قَسَمُ أبقراط

السفر طويل هذه المرة، ويتطلب محطات عديدة للوصول إلى المبتغى الأخير، وربما استغرق أربعاً وعشرين ساعة، ومع ذلكم يشعر الدكتور أبو فراس بمزيد سعادة لأنه ميمِّمٌ شطر بلد منكوب ليشرف على تطبيب حالات إنسانية صعبة. لقد ترك لزوجه على الطاولة في المطبخ وريقة صغيرة كتب فيها: " أستميحكم عذراً، فأنتم أحوج لي من أية ساعة سابقة، لكن دافع الغريزة الإنسانية يجري في جسمي مجرى الدم في العروق، فرأيتني أهطع إلى مطار عمان صوب عاصمة بلد إسلامي مزقته الحروب والإحن، ولن أمكث غير شهر، وسأعود إليكم على جناح الشوق والحب".

ثمة مئات من الحالات كانت تنتظره هنالكم، فعمل ليل نهار إتمام أكبر قدر ممكن من العمليات الجراحية الصعبة التي يعجز عنها طاقم الطب غير المتخصص المتبقي في المدينة الخربة بعدما قُتل معظم أطباء المدينة بسبب القصف الذي لا يبقي ولا يذر. ولَكَم تمنى أن لا يأذن الشهر بالنفاد ليتمكن من إنجاز مزيد من الإسعافات لبشر ينتظرون الحِمَام، أو غوثه أبي فراس السماوي، فكان لا بد من رحلة العودة إلى عمان حيث الحبيبة أم فراس وزغب القطا.

هذه المرة حاولت أم فراس أن تمنعه بكل ما أوتيت من حب و أمومة، بعد أن كان سافر لتلكم المهمات الإنسانية غير الرسمية تسع مرات، وهي تقول: يا ابا فراس: إنك تواظب على هذه السفرات العلاجية أكثر من موظفي الأمم المتحدة المنتدبين الذين يعملون بأجر باهظ الثمن، وأنت تترك عيادتك الجراحية لمتدربين، ولا تأخذ على عملك أي أجر هناك، أفلا تفكر فينا نحن أسرتك؟

يا أم فراس: لندخر ليوم الحساب ذخراً ينجينا من عذابه.

ثمة آلاف الطرق الأخرى.

ولكني أقسمت يوم تخرجت.

هل أقسمت على السفر كل عام إلى بلاد الله تتركنا ينتهبنا الوجد والفقد؟

بل إلى كريم رحيم حليم عليم أذركم.

دعني من مشيخاتك التي لا تسمن ولا تغني من ألم النوى.

هذه زكاة تعلُّمي مهنة الجراحة استنقذ بها أرواحاً ظمأى وأكبُداً حرَّى تكاد تميَّز من شدة فتك الأوبئة والأسقام والجراحات

فلتذهب إلى حيث بلاد تنتشر الأوبئة؛ فهي أقل خطراً من بلاد الحروب حيث تشتعل حمى الاقتتال.

سأفكر في الموضوع ولكن للسنة القادمة.

أثمَّة سنة قادمة بعدُ؟ وانهمرت على وجنتيها البيضاوين جمانتان من حب وحَزَن، ثم طوقت عنقه بذراعيها مؤذنة بفيزا الرحيل......

ولكن أبا فراس في المرة الأخيرة، وكان قد ناهز السبعين كاد أن يفقد روحه لولا أن تداركه الله بفضل منه ونعمة؛ فقد وقع بين براثن عصابة داعش الإرهابية، وكانوا قد كبَّروا عليه ثلاثاً قبل أن يفصلوا عنقه عن جسمه، فقد ضُبط متلبساً بمداواة الجرحى على الحدود السورية التركية سنة 2012، يوم رحل مع ثلة من مهرة الجراحين الأردنيين ليعينوا الناس على آلامهم وضمد جراحاتهم.

