قراءة نقدية لكتاب فلينت ليفريت، وراثة سورية اختبار بشار بالنار

د. محمد أحمد الزعبي

مدخل :

الكتاب الذي نحن بصدده يحمل العنوان " Inheriting syria : Bashars´s trail by Fire " والذي ترجمه الدكتور عماد فوزي الشعيبي إلى اللغة العربية بعنوان " وراثة سورية ، اختبار بشّار بالنار " وقامت الدار العربية للعلوم ناشرون  بنشره عام 2005 .  تتكون الطبعة الأولى من الكتاب من 380 صفحة موزعة على خمسة فصول وثلاثة ملاحق يتضمن الملحق الثاني منها بياني الـ99 والألف ، ويتضمن الثالث قرار مجلس الأمن 1559 .

أما المؤلف فلينت ليفريت فهو أستاذ باحث في مركز سابان لسياسة الشرق اللأوسط في معهد بروكنغزالذي يرأسه مارتن إنديك السفير الأمريكي السابق في إسرائيل ، والذي ــ أي المؤلف ــ خدم كمدير رفيع مسؤول عن شؤون الشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي ، وفي قسم التخطيط السياسي في وزارة الخارجية الأمريكية ، وكمحلل أول للشرق الأوسط في وكالة الإستخبارات المركزية  . وأما المترجم عماد فوزي الشعيبي ، فهو رئيس مركزالمعطيات والدراسات الاستراتيجية بدمشق( DASC SYRIA ) المعروف بولائه للنظام السوري الحالي في مرحلتي الأب والإبن .

وتجدرالإشارة هنا وقبل الدخول في صلب موضوع هذه المقالة ، إلى أن المتعامل مع الظواهر الإجتماعية ، ومع العلوم الاجتماعية وخاصة السياسية منها ، لايمكنه أن يكون بريئاً ولا محايداً وبالتالي قد لايكون موضوعياً بالقدر الكافي ، سواء تعلق الأمر بالتأليف أو الترجمة أو النقد بل و حتى  نقد النقد . إن الموقف العلمي والأخلاقي يلزم كاتب هذه المقالة أن يعترف انه ينتمي إلى الجانب المعارض للنظام السوري الحالي في دمشق ، وهو من هذه الزاوية ليس بريئاً ولا محايداً ، بيد أنه سيعمل جاهدا على ان يكون موضوعيا ، الأمر الذي معه قد اختار أن  يقسم دراسته إلىقسمين ، يعرض في القسم الأول منهما ، وجهة نظر مؤلف الكتاب ، وذلك بنقل عدد من الشواهد المختارة وذات الدلالة السياسية ، سواء بالنسبة لمرحلة الأب ( المورّث ) أو بالنسبة  لمرحلة الإبن ( الوريث  )، تماما كما وردت في الكتاب  ( اللهم إلاّ ماقد تقتضيه الصياغة اللغوية ) ، أما في القسم الثاني فسوف يقوم كاتب هذه المقالة  بتقييم نقدي لما عرضه من آراء وشواهد في القسم الأول ،علما أن علامات التشديد هي من وضع كاتب المقال وليس المؤلف .

القسم الأول ، عرض الشواهد الهامة كما وردت في الكتاب :

الفصل الأول ،  المفارقة السورية  :

ــ  قال كسنجر : لاحرب دون مصر ، ولا سلام دون سورية  . ولهذا تم اعتبار سورية الدولة

   المتأرجحة الحاسمة في التوازن الإقليمي ( بيضة القبان ) ( ص 33 ).

ــ إن تدشين حافظ الأسد التحالف الاستراتيجي مع إيران ، إنما كان بهدف كسب التأييد الديني

   الإيراني لنظام الأسد وشرعيته في مواجهة المتطرفين  المسلمين السنّة . ( ص35 ) ،

ــ تتمثل الإشكالية السورية بـ : 1) دعم سورية للإرهاب ، 2) السعي لامتلاك أسلحة المار الشامل 

    ( ص 36 ) ،

ــ وفي الواقع ، ووفقا لبيانات الحكومة الأمريكية الرسمية ، فإن سورية لم تتورط بشكل مباشر

   بحوادث الإرهاب الدولي منذ1986 ( ص 38 ) ،

ــ عرضت سورية على الولايات المتحدة الأمريكية التعاون الاستخباراتي ( ص44 ) ،

الفصل الثاني ، تركة حافظ ، ميراث بشار :

