مجلس أمن ومنظمات ومحاكم وهيئات دولية قراراتها موقوفة التنفيذ حين يتعلق الأمر بمحاسبة الكيان الصهيوني

لو وجدت مخلوقات عاقلة على ظهر كوكب من الكواكب في مجرتنا أو في غيرها من المجرات، وقدر لها الاطلاع على وضع عالمنا اليوم ، لاستغربت ما نحن فيه معشر البشر في أرضنا من فوضى عارمة طالت كل ميادين الحياة ،لأن عالمنا المتبجح  بالعدالة ، وبسلطة قوانينه الدولية ، التي هي  في منتهى الدقة والصرامة تحريرا ،لا تعدو أنت تكون في منتهى التفاهة تفعيلا ، عندما يتعلق الأمر بمحاسبة كيان مستنبت في قلب الوطن العربي من طرف قوى احتلال أوروبية غربية على رأسها بريطانيا الاستعمارية ، قبل ما يزيد عن مئة عام، حيث أجلت قواتها عن أرض فلسطين بعدما أصابت ما كانت ترومه من وراء احتلالها ،هي ونداتها الأوروبيات المستعمرة  في فترة ضعف العرب والمسلمين . وكان ذلك الجلاء بعد التمكين لعصابات صهيونية مسلحة إرهابية إجرامية ، تطورت مع مرور الزمن إلى قوة عسكرية ،وفر لها الغرب ترسانة سلاح  ضخمة ، لا نظير لها في منطقة الشرق الأوسط ، واعترف بها كدولة مختلقة فوق أرض مغتصبة بقوة السلاح، في وقت يرفع فيه هذا الغرب المتبجح  شعار تصفية الاستعمار ، وهو شعار استثني في أرض فلسطين، بينما عرف التنزيل والتطبيق في أكثر من قطر ابتلي باحتلال غربي أو غيره . وإلى جانب هذا الشعار الموقوف التنفيذ بالنسبة للقضية الفلسطينية ، يرفع الغرب شعار حق الشعوب في تقرير مصيرها ، وفي الدفاع عن استقلالها وحريتها  بالمقاومة المسلحة ، وهو شعار استثني منه الشعب الفلسطيني  دون  كل الشعوب التي ناضلت من أجل استقلالها عن المحتل، وذلك  لسبب بسيط هو أن من يحتل أرض فلسطين هو محتل يسمى إسرائيل ، وهو فوق كل قانون دولي ، ويستثنى من المساءلة ومن المحاسبة ، ومن العقاب، لأنه شعب الله المختار .

وها نحن اليوم نعيش قمة تعطيل ما يسمى بالقانون الدولي ،  وذلك بوقف تنفيذه ، وتعرف المحاكم، والمنظمات، والهيئات الدولية ، وقوات حفظ السلام الأممية  وضعا صورية ليس غير . فما معنى سكوت كل هذه الجهات المنعوتة بالدولية ،والمحتل الصهيوني يرتكب أبشع جرائم حرب إبادة جماعية في قطاع غزة والضفة الغربية من أرض فلسطين ؟ لقد انتظر العالم مرور مئة يوم على ارتكابه هذه الفظائع المروعة  كي تتقدم دولة في أقصى جنوب القارة الإفريقية برفع دعوى ضده أمام محكمة العدل الدولية ، وليس أمام محكمة الجنائية الدولية مع أن القضية متعلقة بجناية في حق الشعب الفلسطيني . ولقد كان من المفروض أن يصدر أولا قرار من محكمة العدل الدولية ، ومن محكمة الجنايات الدولية  يقضي بوقف جرائم الإبادة الجماعية  فورا ، وهي واقع يتابعها كل العالم عبر وسائل الإعلام، ثم تباشر بعد ذلك أعمال البحث والتحقيق . كم سيمضي من الوقت والشعب الفلسطيني تحت القصف جوا، وبرا، وبحرا كي تباشر هذه المحاكم عملها ؟ ، ومتى سينتهي عملها ؟ ، وماذا سيترتب عنه إذا انتهى ؟  وما فائدته إذا انتهى، وكانت النتيجة هي وقف تنفيذ الأحكام الصادرة عن هذه المحكمة ؟ وما فائدتها إذا قدر لها أن تنفذ بعد  كل ما حدث ، وبعد مرور وقت طويل على الإبادة الجماعية ؟

