الشعر العربي في عصر الدول المتتابعة (الفصل الثاني فـن المديح في شعر الدول المتتابعة)

الفصـل الثانـي

فن المديح في شعر الدول المتتابعة

يعد المديح من أبرز الفنون الأدبية في أدبنا العربي، فهو يعبر عن القيم الرفيعة التي تسود في العصر والتي يرجوها الشاعر من ممدوحه، ويجسدها في شعره.

وقد استمرت أهمية المديح في عصر الدول المتتابعة ،وساعد على استمرارها الظروف السياسية التي عاشتها الأمة منذ القرن السابع الهجري، فهناك الحروب مع التتر ومع الصليبيين، ثم الفتوحات العثمانية على الجبهتين الشرقية والغربية، وهناك فتن داخلية وقَمْع لها، وانتشار دعوات دينية وسياسية كالحركة الوهابية والمهدية..، فضلاً عن الإعجاب بالسلاطين المخلصين، والعلماء العاملين، وكذلك وجود مطامع ذاتية تدعو الشاعر إلى أن يثني على ممدوحه لغاية مادية أو معنوية.

ولهذا ارتأيت أن أقسّم مدائح هذا العصر إلى :

أولاً : المدائح الرسمية .

ثانياً : المدائح غير الرسمية .

وبرزت الأولى في الثناء على السلاطين والأمراء والقواد ومن ينوب منابهم في أي عمل رسمي يسند إليه، وقد كثرت في ظروف معينة أهمها حروب التتر

والحروب الصليبية في الجبهتين العربية وغير العربية ،والحروب في الجبهة الشرقية ،و الثورات الداخلية ...

أما المدائح غير الرسمية فكانت توجه غالباً إلى العلماء والأصحاب في ظروف معينة وسأدرس هذين النوعين ثم أنتقل إلى دراسة سمات المدائح وأقدم دراسة فنية كأنموذج لهذا الفن في ذلك العصر .

أولاً المدائح الرسمية :

برزت كما ذكرت في مجالات متعددة لعل أهمها :

1- في حروب التتر :

حادثة سقوط بغداد في 656 هـ على أيدي المغول أشهر من أن تذكر، وقد تابع هؤلاء جرائرهم بهجومهم على بلاد الشام، وفي 658هـ تمكنوا من السيطرة على «ميّا فارِقين»([1]) وقتلوا ملكها الكامل([2]) بعد حصار دام سنتين، ثم تابعوا توغلهم في بلاد الشام حتى وصلوا «عين جالوت»([3])   والتحموا مع قوات المماليك، وشاء الله أن ينصرهؤلاء على المغول ،فطرب الشعراء لهذا النصر المؤزر أيما طرب لأنه رمز للفوز على الكفرة الذين ابتغوا الهجمة على الإسلام ودياره، فنصره الله بالملك المظفرقطز الذي يتمتع بعزيمة قوية وإرادة جبارة، وهذا ما يدعو إلى شكر الله تعالى، ثم الإشادة بهذا السلطان العظيم، يقول الشاعر:

واستجد الإسلامُ بعد دحوضِه

  هلك الكفرُ في الشآم جميعاً  

وعِ سيفِ الإسلامِ عند نهوضِه

  بالمليكِ المظفرِ الملكِ الأرْ  

فاعتززْنا بسُمْرِه وبِبِيْضِه

  ملكٌ جاءَنا بعزمٍ وحزمٍ  

دائماً مثلَ واجباتِ فروضِه ([4])

  أوجب اللهُ شكرَ ذاك علينا  

و تابع السلطان الظاهر بيبرس (625-676هـ) ([5]) جهود سلفه في التصدي للتتر، وحاربهم على نهر الفرات في سنة 670هـ، وقتل منهم مقتلة عظيمة، ثم واصل مسيره إلى «البيرة» ([6]) فهرب التتر منه وتركوا أموالهم وأثقالهم فدخلها في أبهة عظيمة استحقت ثناء الشاعر «بدر الدين يوسف المهمندار» ([7]) لهذا الانتصار، ولاسيما في واقعة الفرات، فقال متحدثاً عن بطولته في هذا اليوم الأغر الذي علا فيه غبار المعركة، واشتد الأمر فيه على التتر الذين كانوا قد تجرؤوا على المسلمين، فلما عاينوا بطولتهم الفذة خارت قواهم، وكان المسلمون يقتحمون نهر الفرات كأنهم سد من حديد تتدفق فيه جماعات الفرسان و الخيول، وكان النصر حليفهم… وولى العدو أدباره فلحقه الملك المظفر حتى أسال الدماء أنهاراً ونثر الرؤوس بصوارمه البتارة، يقول في ذلك:

والخيلُ تطفحُ في العجاجِ الأكدرِ

  لو عاينَتْ عيناك يوم نزولنا  

ووهَى الجبانُ وساء ظنُ المجترِي ([8])

  وقد اطلخمَّ الأمرُ واحتدَمَ الوغى  

فوق الفراتِ وفوقه نار تري

  لرأيت سداً من حديد ما يُرى  

ومن الفوارس أبحراً في أبحر

  ورأيتَ سيلَ الخيلِ قد بلَغَ الزُّبَى  

حتى جرَتْ منها مجاري الأنهر

  وجرت دماؤهم على وجه الثرى  

يذرِي الرؤوسَ بكلِّ عضبٍ أبترِ

  والظاهرُ السلطانُ في آثارِهم  

مثلي غداةَ الرَّوْعِ وانظُمْ وانثُرِ ([9])

  إن شئْتَ تمدحُه فقِفْ بإزائِه  

ولقد أيقظ هذا الحدث الشعور الإسلامي وأثار عواطف الناس وأعاد إليهم عزتهم، وشاركهم الشعر في بهجتهم، كيف لا والمسلمون لم ينسوا جراحاتهم وما عانوه من المغول، ولهذا كثر من عبروا عن هذه الفرحة الكبرى([10])، وها هو موفـق الدين عبد الله بن عمر([11])  يطلقها من سويداء قلبه معبراً عن سعادته الكبرى بهذا النصر المبين، وإعجابه بالسلطان القائد الذي يفديه المسلمون بأموالهم وأنفسهم:

نفدِيْه بالأموالِ والأهل

  الملِكُ الظاهرُ سلطانُنا  

حرارةَ القلبِ من المُغْل

  اقتحمَ الماءَ ليُطْفي به  

لم تتوقف الحروب بين المسلمين والتتر ولاسيما عندما كان التتر يرون ضعفاً من المسلمين بسبب الخلافات فيما بينهم، وكان الصليبييون يساعدونهم ضد المسلمين، وعندما رفض سنكر حاكم دمشق([12])  أن يبايع السلطان سيف الدين قلاوون (620-689)([13])، هجم التتر فاستيقظ ضمير سنكر، وتنبه للأخطار المحدقة بالدولة واتحد مع سلطانه، وحملا على التتر حملة صادقة فهزموهم بإذن الله، فأشاد الشاعر القاضي «فتح الدين بن عبد الظاهر»([14]) بالسلطان المنصور قلاوون لاستئصاله لهم، وذلك في قوله:

جنودُكَ المُغْلَ كسْراً ما له جبْرُ

  يا أيُها الملكُ المنصورُ قد كسرَتْ  

مع الفرنج ومن أودْى به الكفر ([15])

  وأجمع المَلْك والتكفورُ واتفقوا  

لأرضِ حمصَ وكان البعثُ والنشرُ

  جاءتْ ثمانون ألفاً من بعوثهم  

وامتدتِ الحربُ حتى أذّن العصر

  جاء الخميسان في يومِ الخميسِ ضحى  

والسهلُ من أرؤسِ القتلى به وعر

  والخيلُ لا تغتدي إلا على جثث  

والسُمْرُ ناهيك يا ما تفعل السمر

  والبِيضُ تُغْمَدُ في الأجفانِ من مُهَجٍ  

ينتابُه الوحشُ أو ينبُو به القفْر

  وراح فارسُهُمْ في إِثْرِ راجلِهم  

فالحمدُ للهِ ثم الحمدُ والشكرُ ([16])

  وعاد سلطانُنا المنصورُ منتصراً  

لقد فصل الشاعر جزئيات الحدث ومكانه وزمانه فذكر كثرة الجموع المتحاربة من المغول والفرنجة الذين قدموا مصر، وكانت الحرب من ضحى الخميس حتى أذان العصر، والخيول تطأ الجثث حتى غدا السهل كأرض وعرة من كثرة الجماجم، وأكل الوحش من أجسادهم إلا من فر منهم بعد أن فتكت فيهم السيوف والرماح، وعاد السلطان منصوراً بإذن الله، فوجب علينا شكر الله على نعمائه.

وكان لهذا التفصيل ولتكرار بعض الكلمات أثره في إثارة المشاعر وإيقاظ الغافل،  وهذا ينم عن الطاقة الشعورية التي كانت تكمن في أعماق الشاعر، والتي جعلته يلح في التصوير وفي التعبير.

استمرت المعارك تترى بين الطرفين، وفي سنة 701هـ، جاء التتر في خمسين ألفاً، وكان ملكهم «غازان» قد قال: «ما جئنا هذا المرة إلا للفرجة في الشام»([17])، والتقت جموعهم بالمسلمين في «مرج الصفر» في دمشق، فحمل التتر على ميمنة المسلمين فكسروها بادئ ذي أمر، فثبت السلطان الناصر محمد بن قلاوون ثباتاً مشهوداً واستمر القتال…. وفي ضحى اليوم الثاني تم النصر للمسلمين وخسر «غازان» ثلثي جيشه في هذه المعركة، وتخطف الباقين أهل الحصون، ومن هرب منهم تلقاهم المسلمون على شط الفرات، فكانوا لا يعدونهم في المراكب حتى يقتلوا كل من ركبها، حتى ذبحوا الرجال، وضربوا النساء بالفؤوس، ولم يتركوا منهم أحدا…

وطرب الشعراء لهذا النصر المبين وشمتوا بغازان وسخروا منه كما سخر، وقال شاعرهم «علاء الدين الوداعي»([18]) :

جاؤوا ففرّجْناهُمُ بالشام

  قولوا لغازانَ بأن جيوشه  

منشورُها، وشقائقُ الأجسام

  في سرحةِ المَرْجِ التي هاماتُهُمْ  

غمّت وأبركَها على الإسلام ([19])

  ما كان أشقاها عليهم فرجةٌ  

كما حارب السلطان حسام الدين المنصور لاجين (696-698)([20]) المغول في حمص أيضاً وانتصر عليهم، فأثنى عليه الشاعر أبو الثناء محمود([21]) في قصيدة لامية مطلعها :

واحكمْ فأنت الذي تُزْهَى به الدول

  أطاعَكَ الدهرُ فأْمُرْ فهو مُمْتَثَلُ  

وراح فيها يصور عزيمة الممدوح وفتوحاته وبطشه بالمغول بطشاً شهد به الأعداء، إذ كان كالضرغام في انقضاضه على أعدائه حتى صدهم ومزقهم على كثرتهم وذلك بسيوفه التي كانت ترتدي من دمائهم كسوة لها، فتجلب لهم المنية أو الهرب أو الأسر، وقد عاد السلطان مظفراً وبين يديه جموع الأسرى ذليلة طيعة، يقول :

ضاقَ الفضاءُ بهم واستدَّتِ السبلُ

  سلْ يومَ حمصَ  جيوش المُغْلِ عنه وقد  

وتنثنيِ وعليها منهم حُلَل

  والبيضُ تُغمَد في الأبطالِ عاريةً  

به العِدا أنه ليثُ الشرى بطلُ

  يُخْبِرْكَ جمعُهُم والفضلُ ما شهِدَتْ  

غمارَها واصطلاها وهي تشتعل

  وأنه خاضَ في هيجائِها وجلاً  

ببأسِه وحمى الإسلامَ إذ حملوا

  وصدَّهم وهمُ كالبحرِ إذ صُدِموا  

عانٍ أسيرٌ، وذا في التربِ مُنْجَدِلُ

  فمزقتْهُمُ سُطاه، ذا يسيرُ وذا  

يبدو لديه مثالٌ منه أو مَثَلُ

  كأن هاربَهم والخوفُ يطلبُه  

والمغل ما بين أيدي خيله خول ([22])

  وعاد والنصر معقود برايته  

وهكذا رصد لنا شعر المديح حروب السلاطين المماليك للمغول وتصديهم لهم حتى قضوا على تعديهم على العالم الإسلامي والعربي آنذاك…

2- في الحروب الصليبية:

لم تتوقف الحروب الصليبية بعد عهد صلاح الدين الأيوبي إذ ظلت هناك بقاع يحكمها الصليبيون، وظلت هجماتهم تترى على الأراضي الإسلامية، بل إنهم ساعدوا التتر ضد المسلمين في بعض حروبهم، كما اتفقوا مع الصفويين ضد العثمانيين، وقد برزت هذه الحروب في رد العدوان غالباً أيام المماليك أما في العهد العثماني فقد تجلت غالباً في مهاجمة الأوربيين في عقر دارهم.

أ- فعلى المستوى الأول: وأعني الحروب في العهد المملوكي فقد جهد المسلمون لطرد الصليبيين ولاسيما بعدما صاروا يعينون التتر ضدهم، فالسلطان قلاوون ثم ابنه «الأشرف صلاح الدين خليل» (666-693هـ)([23]) من بعده استوليا على كثير من حصونهم، وفتح الثاني جزيرة «أرواد»([24]) بعد مذبحة قام بها الصليبيون ضد المسلمين سنة 687هـ، فثأر لهم الأشرف وبدأ بمن كان منهم في عكا فقتله سنة 690هـ، ثم واصل مسيرته إلى صيدا وصور وبيروت حتى لم يبق لهم بلدة ولا قلعة على الساحل، ثم توجه إلى بلاد الروم وعاقبهم فيها، كما عاقب نصارى منطقة كسروان في جبل بلبنان لمؤازرتهم الصليبيين، وهكذا طهر هذا السلطان الفارس بلاد الشام منهم([25]) فقرظه الشاعر «شهاب الدين محمود» في قصيدة تحدث فيها عن الانتصار الساحق على أهل الصليب مشيراً إلى أن الصراع بين الطرفين كان صراعاً دينياً، وقد آزر الله سبحانه سلطان المسلمين التركي إذ خرب ديار الصليبيين على يديه في البر والبحر في معارك فاصلة سميت "أم الحروب" ، وكانت فتحاً مبيناً أنساهم الفتوحات السالفات، وأغضب بذلك عباد عيسى، لكنه أرضى المولى تعالى، كما اطلع الأشرف المصطفى صلى الله عليه وسلم([26])على ما فعل الأشرف ابن قلاوون وشاركته الكعبة المشرفة فرحته… يقول معبرا عن هذا:

وعزّ بالتُركِ دينُ المصطفى العربي

  الحمدُ لله زالتْ دولةُ الصُّلُبِ  

في البحرِ والبر ما يُنْجي سوى الهرب

  لم يبقَ مِن بعدِها للكفرِ إذ خُرِبَتْ  

شابَ الوليدُ بها هولاً ولم تَشِب

  أمُّ الحروبِ فكم قد أنشأَتْ فِتَناً  

به الفتوحُ وما قد خُطَ في الكُتُبِ

  يا يومَ عكا وقد أَنْسَيْتَ ما سبَقَتْ  

لله أيُّ رضىً في ذلك الغضب

  أغضَبْتَ عُبّاد عيسى إذ أبدتَهُمُ  

ما أسلف الأشرفُ السلطان من قُرَب

  وأشرف المصطفى الهادي البشيرُ على  

ببشره الكعبةُ الغرّاءُ في الحُجُب([27])

  فقَرّ عيناً لهذا الفتح وابتهجَتْ  

كما فتح نائب حلب «ألطنبغا»([28]) في سنة 722هـ، مناطق إياس على ساحل البحر، وبلاد سيس وقلعتها بعد ثلاث غزوات فأثنى عليه ابن مظفر الوردي، فقال معبراً عن بهجة النصر، مشيداً بالجيش الفاتح الذي رمى القلعة بالمنجنيق وبقائده ذي العزيمة القوية الذي كان يجاهد في سبيل الله جهاداً سبقه به أسلافه، ذلك لأن حصن النقير كان شديد البأس، ولكن ألطنبغا تمكن منه بعد أن عزم على ذلك لشدة ما رآه من بغي أهله… يقول:

ألا في سبيلِ المجد ما أنتَ فاعلُ

  جهادُك مقبولٌ وعامكَ قابلٌ  

لآتٍ بما لم تستطِعْه الأوائلُ

  ألا إنّ جيشاً للنقير فاتحاً  

ويقصُرُ عن إدراكِه المتناول

  لعَمْري لقد كان النقير مانعاً  

ويا نفسُ جدّيْ إن دهرَكِ هازل ([29])