ــ بقي حافظ في الحكم لأطول فترة بعد الاستقلال ( ص67 ) قام خلالها بتحويل النظام السوري من

  نظام انهكته الإنقلابات إلى نموذج للاستقرار الفاشي ( ص 68 ) ،

ــ استند استقرار حافظ على: 1) براعته 2) إنشاؤه لقاعدة إجتماعيةواسعة تكفي لإحكام قبضته  3)

   نظام رئاسي مركزي وشخصي . وسيطر على عتلات السلطة بواسطة : البعث ، الجيش ،

  الإستخبارات والأمن ، القطاع العام ( 69/70 ) ،

ــ نظام الأسد هو نظام ذو تعصب طائفي ضيق  ... وهو أكثر بقليل من عصبة علوية ( 70 )

ــ الصفات الأساسية لاستراتيجية  حافظ الأسد الشعبية هي : علمنة الحياة السياسية ، والاشتراكية

   البعثية ، وبذلك لم تكن القاعدة الاجتماعية علوية صرفا، ولا تحالف أقلياتي ( 70 ) وتميز حكمه

   بالمركزبة الشديدة ، والحكم بواسطة " الشلّة"

ــ كان القمع الوحشي لثورة حماه 1982 هواللحظة الواضحة للاستقرارالمحلي لرئاسة حافظ ( 84 )

ــ أهم تحد ورثه بشار عن حافظ هو الانقسامات الطائفية (83 ) .

ــ كانت مقاربة الأب للسياسة الخارجية مزيجا صلبا من الأيديولوجية والتفكير المكيافللي الحذر،

    ( 86 )

ــ  ويبدو أن الأسد قد هجر عام 1970 عاطفة التأييد للعروبة لصالح نظرة التاييد السورية  ، ( 86 )

ــ  كان الأسد مفكراً استراتيجيا عبقرياً .. ( 87 )

ــ الهدفان الأكثر أهمية لحافظ هما : 1) احتواء طموحات الهيمنة الإسرائيلية 2) تجنب تهميش

   سورية  (87 ) ،

ــ طور الأسد 4 وسائل لحماية مصالحه في لبنان وورثها بشار وهي : 1) الانتشار العسكري ، 2)

  الانتشار الاستخباراتي الأمني ،  3) تفعيل العلاقة مع حزب الله  ، 4)اتباع سياسة فرق تسد بين

  مختلف طوائف لبنان ( ص 93 ) ،

ــ تخلّى حافظ فعليا عن عبارة التوازن الاستراتيجي ، وأعلن أن التفاوض على السلام مع إسرائيل

  أصبح الخيارالاسترتيجي المفضل ،  ( على أساس الأرض مقابل السلام ،  سلام شامل مقابل

  انسحاب شامل )  ( ص 97 ) ، واشترك الأسد ( على هذا الأساس ) في مؤتمر مدريد ، وبدأت

  المفاوضات مع إسرائيل ، ولكن المسار السوري هذا قد انهار تماما في قمة جنيف التي سبقت وفاة

  الأسد بثلاثة أشهر فقط ( 99 ) ،

ــ قدم غزو العراق للكويت الفرصة الذهبية للأسد للعودة إلى مركز الأشياء ، وتوطيد علاقاته مع

  مصر ومع السعودية ودول الخليح بل والعرب عموما ( 101) ،

ــ بدأت العلاقات السورية الأمريكية بالأفول أواخر السبعينات بعد اتفاقية كامبديفد 1978 ( 106 ) ،

ــ اقتصرت الاتصالات الأمريكية السورية في أغلبها على قضايا الإرهاب ( 108 ) ،

ــ كانت خطوة حافظ الاسد الإيجابية الأولى في عمليةإعادة التراصف ، مشاركته في ائتلاف حرب

  الخليج بقيادة أمريكا عام/91  حيث أحرز الأسد مكانة رفيعة في علاقاته مع واشنطن... بالإضافة

   إلى ماجناه ماديا من دول الخليج (108)  ،    ــ وكانت الخطوة الإيجابية الثانية للأسد في إعادة

   التراصف ، قراره الانضمام إلى الجهود المتجددة برعاية الولايات المتحدة  الأمريكية في عملية

   إحلال السلام بين العرب وإسرائيل ( 109) ،

ــ قبل شهرين من وفاة حافظ ( حصل تطوران دراميان ) : انهار المسار السوري لعملية السلام في

