(دين لا بد من قضائه) أو (الأستاذ الصغير)

دخل أبو علي  – بعد صلاة العشاء - غرفتي  وهويضحك ، ويضرب كفاً بكف ، ويقول : ألا تسمع ما فعلته أختك أم علي يا أبا حسان ؟

- قلت هات يا رعاك الله .

- قال كانت تلميذة نجيبة وعت اليوم درساً مفيداً

قلت : أسمعنيه لعلي أعيه أيضاً .

قال : جمعت  أبناءها كما كانت تفعل كل عشيّة ، تتابع معهم واجباتهم المدرسية ، فهي حريصة على أن يكونوا مجدين متمكنين من دروسهم   ..

   - وقدمت  لطفلها الصغير - خالد - ذي السنوات الأربع كراسة للرسم كي لا يشغلها عما تقوم به من شرح واهتمام بالكبار ، ومذاكرةٍ لما أخذوه هذا اليوم .. - وتذكرَتْ فجأة أنها نسيت أن تقدم  لوالدي الشيخ المسن الذي يعيش معنا في حجرة خارجَ الحوش قرب باب الدار الخارجي طعامَه اليومي  .. وكانت تقوم بخدمته بين آونة وأخرى ، ولم يكن الرجل  العجوز ليترك غرفته لضعفه ومرضه وصعوبة حركته. وكنت أقضي معه بعض الأوقات ، وأعترف أنها قليلة - لانشغالي – وهذا تقصير أسأل الله أن يعينني على تلافيه .

- أسرعَتْ بالطعام اليه  ، وسألته إن كان بحاجة لشيء غيرِ الطعام والشراب ،  ثم انصرفت عنه .وكنتُ راضياً عن خدمتها له على قلتها ، فهي تشكو من الإرهاق والتعب وكثرة العمل في البيت . - عندما عادت إلى ما كانت عليه مع أبنائها لاحظت أن خالداً يرسم  دوائر ومربعاتٍ غيرَ متناسقة ، ويضع فيها رموزاً وعلامات..

 فسألته : ما الذي ترسمه يا حبيبي ؟ أجابها بكل براءة : إني أرسم بيتي الذي سأعيش فيه عندما أكبر وأتزوج. أسعدها ردُّه .. فقالت : أرني غرف بيتك يا حبيبي ؟؟

-         أخذ الطفل يشرح دوائره ويشير إلى رموزها قائلاً : هذه غرفة النوم ، وهذا المطبخ . وهذه غرفة استقبال الضيوف . وبدأ يعدد كل مايعرفه من غرف البيت . وترك دائرة منعزلة خارجَ الإطار الذي رسمه .

-         عجبت الأم!!.. وقالت له : ما هذه يا بني ؟ - مشيرة إلى الدائرة ، ولم جعلتـَها بعيدة عن الغرف الأخرى؟  أجاب : إنها لك وللبابا. سأضعكما فيها تعيشان كما يعيش جدي الكبير .ستكونان عجوزين ضعيفين لا تستطيعان الحركة ، وسيزعجكما الأولادُ بصخبهم ، كما ينزعج جدي الآن ، أليس كذلك؟

-         صعقت الأم لما قاله وليدها! وغابت في تفكير مخيف !!

-         هل نعيش خارج البيت في طرف الحَوش دون أن نستمتع بالحديث مع ابننا و أطفاله ونأنسَ بكلامهم ومرحهم ولعبهم عندما نعجز عن الحركة ؟؟ وهل يجلس كلانا ، يحدق أحدنا في الآخر ولا يجد من يكلمُه سواه؟! وهل نقضي ما بقي من عمرنا وحيدين بين أربعة جدران دون فلا نلتقيَ بباقي أفراد الأسرة ، ولا نسمع لهم حساً ولاسمع لهم صوتاً أسمع لهمأسصوتاً إلا بين الفينة والأخرى ؟؟

-         أسرعت تنادي الخادم ... ونقلت أثاث الغرفة المخصصة لاستقبال الضيوف التي عادة ما تكون أجملَ الغرف وأكثرَها صدارة في الموقع إلى صحن الدار و أحضرت سريرَ عمها (والدي ) وحاجياته إلى هذه الغرفة ، ثم نقلت الأثاث المخصص للضيوف إلى الغرفة الخارجية في الحوش حيث كان والدي . وما إن عدتُ من الخارج حتى فوجئت بما رأيت ، وعجبت له ..

-          فسألتها : ما الداعي لهذا التغيير السريع ، ونظرت إليها متأملاً ؟؟ 

-         أجابتني والدمع يترقرق في عينيها .. إني اختار الغرفة التي سنعيش فيها أنا وأنت إذا مد الله في عمُرينا ،  وعجزنا عن الحركة .

-         ولتبق غرفة الضيوف بعيدة قرب الباب الخارجي .

-         فهمتُ ما قصدتْ أمُّ علي  ، وأثنيتُ عليها ، ،وكان والدي ينظر إلينا جميعاً بعينين يشِع منهما الرضا  ..

-         فما كان من الطفل – خالد-  إلا أن أعاد ترتيب الغرف  .. وابتسم ........

وسوم: العدد 837