  بغى، فبغى أَلْطُنْبُغَا الفتحَ قائداً  

ولما فتح الأشرف بن قلاوون قلعة الروم قهراً بعد حصار دام شهراً، عاد مصطحباً معه ملك الروم أسيراً، وجنوده يحملون رؤوس القتلى([30])، وكان لهذا الفتح المبين أثره إذ اهتزت مشاعر «شهاب الدين محمود» من هذا الانتصار العظيم فراح يثني على بطولة قائده المغوار الذي أشعلها حرباً كانت سيوفها تلتمع وسط الغبار كبرق في الظلماء، وكان الممدوح كبدر وسط فلك، ولا غرو في ذلك فهو صاحب الفتوحات المتوالية التي تبدو كنجوم يلحق بعضها إثر بعض وقد عز ذلك على غيره، ولسوف يواصل جهوده… كيف لا وهو وفرسانه قد خبروا الحروب، وكرسوا حياتهم لها، فهم يأوون إليها كما يأوي الليث إلى عرينه، وإنهم لو تصدوا للجبال لأزالوها، وكان معهم مجانيق تضرب قلاع العدو بحممها فيسمع لها صوت كصوت الرعد، وتشتعل الحرائق فيها حتى تخضع لهم، وتطلب العفو… وينال هذا  القائد المظفر ثواب هذا الفتح العظيم، الذي يرضى به المسيح والمصطفى عليهما السلام وإن غضب قائد النصارى، وإن المسلمين جميعاً مع سلطانهم والأرض كلها طوع لإرادته… يقول في ذلك:

بُروقٌ، وأنت البدْرُ والفَلَكُ الحَتْرُ ([31])

  كأنَّ مُثارَ النَّقْعِ ليلٌ وخفْقُها  

سماءٌ بَدَت تَتْرى كواكبُها الزُّهْرُ

  وفتحٌ أتى في إِثْرِ فَتْحٍ كأنما  

وإن عظُمتْ إلا إلى غيرها جسر

  وما قلعةُ الرومِ التي حِزْتَ فَتْحَها  

لها كلَّ يوم في ذُرى ظفرٍ ظفر

  ليوثٌ من الأتراكِ آجامُها القنا  

وأصبح سهلاً تحتَ خيلِهم الوعْر

  إذا صدَموا شُمَّ الجبالَ تَزَلْزَلَتْ  

رواعدُ سخْطٍ وبْلُها النارُ والصخر

  كأن المجانيقَ التي قُمْنَ حولَها  

وباحَتْ بما أخفَتْه وانهتَكَ السِّتْر

  وشبتْ بها النيرانُ حتى تمزقَتْ  

فتوحك فيما قد مضى كله قسر

  فأحرزْتَها بالسيف قهراً وهكذا  

تحصَّل منها الفتحُ والذكرُ والأجر

  فيا أشرف الأملاكِ فُزْتَ بغزوةٍ  

وإن غضب اليعفورُ من ذاك والكفر

  وبشراك أرضيْتَ المسيحَ وأحمدا  

تطيْعُك والأمصارُ أجمعُها مصر ([32])

  فسِرْ حيث ما تختارُ فالأرضُ كلها  

وللشاعر «أحمد بن ماجد النجدي» ([33]) أرجوزة جغرافية من ثلاثة وثمانمئة بيت، يتعرض فيها أيضا لهجوم البرتغاليين على الهند وعلى شرقي الجزيرة العربية، ويصف محاولتهم الاستيطان في هذه البلاد الإسلامية، ويتحدث عن جرائرهم كالسرقة وشرب الخمور والكذب في المعاملات ولاسيما في البيع والشراء ونقض العهود، وأخذ الأموال باسم الهدية، مع إيذائهم أهالي البلاد، يقول فيها :

مراكب الإفرنج يا أخايّه ([34])

  جاءتهم في عام تسع ماية  

فيها ومالوا الهند باليقين

  تجبروا عامين كاملين  

وست جاؤوا الهند يا أخايّه

  وبعد ذا في عام تسع ماية  

وصاحبوا، وللسوامر ركنوا ([35])

  واشتروا البيوت ثم سكنوا  

ذا حاكم أو سارق مجنونا

  والناس تضرب فيهم الظنونا  

كفيت كل الشر والتصديعا

  والبرتغالي حكم الجميعا  

والناس في خوف وفي اهتمام

  وسار فيها مبغضو الإسلام  

من جانب السودان شط اللجي

  وخبرتي بحملة الفرنجي  

ما بينهم فليس ينكروها

  عندهم السرقة قد سنّوها  

ولا يصلّون على الإطلاق

  ويشربون الخمر في الأسواق  

يسعوا لها بالدخل والأذية

  وينقضون العهد والهدية  

في المشترى والبيع والأشغال ([36])

  صفتهم الكذب والمطال  

ب- وعلى المستوى الثاني وأعني الحروب الصليبية في الجبهة الأوربية، وكانت هذه في العهد العثماني : نرى أن هذه الحروب بدأت تنحو منحىً هجومياً في المناطق الأوربية ولاسيما بعد فتح القسطنطينية الذي يعد الفتح الأكبر لمعاقل الصليبيين، إذ تمكن السلطان العثماني «محمد الفاتح»([37])  في 857هـ من فتحها ودخل كنيستها «إسلام بول» وحولها إلى مسجد وصلى فيه، فأنشده الشاعر «إبراهيم بن عمر البقاعي»([38]) قصيدة أثنى عليه بها وهنأه على هذا الشرف العظيم الذي حازه برأيه السديد وببطولته الفذة، فقد حاصر المدينة شهرين متتابعين وقصفها في عزيمة صامدة حتى قتل الكثير وقدم لحومهم للحيوانات المفترسة في البراري والقفار، ولم تغن عنهم كثرتهم شيئاً، ذلك لأنه حكم فيهم السيف في سداد رأي وهو الخبير بالحروب، ولم ينصرهم الله لأنهم أتباع الشيطان، وشتان بين من يعمل لنصرة دين الله فإن استشهد كان إلى الجنان، وبين من يجحد دين الله ويحاربه، يقول في ذلك:

فحقَّق أن الرأيَ منك سديدُ

  قصدْتَ لإسطنبولَ وهي شهيرةٌ  

وطيرُ المنايا ما لهن ركودُ

  أقمْتَ عليها نحو ستين ليلةً  

وكم لك في خوضِ الحروبِ ورُود

  وكنت أشدَّ الناس حزماً وجرأةً  

فأمسى به للعاويات يجود

  بعثْتَ إليهم عسكرَ الموتِ أسهماً  

فكلُّ قضاء جارَ فيه سديد

  أقمت عليهم قائمَ السيفِ حاكماً  

وطارَتْ بماضي الشفرتَيْنِ زنود

  وقدَّتْ قلوبٌ بالمظالمِ أظلمَتْ  

وتحمي حمى الرحمن وهو ودود

  يُحامونَ للشيطان وهو عدوُّهم  

جَحُودٌ، وأما ميتُكم فشهيدُ ([39])

  فشتان ما بين الفريقَيْنِ، حيُّهم  

إن اللفظة المعجمية تبقى ساكنة هامدة إلى أن يضفي عليها الفنان من أسلوبه ما يجعلها حية موحية، وها هو الشاعر البقاعي يستخدم من الصور والمحسنات ما يبرز فيه جمال الفكرة، فالمنايا تنتقل بلا راحة كطير يجوب ساح المعركة، وهم لم تغن عنهم كثرتهم شيئاً، وهناك تقابل بين من يدافع عن دين الله، ومن يدافع عن الشيطان، ومن مات شهيداً، وآخر جاحداً، وقد أدى هذا التقابل إلى إبراز المعنى بجلاء ووضوح.

لم تتوقف الحروب ضد الصليبية عند فتح القسطنطينية وإنما واصل المسلمون فتوحاتهم في هاتيك الديار على مدى أربعة قرون لينشروا فيها اسم الله تعالى، وقد شاركت مدائح العصر في التعبير عن هذه الانطلاقة الكبرى نحو الفتوحات، ولما فتح السلطان بايزيد بن محمد الفاتح (856-918هـ)([40]) قلاع «ملوان، وكوكلك، وأق كرمان، ومتون، وقرون» وغير ذلك أثنى عليه الشاعر «شهاب الدين بن العُلَيْف»([41]) في قصيدة رائية تحدث فيها عن جهود السلطان في حفظ الدين بالقوة، وجهاده للكفرة حق جهاد ابتغاء ثواب الله ومرضاته، ولا عجب في ذلك فهو ابن السلاطين العظام الذين قضوا على الكفر وعلا شأن الدين على أيديهم، يقول في ذلك:

حمى بَيْضَةَ الإسلامِ بالبِيْضِ والسُمْرِ

  إلى بايزيد الخيرِ والملِكِ الذي  

أبادَ به جمعَ الطواغيتِ والكفر

  وجرَّدَ للدين الحنيفيِّ صارماً  

رجاءً لما يبغِي من الفوز والأجر

  وجاهدَهُمْ في الله حقَّ جهاده  

علا مجدُهم فوق السِّماكَيْنِ والنسر

  سليلِ بني عثمان والسادةِ الأُلى  

بهم حَوْزةُ الإسلامِ ساميةَ القدر ([42])

  محَوْا أثرَ الكفارِ بالسيف فاغتدَتْ  

وقد برز الصراع الديني في مدائح هذا العصر عند الحديث عن الحروب الصليبية، فالشاعر «علي الكيلاني»([43]) إبان مديحه للصدر الأعظم مصطفى باشا الكوبريلي، وتهنئته له على استرداد المسلمين لبلغراد 1101هـ يبين أن أهل الشرك اغتروا فاعتدوا، وكانوا يحملون في قلوبهم حقداً كبيراً، وقد جاؤوا بكثرة حتى زاغت الأبصار، وبان نفاق عصبة منهم كانت في جيوش العثمانيين، ولكن الصدر الأعظم ثبت حتى رد النصارى على أعقابهم خاسرين وقتل منهم الكثيرين وأسر، يقول في ذلك:

بلامةِ البغي والعدوانِ مُلتَحِفا

  وصالَ صائلُ أهلِ الشِّرْكِ مُشْتمِلاً  

فجاوزَ الحدَّ جيشُ الخِزْي مُذْ رَجَفا

  غرورُهم غَرَّهُمْ والغدرُ أوغَلَهم  

ومن أمامُ ومن أيمانِنا وقَفا

  إذ جاؤوا من فوقنا جهراً وأسفلِنا  

وزُلزِلوا جَزَعاً والشهمُ ما وَقَفا

  وزاغتْ أبصارُ أهلِ الدين وارتكبوا  

والاهُم وأذاعوا العجزَ والضَّعْفا

  وأُكْثِرَ القولُ من أهل النفاقِ ومَنْ  

بمصطفى الصدرِ مُحْيي عدلِ مَنْ سَلَفا

  فثَبَّتَ اللهُ منا عصبةً صَدَقَتْ  

ومَنْ تَوَقَّفَ منهم هامُه نقفا

  ردَّ النصارى على الأعقابِ ناكصةً  

قتلى وأسرى إلى أنْ عمرُهم كُشِفا ([44])

  يقفو لآثارِ مَنْ فرّوا فيدركُهم  

والملاحظ أن الشاعر تأثر في مدحته هذه بالقرآن الكريم فتحدث عن المؤمنين الثابتين الصادقين وعن أهل الشرك الحاقدين وعن فئة النفاق، كما تأثر بوصف الأحزاب الذين تكاثروا على المسلمين كما وصفهم القرآن الكريم .

وفي سنة 1270هـ اضطرمت الحرب بين الدولة العثمانية والروس فيما سمي بحرب القرم، وكان النصر فيها حليف العثمانيين، وقد شاركت القوات العربية في هذه المعركة ونال قائدهم من الشاعر «أبو النور الكيالي»([45]) الإدلبي تقريظاً على جهوده في قصيدة طويلة بلغت حوالي ستين بيتاً قال فيها:

ليثُ الهيجا بطلٌ قَسْوَرْ

  ما هِمْتُ بغيرك لا وفتى  

عظيمُ السَّعْدِ حلا مظهرْ

  العالي المجدِ عليُّ الجَدِّ  

قال الرائِي هذا عنتر

  إن جاد على مَتْن الدهما  

والمدحُ مع السعد الأكبر

  فيا بشرى بالنصرِ لكم  

وعساكرُنا بعلي تُنْصَر 

  وعليٌّ يسمو أرِّخ جا  

وفي عهد السلطان عبد الحميد الثاني ثارت اليونان ضد الدولة العثمانية التي كان سلطانها يمتد ظله فيها، وقاموا بجرائم شتى فتصدى لهم السلطان في حرب مقدسة كانت فرضاً عليه بوصفه الخليفة المسلم الذي يجاهد في سبيل الله ويقمع من زاغ وغدر، يقول الشاعر «عبد الجليل المدني»([46]) في مدحة للسلطان المذكور:

يرافقُه نسكٌ ويتبعُهُ أَجْرُ

  كذا فليكنْ سعيُ الملوكِ مُقَدَّساً  

فعاد عليهم ضِلَّةً ذلك الفِكْرُ

  هم دبَّروا أمراً لأمرٍ وفكّروا  

وعمَّ على جيرانِهم منهمُ الغَدْرُ

  فعاثوا وجاسوا في البلادِ بِجَهْلِهمْ  

عظيمُ بني عثمانَ يا حبَّذا الفخرُ

  مُشَيّدُ أركانِ الخلافةِ فخرُها  

هو الفرضُ من غزوٍ تَباهى به العصرُ

  لقد قام في ذا العصرِ بالواجب الذي  

وسالمه رغمَ العُداةِ بها اليُسْر ([47])

  غزاةً لعمرُ الله قد نال خيرَها  

ومما يؤسف له أن يتعاطف بعض النصارى مع أعداء دولتهم ، وأن يبدوا إعجابهم بهم كما فعل نقولا الترك([48]) إذ مدح نابليون بونابرت والمستعمر الفرنسي الذي غزا مصر،وادعى أن عصر الفرنسيين كان عصر السعادة، ودولتهم دولة الفضل ، ووصف نابليون بالشهم لأنه قهرنا وملك أراضينا وملأ بلادنا من عساكره ، وشتت شملنا بفتوحاته!!… يقول في ذلك دونما حياء أو وجل:

فلكُ السعادةِ فيه دارْ

  لله عصرٌ قد زها  

جيشِ الفَرَنْسَاوِي أنار

  وجمالُ كوكبِ دولةِ الـ  

ليثُ الوغى ذو الاِقْتدار

  الشهمُ بونابارْتَه  

وغزا البلادَ مع الدِّيارْ

  قهرَ الممالكَ جَمَّةً  

بسُرْعة دون اعتسار

  وتمَّلك الإِسْكندريَّةَ  

حولَ الكنانةِ استدار

  ومَلا الأراضي عسكراً  

يومَ الحروبَ له اصطبار

  من كلِّ صنديدٍ فتى  

هيرُ العديدةُ بالقِفار

  وتبدَّدَتْ تلك الجما  

صَفَرٍ وأَمْرُ اللهِ صار

  وفتوحُ مصر كان في  

وهكذا أبدت مدائح الحروب الصليبية في الجبهة الأوربية تعاطف وتعاون النصارى مع التتر ومع الغربيين ضد الدولة الإسلامية التي ينعمون في أجوائها بالحرية الدينية ، كما أظهرت تصدي الدولة للمعتدين، وجهودها في الفتوحات لنشر دين الله .

3 - الجبهة المشرقية:

بدأ العداء في الجبهة المشرقية منذ أن اعتلى عرش بلاد العجم - إيران حالياً- أسرة الشيخ صفي الدين الأردبيلي (ت735هـ)، الذي ينتسب إليه الصفويون حكام إيران، وقد تزوج حفيده السلطان حسن بك قوينلو من نصرانية كانت أختها زوج سفير البندقية، وأثمر هذا التزاوج الصفوي- النصراني علاقات بين الطرفين إذ عقد العجم معاهدات دفاع مشتركة مع البندقية ضد الدولة العثمانية([49]) ، وشعر السلطان سليم الأول بالمؤامرة الدائرة بين الطرفين فاتجه لتأديب الصفويين، والتقى بهم في معركة جالديران، ثم استمرت المعارك بين الطرفين في عهود أحفاده.

ففي عهد السلطان مراد الثالث استولى العثمانيون بقيادة عثمان باشا على بلاد داغستان ودخل عاصمة الصفويين تبريز في 991هـ ، واستعاد بلاد الكرج وشروان ولورستان الواقعة جنوبي أذربيجان في 993هـ، وقد قرظه الشعراء لهذه الانتصارات وكان منهم «فيض الله الرومي»([50])الذي أثنى عليه وعلى السلطان في قصيدة قال فيها :

على الروافضِ مَنْ صارَتْ بهم عِبَرُ

  لله دَرُّ جيوشِ الرومِ إذ ظهروا  

عانٍ أسيرٌ وذا في التُّرْبِ مُنْعَفِرُ

  سطَوْا بهم فتراهُمْ ذا يفرُّ وذا  

وقد خلَتْ ما بها عَيْنٌ ولا أثر

  فأصبحوا لا تُرى إلا مساكنُهم  

تدين طوعاً وتأتي وهي تَعْتَذِرُ

  فيا مليكاً له كلُّ الملوكِ غدَتْ  

إسكندرُ العصرِ قد وافى به الخَضِر ([51])

  سِرْ، واملُكِ الدنيا فأنت إذاً  

فالشاعر يبين كيف بطش السلطان مراد بالصفويين في حرب مبيدة إذ غدا جيشهم بين هارب وأسير وقتيل، وخلت ديارهم من سكانها حتى إن الملوك خضعوا له وأتوا إليه معتذرين، فصار بذلك رمز البطولة كالإسكندر المقدوني الذي ملك الدنيا.