   قمة الأسد ـ كلنتون في جنيف ، ... وفي أيار 2000 اي قبل أسابيع فقط من وفاة الأسد الأب

   سحبت إسرائيل قواتها من جنوب لبنان( عدا مزارع شبعا 25كم مربع)، إذعانا لقرار مجلس

  الأمن 425 ،

الفصل الثالث ، بشار وإمكانيات الإصلاح الداخلي :

ــ عمل الأب 6 سنوات ونصف لتحضير الإبن للرئاسة  ( 141 ) ،

ــ حاول بشار تحقيق التوازن بين التغيير والاستمرارية ( لقد ذكرت في خطاب توليتي أننا لم نأت

   لنسف الواقع ، وإنما لتطويره ) ( ص 150 ) ،

ــ يرى بشار الزمن بشكل مختلف ، حيث يعتقد انه في سباق المسافات الطويلة ، فهو بالتأكيد

  لايواجه قيود حدود نهاية فترة الحكم المفروضة على القادة الذين ينتخبهم الشعب  ( 151 ) ،

ــ تجنب بشار المواجهة مع بنية السلطة التي ورثها عن والده ، ولكنه بدأ بتطوير " نظام بديل " ،

   بإنشاء الحلقة الداخلية الخاصة به وهي مجموعة غير رسمية من المستشارين الذين يقدمون له

   النصح شخصيا  ( وزارة المطبخ )... ثم وضعهم في مواقع رسمية ليزيد من تأثيرهم ونفوذهم 

   ( 154 ) ، ( نبيل سكر ، أيمن عبد النور ، مجموعة الـ 18 ) ( ص 156 )

ــ وعلى هذا النحو عمل أيضاً على وضع مؤيديه في قيادتي الحزب ( القيادة القطرية واللجنة

   المركزية ) ( ص 162 )

ــ لم يلغ حالة الطوارئ ولم يرفع الأحكام العرفية المفروضة منذ 1963 ( 176 ) ،

ــ لقد أنهى شتاء ( برفع الهمزة ) دمشق ربيعها( بفتح العين ) (180 ) ،

ــ حاول بشار أن يضع نفسه في المنتصف بين الحرس القديم وراديكاليي المجتمع المدني  ( 181 )

ــ  الخيوط العامة في السياسة الخارحية السورية هي : 1) لبنان ، 2) الصراع العربي الإسرائيلي ،

   3) التوازن الإقليمي ، 4) العلاقات مع أمريكا ( 203 ) ،

ــ  وفي إطار تهيئة حافظ  لوراثة بشار سلمه نهاية 1998 الملف اللبناني ، وكان من بين أهدافه

    تحجيم الحريري الذي أصبحت إزاحته عن السلطة هدفاً سوريّاً ، ( 204 )

الفصل الرابع ، بشار وموقع سورية في النظام الإقليمي :

ــ كانت الشبكة البديلة في الخارجية : وليد المعلم ، بثينة شعبان ، عماد مصطفى  . تم تسمية حوالي

  عشر سفراء من قبل بشار مباشرة  احدهم سامي الخيمي ضدّاً لرغبة الشرع ، ( 209 ) ،

ــ وبخ بشار الحريري  بسبب رغبته بعودة أمين جميل إلى لبنان  ( 216 ) ،

ــ سعى بشار لتقويض الموقف السياسي للحريري بدعم إميل لحود ... وقد وصلت المواجهة بين

   بشار والحريري أوجها خريف 2004 عندما دعم بشار تمديد فترة لحود لولاية ثانية خلافا

   للدستور اللبناني (216 ) ،

ــ ردت الأمم المتحدة على التمديد للحود بإصدار القرار1559 ( إيلول 2004 ) المطالب بسحب

   القوات السورية (217)

ــ اغتيل الحريري في 14.2.2004 فتحرك الشارع اللبناني ضد سورية ، فرد حسن نصر الله

    بتظاهرة (8.3.2005) نصف المليونية (217) ،

الفصل الخامس ، خيارات وتوصيات للسياسة الأمريكية :

ــ في غضون 6 أشهر من عام 2000 : 1) انهار المسار السوري ـ الإسرائيلي في المفاوضات  ،

  2) انسحبت إسرائيل من جنوب لبنان ، 3) مات حافظ الأسد ، 4) اندلعت انتفاضة الأقصى(282 )

