"كن مختلفا".. غواية الشعار وتضليل المقولة

صار "الاختلاف" شعاراً بازغاً يُشِعّ عند بعضهم بغواية الهيمنة على وجدان الفرد والتأثير الإيحائي على اتجاه تفكيره. يتراكم الثناء على "الاختلاف"، أي التمايُز عن النسق والاستقلال عن بعض سماته أو المروق من بعض اتجاهاته، أسوة باستعمالات مضلِّلة لمفردات مثل الحرية والتحرر، في خطابات تحرِّض الأفراد على الانسلال من أنساقهم بغية اجتذابهم إلى غيرها، وقد تعني الحرية من هذا الوجه استدراجاَ إلى التبعية واستمالة إلى الخضوع، بالفكاك من تأثيرات قطبية معيّنة انصياعاً لتأثيرات مقابلة.

كن مختلفا واتبعني!

يخاطب بعض متحدثي الشاشات والشبكات الفردَ بروح استعلائية على مجتمعه، ويشحنون إطلالاتهم بتعبيرات ازدراء، صريحة أو إيحائية، يسدِّدونها إلى نسَق ينتمي إليه الفرد، وقد يغلِّفون خطاباتهم المتذاكية بدواعٍ قيمية أو مقاصد إصلاحية؛ بما يُثقِل من وطأتها على الوعي ويشتدّ بجموحها بالوجدان. يُمعِن أصحاب خطابات "كن حرّاً وفكِّر بطريقة مختلفة" في ربط نزعة المُغايرة هذه ببريق التحرّر؛ الذي قد يقضي عندهم بانفلات المرء من نسَقه إلى فلك آخر يجتذبه للدوران فيه.

يُدغدغ خطابُ الحثّ على "الاختلاف" نزعةَ التمحور حول الذات الفردية والاعتداد بها، التي هي من سمات "الزمن الجديد" الذي ملّك الفردَ من مقوِّماتِ الحضور والتواصل الجماهيري ما لم تؤتَ إيّاه أجيال من قبل عبر التاريخ. يعلو التمايز الفردي في الأنساق المجتمعية ويضمحلّ الإحساس بتجانسها، فإنسان الحاضر يحوز منصّات مخاطبة جماهيرية تحمل توقيعه الخاص وتنقل صوره الذاتية ومقاطعه المرئية بالبثّ المباشر، حتى يبلغ من الذيوع مرتبة الشخصية العامّة أو ما فوقها؛ وإن لم يُجاوِز سنّ المدرسة.

تشهد الحالةُ خلطاً اصطلاحياً أو تلاعُباً مفاهيمياً، باستدعاء مفهوم الإنسان "المُختلِف" في نمط شخصيته وطبيعة تفكيره وطرائق اهتمامه، مع الإقرار بأنّ فئة "المُختلِفين" هذه تبقى شحيحة الحضور في المجتمعات عادة، وفق هذه السردية. يُبالِغ بعضهم باستغلال مفهوم "المُختلِف" هذا في وجهة مغايرة تبالغ في الترغيب بالاختلاف عموماً في الرؤى والنزوع إلى التمايُز في التصوّرات وتحبيب الافتراق عن النسق المجتمعي في الاختيارات. تتوجّه بعض هذه الخطابات إلى أفراد الجمهور جميعاً بلا كوابح أو ضوابط سوى الاعتداد النمطي بالعقل والاحتجاج المألوف بالضمير؛ بما يُغوي الشرائح الشابّة بالتمرّد على مجتمعاتها بشحنة الاعتداد بالنفس والتعالي بها على المجتمع والثقافة والأجيال. وعندما تأتي الدعوة إلى "الاختلاف" من وجوه نضرة تبزغ من الشاشات وتسيح إطلالاتها في الشبكات وتأخذ بوعي الجماهير كلّ مأخذ؛ فإنّ لسان حالها هو مخاطبة الفرد بالقول: كن مختلفاً.. واتبعني بلا تردّد!

يُبالغ بعض المتحدثين في حثّ الشباب على أن تكون لكلّ منهم "شخصية مستقلّة"، وأن يستعملوا عقولهم وينصاعوا لضمائرهم؛ في خطابات مرئية مشبّعة بمقوِّمات استلاب الوعي وبواعث الهيمنة على الوجدان ومؤثِّرات كبح التفكير الناقد مع المتحدثين أنفسهم. وتبلغ المفارقة مبلغها عندما يتكثّف الإلحاح على مقولات من قبيل "لا تجعل أحداً يُصادِر عقلك!"، من منصّات مكرّسة لمصادرة العقل والتحكّم الناعم بالوعي بأساليب مخاطبة مشبّعة بالمؤثِّرات المتضافرة؛ التي تمنح جمهوراً خاضعاً لها رشفة تحرّر وهمية.