جلس أبو فراس مطمئن البال لا يلوي على لحظة قطْع الرأس ، والسيَّاف قد رفع ذراعه اليمنى منتظراً شارة تنفيذ العقوبة الداعشية؛ فأبو فراس كان أعد نفسه لتلكم اللحيظات قبل ثلاثين مذ ذهب إلى أول رحلة دعم طبي، وكانت الطائرات يومها تحلق فوق مشفاهم المتنقل، وكم ذا استشهد من زملائه من الكوادر الطبية، فأرباب الحروب يستشيطون غضباً، ويصبون جام كشوحهم على من جاء من وراء البحار لينقذ الهلكى، أو يطعم الغرثى، أو يغيث الظمأى. ثم هو نذر نفسه لله، وكم ذا حلم بلحظة شهادة، فربما يلقى بين عشية أو ضحاها الأحبة؛ محمداً وصحبه، وأية ساعة أندى منها؟

كان السياف يمعن النظر في لحية غزاها الشيب حتى طَعِم منها معظمها، وإلى فَوْدين وخَطَهما النَّوْر الأبيض، وزيَّن العارضين مشيب مهيب وادع، البسمة لا تفارق محياه، واللسان يلهج بالذكر والتسبيح الذي يطرق مسمع السياف، ولكنه لا ينفذ إلى فؤاده فالقلوب قد استحكمت عليها أقفالها، ثم قد ران عليها ما كانوا يكسبون من تقتيل وتشريد وإفساد في الأرض. أحس السياف بالخمس دقائق وكأنها خمسة قرون، وشعر بها أبو فراس أحقاباً فهو ينظر لحظة خروج الروح من سجنها حيث الجسد إلى علياء الفردوس، حيث حمزة سيد الشهداء.

كان غبار النقع يعمي الأبصار عندما شق قادم من بعيد صمتاً كان يرين على الجموع التي أتت لتشهد القصاص في طبيب قطع آلاف الكيلومترات لينقذ الجرحى، ويضمد آلام من بُترت له ساق أو ذراع، أو يداوي من صُلمت أذنه أو جُدع أنفه، أو يركب عيناً بلورية لمن فقد إحدى حبيبتيه. وقف الفارس القادم عند أمير جماعة القتل في تلكم الولاية (إعزاز) ، وهمس في أذنيه أمراً، ثم انصرف.

قال الأمير القوقازي بلكنة أعجمية في بحة ظاهرة في صوته، وغُنة جلية تعتري كلامه: لقد عفونا عن الدكتور أبي فراس فقد وردنا من مصدر موثوق أنه منذ ثلاثين سنة قد داوى الجرحى في شتى أصقاع أراضي المسلمين، وقد غفرت تلكم هذه التي أسرناه من أجلها؛ ألا وهي مداواة الجرحى من المرتدين الكفرة من الشعب السوري الذي خرج على نظام الظلم والاستبداد.

انطلقت التكبيرات تشق عنان السماء على عفو الأمير عن الطبيب المرتد على أن يعلن التوبة، ثم يقر بالبيعة لأمير المؤمنين؛ البغدادي، ولقد فعل أبو فراس كل ذلكم تقية، وفؤاده يلعنهم؛ فزكية صغرى بناته، وهي على أهبة التخرج من الجامعة الأردنية تنتظره بفارغ الصبر.

