اختلاف مفهوم العري المعتبر في الإخلال بالآداب العامة بين الإسلاميين والعلمانيين

في غمار الصراع الفكري الدائر بين التوجه الإسلامي والتوجه العلماني في بلادنا في ظروف تداعيات الربيع العربي  أثارت قضية صاية فتاتي إنزكان جدلا كبيرا وضجة إعلامية وجد فيها العلمانيون فرصة سانحة لتسويق فكرهم الذي يعاني الغربة  في مجتمع مدتين ومحافظ في عمومه .

ويعتبر العلمانيون لحنا ناشزا في  مجتمعنا ، وعادة  اللحن الناشز أن يثير الضجة ليسترعي الانتباه ، وليحوز صفة النشاز . والجدل الدائر بين العلمانيين والإسلاميين حول لباس الأنثى يعرف اختلافا حول مفهوم العري . فالعري في اللغة العربية من فعل  عري ـ بفتح العين وكسر الراء ـ  يعرى ـ بفتح العين ـ عريا وعرية من ثيابه إذا خلعها ، فهو عار وعريان ، وهي عارية وعريانة، وهم عراة ، وهن عاريات وعوار .

ويفهم من قصد العلمانيين بالعري أنه التجرد الكامل من اللباس، والكشف عن السوءات ، بينما العري عند الإسلاميين هو التجرد الكامل من الباس وشبه التجرد منه أيضا  ، وهو ما يصطلح عليه بالتبرج ، وهو إظهار الأنثى زينتها ومحاسنها ومفاتنها . وبينما يرى العلمانيون أن اللباس أمر ثقافي يخضع للتطور ككل الأمور الثقافية في اعتقادهم  يرى الإسلاميون أن اللباس أمر من الأوامر الدينية المنصوص عليها في الكتاب والسنة . والخلاف بين الطرفين حول دلالة لباس الأنثى يعكس ما بين الدين واللادين من فروق في كثير من الأمور وهما على طرفي نقيض .

والعلمانيون في بلاد الإسلام لا يجرؤون على إنكار انتمائهم للإسلام كما هو الشأن بالنسبة للعلمانيين في البلاد العلمانية . والعلمانيون في بلاد الإسلام يسدون مسد من يسميهم الإسلام منافقين الذين كانوا مذبذبين لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ، فلا هم متدينون ولا هم بلا دين . ومشكلة العلمانيين في بلاد الإسلام أنهم يحلمون  بوضعية كوضعية العلمانيين في البلاد العلمانية مع وجودهم  في بلاد الإسلام  وهذا  سبب معاناتهم . وعوض أن يريح العلمانيون في بلاد الإسلام أنفسهم من التشبث الكاذب المزعوم بالانتماء للإسلام فإنهم يتكلفون هذا الانتماء تكلفا واضحا ، الشيء الذي يحملهم على خوض صراعات مجانية ولا مبرر لها مع الإسلاميين، وشأنهم في ذلك كشأن من يريد ممارسة لعبة  كرة اليد  في ملعب كرة القدم بقواعد لعبة كرة القدم. وبسبب وضعية العلمانيين المضطربة في بلاد الإسلام والتي تعاني من التناقض بسبب العيش في أوساط دينية بعقلية لا دينية يتسم سجالهم مع الإسلاميين بالغرابة . ومما أثارته نازلة فتاتي إنزكان تهجم العلمانيين على القانون المجرم للإخلال بالآداب العامة . ومن المنطقي أن بلدا يدين بدين الإسلام، ويقر ذلك دستوره الذي تم التصويت عليه عبر صناديق الاقتراع لا بد  أن يكون لمفهوم الإخلال بالآداب العامة فيه منسجما مع الدين الذي يعتنقه، علما بأن الدين أخلاق وقد بعث نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم ليتمم مكارم الخلاق ، والتي يعتقد أهله أنها من وضع الخالق سبحانه لا من تواضع الناس كما هو الشأن بالنسبة للعلمانية  . ومن أراد أن يناقش القانون المجرم للإخلال بالآداب العامة فمن المفروض عليه أن يستحضر  الدين الذي يصدر عنه هذا القانون . ولا عبرة بالقول أن القوانين في بلاد الإسلام فيها ما مصدره إلهي وفيها ما مصدره وضعي من وضع البشر ، وهي حالة شاذة تعرض هذه البلاد للنقد ويحكم عليها بالتناقض في التشريع، علما بأنها قبلت مكرهة لا بطلة القوانين الوضعية التي أمليت عليها بحكم  ما خضعت له من احتلال أجنبي علماني وبحكم التبعية .  ومع مرور الزمن تم التعامل مع القوانين الوضعية وكأنها الأصل في المجتمعات الإسلامية  بينما همش الشرع الإلهي  وصار فرعا  بعدما كان أصلا .وعندما نعود لمفهوم الإخلال بالآداب العامة في الشرع نجده يطلق على كل ما ينقض التدين من أقوال  وأفعال وممارسات  وهيئات وأحوال ...

