هل نحن فعلا عالة على الغرب والعالم؟

جائحة كورونا زادت من حدة جلد الذات في أوساطنا؛ وصرت تسمع عبارات ساخرة من قبيل:نحن ننتظر(الكفار) كي ينتجوا لنا لقاحا كي نعود إلى المساجد لندعو الله أن يخلصنا منهم ويهلكهم!

مثل هذه العبارات المسنودة بل العائمة فوق بحر من منهج ثقافي كامل، يصورنا دوما في موضع النقص والاستجداء والجهل، وأننا عالة أو حمولة زائدة مرهقة على هذا الكوكب وأننا نهاجر إلى بلاد الغرب، ونأكل من خيرهم، ثم نتبنى(الإرهاب).

وتجد عند بعض أوساطنا (الثقافية) روحا عنصرية لا تجدها حتى عند عتاة اليمين العنصري في أوروبا أو أمريكا الشمالية ضد المهاجرين المسلمين والعرب، وتمتد السخرية والازدراء حتى تصل مقدساتنا، وتلك المقارنة السخيفة التي سبق وأن كتبت عنها هنا، بين علماء الدين وبين علماء العلوم التطبيقية والأطباء وغيرهم.

وتأخذ مرحلة جلد الذات مسارا أكثر سوداوية بوصفنا مجرد كائنات تستهلك ما ينتجه الآخرون، ويصل الحال ببعضنا، ومنهم مع بالغ الأسى من هو محسوب على التيار الإسلامي من يقول:لو أفاق العالم وكنا في خبر كان، فلن تخسر البشرية شيئا بل على العكس ستزول عنها أعباء وأفكار عنصرية واستنزاف موارد...إلخ!

وكي نناقش هذه الأفكار التي تجد رواجا وقبولا لا يستهان بحجمه لدى شرائح متنوعة عندنا، فهناك حقائق أقوى من ضجيجها.

  

   وظيفة الإنسان

 

لا بد في حمأة الغرق في التفكير المادي الجاف التذكير، بأن الإنسان استخلفه الله في هذه الأرض وأنه مخلوق لعبادة الله -جل وعلا- وليس فقط ليأكل ويتمتع كالأنعام:-

 

وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ(سورة الذاريات)

وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ(سورة محمد)

فيجب ألا تغيب هذه الحقيقة عن ذهننا، وهنا قد يقول قائل بأن العلم و العمل عبادة، نعم ولكن حسب مفهومك للعلم والعمل، ولكن تخيل لو أنك مشرك بالله، أو إنسان وثني أو لا تؤمن بوجود الله الخالق، أو تنكر البعث والنشور، وأنت تحوز على درجة الأستاذية في أي علم تطبيقي أو نظري من أعرق جامعات العالم، هل وضع كهذا يرضيك؟..فكر مليّا.

  

مَن سبب جهلنا وتخلفنا؟

بلا تردد أو طول تفكير فإن سبب الجهل والتخلف وعدم مواكبة عجلة التطور العلمي والتقني في بلادنا، سببه هو الغرب المتسلط؛ فأوروبا احتلت بلادنا، ونهبت ثرواتها وأذلت شعوبها وأزهقت ملايين الأرواح فيها، ولم تعمل على تطوير الصحة أو التعليم فيها، بل سلمتها إلى طغم دكتاتورية ترعى مصالحها، وورث الأمريكان دور الأوروبيين فحرصوا منهجيا على تقوية قبضة الاستبداد وتغوّل أجهزة أمنه وطغيانه، وحال هذا بالضرورة دون تطور المجتمعات والمؤسسات، وما زال الأمريكان والغرب عموما خير من رعى الاستبداد...وفوق ذلك أقاموا إسرائيل وما زالوا يدعمونها، ولكم أن ترجعوا إلى أي مصدر علمي رصين للاطلاع على حجم الكارثة التي تسببت بها هذه الخطوة الكارثية، وتأثيرها على مستويات التنمية المختلفة(سياسية واقتصادية وتعليمية واجتماعية...) في المنطقة...والكارثة مستمرة.

وفي حين ينعم الغرب بنظم عمادها الديموقراطية وتكافؤ الفرص والشفافية،يمنع الغرب  بوسائل تأثيره الناعمة والخشنة، أن يكون لنا شيء من هذه الأشياء التي نمدحها ونتمناها عندنا.

فسياسة الغرب الثابتة- ولو سمعنا منه تصريحات إعلامية مخادعة- هي بناء وتبني الأنظمة الديكتاتورية وتقديم كل الدعم لها سياسيا وأمنيا واقتصاديا، وإذا كانوا يعطون لبعض منا حق اللجوء السياسي، فإنهم في المقابل يسندون من كانوا السبب بتحوّل هؤلاء إلى لاجئين مشردين من أوطانهم...تذكروا هذه الحقيقة.