وفي القرن الثاني عشر تحدث الشاعر «عبد اللطيف الأطلسي»([52]) عن الحروب الدائرة بين الدولة العثمانية والصفويين إبان ثنائه على الصدر الأعظم علي باشا المعروف بابن الحكيم فقال:

لو صادَمَتْ لبناء دكَّ وانهدما

  ليثُ العرينِ قويُّ البأسِ هِمَّتُهُ  

يومَ النِّزالِ على الأبطالِ أو حَجَما

  تخالُه جَحْفَلاً إن سلَّ صارمَه  

إلا وردَّ على الأعقابِ قد نَدِما

  ما رامَه فارسٌ في يومِ مُعْتَرَك  

رُعْباً وسيفُك جيشُ العُجْمِ قد قَصَما ([53])

  فابشِرْ فإن قلوبَ الفرسِ قد مُلِئَتْ  

كما ندد الشاعر «سعيد بن محمد الخروصي» بعداء العجم وهجومهم على الأراضي العثمانية وهددهم بحرب شعواء يندمون بعدها على ما اقترفت يداهم:

من قبلِ قتل وهتك قاصمِ الرُّكَبِ

  قل للأعاجمِ إن ينجوا بأنفسهم  

للسيفِ فيها حنينُ الريحِ في السُّحُبِ ([54])

  لتَسْمعُنَّ وشيكاً في ديارِهِمُ  

وفي سنة 1145 هجم نادر شاه ملك العجم على بغداد بعسكر كثير وحاصرها أشد حصار فتصدى له الوزير حسين باشا حتى فلّ عزمه، ولكنه لم يرعوِ بل مدّ سلطانه إلى الهند حتى قبض على سلطانها، ثم أعاد هجومه على الموصل سنة 1156هـ وأقض مضاجع أهلها بما بطش به، إذ أحرق الزرع وأسر النساء والأطفال وقتل الرجال ومنع الماء، ثم جاء المدد من حلب ومن الأكراد ودارت بين الطرفين حرب شعواء شاركت فيها القنابل ورميت النيران سبعة أيام، وكان «حسين باشا»([55]) ينادي في الجيش «دونكم الجنة قد فتحت لكم فدافعوا عن دينكم» حتى ولى طهماز أدباره بعد أن خسر ربع جنده وقبل الصلح . وقد ذكر «خليل بن علي البصير»([56]) هذه المعركة في أرجوزة طويلة له إبان مديحه للوزير المذكور ومطلعها :

مُفرِجُ الكربِ مُعَجِّلُ الشِّفا

  الحمدُ لله مُعِين الضُّعَفا  

وصونِ عِرْضِنا من الأعجامِ ([57])

  على انكشافِ الضُّرِ والآلامِ  

ثم يتحدث عن الجرائم التي ارتكبها هؤلاء ونهايتهم المشؤومة على يدي الوزير ذي المكانة السامية، فهم قد عاثوا فساداً في القرى، فشردوا أهلها، وأمطروا وابل رصاصهم على جيوش الدولة، ولكن الله ردهم على أعقابهم خاسرين خاسئين، وراحوا يطلبون الصلح فاستجاب لهم الوزير ولكنه ظل حذراً من خيانتهم وغدرهم ولهذا لازم السور حفاظاً على المدينة. يقول في ذلك :

آذَوْا ومزَّقوا وشرَّدُوْها

  إذْ دخَلوا القرى وأفسدوها  

لم يهجَعُوا ليلاً ولا نهارا

  دنَوْا فأمطرَ علينا ناراً  

إذ ردَّه اللهُ عليهم فقَصَمْ

  فَضَرهُمْ ما صنَعوا من اللُّغمْ  

«ولّوْا على أدبارِهم نُفُورا»

  لما رأَوْنا حافظين السُّورا  

«كأنَّهُمْ أعجازُ نخلٍ مُنْقَعِرْ»

  فأصبحُوا في ذلك اليومِ العَشِرْ  

يحاولُ الصلحَ ويبتغِيْ السَّلَمْ

  فأرسل النادرُ سلطانُ العَجَمْ  

أعني حُسَيْناً صاحبَ القَدْرِ العَلِي

  فصالحَ الصدرُ أميرُ المَوْصِل  

في السُّورِ حاضرون حاذرون

  ونحن طائفون عاكفونا  

بطشَتَهُ مخافةَ المُعاوَدَة

  إذ لم نكن نأمنُ بالمعاهدَةْ  

ويبدو أن نادر شاه كان كما قال عنه لا يؤمن جانبه، ولهذا فقد حوى الشعر العراقي  مدائح كثيرة في تصدي الوزير نفسه لنادرشاه إيران ،ومنها قول «عثمان بن علي العمري» ([58]) الذي أثنى على ممدوحه وكان هذا قد تسنم ذرا المجد لما قام به من أعمال جليلة من كرم على الناس قاطبة، وشجاعة تبدت في حروبه للأعاجم الذين هاجموا الموصل الحدباء فارتدوا على أدبارهم. يقول في ذلك:

وشاع في جودِه في معظمِ المِلَلِ

  رقى إلى المجدِ واستوفى مكارمَه  

ما احتاج فيها إلى خيلٍ ولا خَوَل

  سلِ الأعاجمَ عن حربٍ ومُعْتَرَكٍ  

أطرافِ بلدَتِنا الحدباءِ بالحِيَلِ([59])

  إذ شنَّتِ العُجْم غاراتِ السباقِ إلى  

وهكذا كانت مدائح السلاطين ترجماناً لواقع الأمة الإسلامية مع أعدائها من الصليبيين والصفويين إلى أن طردوهم عن بلادهم، بل فتحوا أراضيهم وكسروا شوكتهم..

4- في الثورات الداخلية:

جرت في العصور المتتابعة ثورات داخلية كثيرة سببها رغبة بعضهم في الوصول إلى سدة الحكم، أو طمعهم في التوسع على حساب جيرانهم، أو بتحريك من المستعمر الأوربي أو الصفوي، أو لاختلاف المذاهب الدينية ومِلَلِها ومن يطلع على كتب التراجم ير كثرة كثيرة من هذه الثورات التي آلت إلى مدائح تشيد بمن يقمعها أو يحركها ([60]) ، وأستطيع أن أقسم الثورات إلى سياسية ودينية واجتماعية.

أ- الثورات السياسية :

وكان الدافع إليها كما أشرت الرغبة في التوسع، أو بتأثير مستعمر، ومن هذه الثورات ثورة «بيبغاروس» وقد ثار هذا على الدولة، وراسل أمير حلب «أرغون الكاملي»([61]) ، ووعده بأن يجعله نائب دمشق، ولكن الأمير أرغون رفض بل ساند الدولة في قضائها على ثورة هذا الباغي ، وكان الشاعر «خليل بن أيبك الصفدي» ([62]) معه في حملته عليه تلك التي سفكت فيها دماء غزيرة لم يسفك مثلها في حرب التتر على حد قوله، فخاف الصفدي على حياته، وتذكر أهله واشتاق إلى رؤيتهم، وقد نصر الله السلطان… ثم تمكن أرغون من القبض على الثوار، فقرظه الشاعر الصفدي وذكر انتصاره على بيبغاروس في قصيدة طويلة تحدث فيها عن سعي الأمير إلى مرضاة الله حين تمكن من حماية ملكه ودينه بهذه الحرب، وأشاد بقوته وبأسه وذكر أنه سار بجيشه إلى «لُدّ»([63]) وقضى على حركة الطاغية الذي خذله صحبه فهرب من المعركة، وقد قدت رؤوس البغاة واطمأنت نفوس الناس بجهود هذا الأمير الذي أيده الله سبحانه، ثم دعا له أن يحفظه الله دائماً ليقضي على أعداء الدولة البغاة… يقول في ذلك:

في مليك أرضى الإله تعالى

  قد توالى النصر الذي قد تغالى  

نَ وقاد الجيوشَ والأبطالا

  وحمى الملْكَ والممالكَ والديـ  

سِ الذي عزمُه يدكُّ الجبالا

  الأميرُ المهيبُ أرغونُ ذو البأ  

أن بغى بيبغا ورام القتالا

  سار من جِلِّقَ إلى لُدَّ لما  

وانثنى خائباً وولّى القذالا

  فتخلى الشيطانُ عن كل غاوٍ  

ليس يدري المضاءُ منها كلالا

  ثم حُزَّتْ رؤوسُهم بسيوفٍ  

أعينٌ ما رأَتْ زماناً خيالا

  فاشتفى المسلمون منهم وقَرَّتْ  

في جميعِ الأمورِ حالاً فحالا

  يا مليكاً له الإلهُ مُراعٍ  

وكسا وجهَك الجميلَ جمالا

  إن رباً أعطاك نصراً عزيزاً  

لتُفْنِي من العِدا الآجالا ([64])

  فلك اللهُ حافظٌ حيثما كنْت  

أما في العهد العثماني فقد قامت ثورات سياسية في البلاد العربية ، منها ثورة آل جانبولاذ، وثورة المعنيين، وثورات الشهابيين، وهناك ثورات في الحجاز، وفي اليمن وفي عمان وإمارات الخليج العربي، وفي الكويت والعراق والمغرب العربي، وكان الدافع إلى معظمها التوسع على حساب الآخرين. ووراء بعض حركاتها الاستعمار كما في ثورة علي بك الكبير وثورة محمد علي باشا الذي أراد أن يتوسع على حساب الدولة العثمانية، وثورة الشريف حسين على الدولة العثمانية بتحريك من الإنجليز([65]).

ومن هذه الثورات التي كان هدفها مطامع داخلية ما قام في أراضي الجزيرة العربية إذ كان الشريف أحمد بن عبد المطلب ([66]) يحكم الحجاز، فنازعه «الشريف أحمد بن مسعود»([67])  على سلطته، وسافر إلى اليمن سنة 1038هـ ليستعين بإمامها محمد بن القاسم ليحكم مكة المكرمة، وقد قرظه في مدحة ندد فيها بالشريف ابن عبد المطلب فجعله لا يخاف أحداً ، وأثنى على الممدوح البطل الأبي المعروف بأصالة حسبه ونسبه وكان ينتمي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم طلب منه أن يعينه في إنقاذ مكة المكرمة من عدوه، وذلك بقوله:

لأعداءِ دينِ اللهِ في الهزلِ والجِدِّ

  فيابنَ رسولِ الله جئتُك شاكياً  

ولم يَخْتَشُوا في الفسْق من قاهرٍ فَرْدِ

  زعانِفَةٌ لا يُنكرون قبيحةً  

حليفِ الوغى في اللهِ والسيفِ والحمدِ

  ولا من أميرِ المؤمنين محمد  

وأوفى الكرامِ العز في العَقْد والوَعْد

  أعزُّ ملوكِ الأرض فرعاً ومحتدا  

من اللهِ بالفتحِ المُعَوَّضِ والجد ([68])

  أغِثْ مكةً وانهَضْ فأنتَ مُؤيَّدٌ  

  ولكنه لم يحصل على أمنيته فتوجه إلى إسلامبول واجتمع بسلطانها مراد الرابع وقرظه بمدحة فخر فيها بنسبه الهاشمي، كما أثنى على السلطان لبطولته، وبين أنه   يدافع عن دين الله سبحانه وعن بيته الحرام وقبر نبيه صلى الله عليه وسلم، ثم عرض له مشكلته التي تكمن فيما تعرض له من عذاب، وبين أنه لا يستطيع أحد أن يدفع عنه الظلم والطغيان إلا السلطان فهو وحده الذي يجعل حياته برداً وسلاماً عليه حين يسند إليه الشرافة ، لأن السلطة الآن بزعمه باتت بأيدي أناس يستحلون الحرام، ثم دعا له أن يجزيه جده رسول الله صلى الله علييه  وسلم خير الجزاء، يقول في ذلك:

وقاداتِ الهواشمِ لا هشاما ([69])

  فنحن بنو الفواطمِ من قريشٍ  

واِبْنُ مليكِها يَمَناً وشاما

  مليكُ الأرضِ والأملاكِ طرّاً  

ولا قَوَدٌ عليه ولا أَثَاما

  ويُجري من دمِ الأعداءِ بحراً  

ودينِ اللهِ والبيت الحراما

  وخادمُ قبر طه بالمَواضي  

ولا عُذْراً أسوقُ ولا احتشاما

  فيا ملكَ الملوكِ ولا أبالي  

يكونُ بنورِك العالي سلاما

  صُلِيْنا من سمومِ القَيْظ ناراً  

بقربي منك فيه لن يُساما

  فخُذْ بيدي وسَنِّمْنِيْ محِلاً  

زعانفُ يستحلُّونَ الحراما

  فقد لعِبَتْ ببيت اللهِ حقاً  

شفيعٌ عَفْوُه يُطْفِيْ الأَواما ([70])

  وفي أملي بأن يَجْزيك عني  

   أما في العراق فقد مدح الشاعر «عبد الغفار الأخرس»([71]) والي العراق مدحت باشا الذي قمع ثورة في الإحساء ونجد سنة 1288هـ، وقال له:

بقُدومٍ منكَ إقبالاً وسَعْدا

  سَعِدَتْ نجدٌ إذ وافَيْتُ نجدا  

فاسترَدَّ المُلْكَ أهلُوْه فرُدّا

  كان كالضائعِ مُلْكاً هَمَلاً  

قبل عَلْياكَ له مَنْ يَتَصَدّى

  إذ تصدَّيْتَ لأمرٍ لم نجدْ  

بفريقٍ صالحٍ سارَ مُجِدا

  مُنجِداً مُسْتنجِداً أنقَذْته  

أورثَتْهم بعدَها عزاً ومجدا

  بذلوا أنفسهم في خدمةٍ  

والحُسامَ العَضْبَ والرُّكْنَ الأَشَدّا 

  دُمْتَ للدولةِ عَيْناً ويداً  

فهو يبين أن الإحساء كانت قد تعرضت للخطر ولكن الوالي المذكور ردها إلى حوزة الدولة وأنقذها من الأعداء برجال بذلوا أرواحهم لإعلاء شأن البلاد فاعتلى ذكرهم فيها، ويدعو الشاعر أخيراً للممدوح أن تستمر رعايته للدولة ومساندته لها.

وفي المغرب العربي قامت ثورة غياثة ضد السلطان الحسن بن محمد([72]) ولكنه انتصر على مثيري الفتنة فأثنى عليه الشعراء ومنهم السيد العربي المشرفي([73]) إذ بين أن القبائل الثائرة خضعت له بالقوة بعد أن رأت فتحه العظيم، وكانت ترجو النصر ولكن السلطان قمعها وعاقب أهلها لأنهم لا يستحقون العفو لغدرهم ولذلك كان الله لهم بالمرصاد، يقول:

لما أُحِيط بهم كالغِلِّ في الجِيْدِ

  أتتْ قبائلُ ذاك الجوِ مُكْرَهَةً  

وشاهدوا الفتحَ لم يكن بمشهود

  وأذعنوا رَغْم أنفهمُ وأعيُنِهم  

نفوسُهم بأضاليل وتَمْريْد

  سُحْقاً لهم طالما مَنَّتْهُمُ كذباً  

لستم بأهلٍ لعفونا وترديد

  ناداهم الضيغمُ السلطانُ إنكم  

منكم وربُّنا للأعدا بتَرْصِيد ([74])

  مذ عُدْتُم عُدْنا وكان اللهُ منتقِماً  

ب- الثورات الدينية :

وهي الثورات التي كان يوقد نارها وازع ديني نتج عن رغبة في إصلاح خطأ شاع في المجتمع آنذاك ، ومن هذه الثورات الحركة الوهابية([75]) التي قامت لتحارب بدع المتصوفة المنحرفين أو الملحدين، أو التي قامت على بدع ضالة وتزيّت بزي الإسلام وهو منها براء

كالثورة المهدية([76]) في السودان، والدرقاوية([77]) في الجزائر، والزيدية في اليمن([78]) أو التي قام بها ذوو الملل الأخرى معتصمين ضد المسلمين كثورات النصارى في بلاد الشام ومصر ([79]) .

فالحركة الوهابية ثارت على الدولة العثمانية وكان التصوف قد انتشر في عصر الدول المتتابعة انتشاراً كبيراً، وتعددت فرقه وكثرت انحرافاته، فقام «محمد بن عبد الوهاب» زعيم الحركة بالدعوة إلى العودة بالإسلام إلى صفائه ونقائه ولكنها تطرفت – فيما أرى- حين كفّرت الدولة العثمانية وحرضت على حربها ، وعدت ذلك جهـاداً في سبيل الله إذ قال شاعرها «حسين بن غنام» في معرض مديحه «لمحمد بن سعود»:

مساعِيْهِ أهلَ الخير فانتظموا سِمْطا

  وقد وَلِيَ الإحسا سعودٌ فأسعَدَتْ  

مذاهبُهم فيها وما أبصروا غَمْطا

  وأَبْعَدَ أهلَ الشركِ عنهاوأُبْعِدَتْ  

وعلماً وتحديثاً بذا تسمعُ اللَّغْطا ([80])

  فليس ترى إلا مفيداً وهادياً  

فالشاعر يثني على ابن سعود الذي وحد أهل التوحيد من الوهابية، وأبعد أهل الشرك من الدولة حتى لم يعد في مناطق نجد إلا الفضلاء والعلماء.

