانون لعدة أسباب سياسية أو حزبية أو فئوية.

6- العامل الديني.

7- عدم ملاحقة المروجين والمحبذين بالشكل الصحيح ومحاصرتهم فكرياً.

 والتزام الحكومة والبرلمان العراقي بمحاربة العنف وإشاعة ثقافة السلام واحداً من الواجبات الدستورية المهمة التي أكد عليها دستور جمهورية العراق لعام 2005 فقد ورد في المادة (15) ان لكل عراقي الحق في الحياة والحرية والأمن ولا يمكن تقييدها أو الحرمان منها إلا وفق القانون وبحكم قضائي، واعتبرت المادة (29) الأسرة أساس المجتمع وألزمت الدولة بالمحافظة على كيانها وقيمها الأخلاقية والدينية والوطنية، وأشارت المادة (30) إلى ان الدولة تكفل الحياة الحرة الكريمة للعراقيين، وقد بينت المادة (37) إن حرية وكرامة الإنسان العراقي مصونة، ولابد للسلطات العامة في العراق أن تضع نصب أعينها الواجبات أعلاه وتترجمها إلى واقع عملي يحفظ للشعب العيش الكريم بعيداً عن كل صور التطرف في الرأي أو العمل واستخدام العنف ضد كرامة وحرية وحقوق الإنسان العراقي.

 ومن أجل التصدي بفاعلية لأنماط التطرف العنيف سواء الفكري أو الذي يأخذ أشكال مادية تطال الجسد والأموال لابد للحكومة العراقية أن تركز على الآتي:

1- إنشاء منصة اليكترونية تتعامل بشكل آني وسريع مع كل أنواع البلاغات عن حالة من حالات التطرف العنيف على ان تسند هذه المنصة فرق من المتخصصين بالتعامل حسب نوع البلاغ إن كان إرهابيا أو عنفاً اسرياً أو تنمراً مدرسياً أو إليكترونياً وغير ذلك من صور التطرف بالرأي أو العمل، على ان تؤسس كل حكومة محلية منصة مماثلة تتبادل مع نظيرتها الوطنية المعلومات التي يتم تجميعها من قبل مختار القرية أو المحلة أو الأجهزة الأمنية أو الاستخبارية بجهود ذاتية بدون بلاغات محددة. وبالتأكيد يدعم هذه المنصة تقديم ضمانات للمبلغين بالاحتفاظ بسرية هوياتهم وتقديم الدعم لهم والحماية والتعريف بقانون حماية الشهود والخبراء والمخبرين والمجني عليهم رقم (58) لسنة 2017 الذي أنشأ برنامج حماية للمخبرين بغية حمايتهم من بطش الإرهابيين وغيرهم.

2- تعزيز الحكم الرشيد القائم على النظام الديمقراطي والسيادة الشعبية وأداته الرئيسة التداول السلمي للسلطة عبر الانتخابات النزيهة العادلة وفق ما أشارت له المادة (5) من دستور جمهورية العراق 2005، وضرورة ضمان الحقوق والحريات لجميع الأفراد بشكل منصف وفعال وهو ما يتنافى مع التوسع بقوانين العدالة الانتقالية بشكل يجرد العدل والمساواة التي بني عليها النظام البشري ككل من مضمونهما الحقيقي.

3- تحسين التعليم وتنمية المهارات المهنية فالأمم لا ترق إلى المجد إلا بالعلم والأخلاق والعمل وما تقدم مصداقه الجامعات والمدارس التي من الممكن ان تلعب دوراً ريادياً في إشاعة الاعتدال وغرس قيم التسامح والتنوع واحترام الرأي الآخر، بيد ان المادة (34) من دستور العراق كانت قاصرة عن استيعاب المعنى المتقدم لذا على البرلمان والحكومة ان تترجم ذلك من خلال القوانين والأنظمة والتعليمات.

4- التأكيد على أهمية غلبة روح الحوار والتفاهم والاحتكام للقضاء والمؤسسات المختصة بإنفاذ القانون وفق ما رسمته المادة (19) من الدستور العراقي.

5- تنمية الأرياف والتركيز على رفع الوعي لدى الساكنين فيها وذلك من خلال الدعم المتواصل للزراعة وتوفير مستلزمات نجاحها لسد الحاجة المحلية بدل الاعتماد على الاستيراد في هذا المجال.

6- إدخال برامج صناعة السلام في المناهج الدراسية في المراحل كافة لتجد طريقها إلى عقول النشء والشباب وتترسخ لتكون جزءً من حياتهم اليومية، والتوسع في المبادرات التي من شأنه ان تكرس احترام مبادئ حقوق الإنسان وحرياته الأساسية بما يسهم في تماسك المجتمع بشكل كبير وإشاعة روح التسامح والتفاهم الودي ونبذ كل صور العنف.

7- التركيز على التطبيق المتوازن لما ورد في الدستور العراقي والقوانين كافة بما يرسخ مبدأ سيادة القانون.

8- رد الاعتبار للمرأة العراقية بعد الحملات الظالمة التي طالتها بسبب سلوكيات بعض الجماعات الإرهابية التي امتهنت المرأة واستعبدتها وحرمتها من عائلتها واستقرارها كما ولابد ان تتصدى الدولة لبعض الممارسات الأسرية بحق المرأة كالزواج القسري والحرمان من التعليم.

9- لاشك ان تفعيل مضامين المادة (38) من الدستور العراقي المتعلقة بحرية التعبير عن الرأي بكل الوسائل يسهم في نبذ العنف والتطرف العنيف لاسيما ان أفسحنا المجال أمام الجميع ليعبر بحرية عما يعتقده في الميدان السياسي أو الاقتصادي أو الديني أو غيره ونتيح للشباب الفرصة في تحويل منصات التواصل الاجتماعي إلى ملتقى للأفكار القائمة على أسس علمية وموضوعية قوامها التفكير النقدي للظواهر المنحرفة وتصحيح الأوضاع.

10- التركيز على الاعتدال في الخطاب السياسي والحزبي وتفعيل العقوبات الرادعة التي تضمنها قانون الأحزاب رقم (36) لسنة 2015 بحل الحزب وإحالة أعضائه إلى القضاء حين استغلالهم لفرصة العمل الحزبي لارتكاب جرائم الحث على الكراهية والعنف.

وسوم: العدد 791