 مساهمتنا ليست بسيطة

المجهود الحربي لبريطانيا ساهمت فيه الهند ومصر اللتان اكتوتا بنيران احتلال الإنجليز؛ والمساهمة كانت في الموارد والثروات المنهوبة والعناصر البشرية التي كانت ضرورية في الحرب، وفي الحربين الكونيتين فإن الأفارقة ومنهم مسلمون وعرب شمال أفريقيا دفعوا من ثرواتهم ودماء أبنائهم ثمنا باهظا لا يمكن أن يعوّض في مجهود فرنسا الحربي.

وإذا كان علينا نسيان هذا الماضي، مع أنه يجب ألا يغيب لحظة عن ذاكرتنا، كي نتخلص من عقدة النقص، ونتوقف عن جلد الذات؛ فلنتذكر الرئيس الفرنسي ماكرون في خضم جائحة كورونا حين سأل مجموعة من الأطباء من أين أنتم فتبين أن معظمهم من العرب والمسلمين:-

ماكرون يسأل الأطباء والباحثين: من أين أنتم؟.. ويتفاجأ بالإجابة

هذا المشهد غيبه بعض المتثاقفين عندنا، وشرعوا يدافعون عن ماكرون، وينتقدون دعوات مقاطعة المنتجات الفرنسية، بعد تطاول ماكرون على أعظم إنسان، بإصراره على نشر الرسوم المسيئة له، صلى الله على سيدنا محمد...وهو بهذا يسيء إلى شريحة من مجتمعه وليس فقط إلى جزء مهم من العالم، وهذه الشريحة تساهم في علاج المرضى، وتحريك عجلة الاقتصاد.

وبالتالي ليس كل المهاجرين إلى بلاد الغرب ينتظرون صرف بدلات البطالة من الدولة، ويعيشون عالة هناك، فهم لهم مساهمات وبصمات واضحة في العلوم والطب والاقتصاد في البلاد الغربية التي هاجروا إليها...ولولا ويلات الاستبداد والفقر التي سببها الغرب لما وجدت ما نسبته واحد في الألف منهم يفكر في ترك وطنه.

كما أن البلاد الأوروبية هرمت وشاخت وتحتاج إلى دماء جديدة، فالمنفعة متبادلة، كما أن هناك أعمالا أو مهنا يقبلها المهاجرون ولكن يأنف أو يتعالى عليها الغربيون؛ وهذا ما صرخ به مسؤولون ألمان قبل ثلاثين عاما في وجه النازيين الجدد...وبالتالي هم لم يفتحوا أبواب بلادهم للمهاجرين العرب والمسلمين حبا وكرما بقدر ما هي مصلحة لهم...والدليل أن بعض الدول الأوروبية تعاملت أجهزتها بل حتى صحفيين منها بكل وحشية وعنف مع المهاجرين حتى الذين يمرون مرورا من أراضيها...ولكن لدينا من لا يرى في (الروم)  إلا وجها مشرقا ويدا حانية ومدينة فاضلة!

الثمن مدفوع...والبضاعة صينية

في ثمانينيات القرن الماضي وما قبلها كنت تجد كثيرا من البضائع اليابانية، والأوروبية والأمريكية في بلادنا، طبعا علينا التذكير أن اليابان لا تستقبل المهاجرين، ولكن حاليا لم تعد ترى سوى البضائع الصينية، وقلّما تجد سيارات أمريكية، فقد جاءت الكورية مكانها، لأن الأمر يتعلق بالتسويق والأسعار والحاجات، وبضائع الصين غزت أوروبا وأمريكا أيضا، ومن يذهب منا إلى الصين هدفه التجارة لا اللجوء هناك، كما نعلم، فهل نحن عالة على الصين مثلا؟

وسواء كانت البضائع أمريكية أو ألمانية أو صينية أو غير ذلك، فنحن لا نأخذها مجانا بل ندفع ثمنها، وندفع أيضا ثمن هيمنة الشركات العابرة للقارات على حريتنا السياسية، وقدرتنا على إدارة مواردنا والتصرف بثرواتنا.

وللتذكير فإننا معتدى علينا وحقنا مغموط، فيستكثر بعضنا أن ندعو على من ظلمنا وتسبب في نكبتنا، وزاد بؤسنا، ونحن هنا لا ندعو على من يسعى لابتكار شيء يفيد الإنسانية، بل على من يدعم إسرائيل، ويسند الطغاة عندنا، ويرسل طائراته لتقصف وتقتل أطفالنا.

كما أن لنا منجزات علمية عظيمة  لما قبلها، وبنى الأوروبيون على منجزاتنا، فهذا صنو الحضارة الإنسانية، ولا أقوله من باب التفاخر الفارغ.

لدينا مشكلات وعيوب كثيرة أفرادا ومجتمعات، ولكن يجب ألا نضع أنفسنا في خانة الخواء المطلق، ولنثق أننا لسنا عالة على العالم ولا عبئا على الكوكب، وثبت عمليا أنه حين نأخذ فرصتنا أو قليلا منها نسهم كثيرا في الحضارة الإنسانية، مع فارق أن إسهامنا لا يقوم على الاعتداء والسرقة والنهب، ويستظل بإيمان بالله تعالى وحملا لما كلفنا الله به في الحياة الدنيا.

وسوم: العدد 920