ويثني عبد الجليل الطباطبائي([81]) على الإمام فيصل بن تركي آل سعود([82]) لأنه أقام شرع الله بقوة وهمّة، وكان حاكماً مهيباً في الحرب مرجُوّاً في السلم لشدة بأسه وكثرة عطاياه، وهو صبور في أيام الخطوب، وقد حكم البلاد خلفاً لوالده ولأنه كان يتمتع بالتقوى ويحكم بما أنزل الله ولهذا فقد كان عهده عهد خير وقد ازينت به بلاده، يقول في ذلك:

وبالعزِّ والعدلِ العميمِ وبالرشد

  إمامٌ أتانا بالمسِّرة والهنا  

عراه وقام الحقُّ في شدةِ العَضْدِ

  به شدَّ أزر الدينِ واستوثقَتْ به  

ففي الحربِ يسطو سَطوةَ الأَسَدِ الوَرْد

  يُهاب ويُرجى حارِباً ومُسالماً  

ولا جازعٍ أَنْ قيل يا أزمةُ اشتدّي

  صبورٌ على اللأواء غيرَ مُوقَّفٍ  

وبالحُكْمِ بالشَّرْع الشريف عن المهدي

  فيا ملكاً بالإرثِ سادَ وبالتقى  

به زانتِ الدنيا لكلِّ أخي وُدِّ ([83])

  لقد طابَتِ البشرى بمقدمِك الذي  

وأما الحركة المهدية وهي حركة الطريقة الصوفية السُّمّانية فقد ادعى رئيسها «سيد محمد أحمد» أنه المهدي المنتظر وأن كرامات قد ظهرت على يديه، منها أن الله يمدهم بالملائكة وأن النار تأكل أجساد أعدائهم ولا تأكل أجسادهم، وقد كفّر الدولة العثمانية وجميع من لم يتبعه، يقول شاعرها الحسين بن الزهراء([84]):

وجُنْدُ مَهدِيّ الورى أَمْجادُ

  الأمرُ جدُّ والخطوبُ جِدادُ  

فرنَتْ له الأرواحُ والأجساد

  نادى بها ذو الصُّور يطغى نورُها  

في جيشِ مَهْدِيِّ الورى أجناد

  لم لا وأملاكُ السموات العلا  

كَذِبٌ أتى منه له وعناد

  واحذَرْ تَقَوُّلُ ذي اعتداء جائر  

جُمْلَ الصلاةِ كذا السلامُ يزاد

  وعلى النبيِّ محمد خير الورى  

فُتِحَتْ بأسيافِ الرَّشادِ بِلادُ

  ولآله والقائمِ المَهْديِّ ما  

فالشاعر يعتقد أن جنود المهدي من الملائكة، وعلى الإنسان أن يصدق مقولته هذه لا مقولة أعدائه الذين يفترون خلاف ذلك -بزعمه-، ثم يصلي على النبي  صلى الله عليه وسلم وعلى المهدي زعيم  الحركة ويلقبه بالقائم، ويعده من الفاتحين الراشدين.

ويقول الشاعر «محمد عمر البنا»([85]) في مديح أحد قوادها ويدعى «عثمان دقنة» ،الذي اعتلى -برأيه- المجد حين أعلى ذكر الدين وقضى على المشركين، وقد أمده الله بملائكته لأنه ينجد المستغيث به حين لا مغيث :

بفَخاره والطاهرُ المجذوبُ

  عثمانُ دَقْنَةُ مَنْ رقى أوجَ العُلا  

والشِّرْكُ حَلَّ بربعهِ التخريبُ

  والدينُ أصبح ضاحكاً في ثغرِهم  

راياتِ نصرٍ للبلادِ تجوب

  وأمدَّهُمْ جيشُ الملائِك ناشراً  

عدِمَ النصيرَ صريخُها المكروب ([86])

  وأميرُهم عثمانُ أهلكَ أمةً  

وشبيه بهذه الحركة «الحركة الزيدية» في اليمن إذ حرضت على قتال العثمانيين لمخالفتهم بزعمها معتقداتهم الدينية، وعدت حروبهم جهاداً في سبيل الله، وكان شاعرها «أحمد الآنسي»([87]) يحرض إمام اليمن «علي بن المتوكل»([88]) على هذه الحرب، ويدعو إلى مجالدتهم ليعلو مذهبه الزيدي بكل بطل يفتك بأعدائه، ثم يروح يذكره بمجزرة كانت على يديه في مسجد النور، ليعيد الكرة عليهم، بوصفه الخليفة الذي تذعن الأبطال له بحد سيفه الذي يشابه في قوته سيف علي بن أبي طالب،الملقب بذي الفقار يقول:

فَحُقَّ على البيضِ المواضي تعودُها

  نفوسُ الأعادي آنَ منها وعيدُها  

فإنَّ رقابَ المارقين عمودُها

  ألا أصلِتوها للجهاد صوارماً  

يفلُّ به عندَ الحروبِ عديدُها

  وللمذهب الزيديِّ كلُّ عَضَنْفَرٍ  

رؤوساً إلى يوم المعادِ سجودها

  ألم تذكرُوا في (مَسْجِد النور) منهم  

فقد وجَبَتْ تلكَ الحروبُ تُعيدُها

  أعِدْها أميرَ المؤمنين عليهم  

بكفِّ علي للأعادي يُبيدها

  ولا سيفَ إلا ذو الفقار فإنه  

خلافتُك الغَرّا وأنتَ عمودها

  وهذا عليٌّ بل وأنت محمدٌ  

وتعنُو له عند الحروبِ أسودُها

  هِزَبْرٌ تحاماهُ الملوكُ لبطشِه  

ج- الثورات الاجتماعية:

برزت في المدائح أيضاً أحاديث عن الثورات الاجتماعية، ولاسيما ما يتعلق منها بهجمات البدو للسلب أو للنهب، أو للأخذ بالثأر، و كان الولاة يقمعونها ويخلصون الشعب من لأوائها فتلهج ألسنته بالدعاء لهم والثناء عليهم.

فالشاعر البوصيري ذكر ثورة أعراب في منطقته في مدحة له لوالي القاهرة الذي يدعى أَيْدَمر عز الدين([89]) فبين أنهم عصوا أمر الوالي لسوء أخلاقهم وشؤم خلالهم ،وقد ادعوا أنهم عرب، ولو كانوا كذلك لحفظوا العهد، لأن العرب أوفياء، ولكن هؤلاء مفسدون ولقد اشتكى منهم الناس جميعاً، وكان الوالي قد عاملهم بالمعروف واللين، ولكن لؤم طباعهم، جعله يستعمل معهم السيف، وكانت جهنم لهم بالمرصاد بعد قتلهم، يقول في ذلك:

الشُّؤْم شِيْمَتُهُمْ واللُّؤْم والدَّبَرُ

  عَصَتْ عليه أناسٌ لا خَلاق لهم  

فقلْتُ لا عَرَبٌ أنتمْ ولا حَضَرُ

  تَلَثَّموا ثم قالوا: إننا عَربٌ  

ولا بيوتُكُم شَعْرٌ ولا وَبَرُ

  ولا عهودٌ لكم تُرْعى ولا ذِمَمٌ  

والمُفسِدون إذا أكرمْتَهُمْ بَطِروا

  لمّا علمْتَ بأن الرفْقَ أبطَرَهُمْ  

وفي العقوبات للطاعين مُزْدَجَرُ

  زجرتَهُمْ بعقوباتٍ منوَّعةٍ  

ومن وراءِ تَلَقِّيْهم لها سَقَر

  مَوْتاتُ سوءٍ تَلَقَّوْها بما صنعوا  

    ثم يبين أنه نصح هؤلاء الأعراب ، وحذرهم من سطوة الوالي ، ولكنهم لم يرعووا عن غيهم ، ولهذا استحقوا النهاية المشؤومة ، وقتل رئيسهم الطاغية ، يقول في ذلك :

وصّى الحكيمُ بنيه وهو محتضر

  وكنْتُ وصِّيتُهُمْ أن يحذروك كما  

وقد بدَتْ للورى في موتِهِ عِبَرُ

  فبان نُصحي لهم إذ ماتَ ناظرُهمْ  

     ثم طلب البوصيري من الحاكم أن يطهر الأرض منهم لأنهم خبثاء ، ولو غسلهم ماء البحر لما صفت قلوبهم لحقدهم ، ولو ظفروا بأحد لقتلوه شر قتلة ، ولذا فهو يرجو الله سبحانه أن يحميه من فسادهم وذلك في قوله :

لو يغسلونهُم بالبحرِ ما طهُرُوا

  فطهِّرِ الأرضَ منهم إنهم خَبَثٌ  

لا يرحمون ولا يُبْقُون إن ظَفِرُوا([90])

  نيرانُ شرّ كفانا الله شرَّهم  

والشاعر أحمد العليف يمدح الشريف بركات بن نمي الذي قمع ببطولته فتنة بني زبيد حينما كرروا اعتداءهم على الحجاج وقتلوا منهم ونهبوا، ويبين أنه أذاق العدو كأس الموت والفرار حتى غدا رئيسهم أسيراً :

فتصدرٌ عنه وهو جَذْلانُ ضاحكُ

  فتى تردُ الآمالُ مُنْهَلَّ جودِه  

له عَزَماتٌ في القلوبِ سوالك

  يذودُ عن المجدِ الأثيلِ بطاعنٍ  

ومن قبلِها في الغُمْدِ لا يتماسك

  أباد العِدى فاستَدْرَكَ السيفُ فوتَه  

فضاقَتْ عليه بالرحابِ المسالك

  أخذْتَ عليه كلَّ نَقْبِ ثَنِيَّةٍ  

فأصبحَ مملوكاً ومن قبلُ مالكُ ([91])

  ولم ينجِهِ منك الفرارُ لحيْنه  

 ولما زادت اعتداءات العجمان سنة 1275هـ حرض الشاعر «أحمد بن علي بن مشرف» الإمام فيصل آل سعود على قمع حركتهم، وبدأ قصيدته بمقدمة غزلية تحدث فيها عن صعوبة التقاء الشاعر بمن يحب بسبب الغارات، وتساءل هل كان ولاة الأمر غافلين عما يحدث في دولتهم من فساد في الأرض وتربص بالمسلمين دون أن يخاف المفسدون أحداً، ثم طلب من الإمام أن لا يحتقر من الخصم الضعيف ضعفه، فإن خراب سد مأرب كان من جرذ، وأن يمزق جماعات هؤلاء البغاة بجيش كثيف يقضي عليهم، حتى ينصاعوا لشرع الله ودينه فالسيف يقوم المعوج إن لم ينفعه بذل المال :

أحاطَتْ بها الأعداءُ من كل جانبِ

  أنا في رُبى نجد وأنت ببلدة  

جهاراً ولا يخشَوْن سَوْطاً لضاربِ

  يُغيرون في أطرافِها وسُروحِها  

وكم أفسدوا في سُبْلِها بالنهائب

  فكم قَعَدُوا للمسلمينَ بمَرْصَد  

نِيامٌ فهم ما بين لاه ولاعب

  فيا ليت شعري هل سراةُ حُماتِها  

بنفسِك أو بلِّغْه معْ كُلِّ راكب

  فقل لإمامِ المسلمين وسِرْ له  

فكم خَرَّبَ الجُرْذِيُّ في سَدِّ مأرب

  ولا تَحْقِرِ الخَصْم الضعيفَ لضَعْفِه  

بريحِ سمومٍ من لظى الحربِ حاصبِ

  وَفرِّقْ جماعاتِ الضلال وحزبِه  

وينقاد للإسلام كل محارب

  إلى أن يكون الدين لله كله  

إذا لم يُفِدْ بذلُ الحَبا والمواهب ([92])

  ومَنْ كان مُعْوَجّاً فقوِّمْهُ بالظُّبا  

5- مجالات أخرى للمديح:

كان الشعراء يغتنمون أي فرصة ليقرظوا ممدوحيهم فينالوا عطاءهم، أو يحظوا بآمالهم منهم، أو يعبروا من خلال قصائد الثناء عن إعجابهم بهم، فالشاعر صفي الدين الحلي أثنى على السلطان الناصر محمد بن قلاوون لحمايته حوزة الدين، فجعل الملوك قاطبة تخاف بأسه، والدنيا تشيد بمحامده ، وهو يرجى خيره ويخاف من سطوته، لأنه إن حارب ملأ القلوب فزعاً، وإن أعطى أعطى الكثير، يقول في ذلك:

صِيْدُ الملوك مَشارِقاً ومَغارباً

  الناصرُ الملكُ الذي خضعَتْ له  

من ذكره مُلِئَتْ قناً وقواضبا

  لم تَخْلُ  أرض من ثَناه وإن خلَتْ  

وعزائم تذرُ البحارَ سباسِبا

  بمكارم تذرُ السباسِبَ أبحراً  

مثلُ الزمانِ مسالماً ومحاربا

  تُرْجى مواهبُه ويُخْشى بطشُه  

وإذا سَخا ملأ العيونَ مواهبا ([93])

  فإذا سَطا ملأَ القلوب مهابةً  

وحينما بنى السلطان حسن بن قلاوون (748-752هـ) مدرسة عظمى وأوقف لها الأوقاف قرظه الشاعر الصفدي لأنه أعلى شأن الدين، ودعا له بدوام سلطانه ومجده:

مشكورةٌ فينا بكل لسان

  أيامه من يُمْنِها وأمانِها  

ورماهُم بالخِزْي والخُسْران

  قهرَ الأعادي بأسُه فأذلَّهُمْ  

للفُقْهِ والتحديث والقرآن

  وبنى بقاهرةِ المُعِزِّ مدارساً  

فتراه وهو مُشَيَّدُ الأركان

  والشرعُ قد أعلى الإلهُ منارَه  

محروسةً في السرِّ والإعلان ([94])

  فلأجل ذا تمتدُّ مُدَّةُ حكمِه  

وعندما نفى الفرنسيون عبد القادر الجزائري([95]) خيّره السلطان عبد المجيد بالسكنى في أي أرض من مملكته فانطلق لسانه بالثناء عليه ووصفه بأنه  الخليفة الماجد ابن الخلفاء الأكرمين الذي حموا دين الله ونشروه بأموالهم وأنفسهم، كما فرجوا كرب الكثيرين، يقول :

وجَلّ قدرا كما قد عمَّ أفضالا

  عبدُ المجيدِ حوى مَجْداً وعَزَّ عُلاً  

شادُوا عُرا الدين أركاناً وأطلالا

  فرعُ الخلافةِ وابنُ الأكرمينَ ومَنْ  

كم فكَّكُوا عن رقابِ الخلقِ أغلالا

  كم أزمة فرَّجُوا كم غُمَّة كشَفوا  

في نصرِه بذَلُوا نفساً وأموالا

  أنصارُ دينِ النبي بعد غَيْبَتِهِ  

يحمِي الشريعةَ أقوالاً وأفعالا

  ما زالَ في كلِّ عَصْرٍ منهم خَلَفٌ  

من آل عثمانَ أملاكاً وأقيالا ([96])

  حتى أتى دهرُنا في خيرِ مُنْتَخَبٍ  

ثانياً المدائـح غيـر الرسمية:

وهي المدائح التي لم توجه إلى السلاطين أوالمسؤولين بل إلى علماء وأصدقاء، أو إلى من تربطهم بالشاعر علاقة ما، وقد جاء معظم هذه المدائح في قصائد إخوانية تنم عن علاقة وطيدة بين الطرفين، أو في صورة تقريظ للكتب، أو ضمن أسئلة علمية تعد من الشعر التعليمي، أو من خلال قصائد تحوي ألغازاً يطلب حلها، أو ضمن التأريخ الشعري،  وقد يكون المديح لأهالي منطقة ما عرفت بالفضل والنبل .

وعلى هذا فإن المدائح في هذا العصر جاءت في قصائد مستقلة حيناً، أو تخللتها نماذج مما ذكر أحيانا أخرى .