ــ يمكن للمرء منطقيا أن يحدد 4 خيارات استراتيجية بديلة للسياسة الأمريكية تجاه سوريا 1) زيادة

   العقوبات وأشكال الضغط الأخرى 2)السعي لتغيير النظام بشكل قسري 3) إعادة البدء بالمسار

   السوري في عملية السلام في الشرق الوسط استراتيجية بديلة للسياسة الأمريكية تجاه سورية

  4) الارتباط المشروط مع نظام الأسد خارج إطار عملية السلام  ( 283 ) ،

ــ هناك بالتأكيد حركة معارضة سورية خارجية ولكنها مفككة وهشـة ، فهي تتألف من الإخوان

   المسلمين المنفيين ، والمناوئين العلمانيين لنظام الأسد في عدة أماكن من أوروبا  ( لندن ، باريس

  على الأغلب ) ، وفي عام 2000 بدأ فريد الغادري بتأسيس حزب الإصلاح في سورية ( 289 ) ،

ــ وأرجح بديلا يمكن أن ينشأ عن هذه الفوضى هو دولة إسلامية وهذا بالكاد من الممكن أن يكون

   لصالح المصالح الأمريكية ( 290 ) ،

ــ تشكل المعاهدة مع سورية أهمية خاصة بالنسبة لإسرائيل من أجل إكمال حلقة السلام حسب تعبير

  شمعون بيرز مع جيرانها العرب ، وسوف يكون من خاصية السلام مع سورية : 1) إلغاء التهديد

  الإرهابي لحزب الله على الأمن الإسرائيلي ، 2) إزالة قاعدة إيران الأمامية في لبنان  . إن وجود

  هذه المزايا جميعها يخدم المصالح الأمريكيةبشكل واضح من خلال عودة البدء بالمفاوضات بين

  إسرائيل وسورية  ( 291 )

ــ من المحتمل أن يوافق بشار على استئناف المحادثات دون قدر من التأكيد على وديعة رابين

   ( 292 ) ،

ــ يبدو أنه يمكن التعامل مع بشار بالنسبة للغايات الأمريكية ( هو إصلاحي ولكن ليس متعصبا

   أيديولوجيا )  ( 295 ) ،

ــ الأمور العالقة والتي يرغب بشار طرحها في الحوار مع أمريكا : 1) الجولان  ،2) إقامة علاقة

   بناءة مع نظام مابعد صدام  ، 3) إقامة علاقة نشطة مع الولايات المتحدة الأمريكية ( 295 ) ،

ــ كانت دوافع بشارالإصلاحية مقيدة مابين الحرس القديم ، الهيئات الأمنية ، الشبكات العائلية

  ، الوفاء لتركة الوالد (295)

ــ وحينما سئل بشار في بداية عام 2004 فيما إذا كان من الممكن وضع قضية الجولان بين قوسين

   لتجنب ارتهان تحسين الروابط الأمريكية ـ السورية بعملية السلام التي يبدو من غير المحتمل أن

   تنشط قريبا أجاب بشار بصيغة الإيجاب( 296) ،

ــ قال بشار : إننا لانحناج لإعادة أرضنا غدأ أو الأسبوع القادم ، فالسوريون يعرفون أنها ستعود لهم

   في النهاية ( 296 ) ،

ــ إن انتزاع التعاون السوري مع الأهداف الأمريكية في العراق وإخراج سورية من حلقة الإرهاب

   يجب ان يكون في قمة الأولويات . ينبغي على صناع السياسة الأمريكية ربط إنهاء تورط سورية

   بالإرهاب مع مبادرات تعزيز قدرة بشار وأفراد نظامه ذوي الفكر الإصلاحي على تنفيذ

  الإصلاحات الداخلية  ( 297 ) ،

ــ لقد أشار ... غيورا إيلاند مؤخرا إلى أن القلق الإسرائيلي القديم من أن الانسحاب السوري

   المتهور من لبنان سوف يشكل تهديدا على الأمن الإسرائيلي ( 297 ) ،

ــ فعلى المدى الطويل سيكون للإقرارالسوري بنظام ما بعد صدام إضفاء لشرعية كبيرة بين

   العراقيين وفي المنطقة (297)

ــ فحركة المنظمات غير الحكومية في سورية ربما تكون القناة الأكثر عونا في تعزيز الإصلاح