وعندما نتناول لباس المرأة في الشرع نجد القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة يحدده بنصوص قطعية واضحة وغير قابلة للتأويل حيث أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقول لأزواجه وبناته ونساء المؤمنين في كل عصر ومصر إلى قيام الساعة بستر أجسادهن بجلابيب ، ومعلوم أن الجلباب في اللغة العربية هو قميص أو ثوب واسع ، ولا يمكن أن يكون هذا القميص أو الثوب  لاتساعه من القمصان أو الأثواب الداخلية المحاذية للجسم مباشرة ، ولا تلك المنحسرة أو القصيرة أو الضيقة أو المجسدة أو الشفافة أو الساترة لبعض الجسد والكاشفة لبعضه الآخر. ومما جاء النهي عنه في القرآن الكريم بشكل صريح وواضح  التبرج ،وهو شكل من أشكال إظهار الأنثى زينتها ومحاسنها.

ويربط القرآن الكريم بين طريقة مشي الأنثى ولباسها، ذلك أن ضربهن بأرجلهن يعتبر إعلانا لزينتهن ومحاسنهن أو مفاتنهن . ولا يجادل في علاقة نوع من مشي الأنثى بنية إظهار الزينة والمفاتن إلا مكابر ومعاند . وبناء على تحديد القرآن الكريم والسنة النبوية لنوع اللباس المفروض شرعا على الأنثى المسلمة  تعتبر مخالفة هذا النوع من اللباس إخلالا بالآداب العامة الإسلامية، علما بأن الإسلام يمنع تبادل النظرات بين الذكور والإناث ويفرض عليهم غض البصر لأن ذلك أزكى لهم حيث يكون وقاية من الإخلال بالآداب ، ومن الوقوع في المحظور، ولأن العلاقة بين الذكور والإناث في الإسلام مضبوطة وليست في حكم السائبة كما هو الشأن في المجتمعات اللادينية التي لا ترى بأسا في السفاح والمخادنة وما يسمى الزواج المثلي، وهو شذوذ مخالف للفطرة البشرية لا يجادل فيه إلا مكابر أيضا. وكل أنثى مسلمة تتعمد التبرج، وهو إظهار الزينة والمحاسن والمفاتن تعد شبه عارية ،ذلك أن الكشف عن جزء كبير جسدها :  معظم الساقين والذراعين والنحر والجيد ، وجزء من البطن  والظهرهو عري لا ينكر ذلك إلا معاند . فإذا كان العري عند العلمانيين  هو التجرد الكامل من اللباس، وهو ما يمكن اعتباره إخلالا بالآداب العامة نسألهم هل توجد منطقة واحدة فقط في الجسد يمنع الكشف عنها ؟ وهل يستطيع ذكر سوي  أن يزعم أن كل ما يثير في جسد الأنثى هو عضوها التناسلي ومؤخرتها فقط دون أطراف أخرى من جسدها ؟ فإذا كان للمنطق معنى فلا يعقل أن يعتبر كشف الأنثى لعضوها التناسلي ولمؤخرتها إخلالا بالآداب العامة في حين لا يعتبر الكشف عن باقي أعضاء جسدها كذلك . ومعلوم أن الذكر والأنثى كلاهما ينظران إلى جسد بعضهما البعض نظرة جنسية ، وهي نظرة تتأتى من خلال الربط بين كل أعضاء الجسد، ولا ينكر ذلك إلا مكابر وجاحد لهذا فرض الشرع غض البصر لمنع الربط بين هذه الأعضاء، والذي يفضي في النهاية إلى إثارة الغرائز الجنسية . ومع أن الذين أثارتهم صاية فتاتي إنزكان غريزيا  لم يلتزما أمر الشرع بغض البصر فإنهم تصرفوا بطريقة أكدت صواب الشرع الآمر بغض البصر . وكان من المفروض أن يطرح موضوع صاية فتاتي إنزكان في إطار التحرش الجنسي . ومعلوم أن مفهوم التحرش الجنسي يقصر في الغالب على ما يصدر من الذكور نحو الإناث من كلام وسلوك،  ولا يعتبر ما يصدر عن الإناث من تبرج وكشف للزينة  وتكسر في المشي  وتغنج في الكلام ...