فمن المدائح الإخوانية ما قاله الشاب الظريف([97]) في مدح قاضي القضاة حسام الدين الرازي (ت699هـ) إذ أشاد بثقافته وعلومه فهو قد سبق الناس جميعهم بها، كما أشاد بنسبه الحميد وجوده حتى إن الغمام ليخجل منه لأنه أقل منه كرماً وعطاء:

مِ الدين منها البطاحُ والكثُبُ

  وحبذا الشامُ سَمَتْ بحسا  

فعلاً وطابوا أصلاً إذا انتَسَبوا

  من معشر قد سمَوْا وقد كرُموا  

من أجلِ هذا تبدِيْ الحَيا السُّحُبُ

  وتخجلُ السُّحْبُ من أكُفِّهِمُ  

فما لقُوا شأوَهُمْ ولا قرُبوا ([98])

  سابقَهُمْ في علومهم نفرٌ  

ومن مدائح تقريظ الكتب، ثناء أحمد مبارك شاه[99])) على ابن حجر العسقلاني إبان تقريظه لكتابه "شرح صحيح البخاري " إذ بينً فضله العميم على البشرية، لأنه قدم لها أهم كتاب في السنة الشريفة، وكانت أحاديثه تنير معالم الدين وتبهج النفوس وتسعد من يحضرها، وتجعل ساعات يومه أحلى من العسل، ولقد فاق المؤلفين طراً بهذا العمل الجليل، فضلاً عن مجالس قضائه التي يحوز بها رضوان ربه، يقول في ذلك:

زكيٌّ على الآفاقِ يُشْرِقُ بالهدى

  شهاب ضياء الدين من نور فضلِه  

من الشهدِ أشهى حين يَحْضُر مَشْهدا

  له منطقٌ في كل عَقْدٍ يُحلُّهُ  

فصار بتأليفِ الحديثِ مُزَهِّدا

  وزهَّد في التأليفِ كلَّ مؤلِّف  

ترى فيه ما فيه الخلاصُ له غدا ([100])

  إذا ما حضَرْتَ اليومَ مجلسَ حُكْمِه  

وقد يأتي المديح ضمن أسئلة علمية يوجهها طالب للجواب، فالشاعرة «فاطمة بنت الكمال محمود بن شيرين([101]) أثنت على أحد العلماء ثم عرضت سؤالها :

كلٌّ به بين الورى مُقتدِي

  يا أيها الحِبْرُ الإمامُ الذي  

بالأمسِ من ضيقِ وكُنْ منجدِي 

  أسألكَ أن تُفرج ما نالني  

 فأجابها:

هُدِيْتَ للخيراتِ يا مُسْعدِي

  يا سائلي بمدحهِ مُبْتَدِي  

من ضيقِ صدرٍ صارَ منه صَدِيْ

  ومُبتغِي تفريجَ ما ناله  

ثم جاء الجواب:

والملاحظ أن الشاعرة والعالم التزما البحر السريع وروي الدال المكسورة، حتى إن العالم خفف همزة «صار منه صدئاً» فتحولت إلى ياء فسكنها للضرورة الشعرية ، وهذا الالتزام بالوزن والروي كثير في الإخوانيات .

ومن المدائح التي تحوي تأريخاً شعرياً قول عبد الحليم اللوجي([102]) في تقريظ كتاب  سلك الدرر وكان قد نسخه في 1211هـ وأرخ هذا بقوله :

قد عبقَتْ أم نشرُ مسك عَطِرِ

  أهذهِ أزهارُ روضٍ نضِرٍ  

قد تُلِيَتْ مَصُوغَةً في فِقَرِ

  أم هذه أخبارُ قوم مَضْوا  

لها وما يرُوْقُ كلَّ بَصَرِ

  أتَتْ بما يُعْجِبُ كلَّ سامعٍ  

فاحَ شذاها كعبير الزَّهَرِ

  فيا لتاريخٍ حوى مآثراً  

للهِ ما أجملَ سِلْكَ الدُّرَرِ) 1211هـ

  قد قال إذْ أرَّخَها (متمُّه  

تحريرُه إذْ كان بالنَّقْلِ حَريْ

  هذا وقد تمَّ بحمدِ اللهِ لي  

ركن المعالي الأوحدِ الشهمِ السَّري

  برسمِ كنز الفضلِ مُفْتِي جِلِّق  

حاوي المزايا والسجايا الغُررِ

  ربِّ الفخار والوقار والعلا  

ومن المدائح غير الرسمية أيضاً أن يمدح أهالي مدينة بأسرها لنبل أخلاقهم أو فعالهم، على نحو ما فعل الشاب الظريف حينما قرظ مدينة حلب ومن ضمتهم بين جوانحها، إذ دعا لها بدوام الخير لأن أهلها آل حدب على الغرباء والضيفان وهم يبدون لهم كل كرم ومودة :

أرضاً فَخُصَّتْ بأوفى قطرِه حَلَبُ

  إذا سقى حَلَبٌ من مزنِ غادية  

أجابَكَ الأشرفانِ الجودُ والحَسَبُ

  أرضٌ إذا قُلْتَ مَنْ سكانُ أربُعِها  

كأنما لك أمٌّ منهم وأبُ ([103])

  قومٌ إذا زرتَهُمْ أصفَوْك وُدَّهُمُ  

ثالثاً- سمـات المدائح:

بعد هذا التطواف مع قصائد المديح على اختلاف ألوانها وأعصرها، وتعدد شعرائها يمكنني أن أجمل سماتها بما يأتي:

1- كانت المدائح ترجماناً يحكي أوضاع الدولة الإسلامية في رقعتها الواسعة وعلى امتداد حوالي سبعة قرون، إذ تحدثت عن جهود المسؤولين في صد هجمات التتر والصليبيين ، وقمع الثورات الداخلية السياسية منها والدينية والاجتماعية.

2- كما كشفت عن النشاط الثقافي الذي كان ينتشر في أرجاء البلاد من خلال مدائح العلماء خاصة وتقريظ كتبهم وأعمالهم الثقافية.

3- لم تعد المدائح تقتصر على القصائد التقليدية وإنما برز المديح في مظاهر جديدة كالإخوانيات التي كثرت كثرة ملحوظة في هذا العصر، وتقريظ الكتب والألغاز، والأسئلة العلمية والتأريخ الشعري، وقد طالت هذه الأنواع حتى حوت قصيدة الألغاز مثلاً أربعين بيتاً، وبدأ بعضها بمقدمات تقليدية كالغزل..

4- لم تعد المدائح تقتصر على الثناء على البشر، وإنما وجدت مدائح للمدن يشيد الشاعر من خلالها بأهلها وكريم خلالهم.

5- حوت المدائح معظم الفنون الشعرية من غزل وحكمة وشكوى وأشواق ووصف… وسأدرس هذه الفنون مستقلة .

6- أبرزت المدائح القيم المثلى التي يمتع بها الحاكم وولاة الأمور وعلماء الأمة من شجاعة وكرم وهيبة وتقوى، وقد حدد ابن رشيق الفضائل التي يقصدها المادحون وتكمن في «العقل والعفة والعدل والشجاعة، ولهذا يذكر الشعراء العلم والحلم، والصدع بالحجة، والذكاء وهذه من خلال العقل، ويتحدثون عن النكاية بالأعداء والمهابة، وعن السير في الفيافي وهي من الشجاعة ([104])، وتشير هذه الصفات إلى ما يعجب به الإنسان في ذلك العصر، وما يتطلبه من المسؤولين فيه وهي:

أ- الشجاعة : وتنبع من إحساس الشاعر برغبته في الخلاص من الشر الكامن في العالم، وإعجابه بمن يساهم في القضاء عليه ، ويقدم روحه في سبيله، ولهذا فإنه يمجده ويثني على مثله التي ضمها بين جوانحه ([105])، وقد يبرز ذلك في مشهد بطولي لحدث واقعي، أو يذكر عرضاً في صفات أخر يتحلى بها الممدوح، إلا أن مدائح العلماء والقضاة قلما تتطرق إلى ذلك ([106])، ولكل مقام مقال. أما السلاطين فيطيل الشعراء غالباً في الحديث عن شجاعتهم، ولاسيما إن استدعى الموقف ذلك، فالشاعر «إبراهيم البقاعي» أشاد بفتح السلطان "محمد الفاتح" للقسطنطينية وتحدث عن عزيمته الجبارة في تصديه لهذا العمل وشبهه بالليث مع جنوده البواسل، وأفاض في الحديث عن بطشه بالأعداء في مشهد بطولي رائع قال فيه:

وقد قارَنَتْكُمْ للإله سعود

  لقيْتَهُمُ يومَ الثلاثاءِ بُكْرَةً  

بحربٍ له شمّ الجبالِ تميد

  وخُضْتَ إليهم غمرةَ البحرِ في الضحى  

وكم لك في خوضِ الحروب وُرُوْدُ

  وكنْتَ أشدَّ الناسِ حزماً وجرأة  

فأمسى به للعاوياتِ يجود

  بعثْتَ إليهم عسكرَ الموتِ أسهماً  

وما منهم إلا لديك حصِيْد

  وعادوا كلمحِ الطَّرْفِ جلداً ممزقاً  

فكلُّ قضاء جارَ فيه سديد

  أقمْتَ عليهم قائمَ السيفِ حاكماً  

جموعٌ وكم جُزَّتْ هنالِك جِيْدُ

  وقُتِّل أبطالٌ جِلادٌ وفُرِّقَتْ  

ليوثُ عرين في الغمامِ تَرُوْد ([107])

  وكنتُمْ ضحىً تحتَ العجاجِ كأنكم  

فالشاعر هنا يعرض علينا في هذا المشهد الحربي صورة للقائد الفاتح الحازم الذي قاد جيشه إلى الحرب، وكان اللقاء في صبيحة الثلاثاء عند الضحى، وقد حدّد زمنه ليضفي على النص معنى الواقعيةوذكر أنه قد جاءالعدو بحراً في جيش كثيف وكانت معركة شعواء زلزلت الأرض، وليس ذلك بغريب على هذا البطل الذي كانت له تجارب وخبرة في الحروب، وقد أشبع الوحوش من لحوم الأعداء بعدما حصدهم، ولهذه الصفة المشبهة (حصيد) التي جاءت في أسلوب القصر أثرها في الإيحاء بإفنائهم، وكان قضاؤه عليهم هو الحكم العدل المصيب في هذه المعركة التي بدا فيها وجنوده كأسود بواسل، تقتحم غمرات الحرب غير مبالية بشدتها، وكانت أرض المعركة تبدو لتصاعد النقع فيها كسحاب يجول فيه الفرسان الميامين.

ب- ومما يتعلق بالشجاعة صفة الهيبة فهي تساند البطولة وتجعل العدو يخاف لقاء الممدوح، فالشاعر "حميد بن حمد بن زريق"([108]) يتحدث عن هيبة سلطانه فيبين أن أعداءه لايجرؤون على نقض العهود خوفاً من هيبته ولأن سيوفه ورماحه تحصدهم حصداً فهي له كالبرائن للأسد، تنهل من دمائهم وتطعن في رقابهم، يقول في ذلك:

لم يبْقِ حسبُك مَنْ لعهد يَنْكُثُ

  إن ابنَ سلطانِ الإمامةِ سالماً  

أبداً محاولة المعالِي تَحْرُث

  ملكٌ لهيبتِهِ صوارمُه له  

بحناجرِ الأعداءِ طُرّاً تَعْبَثُ ([109])

  ليثٌ براثنُه الرماحُ وإنها  

ج- ولعل سمة الكرم من أهم الصفات التي يقرظ بها الممدوح، إذ هي المحرك الأول للثناء على الممدوح عند كثير من الشعراء، وذكرها يثير مشاعر ممدوحيهم فيزيدون في عطائهم ويولونهم رعايتهم وعطفهم، ولكن ابن رشيق شرط أن يكون الاقتضاء([110]) لطيفاً يعرض فيه الشاعر فقره ليستدر عطف ممدوحه دون أن يصرح أو يلح كما فعل علي العشاري([111]) حين راح يصور نفسه عبداً ذليلاً بين يدي ممدوحه، ثم أردف قوله بوصف بؤسه الشديد وضيق ذات يده وسوء حاله، ثم شكا لممدوحه وجعله الوحيد الذي يستطيع أن ينقذه من محنته التي أغرقته بلأوائها، فهو الكريم المعطاء الذي شابه الغيث والذي يأوي إليه ذوو الحاجات فيخلصهم مما يعانون، كيف لا وهو كالأب الشفوق والأخ المعين لكل محتاج وغريب، فضلاً عن جوده على ضيفانه، يقول :

صفرُ اليدينِ بلا ورْق ولا ورَق

  مولايَ عبدُك في همٍّ وفي قَلَقٍ  

وسوء حال من الإفلاسِ والحرق

  واهي المعيشة في ضيقٍ وفي نكَد  

وأنت منقذُه من لُجَّة الغرق

  لا مالَ في يده والفقرُ أوهنه  

كالغيثِ هلَّ فعمَّ الناسَ مُنْدَفِق

  أنت الجوادُ الذي أضحَتْ مكارمُه  

نَعَمْ، ويخرِجُه من أضيقِ الطرق

  يؤمُّه العاجزُ الملهوفُ ينجدَه  

وللغريب مُعينٌ والضعيفَ يقي ([112])

  أبُ اليتيم وللمحتاج نعْمَ أخ  

د- والتقوى من أهم ما كان يمدح به لأنها تجعل الشاعر يثني على السلطان بوصفه أمير المؤمنين ،وحامي الخلافة والذائد عنها بحزب الله، والمسلمون في أصقاعهم كلها يطمحون إلى العيش في ظلاله ليكشف الغم عنهم ويرحمهم، يقول الشاعر" عبد القادر الجزائري" متحدثاً عن ذلك في معرض ثنائه على السلطان عبد المجيد:

وجَلَّ قَدْراً كما قد عَمَّ أفضالا

  عبدُ المجيد حوى مجداً وعَزَّ عُلاً  

مَنْ لا عهْدنا له في القَرْنِ أمثالا

  كهْفُ الخلافةِ كافيها وكافلُها  

واحفَظْ حماهُ وزِدْهُ منك إجلالا

  يا رَبِّ فاشدُدْ على الأعداءِ وطأَتَهُ  

وذَلِّلَنْ كلَّ مَنْ في الأرض إذلالا

  وابْسُطْ يديه على الغبراءِ قاطبةً  

أبصارُهُمْ نحوه يرجون إقبالا

  فالمسلمون بأقصى الغرب طامحةٌ  

هم الوقايةُ أسواءً وأهوالا ([113])

  همْ رحمةٌ لبني الإيمانِ سائرهُم  

وتبرز سمة التقوى في مدائح العلماء والقضاة كثيراً فالقاضي فتح الله بن عبد الله في رأي" شهاب الدين محمود" عالم جليل تقي، يرجو الدار الآخرة، ويصفح عن الهفوات ابتغاء مرضاة مولاه يوم الحساب، يقول في ذلك:

وإن كفَّ بالصفحِ الجميل انتِقامُها

  تقيٌّ له في الحقِّ نفسٌ أبيَّةٌ  

وقد حازَها، أن النجاةَ اغتنامُها ([114])

  ويغتنمُ الأخرى بدُنياه عالماً  

هـ- والعدل سمة هامة في الحكم والقضاء يحلّ به الأمن والطمأنينة، ولهذا مدح الشاعر العشاري أحد القضاة بذلك فقال:

ومَنْهَجَ العدل والإرشادِ للفِرَقِ

  أوضحْتَ بالحقِّ منهاجاً لطالبه  

وباتَ ساكنُها بالأمنِ من فَرَق 

  يا مَنْ به حلبٌ أحوالُها صَلُحَتْ  

و- والسهر على الرعية والرفق بهم من سمات الحاكم العادل، يقول أبو الثناء محمود في السلطان لاجين متحدثاً عن رحمته بالشعب، فهم في كنفه يدرأ عنهم الأذى، وينكب بمن يريدهم بسوء، ويسهر ليناموا قريري الأعين هانئيها، يقول في ذلك:

ظِلٌّ لهم، وعلى أعدائِهم ظُلَل

  أحاط بالناس سورٌ من كفالتِه  

من رأفة بهم يقظانُ إن غفلوا ([115])

  أضحَوْا به في مهادِ الأرضِ يكلؤُهُمْ  

ز- والفصاحة والبلاغة من مآثر العلماء والكتاب، وقد تفعل كتبهم إلى الأعداء فعل السلاح لما لها من أثر معنوي فيهم، فالقاضي فتح الله بن عبد الظاهر في رأي "شهاب الدين محمود" ، وهو كاتب الإنشاء:

لفي كلِّ أنواعِ العلومِ إمامُها

  إليه انتهى علمُ البيان وإنه  

فألفاظُه وهْي الحياةُ سهامُها ([116])

  تُمِيْتُ العِدا قبل الكتائبِ كُتْبُه  

ح- وحب العلم وإكرام العلماء مما يتمتع به العلماء وولاة الأمور، وهذا " قنصوة الغوري" يكرم العلماء والصالحين، ويستفتيهم في بعض المسائل العويصة، فيقول فيه " أحمد الفرفوري"([117]) :

بحيث إليهم دائماً يتودَّدُ

  مُحِبٌّ لأهلِ العِلمِ والفضلِ والتقى  

تعزّ على دركِ الفهومِ وتبعد ([118])

  ويسأل في العلمِ الشريفِ مسَائلاً  

وهناك سمات أخرى لن أتعرض لها، فالمقام لا يسمح بأكثر من ذلك، ولكن السمة التي لا يمكنني أن أتجاهلها هي المبالغة في الإطراء عند بعض الشعراء مبالغة غير مستحبة أحياناً، إذ لا يعقل أن يخر الملوك سجداً إلى الأذقان بمجرد رؤيتهم للملك الناصر محمد بن قلاوون، وأن تأوي الطير إلى الحصون خوفاً من طوفان يده، وأن اسمه لو كتب على السيوف والرماح لأغنتها عن الضرب والطعن، وتلك مبالغة لا يحتملها عقل واع، وقد ظهرت عند "صفي الدين الحلي" فدلت على تكلفه، يقول:

خرُّوا لهيبتِه إلى الأذقانِ

  ملكٌ إذا اكتحلَ الملوكُ بنورِه  

بنَداهُ لم تأمنْ من الطوفان

  فالطيرُ تلجأ بالحصونِ لأنها  

أغنى عن التَّضْراب والتَّطْعان ([119])

  لو يُكْتَبُ اسمُك بالصوارِم والقنا  

ومثل هذه المبالغة مما تمجه النفس، وتشير إلى أن صاحبها لجأ إلى هذا ليعوض به ضعفاً في أسلوبه أو عاطفته، وإن الوصف الصادق لخير ما يطرى به الممدوح.