أقيمت على شرف الطبيب التائب المبايعِ خليفةَ المسلمين وليمة ذُبحت فيها عشرة من الخرفان. كانت الخراف تُشوى على الحطب كما فعل الأجداد قبل آلاف السنين. وبينا كان ينتظر الطبيب لحم الشواء إذ جيء بأربعة رؤوس بشرية مقطوعة ثم وضعَت قبالة أمير الولاية، وكان أبو فراس يجلس في حذائه. لقد عرف الطبيب أن رأسين منهما كانا لرجلين، والثالث لامرأة، والثالث كان لطفل؛ فقد كان أصغرهم، فأوجس الطبيب المتمرس خيفة وهو الذي لم يرتجف جنانه يوماً لكثرة ما أعمل المبضع في أجساد البشر يقص لهم معيا أو يستأصل زائدة، أو ورماً حميداً أو خبيثاً، ولكن هذا المشهد الجديد جعل كل شعرة في جسمه تُستنفر وكأنها على جبهة قتال، وازدرد اللعاب في حلقه فبات يقح جوىً وحسرة على مستضعفين ملك أمرهم عصبة أشرار يدَّعون التقوى وتطبيق حدود الله. تُرى ما ذنب هؤلاء وقد قُطِّعت هاماتهم؟ ما جنوْا؟ ربما كانوا يدخنون؟! أو ضُبطوا مرتشين؟ ولكن ما شأن الرأس الصغيرة التي لمَّا تصل سن التكليف؟ أهي راشية أم مرشية؟ تباً لكم ولخليفتكم الذي ناجز مسيلمة في عَدْوِهِ وبشطه، قالها أبو فراس مراراً في سره، ولو سمعوه لأصبحت الرؤوس المقطوعة خمسة!

جيء بالطعام وقُدم راس خروف لأبي فراس، وهو ذاهل في ملكوت رأس المرأة المقطوع، أليس ثمة حرمة عند هؤلاء المجرمين لقتيلة؟ أين شرف العروبة ومروءة الإنسانية فيُقدم رأس طفل وامرأة على طبق لزعيم رهط من مجرمي الحِرابة؟ في جميع الحروب ثمة قوانين تردع المنتصر عن التمثيل والتشفي، وعلى رأس ذاكم شرعة الدين الحنيف. ألم يقرأ هؤلاء المَرَدَة رسالة أبي بكر الصديق – رضي الله عنه- للجيش الذي جهزه للفتح، أم هم صمٌ بكْمٌ عُمْيٌ عن كل قيلة حق وصدق ورحمة؟!!  ويح قلبي على الطفل لحظة كان يستنجد بأبويه لينقذاه، أين منا استنجاده بالسيافين لحظة حزوا عنقه الغضة اللينة بمِديتهم الآثمة، وهو يستغيث؟ أهم أجناد فرعون حين ذبَّحوا كل وليد في عصر موسى؟ أم هم من نسل تتار ومغول وبرابرة؟! وحلَّق أبو فراس في سماوات التساؤلات اللامتناهية، واللعنات على القوم الظالمين!

وكز أمير إعزاز أبا فراس بعصاه الغليظة وهو يتلذذ بالتحديق بمرأى الرؤوس الأربع، ثم أردف يقول له: تاالله يا دكتور إن رؤية الرؤوس البشرية المرتدة عندي لتسعدني أكثر من العشر رؤوس للخرفان الحنيذة.

طفق أبو فراس يومئ بحركة من رأسه لا تفهم على أنها سلب أو إيجاب، وهو يغرق في لج عقائص المرأة الذبيحة وقد تناثر شعرها أمام المدعوين في خيمة الأمير، وهو يفكر أهم بشر أم حجر، أم شياطين؟!، ولم يحس إلا بلكزة من الأمير أفاقته من سكرته؛ فقد رأى في عينيه شرراً يتقد، وخاف أن يرجع عن عفوه لتصبح رأسه الصلعاء الشائبة إلى جانب الرؤوس المدماة، قفال: صدقت أيها الأمير.

إذاً فلمَ لا تأكل على شرف رؤوس المرتدين الزنادقة؟

أشعر بحاجة إلى التقيؤ.

أطبيب يتقيأ من منظر ألِفه؟

لا، أبداً، ولكني، ثم فرَّ أبو فراس خارج خيمة الأمير، يذرع فيض دمع لا قيئا، وقد أوجس خيفة من أن تتفرسه أعين الحرس المحيطين بالأمير فيوشوا بدمع شفقة منه، فيُحكمَ عليه بردَّة الدمع!