من الإنصاف القول إنّ بعض شعارات "التحرّر" قد لا تكون في فحواها سوى مدخل إلى الاستلاب واستدراج إلى الاتِّباع؛ بما يقضي بمفارقة فلَك والالتحاق بآخر؛ وهذا بطيب خاطر. وإن اكتسب الأسلوبُ طابعاً إصلاحياً حميداً في بعض سياقاته؛ فإنه يأتي مشبّعاً بالتذاكي والتدليس والتضليل في حالات أخرى.

متلازمة برادة الحديد

من خطابات المرحلة ما يحرِّض الفرد على الانسلال من النسق والتمايُز عنه والفكاك منه، لمجرّد أن يصير المرء "مختلفاً"، وكي "يرعَى اختلافه"، وأن يتباهى بهذا "الاختلاف" على الملأ بصفة صريحة وإيحائية؛ لفظية ومصوّرة. إنها من نزعات الحاضر التي تتملّق صعود الأنا في مجتمعها، وتُداهِن نزعة التمركز حول الذات في زمنها، وتتغافل عن أنّ الانعتاق من النسق لا يؤول بصاحبه إلى فراغ مستقلّ عن التجاذبات، فقد ينجرف من تلقائه نحو نسق آخر ينتظم فيه بلا تردّد.

ومن الترغيب بالانعتاق، أو التحريض على الانفلات عن المسار المألوف؛ عُلُوّ مقولات "الخروج من الصندوق" و"كسر القواعد" و"التفكير بطريقة مختلفة". لا تُذمّ هذه المقولات في أصلها المجرّد رغم ما يشي به تضافرها من نزعة ما بعد حداثية؛ لكنّ القوم يتغافلون عن أنّ "الخروج من الصندوق" قد يُدخِل أحدهم في صندوق آخر؛ وإن بدا أكبر حجماً أو لم يتجسّد له مرئياً كسابقه، كما أنّ "التفكير بطريقة مختلفة" قد يعني في مآلاته تفكيراً نمطياً بطرُق أخرى؛ اعتادها آخرون في مكان ما وإن لم يقع إدراك ذلك أو الاعتراف به كما ينبغي.

إنها من تعبيرات النسبية السائلة التي تأنف الانتظام والثبات وتتبرّم بالقواعد والمعايير وتتنافر مع التقاليد والتعاليم، لكنها ترضخ لتأثيرات إيحائية أو تعاليم غير مدوّنة يتواطأ عليها الناس في الزمن الجديد. وبعيداً عن "الصندوق" يبحث الأفراد عن أدوار خارج النسق، أو يعبِّرون ضمناً عن نزعة انعتاق وانفلات منه، أو حتى عن روح تمرّد وثورة على ما يستشعرون وطأته عليهم، وإن تمّ الإلحاح على هذه التعبيرات بذريعة البحث عن التجديد والتغيير والتحسين والتطوير. لا تخضع الحالةُ الواقعة "خارج الصندوق"، على الأرجح، لالتزامات وضوابط ومعايير وتقاليد بالكيفية التي كانت داخله، ومن مفارقاتها أنّ روح "الخروج من الصندوق" مؤهّلة لأن تغدو مع الوقت صندوقاً بحياله؛ له معاييره وتقاليده ونمطيّاته، ويكفي أنها صارت مقولةً ثابتة تتردّد في المنصّات والأروقة كلازمة متقادمة من لوازم التفكير الذي يزعم التجديد.

يَجدُر الإقرار بأنّ الفرار من تسلّط مباشر أو التمرّد على فوقية مرئية؛ قد يُوقِع الجمهرة تحت سلطان هيمنة ناعمة على الوجدان وسطوة مسلّطة على الأذهان وإن توشّحت بشعارات التحرّر والانعتاق و"الاختلاف". تحاكي الحالةُ من بعض وجوهها بُرادةَ الحديد المقشورة من كتلة متماسكة، وإذ بشظاياها المبعثرة تنتظم بانصياع فوري ضمن مسارات مرسومة لها تحت تأثيرات قطبية غير مرئية؛ دون أن تكفّ كل شظيّة منفلتة منها عن مواصلة التغنِّي بحريّتها الأولى والتباهي باستقلاليتها المزعومة والتفاخر بامتياز "أن تعيش مختلفاً". 