7- منهج القصيدة تقليدي، وإن كانت الوقفة الطلية قل ورودها، وبقي الاستهلال بالغزل هو الغالب على القصائد لأنه المحرك للمشاعر والمنشط لها، وينطلق الشاعر بعد ذلك إلى الحديث عن الممدوح بعد أن يشكو دهره ليستدر عطفه إن كانت الغاية هي الكسب المادي.

8- وهذه التقليدية لم تؤثر على وحدة القصيدة في عصر الدول المتتابعة فعلى الرغم من تعدد موضوعاتها في الظاهر بين الغزل والشكوى والمديح إلا أنها بدت متماسكة الأجزاء يربط بينها رابط نفسي، فالشاعر يصف في غزله ما كان يعانيه من محبوبته، وكأنه يرمز بذلك إلى معاناته في حياته ولذلك نراه ينتقل من شكوى هجرانها إلى شكوى فقره، ويروح يثني على ممدوحه ذي الخلال الحميدة، ومنها الكرم ليكون ذلك سبباً إلى عطائه، وبذلك تتحقق الوحدة العضوية بين أجزاء القصيدة.

9- وتنتهي المدحة غالباً بتقديم الشاعر شعره لممدوحه درة ثمينة ، أو  غادة حسناء خطبت كثيراً، ولكن صاحبها لم يقدمها إلا إلى هذا الممدوح الذي يستحقها، أو درة ثمينة، وقد تنتهي بالدعاء للممدوح أو بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم إن كان الممدوح من الأشراف الذين ينتسبون إليه  .

10- الجمال المعنوي لا يبرز إلا من خلال الجمال التعبيري، ويتضح هذا من خلال التئام العناصر الفنية من لغة وموسيقى وتصوير في قالب مقبول، والشاعر إنسان مرهف الأحاسيس يتأثر للنصر، وتهزه الشمائل الحميدة، كما يتأثر بالبيئة المحيطة، ويصدر في أقواله عما اكتسبه من ذوق فني، وقد برز كثير من هذه العناصر الفنية في شعر المديح إلى جوار أخرى فيها تكلف ومبالغات، ولكن المدائح في مجملها كشفت عن خطل الاتهام الذي وجه إلى أسلوب العصر، وستبين دراسة أنموذج منه بعض هذه الخصائص الفنية جلية واضحة.

11- وسنرى عند دراسة الظواهر الموسيقية أن المدائح داخلها تجديد في شكلها الموسيقي، إذ نظم كثيرون تقريظهم على أبحر رقيقة وأوزان خفيفة، وفي أشكال مستحدثة كالمسمطات والموشحات .

12- وأحب أن أبين أخيراً أن بعض الاتهام بضعف الأسلوب سببه أن أسلوب العصر لان بصورة عامة، ولعل كثرة الجنسيات وتعربها سبب للإعجاب بالأسلوب السهل الواضح، والذي فيه زخرف يقل أو يكثر ليناسب العصر والبيئة الحضارية الجديدة، وما ذلك بغريب، فالشعر منذ العصر العباسي بدأت تدخله هذه السمة وتلك.

وهذه دراسة لقصيدة مدحية تعد أنموذجاً لمدائح العصر في مضمونها وشكلها.

رابعاً دراسة نموذج لقصائد المديح:

لعل دراسة قصيدة من قصائد المديح في ذلك العصر يلقي الضوء على أسلوب التعبير في إيجابياته وسلبياته، وقد يغير النظرة تجاه أشعار هذا العصر، وقد اخترت مدحة للشاعر شمس الدين الطيبي في السلطان محمد بن قلاوون ([120]) .

1-سبب القصيدة :

كان السلطان محمد بن قلاوون قد تصدى لغارات التتر في مرج الصفر في دمشق سنة 701هـ، وكان غازان سلطان التتر قد قال «ما جئنا هذه المرة إلا للفرجة في الشام» فخذل الله قائده ونائبه «خطلو شاه» وأباد جيشه إذ قتل ثلثاه، ثم تخطفهم أهل الحصون، وعندما وصلوا نهر الفرات عائدين خائبين قتلهم أصحاب السفن رجالاً ونساء حتى لم يبقوا منهم أحدا، وقد نظم كثيرون قصائد أشادوا فيها بهذه المعركة وبقائدها السلطان، ويقول الصفدي إن هذه القصيدة من أحسن ما وقف عليه وهي تقارب مئة بيت، منها قوله:

والنقعُ يحكي سحاباً بالدِّما يَكِفُ

  برقُ الصوارمِ للأبصارِ يَختطِفُ  

من ريقِ ثغْرِ الغواني حين يُرْتَشَفُ

  أحلى وأعلى وأغلى قيمةً وسنا  

لا بالقدودِ التي قد زانَها الهَيَفُ

  وفي قُدود القَنا معنىً شُغِفْتُ به  

ألذُّ لحناً من الأوتارِ تأْتَلِفُ

  والخيلُ في طَلَبِ الأوتارِ صاهلةً  

كموقفِ الحربِ والأبطالُ تَزْدَلِفُ

  ما مجلسُ الشربِ والأرطالُ دائرةٌ  

ثاروا وإن نهضوا في غُمَّة كشَفوا

  لا عيشَ إلا لفتيان إذا انتُدِبوا  

كما يقيْ الدرةَ المكنونةَ الصَّدَفُ

  يقيْ بهم مِلَّةَ الإسلامِ ناصرُها  

لما أصابُهُم فيه ولا ضَعُفوا

  قاموا لقوةِ دينِ الله ما وَهَنُوا  

من بعدِ ظُلْم ومما ساءَ هُمْ أنِفوا

  وجاهَدُوا في سبيلِ الله فانتصروا  

رأسُ الضلال الذي في عقلِه جَنَفُ

  لما أتَتْهم جيوشُ الكفرِ يقدمُهم  

منهم وكلُّ مقامٍ بات يرتجِفُ

  جاؤوا وكلُّ مقام ظلَّ مضطرباً  

بالعدلِ فاستيقَنُوا أنْ ليس ينصرف

  فشاهدوا علمَ الإسلامِ مرتفعاً  

خوفَ العواملِ بالتأنيثِ فانصرفوا

  لاقاهُمُ الفيلقُ الجرَّارُ فانكسروا  

فعلْتَ من قبلُ بالإسلامِ يُؤْتَنَفُ

  يامرجَ صفّر بَيَّضْتَ الوجوهَ كما  

أم يانعاتُ رؤوسٍ فيك تُقتَطَفُ؟

  أَزَهْرُ روضِك أزهى عند نفحتِه  

ممزوجةً بدماءِ المُغْل تُرْتَشَف

  غُدران أرضِك قد أضحَتْ لوارِدِها  

فليس يَدرون أنى تُوْكل الكَتِفُ

  زَلَّتْ على كتِف المَصْرِيّ أرجلُهم  

من موجِ فوج المنايا حين يختطف

  آوَوْا إلى جبلٍ لو كان يعصمُهم  

فما نجا سالمٌ منهم وقد زحفوا

  دارَتْ عليهم من الشُّجْعانِ دائرةٌ  

ونكَّصُوهم على الأعقابِ فانقَصَفوا

  ونكَّسوا منهم الأعلامَ فانهزموا  

وفي كلاكِلِهم سمرُ القنا قصف

  ففي جماجِمِهم بِيْضُ الظُّبى زُبُرٌ  

وقُتّلوا في البرارِي حيثما ثقفوا

  فرُّوا من السيفِ ملعونين حيثُ سَرَوا  

منهم وقد ضاق منها المَهْمَهُ القذف

  وملَّتِ الأرضُ قتلاهم بما قَذَفَتْ  

ففي مزاجِ الضواري منهم قَرَف

  والطيرُ والوحشُ قد عافَتْ لحومُهم  

تدلُّ جاهلَها الأشلاءُ والجِيَفُ

  رُدوا فكل طريقٍ نحو أرضِهم  

وطمَّهُمْ بعُباب السيلِ فانجرفوا

  ساقوهم فسَقْوا شطَّ الفُرات دماً  

غيرَ القلاعِ عليها منهُمُ شعف ([121])

  وأصبحوا بعدُ لا عينٌ ولا أثرٌ  

وصِفْ فقصتُهم من فوقِ ما تصف

  يا برقُ بلِّغْ إلى غازان قصتَهم  

تعطيكَ حلُوانَها حلوانُ والنَّجَفُ

  بشِّرْ بهُلكِهِمُ مَلْكَ العراقِ لكي  

كالنخلِ صرعى فلا تمرٌ ولا سَعَفُ

  وإن تسلْ عنهم قل قد تركتُهُمُ  

جهلاً وأنت إليها الهائمُ الدَّنِفُ

  ما أنت كفءُ عروسِ الشامِ تخطبُها  

وكلُّهم مغرمٌ مُغْرًى بها كلِف

  قد مات قبلكَ آباءٌ بحسرتِها  

لا تُستباح له الجناتُ والغُرَفُ

  إن الذي في جحيمِ النارِ مسكنُه  

ضرباً إذا قابلَتْها رضت الحجف ([122])

  وإن تعودُوا تعدْ أسيافُنا لكم  

في أمرِكمْ ولكأسِ الخِزي فارتشِفوا

  ذوقوا وبال تَعَدِّيْكُمْ وبغيكُم  

وكاشِفِ الضُّرِّ حيث الحالُ ينكشف ([123])

  فالحمدُ لله معطي النصرَ ناصره  

2-الدراســــة :

الدراسات الحديثة لا تفصل بين الشكل والمضمون، فالإنسان لا يتلقى التأثير مجزأ على دفعات، بل تنفعل نفسه للحدث فيروح يحكي انفعاله في شكل فني تلتحم فيه عناصر المضمون مع الشكل في بوتقة واحدة التحاماً عضوياً كاملاً تتآزر فيه اللغة والصورة والموسيقى، وما نقوم به من فصل هو لتسهيل الدراسة فحسب.

وأحب أن أنبه إلى أن شعراء عصر الدول المتتابعة عاشوا في عهد كثر فيه التصنع في الأدب، ولا بد لهم من مسايرة العصر، وإن كان لكل منهم أسلوبه وطريقته في الأداء الفني، ثم إن علينا ألا نكون إمعة، فنطبق ما جاء في مقاييس الجمال الغربي دون تحفظ، فلغتهم غير لغتنا، فضلاً عن أن المفاهيم النقدية تتبدل من آن إلى آخر، فقد نألف غداً ما ننكره اليوم.

واستناداً إلى هذين المفهومين أقدم دراستي لهذا النص الأدبي:

لقد كان الحدث التاريخي مثيراً للمشاعر، فغارات التتر أشهر من أن تذكر جرائمها، والانتصار عليهم له قيمته وبهجته، ولاسيما حين يباد جيشهم عن بكرة أبيه، كما أبادوا المسلمين في هجمتهم على بغداد، وهذا الانفعال أو التجربة الشعورية كانت منطلق الحديث للإشادة بالبطولة الفذة، ولا يحسن في هذا المقام أن يستهل الشاعر مدحته بالغزل ولكنه لم ينفك تماماً من إساره ولذلك راح يجري مفاضلة بين أمرين حبيبين إلى قلبه المرأة والحرب، ونشوة النصر جعلته يفضل الثاني فيستهل قصيدته بقوله:

والنقعُ يحكي سحاباً بالدِّما يَكِفُ

  برقُ الصوارمِ للأبصارِ يَختطِفُ  

من ريقِ ثَغْرِ الغواني حين يُرْتَشَفُ

  أحلى وأعلى وأغلى قيمةً وسنا  

ويروح يتابع هذه المفاضلة، ويبين أن الرمح الطويل أحب إليه من قدّ المرأة، وصهيل الخيل في المعركة ألذ من نغم الأوتار، ومواقف الحرب لا يساويه مجلس شراب وخمرة، ذلك لأن الجهاد في سبيل الله يحفظ دين الله كما تحفظ الصدف الدرة، ولذلك فلا حياة أجمل من حياة الذود عن الإسلام مع فتية قاموا بنصرته…

لقد سجل الشاعر في هذه المقدمة تجربته الشعورية التي أحس فيها كفرد من أفراد المجتمع الإسلامي الذي كان يتحرق ألماً من جرائم العدو، فلما انتصر عليه طرب أيما طرب وفضل لذة النصر على متع الدنيا، ثم انتقل في تخلص موفق إلى وصف السلطان الممدوح الذي قاد المعركة مع جنوده البواسل الذين رفضوا الذل وإن خافوا البطش، وراحوا يقدمون أرواحهم رخيصة في مرج صفر حتى نصرهم الله عليهم وخذل التتر لكبريائهم وصلفهم، قال في تخلصه من المقدمة إلى مديح الملك الناصر:

كموقفِ الحربِ والأبطالُ تَزْدَلِفُ

  ما مجلسُ الشربِ والأرطالُ دائرةٌ  

ثاروا وإن نهضوا في غُمَّة كشَفوا

  لا عيشَ إلا لفتيانٍ إذا انتُدِبوا  

كما يقيْ الدرةَ المكنونةَ الصَّدَفُ

  يقيْ بهم مِلَّةَ الإسلامِ ناصرُها  

ثم يعرض الشاعر علينا مشهد اللقاء الحربي، ويلتقط لنا مشاهد جزئية من هذا اللقاء ليقدمها في صور كثيرة، فجيش العدو كثيف ولكنه سرعان ما انكسر، ودل على ذلك الفاء التي وردت في قول الشاعر:

لاقاهم الفيلق الجرار فانكسروا ……

فهم إذا لم يصمدوا طويلاً، وكان منظر رؤوسهم وهي تقدّ أحب إلى قلب الشاعر من رؤيا زهور مرج صفر وشم عبيرها.

وينتقل الشاعر بعدها إلى عرض مشهد جزئي آخر يصور فرار العدو، فقد نكس أعلامه وأوى إلى سفح جبل هرباً من البطش فما نفعه ذلك، وكان الموت يأتيه كموج بحر عات دفعة إثر أخرى، وكانت جيوش المسلمين لهم بالمرصاد إذ تعقبوهم وأبادوهم فبدت رماحهم كعصا تقصف، وقد علقت السيوف برؤوسهم، والرماح في نحورهم.

وفي مشهد جزئي ثالث نرى الكون كله في تناغم ووئام مع المسلمين، فقد كره أحياؤه وجماده هؤلاء الطغاة فكانوا ملعونين أينما ثقفوا، ولفظتهم الأرض، ونفرت الحيوانات من جثثهم قرفاً منها. وهكذا تآزرت هذه المشاهد الجزئية لتقدم لنا صورة متكاملة عن الحرب.

وينتقل الشاعر بعدها إلى توجيه خطابه إلى غازان، فيطلب من البرق أن يحمل إليه قصة هلاكهم، فقد صاروا صرعى كأعجاز النخل، وما ذلك إلا لأن بلاد الشام جنة الله في أرضه، ترفض أبناء الكفر لأن الجحيم والجنة لا يجتمعان معاً، ولئن حاول اقتحامها ثانية، فإن سيوف المسلمين له بالمرصاد ولسوف يذوق وبال أمره، فالله سبحانه، وله الحمد والمنة، ينصر عباده ويكشف البلوى عنهم بخذلان عدوهم.

إن أبرز أسس الجمال عند العرب «المنفعة والتعليم» أو الأساس الاجتماعي والديني والفكري، وقد حققت قصيدة الطيبي هذه الأسس حين اختار لها هذا الحدث الخالد الذي اهتزت له مشاعر الأمة كلها، في تلك الظروف العصيبة التي مرت بها، ولذلك غدا تصوير القتل والبطش حسناً في هذا المعرض، واختار لذلك ألفاظاً سهلة لا غرابة فيها محملة بالمشاعر والأحاسيس، و «إن الشعر ليس تعبيراً عن الحياة وإنما هو تعبير عن اللحظات الأقوى والأملأ بالطاقة الشعورية في الحياة »([124]) فهو مثلاً حينما عبر عن إحساسه بكراهيته للعدو جاء بـ (جيش الكفر والضلال)، و (في عقله جنف)، وهذا ما يوحي بالغطرسة والتجبر، ويشير إلى أهمية الانتصار عليه، والناس (ترتجف قلوبهم منه)، ولكن المسلمين (ما وهنوا لما أصابهم منه وما ضعفوا)، حتى حقق الله النصر على أيديهم؛ وفي وصف الفرار جاء بألفاظ (انكسروا، انصرفوا، نكسوا، انهزموا، نكصوهم على الأعقاب، فانقصفوا)؛ وفي ذكر القتل والفرار جاء بألفاظ (ملعونين حيثما ثقفوا، ملت الأرض قتلاهم، عافت لحومهم، قرف، جيف..) وتحمل هذه الألفاظ المشاعر النفسية تجاه التتر، وفيها إلى ذلك (تداع إيحائي)([125]) فعوف اللحوم جاء نتيجة القرف من هذه الأشلاء والجيف وكان هذا يصدر حتى من الطيور والوحوش التي تنتشر في البراري، وهذا ما أثار فينا عاطفة الكراهية.