جلس أبو فراس يحدث أبناءه عن رحلة (ماوكلي) التي قضاها بين أظلاف الدواعش، وكان الجميع تسمروا مندهشين، وكأنهم يُقرأ عليهم فصلا من ألف ليلة وليلة، أو رواية بوليسية لأجاتا كريستي. أما أم فراس فقد أقسمت عليه أغلظ الأيْمُن ألا يعود ثانية إلى مغامرة جديدة، ولذاك قال إنه سيجعل شطر ماله مما يحصل في العيادة خالصاً لله، تجارة للدار الآخرة.

-----------

ألو دكتور أبو فراس: كيف حالك؟

الحمد لله والمنَّة.

أريد أن أحضر إليك لكشف طبي، فمتى أحضر غداً؟

صلِّ الفجر واسرِ إلينا بقِطْعٍ من الليل.

أمازح أنت أم تهذر؟

بل أتكلم جداً.

وكيف؟

أنا أصلي الفجر في مسجد زكي أبو عيد، ولا أرجع إلى البيت بل أذهب إلى العيادة فوراً، وهنالك يكو ن عدد من المرضى قد حضروا قبلي وينتظرن على الدور.

أهي عيادة أم قسم طوارئ؟

سَمِّهِ ما شئت، تلكم حياتي أبدؤها ببكور حث عليه الحبيب المصطفى – صلى الله عليه وسلَّم- .

قاطعه المريض: اللهمَّ زده صلاة وتسليماً.

 تابع الطبيب: ثم إن الطب أثبت أن هرمونات النشاط تفرز في الصباح الباكر، بالإضافة للنشاط الذهني والفكري والذاكرة المتقدة في أوائل الصباح.

هو درس في الدين والعلم إذاً؟

وإن شئت أزيدك في التاريخ والجغرافيا وكافة العلوم؟

أنت أهل لذاك أخي أبا فراس.

لم يقتنع المريض بِقَال أبي فراس، وغلبته سَنَة نوم، فوصل العيادة بُعيد السابعة صباحاً فوجد أمة من الناس يستشفون، منهم من احتل الكراسي فجلس قعيداً، ومنهم قائم يتململ على رجلين؛ فتراه مرة يقف على اليمنى، حتى إذا ما كلَّت أراحها واعتمد شمأله. ومنهن من افترشن درجات المبنى والبهو والردهات، فحاول المريض المتأخر أن يعدَّهم فعجز، فأردف: أنْ زدْ وبارك إلهي لهذا الرجل الرباني، ثم نزل من على الدرج؛ فالمصعد دائماً مشغول، وطفق يردد: هذا جزاء من لا يصغي إلى عالِم ممن بشَّرهم الله برحمة منه ورضوان.

----------

رن هاتف المنزل ليلاً وكان الجو ماطراً منتصف شهر آذار، حيث الرعد والبرق والأمطار، حاول الطبيب أن يمد يده ليلتقط الهاتف فلم تطاوعه يده لشدة التعب الذي اكتنف جسمه من طول الساعات التي قضاها في غرف العمليات في غير مشفى..... ولقد رن الهاتف حتى فصل الخط. ثم رن بعد خمس دقائق، فاستعان بالله ونهض على ثِقْل ومضض، وقال بصوت محشرج: من الطارق؟

ألو دكتور، صباح الخير، آسف أني أتصل بعد منتصف الليلة، ولكن حال ابني سيئة.

لا تقولي سيئة، بل قولي صعبة، فكله من الله خير.

حاضر.

وما شأنه؟

لقد وُصفت له أدوية مضادة للالتهابات، ولقد جرعها كلها خلال أسبوع، ولكن الحال تزداد صعوبة، فانصحنا.

أثمَّة حرارة؟

لا تنزل عن الأربعين، وقد رمدت عيناه.

طيب، الأمر بسيط بإذن الله.

الله يخليك يا دكتور، أرشدني، أحس أن الولد سيطير من بين يدي.