تحرشا مستفزا للذكور . وغالبا ما يتابع الذكور المتحرشون بالإناث باسم القانون ولا تتابع الإناث  المتحرشات بالذكور بسبب ذلك .ويغض العلمانيون عندنا الطرف عن موضوع تحرش الإناث بالذكور ويموهون على ذلك بأن تحرشهن عن طريق التبرج عبارة عن ممارستهن لحريتهن ، ولهذا خرجوا في مظاهرات وجماعات ضغط لثني القضاء عن تطبيق قانون تجريم الإخلال بالآداب العامة التي يقتضيها دين الدولة الرسمي . ولقد تعالت أصواتهم لحذف قانون الإخلال بالآداب العامة أو تعديله بحيث لا يعتبر التبرج  مندرجا ضمن الإخلال بالآداب العامة، والذي يجب أن يقتصر عندهم على العري الكامل . وكان الأجدر بالعلمانية المنافقة عندنا أن تراجع أولا مشروعية وجودها في بلد إسلامي قبل أن تناقش ممارساتها وقناعاتها مع سواد الأمة المتشبثة بدينها . والمثير للسخرية عند العلمانيين عندنا أنهم يعتقدون بأنهم أغلبية ساحقة وأن المتدينين أقلية يجب أن تخضع لإرادتهم . ومما قرأته اليوم  لأحد المتشدقين بالعلمانية ،وهو معروف بتعصبه العرقي قوله : لماذا يسيء المحافظون استعمال حريتهم ؟ وهو يقصد بالمحافظين المتدينين، وفي هذا حكم صادر عنه ضمنيا  بأنه ليس محافظا ولا متدينا . وبسبب غروره اعتبر مظاهرة بعض المحجبات أمام البرلمان انتصارا للأخلاق والعفة  مقابل مظاهرة نصرة الصاية  اعتداء على الحرية وإساءة لاستعمالها . ومما جاء في كلامه أن لسان حال تلك المحجبات المتظاهرات أمام البرلمان أنهن نسجن في الحجاب  بينما المتبرجات ينعمن بالحرية . وهو ههنا يشكك في قناعة  المحجبات بالحجاب  ويصرح بأنهن أكرهن على الحجاب . ومما قاله دون أن يلقي له بال أن الحرية من أجل نقض الحرية أمر لا يستقيم، ولكنه نسي أن  الحرية التي يطالب بها العلمانيون  ـ وهم أقلية  طارئة ودخيلة على مجتمع متدين ـ  فيها نقض صارخ لحرية الأغلبية المتدينة .  وأخيرا لا بد من الإشارة إلى أن الذكور الذين رفعوا عقيرتهم وضجت حناجرهم بتأييد صاية أو لباس فتاتي إنزكان وتجريم من يعترض عليها إنما عبروا عن دفاعهم عن عقدة  كبتهم الجنسي لأنهم من الذين يرتعون بأبصارهم دون وازع أخلاقي أو شرعي  في زينة ومحاسن ومفاتن الإناث الكاشفة ، كما أن الإناث الغاضبات للصاية الكاشفة إنما يدافعن عن عقدة تسويق الزينة والمفاتن والمحاسن إما لغرض الزواج أو لغرض السفاح والمخادنة ، ولا تخلو المتبرجات الكاسيات العاريات المائلات المميلات من أن يكن أحد الصنفين، ولا يجحد بذلك إلا مكابر، والواقع يؤكد ذلك ،وهو خير شاهد.

وسوم: العدد 624