  الإجتماعي والسياسي في سورية ، وهي تستحق التاييد الأمريكي ( 302 ) ،

ــ إن بشار بحاجة إلى غطاء لغوي منمق من الولايات المتحدة فيما يتعلق بالمسار السوري ( 303 )

   وذلك بأن : 1. تشير امريكا بشكل ثنائي إلى دمشق على أنها تتفهم المتطلبات السورية لتحقيق

   السلام مع إسرائيل ، 2. الإقرار بمبادرة السلام التي طرحتها الجامعة العربية 2002 بشكل أكبر

   مما فعلت حتى الآن ، في حين تشير إلى أن الحدود النهائية بين إسرائيل وجيرانها تبقى خاضعة

  في النهاية للتفاوض بين جميع الطراف(304 ) ، إن موقفا أمريكيا كهذا ( تبني أمريكا لأحد

  الموقفين السابقين ) في الواقع سوف يتيح لبشار أن يجادل ضمن نظامه وبشكل علني في أن

  التعاون مع واشنطون ضد الإرهاب سوف يجعل سورية تدنو أكثر من تحقيق هدفها لاستعادة

  الجولان ( 304 ) ،

ــ وبالمقابل مطلوب من بشار أن يقر ولو بشكل شخصي : أنه وكجزئ من تسوية إسرائيلية ـ سورية

   شاملة ، لابد أن تتم :  1) مناقشة المسائل المتعلقة بأسلحة الدمار الشامل ، 2) الوجود السوري في

   لبنان ( 304 ) .

القسم الثاني ، القراءة النقدية للشواهد السابقة

1. في قراءته النقدية لكتاب فلينت ليفريت ، لن يتوقف الكاتب ( سنشير إلى كاتب المقالة بكلمة الكاتب وإلى مؤلف الكتاب بكلمة المؤلف ) عند القضايا الجزئية المطروحة ، ولكنه سيركز على الأفكار والموضوعات الهامة ، التي أراد كل من المؤلف والمترجم إيصالها إلى القارئ العربي عامة والسوري خاصة . وذلك في ضوء ماأوردناه من الشواهد في القسم الأول . هذا وإن الكاتب يسمح لنفسه ومن واقع تجربته الخاصة  ان يشير إلى أن هذا المؤلف ( بكسر اللام وفتحها ) لايخرج عن الطابع والهدف الاستخباراتي  ، الذي عادة ماتتميز به معظم ( لم أقل كل ) مؤلفات الأشخاص  الذين سبق لهم أن عملوا في مواقع  حساسة في المؤسسات الأمريكية ، ولا سيما الأمنية منها ، من حيث إيهام القارئ ، من جهة ، بأن الولايات المتحدة الأمريكية واحة للديموقراطية والشفافية ،  ومن جهة أخرى ، بأن كتابه لاينطق عن الهوى ، وإنما هو نتاج خبرة المؤلف العملية الطويلة في الإدارة الأمريكية . وتوكيدا لوجهة نظرناهذه ، فإننا سنكتفي بتذكير القارئ بتلك الحالة الهستيرية التي انتابت البنتاجون لدى  تسريب الأسترالي جوليان أسانج عبر موقعهwikileaks بعضاً من الـ 92000 وثيقة التي حصل عليها  الى وسائل الإعلام ، والتي تكشف بعض ممارسات الجيش الأمريكي في أفغانستان  ضد المدنيين الأفغان ، تلك الممارسات التي لايجمعها جامع لامع الديموقراطية ولا مع الشفافية  ، ولا حتى مع الأخلاق ، بما في ذلك أخلاق الحرب.

ومن جهة أخرى ، فإن وجهة نظر المؤلف من الصعب أن تلتقي أو حتى تتقاطع مع وجهة نظر الغالبية الساحقة من المواطنين العرب ، ولا سيما فيما يتعلق بقضايا فلسطين والعراق وأفغانستان وإيران ولبنان ، من حيث أن ما اعتبره المؤلف في كتابه  شيئاً إيجابيا في سلوك وتصرفات الأسدين (حافظ وبشار) ، يعتبره معظم القرّاء العرب  ، ومنهم كاتب هذه المقالة شيئاً سلبياً .