ومن السخرية أن الدولة التي رفعت قضية الإبادة الجماعية ضد الكيان الصهيوني أمام محكمة العدل الدولية ، وهي جنوب إفريقيا ، لم يتردد الناطق باسمها خلال مرافعته من استعمال عبارة لإدانة ما قامت به المقاومة الفلسطينية في السابع من أكتوبر، ضاربا عرض الحائط ما يقره القانون الدولي من حق الشعوب في المقاومة المسلحة دفاعا عن النفس، وتحريرا للوطن . ومن العبث أن ترافع الأطراف المؤيدة للكيان الصهيوني عنه  أمام هذه المحكمة ، معتبرة ما يقوم به من إبادة جماعية ضد الشعب الفلسطيني في غزة والضفة دفاعا عن النفس ؟ أليس من العبث والسخرية أن تنقلب الآية في أرض فلسطين ، فيصير من احتلها بالقوة مدافعا عن النفس ، والذي احتلت أرضه معتديا عليه ؟

هل يقبل الناطق الرسمي باسم دولة جنوب إفريقيا أن يوصف ما كان يمارسه عليه النظام العنصري من ظلم وتنكيل دفاعا عن النفس ؟ وهل يقبل أن تصدر إدانة  في حق مقاومة شعب جنوب إفريقيا  لذلك النظام العنصري ، ويوصف بأنه كان معتديا  خلال ممارسة مقاومته ؟ أليست إدانة  ما حدث في السابع من أكتوبر دفاعا عن الكيان الصهيوني ، ودعما لتبرير ارتكابه جرائم الإبادة الجماعية تحت ذريعة الدفاع عن النفس ؟ ألا تؤثر إدانة المقاومة الفلسطينية على محكمة العدل الدولية ، فتصرف نظرها عن قضية الإبادة الجماعية إلى النظر في قضية دفاع الكيان الصهيوني عن نفسه ؟

ولا شك أن المنتظر من هذه المحكمة الدولية إذا كان منطلق نظرها هو اعتبار ما حدث في السابع من أكتوبر اعتداء على الكيان الصهيوني ، وليس مقاومة لاحتلاله ، سيكون  لا محالة رأيها متأثر بهذا الاعتبار المغيب لحقيقة القضية الفلسطينية في جوهرها ، والتي يجب أن ينظر إليها في أساسها على أنها قضية تصفية احتلال صهيوني لأرض فلسطين ، الشيء الذي يسقط  عن المقاومة الفلسطينية تهمة الاعتداء، لأن المنطق لا يقبل ، ولا يستسيغ  أن يسمى الرد المقاوم  على اعتداء  محتل اعتداءا ، وإلا فلا معنى للمنطق .

ولا بد أن تنظر محكمة العدل الدولية إلى أن حقيقة مظلمة الشعب الفلسطيني  تكمن في توطين الدول الأوروبية لفلول اليهود الذين كانوا  يعيشون فيها ، وفي غيرها من بلاد العالم منذ قرون طويلة  فوق أرض فلسطين على حساب الشعب الفلسطيني ، وهذه جريمة مكتملة الأركان يجب أن  تتابع فيها أولا تلك الدول الأوروبية، ومعها الولايات المتحدة الأمريكية . وبتوطين الغرب لليهود بأرض فلسطين ، أراد بذلك أن  يوهم العالم  بأنه قد صفى استعماره لها ، وأنه أعادها إلى أصحابها التاريخيين ـ حسب زعمه ـ  باعتماد أساطير كما وصفها الفيلسوف رجاء جارودي في كتابه : " الأساطير المؤسسة لدولة إسرائيل " .  والسؤال المطروح هنا : هل ستأخذ محكمة العدل الدولية بعين الاعتبار هذه الأساطير ، وتصدر حكمها بهذا الاعتبار الذي سيبرر به الصهاينة احتلالهم لأرض فلسطين ، ومن ثم يبرر ارتكابه جرائم الإبادة الجماعية في حق شعبها الذي يشهد التاريخ ـ وكفى بشهادة  شهادة لا يرقى إليها شك أو تشكيك ـ وليست شهادة الأساطير بأنه هو صاحب الأرض المحتلة ، وأنه هو الضحية وليس جلاده  الذي يحتل أرضه ؟