استعيني بالله، فبشأن العينين قطِّري له من ماء زمزم نقطتين في كل عين، أما الجرح الملتهب فضعي عليه كمادة مطلية عسلاً، هذا مع إعادة أخذ جرعة ثانية من مضاد الالتهاب، والباقي على الشافي.

جُزيت خيراً يا دكتور، وأستسمحك ثانية على الإزعاج.

أبداً، واتصلي في أية ساعة من نهار أو ليل.

يا ليت كل الأطباء مثلك.

بل أنا أقلهم، ولا تنسيني من صالح دعوة في سَحَر.

سأفعل وربي.

----------

إنها عملية قيصرية لتوأمين استدعى كادراً كبيراً كان أبو فراس على راسهم، في المشفى الإسلامي بعمَّان، وثغره لا يفتأ يفترُّ عن بسمة عريضة لقدوم ولد وبنت، ولسانه يلهج بالذكر دعاءً للأم وطفليها، بينما كان الكادر يعيش حياته الطبيعية من حكي ومزح وفرفشة، ولمَ لا، فتلكم حياتهم اليومية، ولو عاشوا مآسي الزَّمْنى لماتوا كمداً، ولكن أبا فراس ضرب من البشر؛ لا قبلُ ولا بعدُ!

وضعت إحدى الممرضات له سماعة الهاتف على أذنه اليسرى ليرد على مكالمة، فأوما لها أن حوليها إلى الأذن اليسرى، تيامناً في كل شيء، وسنة المصطفى، ثم قال:

السلام عليكم، أوجز فأنا في قيصرية.

قواك الله دكتورنا.

قلت لك أوجز، فبين يديَّ ثلاثة أرواح.

لو كنت أعلم ذلك لما اتصلت.

لقد قلت كلاماً يعدل اتصالين، فقل!

أريد أن أذكِّرك بدرس المغرب في مسجد أم السماق، لتتحدث للمصلين عن ذكرى الهجرة النبوية الشريفة.

تمام، جيد أن ذكرتني، فاليوم انهمكت بعدة عمليات أذهلتني عن الموعد فكدت أنساه، سآتي بحول الله إلا ان يحصل طارئ قيصرية ثالثة، السلام عليكم.

وعليكم السلام والمرحمة يا طبيب الإنسانية.

دلف أبو فراس إلى بيته، وكانت أم فراس قد أعدت له أطايب ما لذَّ من طبيخ شرقي، ولكنه اعتذر، فقد اضُطر أن يتغدى في المشفى في الفرصة ما بين القيصريتين، وطلب قدحاً من الليمون ليذهب عنه أثر صداع استحكم في رأسه الوانية، وحبة بانادول، وأن توقظه بعد ربع ساعة ليلحق بركب المصلين بجامع الخليلي محاضراً عن الدروس المفادة لهجرة الحبيب المصطفى صلى الله وسلم عليه.

مضى شطر ساعة ولمَّا يسطع أبو فراس أن يفيق، فقد استغلق عليه نوم ثقيل من شدة الوهن و الإرهاق، فما كان منها إلا أن نضحت الماء في وجهه؛ فلو صحا وقد نام عن المحاضرة فسيوسعها ملامة. أكل حبة فاكهة على عجل، ولكنها جبذته من قميصه من دُبُر قائلة: أفلا تطمئن على حفيدتك المحمومة أيها النطاسيُّ المحاضر؟

إي وربي، كيف أمست؟

ما زالت تعاني.

إن لم يفدها الدواء، فاسقها عسلاً، واغلي لها زنجبيلاً، ودقي لها بعض حبيبات حبة البركة، واقرآي لها الفاتحة وأواخر البقرة وآية الكرسي مع المعوذتين، فستصح وستقوم كأنما نشطت من عقال، بحول الله وإذنه، والآن إئذني لي بالمضي إلى المحاضرة المسجدية... طبعت الزوج على رأسه قبلة الشفقة على نفس مضناة بهموم الأمة، ثم شيعته بناظرين كليلَيْن هامِعَيْن، ثم خرجت إلى الشرفة تشيعه بدعوات مع قول المؤذن للمغرب الله أكبر.