2.في كلامه عن حافظ الأسد بوصفه هومن وضع الأساس للنظام الذي ورثه لاحقا ابنه بشار ، نجدالمؤلف ياخذ باليسار ماسبق ان أعطاه باليمين ، بحجة أن الموضوعية تقتضي منه ان يذكر ما للشخص وما عليه . فنظام الأب  الذي ورّثه لبشار هو من وجهة نظرليفريت من جهة  ، نظام طائفي ،  وفاشي ، ومن جهة أخرى  يقول إن الصفات الأساسية لاستراتيجية حافظ الأسد هي : علمنة الحياة السياسية والاشتراكية البعثية . وأن الأسد يعتبر مفكرا  استراتيجيا عبقريا  ،  والسؤال الذي يطرح نفسه هنا كيف يمكن ان يكون حاكم ما علمانيا  اشتراكيا واستراتيجيا عبقرياً وطائفيا  فاشيا  في آن واحد ؟! . إن مانراه في هذه الإشكالية ، هو أن مؤلف الكتاب على علم  بأن نظام الأسدين هو نظام منبوذ من قبل أكثرية الشعب السوري ، ولذلك فهو يحاول أن يوهم القارئ بانه شخص موضوعي ، يعطي مالله لله ، وما لقيصر لقيصر ، اي أنه يحاول عمليّاً إرضاء الطرفين ( السلطة والمعارضة ) في آن واحد  ..                                                                

3.وبصدد دور حافظ وبشار في لبنان ، فإن المؤلف يشير إلى أن حافظ ، وفي إطار تهيئته لبشار للرئاسة قد سلمه عام  1998 الملف اللبناني ، وأنه كان من بين أهدافه تحجيم الحريري الذي أصبحت إزاحته عن السلطة هدفا سوريا  على حد تعبير المؤلف  وإلى أنه  ( حافظ ) قد طور 4 وسائل لحماية مصالحه في لبنان وورثها ايضا لبشار وهي  : الانتشار العسكري ، الانتشار الاستخباراتي الأمني ، تفعيل العلاقة مع حزب الله ،  ورابعا سياسة فرق تسد بين مختلف طوائف لبنان ، ويذكر كذلك  أن بشار قام بتوبيخ الحريري بسبب رغبته  بعودة أمين جميل إلى لبنان ، وأن عملية التمديد للحود ، خلافا لرغبة الحريري ، بل وخلافا للدستور اللبناني ، قد ترتب عليها إصدار مجلس الأمن القرار  1559 عام 2004 القاضي بسحب القوات السورية من لبنان ، ثم يشير مباشرة بعد سرد هذه السلسلة من الوقائع التي تشير إلى توتر العلاقة بين بشار والحريري ، إلى اغتيال رفيق الحريري في 14.02.2005 .

إن ليفريت هنا ، وتطبقا لمقترحاته في الفصل الخامس ( أنظر أعلاه )، قد رغب أن يغمز  بصورة مواربة من قناة بشار الأسد في أنه هو من يقف وراء عملية اغتيال الحريري  ،أو أن الإدارة الأمريكية قادرة على تلبيسه هذا الموضوع إذا لم ينصع لأوامرها ، وهو مايدخل هنا في سياسة العصا والجزرة التي يقترح المؤلف على الإدارة الأمريكية ممارستها في التعامل مع بشار .

4.أما مايتلق بالمسألة الفلسطينية  فإن المؤلف يذكر أن المعاهدة مع سورية تشكل أهمية خاصة بالنسبة لإسرائيل من أجل إكمال حلقة السلام  ( حسب تعبير شمعون بيرز)  مع جيرانها العرب وسوف يكون من خاصية السلام مع سورية  : إلغاء التهديد الإرهابي لحزب الله على الأمن الإسرائيلي  و إزالة قاعدة إيران الأمامية في لبنان . ويرى ليفريت أن وجود هذه المزايا( لتوقيع معاهدة مع سورية ) يخدم المصالح الأمريكية بشكل واضح ويؤكد ضرورة بدء المفاوضات بين إسرائيل وسورية . وهو يعتقد انه من المحتمل أن يوافق بشار على استئناف المحادثات  مع إسرائيل دون  التأكيد على وديعة رابين ، ويذكر ليفريت إضافة إلى الإشكالية المتعلقة بوديعة رابين ، أن بشار حينما سؤل في بداية عام 2004 فيما إذا كان من الممكن وضع قضية الجولان بين قوسين لتجنب ارتهان تحسين الروابط الأمريكية ــ السورية بعملية السلام التي يبدو من  غير المحتمل ان تنشط قريبا أجاب بشار بصيغة الإيجاب ، حيث قال : اننا لانحتاج لإعادة أرضنا غدا او الأسبوع القادم ، فالسورين يعرفون أنها ستعود لهم في النهاية . ومن جهة أخرى فإن ليفريت يفضح الدور السوري في لبنا ن ، بذكره  أن غيورا إيلاند ( مدير مجلس  الأمن الإسرائيلي ) قد أشار إلى أن الإنسحاب السوري من لبنان سوف يشكل تهديدا لإسرائيل .