وفي الألفاظ أيضاً علاقة اشتمال، فالطير والوحش والضواري كلها من الحيوانات. وفيها اقتباس من القرآن الكريم بالمعنى لا باللفظ، وقد وظفه الشاعر توظيفاً موفقاً حين جعل المجاهدين ينتصرون بعدما ظلموا، وهذا مقتبس من قوله تعالى: )ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل( ([126]) ، وقوله:

من موج فوج المنايا حين يختطف

  آووا إلى جبل لو كان يعصمهم  

مستمد من قوله تعالى حكاية عن ابن نوح )سآوي إلى جبل يعصمني من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم وحال بينهما الموج فكان من المغرقين( ([127])، وفيه أيضاً صورة موفقة.

كما أخذ الشاعر قوله تعالى: )ملعونين أينما ثقفوا( ([128]) ، فقال:

وقتلوا في البراري حيثما ثقفوا

  فروا من السيف ملعونين حيث سروا  

وقد أجاد الشاعر استخدام الترادف في (ما وهنوا، ما ضعفوا) في قوله:

لما أصابهم فيه ولا ضعفوا

  قاموا لقوة دين الله ما وهنوا  

وفي (تعديكم وبغيكم) في قوله:

في أمركم ولكأس الذل فارتشفوا

  ذوقوا وبال تعديكم وبغيكم  

وجاء الطباق والجناس ليضفيا على النص جمالاً لفظياً ومعنوياً، وذلك في مثل قوله مطابقاً بين صورة الجحيم والجنة:

لا تستباح له الجنات والغرف

  إن الذي في جحيم النار مسكنه  

وقوله في الجناس بين (أزهى وأزهر) وقد جاء موفقاً حين قدمه الشاعر لنا في تدبيج لطيف في قوله:

فعلْتَ من قبلُ بالإسلامِ يُؤْتَنَفُ

  يامرجَ صفر بَيَّضْتَ الوجوهَ كما  

أم يانعاتُ رؤوسٍ فيك تختطف

  أَزَهْرُ روضِك أزهى عند نفحتِه  

ممزوجةً بدماءِ المُغْل تُرْتَشَف

  غُدران أرضِك قد أضحَتْ لوارِدها  

ولكني أرى أن الشاعر أساء باستخدام المصطلحات النحوية في قوله:

خوفَ العواملِ بالتأنيثِ فانصرفوا

  لاقاهُمُ الفيلقُ الجرَّارُ فانكسروا  

لأن مجيء هذه المصطلحات أساء إلى انسيابية الأبيات وبلاغة النص…

وكان أسلوب الشاعر مصوراً، فتشخيص «مرج صفر» بندائه، إضافة إلى اللمحة التاريخية في حديثه عن فتوحات الشام، أديا إلى تقوية المعنى، فكأن الماضي قد عاد، وصورة المرج محفوفاً بالزهور اليانعات وهو ينفح عبيره صورة جميلة محببة، ولكن الأجمل منها منظر رؤوس العدو وهي تقد ثم تمتزج دماؤه بمياه الينابيع، وكأني بالشاعر هنا يستدعي في مخيلته الحدث القاسي الذي مر على الأمة، يوم جاء المغول وقتلوا ورموا الكتب في مياه دجلة فتحولت إلى زرقاء؛ وقد وفق الشاعر في عرض هذه الصورة المتكونة من اجتماع الجناس بين زهر وأزهى، والتشخيص في الخطاب، والاستعارة في يانعات الرؤوس فيها تأثر بقول الحجاج بن يوسف الثقفي (إني لأرى رؤوساً قد أينعت وحان قطافها) وهذه الصورة لا تعد سرقة لأنها جاءت في معرض جديد ([129])، فقد أضاف إليها من ثقافته التاريخية وموهبته الفنية وروحه الشاعرية فعمق إحساسنا بها.

وهناك تشابيه واستعارات قلد فيها الشاعر القدامى أيضاً، فلمعان السيوف في مستهل القصيدة:

والنقعُ يحكي سحاباً بالدِّما يَكِفُ

  برقُ الصوارمِ للأبصارِ يَختطِفُ  

فيه تشبيه بليغ إضافي، والغبار الذي يعم أرجاء المعركة والدماء تتسايل من خلاله يشبه سحاباً يساقط مطره، في تشبيه مرسل مجمل، فقد ذكر فيه الأداة (يحكي) وحذف وجه الشبه، وهذه الصورة التمثيلية مجتمعة تأثر فيها الشاعر بالصورة التمثيلية المعروفة في قول بشار:

وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه ([130])

  كأن مثار النقع فوق رؤوسنا  

ولكن الشاعر غير حين جعل النقع تلتمع السيوف في أرجائه كبرق يصاحبه مطر، مياهه من دماء العدو.

وهذه صورة تمثيلية موفقة:

ألذُّ لحناً من الأوتارِ تأْتَلِفُ

  والخيلُ في طَلَبِ الأوتارِ صاهلةً  

فالخيل وهي تصهل سعيدة بأخذ الثأر أحب إلى الشاعر من سماعه للألحان المجتمعة في مجلس طرب.

والإسلام يحفظه السلطان بالدفاع عنه يشبّه في البيت السابع بدرة مكنونة يحفظها الصدف:

كما يقي الدرة المكنونة الصدف

  يقي بهم ملة الإسلام ناصرها  

 وهذه الصورة تقليدية أيضاً، فقيس بن الخطيم ([131]) جعل صاحبته درة في صدف، ولا يراها إلا غواصها، يقول في ذلك:

غّواص يجلو عن وجهها الصَّدَفُ ([132])

  كأنها درّةٌ أحاط بها الـ  

وفي تشخيص البرق جمال وإيحاء، فإذا كان العربي يحمل سلامه إلى أحبته عن طريق البرق، فإن شاعرنا يرسل شماتته إلى غازان عن طريقه، وهذا شيء يحبه الشاعر، وقد أتبعه باستعارة عنادية تهكمية سخر فيها من غازان حين بشره بهلاك قومه، والبشرى هنا لا لشيء حميد، وإنما للتهكم منه:

وصِفْ فقصتُهم من فوقِ ما تصف

  يا برقُ بلِّغْ إلى غازان قصتَهم  

تعطيكَ حلُوانَها حلوانُ والنَّجَفُ

  بشِّرْ بهُلكِهِمُ مَلْكَ العراقِ لكي  

ثم يسخر في استعارة تهكمية أخرى شاركت أيضاً في أداء المعنى، وذلك في قوله:

في أمرِكمْ ولكأسِ الخِزي فارتشِفوا

  ذوقوا وبال تَعَدِّيْكُمْ وبغيِكُم  

والذوق يكون عادة للحسن لا للقبيح.

وهذه صورة الشام في ختام القصيدة عروساً لا يناسبها أن يتقدم إليها ملك التتر الذي يتحسر عليها، كما تحسر عليها أباؤه وأجداده من قبله، وكانوا بها متيّمين:

جهلاً وأنت إليها الهائمُ الدَّنِفُ

  ما أنت كفءُ عروسِ الشامِ تخطبُها  

وكلُّهم مغرمٌ مُغْرًى بها كلِف

  قد مات قبلكَ آباءٌ بحسرتِها  

و ما أجمل هذه الصورة التقابلية وهي تشير إلى سخرية الشاعر بالتتر:

لا تُستباح له الجناتُ والغُرَفُ

  إن الذي في جحيم النار مسكنُه  

فضلاً عن مشهد الفرار، ومشهد الأرض وقد ملت القتلى الذين دفنوا فيها فقذفتهم قرفاً منهم، كما عافت الطيور لحومهم واشمأزت منها، وهما صورتان تعبران عن إحساس الشاعر بالكراهية والمقت، وكانت هذه الأحاسيس كامنة في أعماقه، وقد استطاع أن يعبر عنها بهذه الألفاظ والصور، وإن الأدب الحق ما زاد في ملكاتنا وثرواتنا النفسية والعقلية وأشعرنا بما يؤثر في كياننا ووجداننا، ولقد كان للحديث عن مشهد الأرض وحيواناتها أثر انفعالي في نفس القارئ استجاش مشاعره وتركه شديد التأثر بما جرى.

وأما قول الشاعر:

فليس يَدرون أنى تُوْكل الكَتِفُ

  زَلَّتْ على كتِف المَصْرِيّ أرجلُهم  

فلا أرى الصورة مناسبة لأن وضع الأرجل على كتف السلطان يوحي بالذل وهي صورة غير مستساغة وإن أوردها في سياق خسران عدوه، ولو قال (زلت على أيدي السلطان أرجلهم) لكان أجود.

وكان للموسيقا دورها في أداء المعنى، ففي تكرار «كل مقام» في:

منهم وكلُّ مقامٍ بات يرتجِفُ

  جاؤوا وكلُّ مقام ظلَّ مضطرباً  

يوحي بالشمولية، لأن الخوف كان عاماً من التتر.

ولاسم التفضيل نغمته المحببة التي شاركت في أداء معنى حب الجهاد في سبيل الله، فبرق الصوارم :

من ريقِ ثَغْرِ الغواني حين يُرْتَشَفُ

  أحلى وأعلى وأغلى قيمةً وسنا  

أخيراً .

فإني أرى أن هذه القصيدة تمثل أسلوب المديح في هذا العصر ،وقد توفر فيها عناصر الجمال  المعنوي بالفكرة التي عرضها الشاعر، وباللمحات التاريخية التي أشار إليها، وبحديثه عن الجهود التي قام بها ممدوحه حين تمكن بمؤازرة الله سبحانه، ثم بمعونة جنده الذين يذودون عن شرع الله ودينه من النصر المبين على التتر الذي كثرت جرائمهم وعم طغيانهم.

كما أشعرتنا بأهمية الشعر المدحي عامة في مشاركته للأمة في معالجة قضاياها، والإحساس بمعاناتها، والعمل على تطويرها، وبهذا يرد على من رأى أن الأدب القديــــــــــــم لا يلهم كاتبه ولا يرشد قارئه إلى الحياة السامية ([133]) .

كما بدا الجمال الفني في اللغة المصورة، والمشاهد المعبرة عن الفكرة، وفي الموسيقا التي آزرت المعنى فزادت في إيضاحه .

([1]) ميّا فارِقين: أشهر مدينة بديار بكر وهي من بلاد الروم فتحها خالد بن الوليد، ينظر: معجم البلدان 5/235-238 .

([2]) هو محمد بن غازي بن العادل، صاحب ميافارقين (ت658هـ-1260م) كان شجاعاً وصبر زماناً على حرب التتر، وحاصروه سنة ونصف ثم قتلوه: الأعلام 6/324، والبداية والنهاية 13/277 .

([3]) بليدة بين بيسان ونابلس في فلسطين ، معجم البلدان 4/177 .

([4])  ينظر للحرب وللشعر في تاريخ أبي الفداء 2/315-316، ولم يذكر المؤلف اسم الشاعر

([5]) ركن الدين الظاهر بيبرس العلاتي البندقداري كان مملوكاً في خدمة النجم صالح الأيوبي، ولم تزل همته تصعد به حتى صار سلطاناً، قاتل مع قطز التتر، وكان شجاعاً جباراً ، وله وقائع كثيرة مع التتر والصليبيين وفتوحات عظيمة، توفي في دمشق 658هـ: الأعلام 2/79.

([6]) البيرة بلد بين حلب والثغور الرومية، وهي قلعة حصينة: معجم البلدان 1/526 .

([7]) بدر الدين يوسف بن سيف الدولة بن زماخ الحمداني المهمندار (ت670هـ): فوات الوفيات 4/3490 .

([8]) أمور مطلخمات: شداد. لسان العرب 4/186 .

([9]) إعلام النبلاء 2/262. ومثلها في المرجع نفسه ص261 .

([10]) البداية والنهاية 13/338، وفي إعلام النبلاء 2/262 أن الوقعة كانت 671هـ/ وفيه ذكر اسم الشاعر والشعر ، وذكر أيضاً قصائد أخرى قيلت في هذه المناسبة .

[11] ) موفق الدين أبو محمد عبد الله بن عمر بن نصر الله الأنصاري المعروف بالورن : أديب فاضل له مشاركة في علم الطب، مدح السلطان بيبرس لما أوقع بالتتر على نهر الفرات في 677هـ : النجوم الزاهرة 7 / 282

([12]) الأمير شمس الدين سنكر أو سنقر لم يرض بيعة الملك المنصور قلاوون ودخل القلعة واستدعى الأمراء في دمشق فبايعوه فحاربه المنصور، واغتنم التتر الفرصة فجاؤوا إلى حلب بجموع تضم جنسيات كثيرة كالفرنجة والعجم والأرمن والكرج. وقد آزر سنقر الملك المنصور وحارب معه التتر، وأخلص له بعد ذلك، ينظر لترجمته في البداية والنهاية 13/369-374، والوافي بالوفيات 8/338، وفيه يدعى سنجر، وفي إعلام النبلاء أن عدد جيش التتر كان ثمانين ألفاً: 2/271-272 .

([13]) الملك المنصور قلاوون العلائي الصالحي أول ملوك الدولة القلاوونية كان من مماليك نجم الدين أيوب ثم أخلص الخدمة للظاهر بيبرس، وقاتل التتر. كان شجاعاً وكثير الفتوحات وقد حكم ما ينيف عن إحدى عشرة سنة: الأعلام 5/203.

([14]) هو محمد بن عبد الله بن عبد الظاهر (638-691هـ) أول من سمي بكاتب السر بالديار المصريةينظر له وللشعر في: الوافي بالوفيات 3/366، وينظر للمعركة ولقصائد أخرى في تاريخ ابن الفرات 7/30-33 .

([15]) التكفورليفون متملك سيس ذكره القلقشندي في صبح الأعشى 14/121 في حرب بينه وبين المسلمين 714هـ، وسيس وتسمى أيضاً سيسية: أعظم ثغور الشام بين أنطاكية وطرسوس في تركيا وقد جلا أهلها ولحقوا بأعالي الروم في 94هـ، معجم البلدان 3/297، 298 .

([16])الوافي بالوفيات 3/366 .

([17]) ينظر للمعركة تاريخياً في أعيان العصر 5/84-86 .

([18]) هو علي بن المظفر الكندي المعروف بعلاء الدين الوداعي: أديب ومحدث، ت716هـ، ينظر فوات الوفيات 3/98.

([19]) أعيان العصر 5/86، وقد نظم الشاعر شمس الدين الطيبي قصيدة بهذه المناسبة تقارب مئة بيت، وستدرس في آخر فصل المديح ، وهي في الأعيان 5/87-89 .

([20]) لاجين هو حسام الدين بن عبد الله المنصوري من مماليك قلاوون البحرية بمصر والشام، ولي السلطنة ولقب بالمنصور، كان فارساً وحاكماً عادلاً ينظر له في: الأعلام 5/238 .

([21]) هو أبو الثناء شهاب الدين محمود بن سلمان صاحب ديوان الإنشاءفي دمشق ت725: فوات الوفيات 4/82.

([22]) أعيان العصر 4/171-172 .

([23]) الأشرف قلاوون الملك صلاح الدين ولي الحكم 689هـ  ،واستفتح ملكه بالجهاد فقاتل الإفرنج في الساحل والداخل، كان شجاعاً مهيباً، قتل غيلة في مصر: الأعلام 2/321.

([24]) اسم جزيرة في البحر المتوسط فتحها المسلمون في 54هـ معجم البلدان 1/162، وهي تتبع حالياً سوريا وتقع غربها.

([25]) ينظر لهذه الحروب في صدق الأخبار تاريخ ابن سباط ج1/495، والتاريخ الإسلامي 7/53 .

([26]) بعض المتصوفة يرى أن الرسول r حي يزور الصالحين ويتحدث معهم ويسمع أخبارهم، ينظر لذلك الحقيقة والمجاز /428-429، ويبدو أن روح العصر الصوفية أثرت على تفكير الشاعر.

([27]) البداية والنهاية 13/412-413 وتاريخ ابن الفرات 8/115-117 وينظر لمثلها في فتح طرابلس في أعيان العصر 1/327و329 .

([28]) هو نائب حلب فتح مدينة إياس على البحر وتوجه إلى سيس وفتح قلعتها النقير: إعلام النبلاء 4/529 .

([29]) إعلام النبلاء 4/530 .

([30]) ينظر لذلك صدق الأخبار تاريخ ابن سباط 1/499 .

([31]) الحتر: حرف الشيء وما استدار به، وحتار العين حروف أجفانها التي تلتقي عند التغميض: لسان العرب 2/21

([32]) البداية والنهاية 13/419-421 .

([33]) أحمد بن ماجد النجدي (837-904هـ) شاعر من جلفار (رأس الخيمة حالياً)،وهي مركز إمارة في دولة الإمارات العربية المتحدة ، كان يلقب أسد البحر الهائج، كان ملاحاً شهيراً وله كتب في علم البحارمنها الفوائد في أصول علم البحر والقواعد ، وينظر لترجمته في مقدمته .

([34]) هكذا وردت، وهي يا أخيّه.

([35]) السوامر هم حكام الساحل الغربي للهند.

([36]) العصر المملوكي /607-608 .

([37]) هو السلطان محمد بن مراد الثاني لقب بالفاتح لفتحه القسطنطينية أكبر معقل للنصارى في ذلك العهد، ولد 835 وفتح المدينة 857 وتوفي 886، ينظر له في سمط النجوم العوالي ج4/66.

([38]) إبراهيم بن عمر البقاعي (809-885هـ) أبو الحسن برهان الدين مؤرخ وأديب، أصله من البقاع في لبنان وسكن دمشق ورحل إلى بيت المقدس والقاهرة وتوفي بدمشق. له كتب وديوان شعر سماه (إشعار الواعي بأشعار البقاعي) الأعلام 1/56 .

