هل يجوز الخروج على فقه المذاهب الأربعة؟؟

أو هل نجعل فقه الفقهاء المجتهدين غير المتبوعين هدرا !!؟؟

أسئلة حمي عليها الوطيس منذ نحو أسبوع، ودار حولها الحوار بين إخوة وأخوات، وأدلى كل منهم بدلو، وبعضهم فرّط وبعضهم أفرط !! وأحببت أن أنتظر حتى تهدأ الخواطر، ويعتدل المزاج، ويكون التعاطي العلمي، أكثر موضوعية وهدوءً.

السؤالان اللذان طرحتهما في عنوان هذا المقال متعانقان، فإن أجبنا على السؤال الأول بلا، فقد أجبنا على السؤال الثاني بنعم. وهذا الموقع التبادلي ربما يجعلنا نفكر في المسألة بطريقة أكثر رويّة.

ففي تاريخ الفقه الإسلامي، كان إلى جانب الأئمة الأربعة الذين امتدت أعمارهم بين عامي 75 للهجرة سنة ميلاد الإمام أبي حنيفة و241 للهجرة سنة وفاة الإمام أحمد رحمهم الله جميعا، أئمةُ علم وفقه، تجاوزوا في علمهم، الفتاوى الفردية، والاجتهادات في القضايا العارضة، وصاروا إلى أن يكون لهم منهج فقهي، وطريقة في الاستنباط، وموقف من التعاطي مع الأحكام، وصرنا فيما بعد نطلق على هؤلاء اعترافا وإنصافا، لقب "الأئمة غير المتبوعين" ولكي لا نظل ندور في الحديث عن هؤلاء في دائرة الفراغ، سأضرب لكم بعض الأمثلة عن أعلامهم من غير استقصاء، فمنهم الإمام النخعي، ومنهم الإمام سفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، والإمام الأوزاعي، والليث بن سعد، وعبد الله بن المبارك، والإمام الطبري.. وقد يبلغ العد في ذكر هؤلاء إلى العشرات. وقد وقعت بيدي دراسات تخص بعض فقه هؤلاء، وبعضهم أفرد البحث في فقه بعض الأئمة من المحسوبين على مذاهبهم مثل فقه الإمام زفر والإمام محمد بن الحسن الشيباني، المحسوبين على مذهب أبي حنيفة. ولعل القارئ لا يعلم أن بعض الأقوال المعتمدة في مذهب أبي حنيفة -مثلا- قُررت بعيدا عن اختيار أبي حنيفة الفقهي أو بعض أصحابه!! إنها بركة الإخلاص في البحث عن الحقيقة العلمية!!

إذن في تاريخ الفقه الإسلامي، منذ قرونه الأولى، كان هناك فقهاء مسلمون، علماء راسخون صادقون، ما زال فقههم يستحق التأمل والنظر، والاستفادة منه حسبما تقتضيه المصلحة الشرعية المعتبرة، وكذا أحوال ومصالح المسلمين.

ثم إنه نشأ في تتابع القرون، فقهاء مسلمون أعلام، واجهوا المستجدات التي طرأت على حياة المجتمعات المسلمة، بفقه تأسس حيناً على فقه أحد أئمة المذاهب الأربعة، وأحيانا تجاوزها، مستفيدا من التراث الفقهي الإسلامي العظيم، ومن قواعد الفقهاء ومقرراتهم...

ويبدو أنني حتى الآن أجيب على السؤال بالطريقة التي اختارها بعضكم، وحميت في الرد عليها أنوف آخرين، نعم للاستفادة من فقه الأئمة غير المتبوعين من خارج المذاهب الأربعة، ونعم للاجتهاد والاختيار والتخير كذلك بما يصلح أحوال المسلمين، وإن يكن تلخيصي هذا صحيحا، فإنني أردف فأقول؛ ولكنه غير كاف ولا هو بدقيق..

فهذه المسألة مسألة الاجتهاد أو الاختيار والتخير من خارج فقه المذاهب الأربعة، ليست حديثة في تاريخ تطور الفقه الإسلامي، ولا هي تطرح لأول مرة، في تاريخ هذا الفقه العظيم. فقد طرحها من قبلُ قبلنا كثيرون. من كبار الفقهاء، وسدنة الفقه الإسلامي وحماته، واختلفوا فيها ليس كما نختلف، بل اختلفوا فيها بين مانع ومشترط، وليس بين مانع وقابل..

فحين أجاز المجيزون الخروج على فقه المذاهب الأربعة اشترطوا شروطا في المسألة التي يصار فيها إلى ذلك، وفي الفقيه الذي يفعل ذلك، وفي.. وفي.. حتى لا يظنّنّ ظانٌ أن الحبل في الخروج على المذاهب الأربعة متروك على غارب، وأن كل متكئ على أريكة يمكن أن يقول، فيشطب أو يتجاوز أو ينحّي..

حتى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، والمتهم بالخروج على هذه المذاهب، في أكثر من موطن، له في هذه المسألة كلام نفيس حذر شديد تستطيعون التماسه في كتابه الصغير القويم "رفع الملام عن الأئمة الأعلام" وهو يتشدد في المسألة أيما تشدد.

إن منهج تلقط الفتاوى الغريبة والشاذة، ومما يسمى سقطات العلماء، وتتبع الأقوال ذات الطبيعية البيئية والاجتماعية الخاصة؛ أورثنا نحن المسلمين، في هذا العصر الكثير من الرهق والعناء...

وإذا كنا نؤمن أن الفقه الإسلامي بكل مدارسه ومذاهبه ومجتهديه وأعلامه هو ثروة للإسلام ولأهل الإسلام في كل عصر وفي كل مكان. فإن هذا الحق لا يجوز أن يكون بحسن نيات البعض مركبا لأصحاب المآرب. وقد عُلمنا (وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ)

وربما نعود ونحن في عصر التواصل، والتقارب، إلى ما سبق إليه الإمام الأعظم أبي حنيفة رحمه الله تعالى، من تأسيسه مذهبه على فقه ثمانين عمامة تحضر في مجمعة، وتتبادل الرأي والاجتهاد...- راجعوا رجاء الفصل الأخير من كتاب الخلافة والملك- للعلامة المودودي لتطلعوا على جهد ذلك الإمام العظيم.

نعم يمكن أن ننظر في فقه المذاهب الأربعة، ويمكن أن نستفيد من فقه الأئمة غير المتبوعين، ويمكن أن نعيد النظر في بعض المقررات الفقهية التي بنيت أحكامها على عُرف لم يعد معروفا، وعلى اعتياد لم يعد مألوفا، على أن يفعل كلَّ ذلك مجمع علمي فقهي يضم خيار الخيار من فقهاء المسلمين، لا أن نشرّع الباب أمام أصحاب الأهواء والأغراض، فيحدثوننا يوما عن ترفية حكم الحجاب، وآخر عن حكم رضاع الكبير. ولنتق الله جميعا في أنفسنا ونعلم أن هذا الأمر "دين".

*مدير مركز الشرق العربي للدراسات الحضارية والاستراتيجية

وسوم: العدد 1068