-------------

كانت صفاء تعاني من التهابات شديدة بُعيد عملية ولادة صعبة كادت أن تودي بحياتها، ولكن الله سلَّم؛ إنه عليم بذات الصدور من دعاء وتوسلات، ثم حدبٍ على أربع بنيَّات أخريات. قال لها أبو فراس بعد مكث عشرة أيام في المشفى : لقد زال الخطر، وأنت في حالة نقاهة الآن، وسأعد ملفك للخروج غداً، فحضِّروا للمشفى الحساب.

كانت الطامَّة الكبرى الكبرى حين طرق مسمع صفاء، وهي ترضع وليدتها نور أن حساب المشفى قد جاوز خسمة ألاف دينار، فأنَّى لهم أن يجمعوا هذا المبلغ الضخم، ثم دخلت المسكينة في نوبة غيبوبة وَجْدية.

ألو، السلام عليكم دكتور أبو فراس؟

وعليكم السلام والاحترام.

كبف أصبحت؟

بمَنٍّ منه وَسَعَة.

كيف أبوك الشيخ؟

نحمده.

سَلْه أن يدعو للعبد الفقير أبي فراس.

بل أنت من يُبتغى الدعاء منك.

بل أنا أقلكم عملاً صالحاً.

هذا تواضع منك

سلْ تُعطَ.

قريبتي صفاء مريضة بين يديك، وقد فاق حسابها في المشفى خسمة آلاف، وقد طلبت من جرَّاحها أن يخصم لها قليلاً فأبى، فهل تتفضل علينا بخصم من حساب توليدها، ويجزيك الله خير الجزاء؛ فهم غير قادرين على دفع كامل المبلغ؟

حاضر، سأخصم ما استطعت إلى ذلكم سبيلاً.

جُزيت جنة عرضها كعرض السماوات والأرض أعدت للأطباء الإنسانيين.

ولكم مثله.

سلام الله عليكم.

وعليكم السلام والرحمة والإكرام.

 على مائدة العشاء في الليلة التالية كان أبو فراس يحدث زوجه وأولاده عن قصة صفاء ووليدتها نور محزِّراً إياهم عن نسبة الخصم الذي فعله بحسابها؟

قال فراس: الربع.

ردت الأم: لقد نذر أبوك الشطر بدلاً عن رحلات الإغاثة الطبية السنوية، والتي كان آخرها مغامرات شبه مميتة مع داعش اللعينة.

قالت زكيَّة: بل أظنه خصم الثلثين، أحزرتُ يا أبتِ؟

فتبسم ضاحكاً من قولهم، وأجاب: بل كلَّ المبلغ!

شهق الجميع شهقة واجم واحد، وقالوا مجتمعين: وفيمَ؟

أحاول أن أقلد أبا بكر الصديق مرة واحدة، رضي الله عنه.

 رن الهاتف الخلوي متأخراً بعد أن كان قد داعب أبو فراس الكرى، ولكنه آلى على نفسه إلا أن يرد على أي هاتف أو طارق مهما كانت الظروف فقد أقسم وعليه أن يبرَّ، وسمع صوتاً تخنقه العبرة: ما فعلتَ يا أبا فراس؟

خيراً؟!

لقد خصمت لصفاء كل أتعابك، وزميلك رفض أن يخصم نصف العشْر! ما أكرمك، أنعمْ بفضلك!!

بل الله يمن عليَّ وعليكم بفضله.

لقد أقسم كل الأطباء قَسَمَ أبقراط، ولكن ندرة هم من يلتزمزن ويبرون.

أما أنا قفد أقسمت قسم محمد صلى الله عليه وسلَّم!!

وسوم: العدد 738