إن ماتشير إليه مثل هذه المقتطفات من الكتاب ( التي أوردناها أيضا في القسم الأول )، إنما تدخل في إطار رفع العصا الأمريكية  والاسرائيلية في وجه بشار لكي ينصاع لشروطهما في مايسمى بعملية السلام  التي سبق لوالده أن انصاع إليها حين قبل بقراري مجلس المن 242 و338 وحين تخلّى عن عبارة التوازن الاستراتيجي ، وأعلن أن التفاوض على السلام

مع إسرائيل قد أصبح هو الخيار الاستراتيجي المفضل للنظام  . إن نشر مثل هذه الآراء على الرأي العام ، رغم أنها معروفة عند الكثرين ، إنما يهدف أمريكياً وإسرائيلياً إلى قطع الطريق على إمكانية أي تراجع من قبل بشار عن متابعة  الطريق التي سلكها أنور السادات إلى القدس ، وبالتالي إلى كامبديفد 2 . وأيضا إلى تطمين الأنظمة العربية المعادية لشعوبها والموالية لأمريكا وإسرائيل ، ألاّ تقلق بخصوص الموقف السوري ، لأن سيادة الرئيس الشاب " في الجعبة " .

5.ونختم هذه القراءة النقدية لكتاب ليفريت  ، بذكر ماأورده المؤلف من نصائح لتحسين العلاقات الأمريكة ـ السورية حيث يقول : يمكن للمرء منطقيا أن يحدد 4 خيارات استراتيجية بديلة للسياسة الأمريكية تجاه سورية ، هي : 1) زيادة العقوبات واشكال الضغط الأخرى ،2) السعي لتغيير النظام بشكل قسري ، 3)إعادة البدء بالمسار السوري في عملية السلام في الشرق الأوسط ، 4) الارتباط المشروط مع نظام الأسد خارج إطارعملية السلام . ويرى المؤلف أنه يمكن التعامل مع بشار بالنسبة للغايات الأمريكية لأنه إصلاحي (!!) ،رغم أن دوافعه الإصلاحية مقيدة  برباعية : الحرس القديم ، والهيئات الأمنية ، والشبكات العائلية ، والوفاء لتركة الوالد (!!) ..

أن استرتيجية الارتباط المشروط من نصائح المؤلف الأربع السابقة ( الخيار رقم 4 )، ولاسيما باستخدام أسلوب العصا والجزرة ،  إضافة إلى إطار لغوي منمق من الولايات المتحدة  هي ما يعتبر بشارالأسد بحاجة إليه ، ( حسب تعبير المؤلف  ) ، وهي بالتالي الخيار المناسب للحالة السورية التي لايمكن مقارنتها مع الحالتين العراقية والأفغانية ،( حسب رأي ليفرت أيضاً ) وهي الخيار الذي ينصح به  المؤلف  ( أو رجل الأمن السابق ) ثلاثي أمريكا وإسرائيل وبشار الأسد  (!!) . ويبدو لكاتب هذه المقالة  أن ثلاثية أمريكا وإسرائيل وسورية ( النظام ) قد أخذ بنصيحة فلينت ليفرت ، وهي تتعامل مع مع بعضها بعضا  منذ 2004 على أساسها . وأن هذه النصيحة قد آتت أكلها في دمشق . كما نرى ونسمع ونعرف مايجري الآن بين بشار وإسرائيل سواء ماهو " تحت الطاولة " أو ماهو " فوقها " .، كما أنها أتت أكلها في سوريا بعد اندلاع ثورة مارس 2011  ، حيث تقاطع مثلث ليفرت ( أمريكا إسرائيل بشار الأسد ) مع مثلث الوريث  ( بوتينن ، الخامنئي ، بشار )

ليشكل المثلثان في صورتهما المتعاكسة   " نجمة داوود " . التي باتت الشعار الجديد لكافة الثورات المضادة لكافة ثورات الربيع العربي  .

وسوم: العدد 742