وفي الأخير لن ننتظر شيئا لا من المحاكم الدولية الصورية ، ولا من مجلس الأمن الدولي الذي يعطل إرادته قراراته  الفيتو الذي  هو وصمة عار على جبين أعضائه الدائمين  . ولن ننتظر من المنظمات والهيئات الدولية  الصورية واقعا ، وفي حكم صورية المحاكم الدولية ، وقراراتها موقوفة التنفيذ عندما يتعلق الأمر بالكيان  الصهيوني العنصري  الدموي الذي دللته الدول الغربي كل الدلال إلى درجة بلغ فيها أمره حد  تجاسر صارخ على كل القرارات التي توصف بالدولية  دون أن يتجرأ أحد على مجرد مساءلته بله محاسبته ، وهو يلوح ببعبع " معاداة السامية" في وجه كل من يجرؤ على مساءلته مهما كان وضعه في العالم  . إنه الكيان المسبب للفوضى  السائدة في عالم اليوم ، ولا سبيل للقضاء على هذه الفوضى إلا بنهاية هذا الكيان المحتل لأرض غيره ، وتصفيته كما صفيت كل أنواع الاحتلال في العالم . فهل سيتحقق ذلك أم أن فوضى العالم هذه ستظل قائمة إلى نهاية العالم ، ومعطلة لأحكام المحاكم الدولية فيما يرفع لها من مظالم ، ومعطلة لقرارات مجلس الأمن الدولي الذي تطرح عليه تلك المظالم ضد من يملك الفيتو  فيجعلها لاغية   ، و معطلة لقرارات كل المنظمات والهيئات الدولية التي تطرح عليها تلك المظالم أيضا ،  فتقف مكتوفة الأيدي ،ويكون بذلك سيان وجودها وعدمها .

وفي الأخير نتوجه إلى الشعب الفلسطيني  باقتباس من مقولة القائد المسلم المجاهد  طارق بن زياد رحمه الله تعالى  مخاطبا جنده ، وهو خطاب يصلح توجيهه اليوم إليك أيضا أيها الشعب المجاهد البطل ، فنقول لك :

" أيها الشعب الفلسطيني، أين المفر؟ الأعداء وهم كثر يحيطون بك من كل جانب ، وليس لك والله إلا الصدق والصبر . واعلم أنك وأنت محاصر في أرضك أضيع من الأيتام في مأدبة اللئام ، وقد غزتك جيوش الغرب وغيرها بأسلحة فتاكة ، ولا سلاح لك إلا ما تستخلصه من أيديهم ، ولا وزر لك إلا ما صنعت بيدك من سلاح ، ولا أقوات لك بسبب الحصار . ولئن امتدت بك الأيام على حصارك ، ولم تنجز لك أمرا نهضت لأجله ذهبت ريحك ـ لا قدر الله ـ وتعوضت من رعبها منك الجراءة عليك ، فادفع عن نفسك خذلان هذه العاقبة من أمرك بمناجزة الطغاة  والله المستعان على ما يصفون ، والزم شعارك نصر أو استشهاد ، ولا يضيرك من خذلوك فإن العار ما وجد إلا ليسوء وجوههم ".

وسوم: العدد 1067