([39]) نزهة الأنظار 2/15-18 .

([40]) السلطان بايزيد بن السلطان محمد الفاتح، تسلم الحكم 886هـ ، غزا في سبيل الله الغزوات، وفتح قلاعاً كثيرة: الكواكب السائرة 1/122، وسمط النجوم 4/68-69 .

([41]) شهاب الدين أبو الطيب أحمد بن الحسين المكي المعروف بابن العليف (851-926هـ) شاعر مكي كان يسمى شاعر البطحاء له شعر فيه بعض الجودة، ألف للسلطان بايزيد كتاباً، سماه الدر المنظوم في مناقب سلطان الروم، ومدح شريف مكة فحظي عنده إلى أن توفي، ينظر له في الكواكب السائرة 1/122، الأعلام 1/117 وسمط النجوم العوالي 4/306 والحلل السندسية 2/277 .

([42]) الكواكب السائرة 1/123 .

([43]) علي بن يحيى الكيلاني (ت1113هـ) شاعر متصوف من حماة: سلك الدرر 3/246 .

([44]) سلك الدرر 3/252-253، وينظر لمثلها للشاعر أحمد البقاعي وكان شارك في حرب المورة: سلك الدرر  1/205 .

([45]) الشاعر أبو النور الكيالي الإدلبي شاعر حلبي، إعلام النبلاء 3/353 . والشعر / 354

([46]) عبد الجليل بن عبد السلام المدني المشهور ببرّادة شاعر من المدينة المنورة اجتمع به مؤلف حلية البشر سنة (1300هـ) وكان بين الستين والسبعين، كما عاصر الحرب المذكورة في عهد السلطان عبد الحميد الثاني، ينظر حلية البشر 2/779 .

([47]) حلية البشر 2/782-783 ،وينظر لقصائد أخرى في الحروب الصليبية في ذلك العهد  في: حلية البشر 1/430و530، وفي شعر الفتوحات العثمانية /53 .وفي كتابيَّ الحركة الشعرية في حلب /58 وشعر الثورات الداخلية 1/189 .

[48]) نقولا الترك شاعر لبناني عاصر الأمراء الشهابيين ومدح الأمير بشير الشهابي كما عاصر حملة نابليون بونابرت على مصر: لبنان في عهد الأمراء – الغرر الحسان 3/744 ، والشعر في 2/ 341.

([49]) الشعر العربي في الفتوحات العثمانية 93-100 .

([50])فيض الله بن الرومي المعروف بابن القاف (930-1020هـ) شاعر تركي يعرف العربية الفصحى، وصار قاضي حلب ثم والي دمشق: خلاصة الأثر 3/288 ونفحة الريحانة 3/93، وكلمة جيوش الروم تعني العثمانيين الأتراك.

([51])الخضر عليه السلام بزعم الصوفية هو فتى موسى الذي ذكر في سورة الكهف، ويؤمن هؤلاء أنه لا يزال حياً، التصوف بين الحق والخلق /23-25. والأبيات في خلاصة الأثر 3/289، ونفحة الريحانة 3/94 .

([52]) عبد اللطيف بن علي الأطلسي أديب فاضل وعالم بالكيمياء كان حياً سنة (1146هـ) سلك الدرر 3/127 .

([53]).سلك الدرر 3/130 .

([54]) ديوان العشري/56-57 .

([55]) حسين باشا بن إسماعيل الجليلي والي حلب ثم وزير عراقي شهر بحروب العجم: الروض النضر 1/505 .

([56]) الشاعر خليل بن علي البصير (1112-1176هـ) من الموصل عرف بكثرة حفظه، سلك الدرر 3/102 .

([57]) الروض النضر ج1/533.

([58])عصام الدين عثمان بن علي العمري (1134-1184هـ) مؤلف كتاب الروض النضر ينظر له فيه.

([59]) الروض النضر 1/532 ومثلها له في المرجع نفسه 1/302،508،512،523، وفي سلك الدرر 2/102 ، وينظر لهذه الحروب أيضا عند الحديث عن الملحمة الشعرية في هذا الكتاب .

([60]) من ذلك عصيان الأمير (تنبك البجاسي) نائب الشام في عهد الملك الأشرف سنة 827، ينظر عقد الجمان /220، وهجوم بعض المماليك على الوزير (ابن الهيصم) سنة 838هـ وإفسادهم فساداً كبيراً، نفسه /455، وينظر لمن أراد التوسع في كتابي شعر الثورات الداخلية 1/67-280 ، وقد أفاض في الحديث عنها، و معظم ما سأذكره هنا لم يذكر فيه تلافياً للتكرار.

([61]) الأمير سيف الدين أرغون الكاملي ت731هـ كان نائب حلب ثم نائب دمشق 658هـ، وكان ذا أخلاق حميدة ومروءة ظاهرة، ينظر لترجمته أعيان العصر 1/466، والوافي بالوفيات 8/356-357، وفيهما حديث عن الثورة وقد فصلت الثورة في إعلام النبلاء 2/350 .

([62]) خليل بن أيبك الملقب بصلاح الدين (696-764هـ) أديب ومؤرخ تولى ديوان الإنشاء ، له مؤلفات كثيرة منها أعيان العصر أحد مصادر هذا الكتاب ينظر لترجمته في الأعلام 2/315 .

([63]) قرية قرب بيت المقدس من نواحي فلسطين، ببابها يدرك عيسى بن مريم الدجال فيقتله ، معجم البلدان 5/15.

([64]) أعيان العصر 1/475-476، وللصفدي قصيدة أخرى قرظ بها الأمير سيف الدين الأحمدي الذي ساعد أيضاً في القضاء على الثورة في المرجع نفسه 2/593 .

([65]) ينظر للثورات السياسية كلها في كتابي شعر الثورات الداخلية 1/ 67-166.

([66]) الشريف أحمد بن عبد المطلب حكم مكة بعد وفاة الشريف محسن في منتصف القرن 11هـ: الخلاصة 1/360

([67]) أحمد بن مسعود بن الشريف حسن بن أبي نمي شاعر حجازي من الأشراف، طمع بالسلطة واستعان بإمام اليمن محمد بن القاسم وطلب منه مساعدته على ذلك ،فلما لم يستجب له سافر إلى إسلامبول سنة 1039هـ، ليتوسط عند السلطان مراد الرابع بن أحمد،ومدحه وسأله توليته مكة: سمط النجوم العوالي 4/443-445 .

([68]) سمط النجوم العوالي 4/444- 445 ، وخلاصة 1/360 .

([69]) ينتمي أشراف مكة من آل نميّ إلى الزيدية نسبة إلى إمامة زيد بن علي بن الحسين السبط ،وإمامهم في اليمن، وصنعاء داره، وذكر القلقشندي أن مبارك بن عطيفة بن أبي نميّ حدث أنهم لا ينتمون إلا بطاعة ذلك الإمام، وإنما يتقون صاحب مصر (حاكمها في عهد المؤلف) لخوفهم منه، وللإقطاع ، ومن ثم عدهم من جملة من بالمملكة من طوائف البدع : صبح الأعشى ج13/230 .

([70]) سمط النجوم 4/445-447، وخلاصة 1/362 .

([71]) عبد الغفار الأخرس شاعر عراقي من القرن الثالث عشر الهجري ينظر له في مقدمة ديوانه.والشعر / 116

([72]) الحسن بن محمد سلطان المغرب ت (1307هـ) بويع له بمكناس بعد وفاة والده فحارب أعداءه من القبائل المتمردة ينظر له في إتحاف أعلام الناس 2/127-157.

([73]) السيد العربي المشرفي: فقيه وأديب من المغرب. ينظر له وللشعر في إتحاف إعلام الناس 2/157

([74]) إتحاف إعلام الناس 2/157-163، وينظر لمثلها في المرجع نفسه /168-173.

([75]) الحركة الوهابية نسبة إلى مؤسسها محمد بن عبد الوهاب، وتسمى أيضاً السلفية، وقد انطلق ابن عبد الوهاب من الدرعية (قرب الرياض) في (1157هـ) بمساعدة حاكمها محمد بن سعود من آل مقرن، وانتهت بتكوين المملكة العربية السعودية: تاريخ بعض الحوادث الواقعة في نجد /125، تاريخ نجد لحسين بن غنام /81-91 عنوان المجد في بيان أحوال نجد /288 .

([76]) الثورة المهدية في السودان نسبة إلى «سيد محمد أحمد» الملقب بالمهدي ،من أتباع الطريقة الصوفية السُّمّانية   أعلن ثورته 1882م وادعى أنه المهدي المنتظر، وحارب الأتراك حتى قتل: تاريخ السودان /321-332، السودان عبر القرون ص209، صحوة الرجل المريض/360. ولترجمته في الأعلام للزركلي 6/20 .

([77]) الثورة الدرقاوية في الجزائر: حركة صوفية ثورية تنتسب إلى مولاي «محمد العربي بن أحمد» حاربت الدولة العثمانية في النصف الأول من القرن الثالث عشر في عهد السلطان محمود الثاني حتى قضي عليها: طلوع سعد السعود 1/300 . وينظر لانحرافات المتصوفة الشعر الصوفي في هذا الكتاب .

([78]) الحركة الزيدية في اليمن وهي حركة للشيعة المعتدلين ،ينظر لها تاريخ اليمن عصر الاستقلال/186 وستمر.

([79]) ينظر لمن أراد التوسع بها: شعر الثورات الداخلية في العهد العثماني / 203-264 .

([80]) الشاعر حسين بن غنام مؤرخ له كتاب «تاريخ نجد» ينظر له فيه. والشعر في : مشاهير علماء نجد /191 .

([81]) عبد الجليل الطباطبائي ولد في الزبارة (1190) ورحل إلى الكويت والبصرة ت1270هـ، عنوان المجد في بيان أحوال بغداد والبصرة ونجد /167 .

([82]) فيصل بن تركي آل سعود (ت1282هـ) كان قائد والده تركي بن عبد الله، سجن في مصر إبان النكبة التي حلت بالدرعية، عندما حاربهم محمد علي باشا بقيادة ابنه إبراهيم، فهرب فيصل وأعان والده على استرداد حكمه، ثم تسلم الحكم بعده: الدر المنتثر /  99 ، والأعلام 5/166 .

([83]) ديوان عبد الجليل الطباطبائي /20-22، وعنوان المجد في تاريخ نجد /127-129 .

([84]) شاعر المهدية في القرن الثالث عشر: الشعر السوداني في المعارك السياسية /148 وشعراء الوطنية في السودان /325 . والشعر في الصفحة نفسها .

([85]) محمد عمر البنا عالم (1264-1338هـ) عالم وشاعر سوداني، درس في الأزهر ثم صار من أتباع المهدية: ينظر شعراء الوطنية في السودان/69 .

([86]) شعراء الوطنية في السودان /319 .

([87]) أحمد بن أحمد الآنسي شاعر يمني ت1115هـ: ينظر له وللشعر في تاريخ اليمن عصر الاستقلال /186 .

([88]) إمام اليمن ت 1093هـ وكان شعبه يعده الخليفة : تاريخ اليمن في عصر الاستقلال /186 .

([89]) هو الأمير عز الدين أيبك الفخري والي القاهرة سنة 678هـ: ديوان البوصيري /87

([90]) الأبيات كلها في ديوان البوصيري / 90-92.

([91]) سمط النجوم 4/306-308 .

([92]) ديوان الإمام أحمد بن علي بن مشرف /23-25، ومثلها في الديوان ص90 وينظر لثورات اجتماعية أخرى في كتابي شعر الثورات الداخلية 1/ 265 .

([93]) أعيان العصر 3/91-92 .

([94]) أعيان العصر 2/251-252 .

([95]) عبد القادر بن محيي الدين الحسني الجزائري شاعر وأمير مجاهد ، نفاه الفرنسيون من بلاده 1263هـ لأنه قاد حركة تحرير ضدهم ، ثم استقر في دمشق :الأعلام 4/45

([96]) حلية البشر 2/894-895، وينظر لمثلها في سمط النجوم العوالي 4/450 .

([97]) الشاب الظريف محمد بن سليمان عفيف الدين التلمساني (661-688) شاعر مصري له ديوان ومقاومات تسمى مقامات العشاق: الأعلام 6/150 .

([98]) ديوان الشاب الظريف /43-45 .

([99]) شهاب الدين أحمد مبارك شاه (806-860هـ) شاعر مصري  استوطن مكة المكرمة ،ومدح الحافظ بن حجر العسقلاني : نظم العقيان /55 والعسقلاني المذكور أحمد بن علي (ت852هـ) عالم من عسقلان بفلسطين استوطن مصر وله «فتح الباري شرح صحيح البخاري»، ينظر له في: نظم العقيان /45 .

([100]) نظم العقيان /55-56، وينظر مثله في تقريظ كتب ابن تيمية في أعيان العصر 1/235، وتقريظ كتاب فتح المتعال في : فتح المتعال /597 . 

([101]) فاطمة بنت القاضي كمال الدين محمود بن شيرين الحنفي المدعوة ستيتة ، وربما قيل لها ناجية : شاعرة من القرن التاسع : الضوء اللامع 12/107. ولشعرها السائل وجوابه  في المرجع نفسه 6/ 46

([102]) عبد الحليم بن أحمد اللوجي شاعر من القرن الثاني عشر الهجري سلك الدرر 4/267 .والشعر في الصفحة نفسها وينظر لمدائح جاءت في رسائل إخوانية وفي ألغاز عند الحديث عن الإخوانيات في الكتاب    .

([103]) ديوان الشاب الظريف /49 ، وينظر لمثلها في سلك الدرر 3/251 .

([104]) العمدة 1/131-132 .

([105]) بناء الصورة الفنية /396 .

([106]) ينظر مثلاً ديوان الشاب الظريف /60 و 80و94 إذ لمح الشاعر إلى الشجاعة ولم يركز عليها.

([107]) نزهة الأنظار 2/16-17، وقد جاء جزء آخر من القصيدة عند الحديث عن الحروب الصليبية في الجبهة  الأوربية /  105 ،وينظر لمثلها في أعيان العصر 4/171 و 5/87 .

([108]) حميد بن حمد بن زريق شاعر عماني من القرن الثالث عشر الهجري، له كتاب الفتح المبين في سيرة السادة البوسعيديين ، وقصيدة مسدسة مشهورة سماها العدنانية : شقائق النعمان 1/128

([109]) ديوان ابن زريق /17 .

([110]) هو طلب الحاجة، والاقتضاء الخشن قد يسبب المنع والحرمان، بل القطيعة والهجران، ينظر العمدة 158 .

([111]) علاء الدين علي بن عبد الله العشاري المعروف بابن القطان (ت 932) شاعر وقاض :إعلام النبلاء 5/419

([112]) إعلام النبلاء 5/419، ومثلها في الاقتضاء غير الحميد في سمط النجوم العوالي ص69 .

([113]) حلية البشر 2/894 .

([114]) أعيان العصر 5/391، وينظر لمثلها في إعلام النبلاء 5/420 . والشعر في الصفحة نفسها .

([115]) أعيان العصر 4/173 .

([116]) أعيان 5/391 .

([117]) أحمد بن محمود الفرفوري شاعر من القرن العاشر ، وقاض من دمشق  : الكواكب السائرة 1/141 

([118]) الكواكب السائرة 1/143 .

([119]) ديوان صفي الدين /63-64، وينظر لمثلها في ديوان الشاب الظريف /62 ،  التشكيل اللغوي / 485      .

( 2) شمس الدين الطيبي هو أحمد بن يوسف بن يعقوب شاعر وكاتب إنشاء من القرت الثامن الهجري :الوافي بالوفيات 8/297، وفي دراسة بنية القصيدة دراسة لمدائح من العصر ، وكذلك في كتابي شعر الثورات 2/38

([121]) الشعف: الذكر الشديد الذي يذهب بالقلب، لسان العرب 3/446 .

([122]) الحجف: ضرب من الترسة واحدتها حجفة، وقيل هي من الجلود خاصة، ويقال للترس إذا كان من جلود ليس فيه خشب ولا عقب حجفة ودرقة، والجمع حجف، لسان العرب 2/32 .

([123]) أعيان النصر 5/87-89 .

([124]) النقد الأدبي – قطب /56 .

([125]) التداعي الإيحائي هو استدعاء المعاني الإيحائية الموجودة في النص، فالكلمة تثير أختها، وهو من الحقول الدلالية، ينظر لذلك: علم الدلالة /181و189 .

([126]) سورة الشورى /41 .

([127]) هود /43 .

([128]) الأحزاب /61 .

([129]) عد الجرجاني في وساطته /25-27و214، وابن وكيع التنيسي في كتابه المنصف للسارق والمسروق ص10 و 19 أن من أضاف إلى الصورة أو أنقص وعرضها في قالب جديد يعد محسناً لا سارقاً، فالعبرة لمن أحسن وأجاد في التصوير لا للسابق منهما.

([130]) ديوان بشار بن برد 1/167 .

([131]) قيس بن الخطيم شاعر جاهلي من الأوس قتله الخزرج، وترجمته في الأغاني 3/1-26 .

([132]) ديوان قيس بن الخطيم/111 .

([133]) فلسفة الالتزام /238 والقول لسلامة موسى، وهو كاتب مصري من العصر الحديث.

وسوم: العدد 667