"الشيخ والمريد" في الزمن الجديد

تنوّعت خيارات الضخّ التواصلي وتعدّدت، واتّسعت لتناقضات وتجاذبات تستبطن التنوّع وتحفل بالاستقطابات، كما يتّضح، مثلاً، في الوفرة الهائلة من الإرشادات المتناقضة في مجالات الحياة، والفتاوى المتعارضة في مسائل شتى. تعاظَمت الخيارات المستقلّة المتاحة للجمهور في التلقِّي الذاتي لمضامين إرشادية ومعرفية؛ ومعها قد يستشعر الفردُ فرصته في الاستغناء عن "وسطاء العلم والوعظ" المباشرين في محيطه الاجتماعي؛ ليلتحق بمَن يراهم أجدر بالأخذ عنهم أو الالتصاق بهم بصفة غير مباشرة، عبر الشبكات والشاشات، بما أنضَجَ نمطاً جديداً من آصرة "الشّيخ والمُريد" يقوم على الافتراق المكاني وتجاوُز السياقات المتباينة.

تُذكي هذه التطوّرات المتراكمة تحوّلاتٍ ثقافية جارفة واضطرابات قيمية وهزّات فكرية، ويتراجع التسليم بالرواية "المعتمدة" في مجالات الأفكار والمعتقدات والهوية والتاريخ لتدفع باتجاه السيولة والتقلّب والحيْرة، علاوة على اضمحلال الأدوار التقليدية للأسرة والمدرسة ودار العبادة وبعض مؤسّسات الدولة الحديثة تحت وطأة التحوّلات والعجز عن التهيّؤ والمنافسة والمواكبة. وإن تضافَر هذا كلّه مع أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية ينضح بها الواقع؛ فإنّ تأثير الضغوط والصدمات سيُغوي الفرد بالتملّص من الذّات الجمعية أو قد يُلجئه إلى تسويغ خيارات عدمية تنهار معها القيم أو تفقد معناها، تحت وطأة الحيْرة والاضطراب والأزمات والهزّات؛ بما يُذكي نزعات التطرّف والإلحاد والانتحار وتعاطي المخدرات واستسهال الغرق في "قوارب الموت".

إنّ مخاطبة شاب ينتمي إلى مجتمعات مأزومة نفسياً واجتماعياً وثقافياً، ومضطربة سياسياً وميدانياً؛ بتعبيرات تجمح به إلى الفكاك من النسق وتجنح به إلى التمرّد عليه؛ قد يبدو من هذا الوجه تدخّلاً انتهازياً يُداهِن مشاعر الحنق ويُمعِن في إساءة تأويل الواقع بصفة انتقائية؛ لأغراض قد لا تتجاوز الاستمالة وكسب الأتباع، فتكون فحوى تعبيرات الاختلاف: "نعم يا عزيزي، جميعهم سيِّئون، وستكون الأفضل بينهم لو أنك فارقتهم نحوي!"، أو هكذا تقريباً.

استعمال بريق العقل

يطفح الزمن الجديد بنزعات الاعتداد بالذّات والتغنِّي بالعقل وتمجيد الحرية وتعظيم الاختيارت الفردية؛ رغم ما يشهده من انجراف في لِحاق الأفراد بظواهر جماهيرية متحركة وبطقوس مُعولَمة وسابغة على الأمم، كما يتجلّى في عالم الأزياء مثلاً، أو في استعمال حركات ورموز ذات إيحاءات شتى. تكشف الحالة عن انصياع مُستَتِر لفنون الهيمنة على الوعي، بما يحفِّز الإقدام على اختيارات وتفضيلات مع تعطيل روح التمحيص والحسّ والنقدي إزاءها؛ كما في سلوك شراء الثياب الممزقة بأثمان باهظة، مثلاً، لمجرّد أنّ جمهرة غفيرة أقبلت عليها، وهذا رغم خطاب تمجيد "الاختلاف" عن الجمهرة.

أمّا مركزية العقل في خطابات هذه الحقبة فلا تقضي وحدها بوقوع الامتثال لمقتضى تشغيله على الوجه الأمثل أو للتفكير بصفة مستقلّة عن شعور جامح. وقد يأتي التباهي بالعقل في مجتمعات مذعورة شعاراً فقط؛ فالخائفون يبحثون عن الحقائق بما يخدم مواقفهم الوجدانية، ولا يستعملونها بمنطق موضوعي غالباً وإنما بصفة ذرائعية. يُطلَب العقل شعاراً برّاقاً مع حزمة من وقائع منتقاة لتسويغ أحكام مسبقة وتسويقها في زمن تعلو فيه مزاعم العقل والعلم والحرية ورفض الأيديولوجيا؛ التي قد تكون أيديولوجيا بحدِّ ذاتها.

يُبالغ القوم في إقحام مفردة "العقل" في خطابات الحضّ على "الاختلاف"؛ بما يكثِّف الهالة التي تتلبّس هذه الخطابات على نحو قد يُهيْمن على العقول ويستولي على الأفئدة، فكيف بها إن جاءت مشفوعة بمقولات الوفاء لضمير حيّ وحسّ واعٍ وشخصية مستقلّة؟!

يبقى "الاختلاف" مفردة فضفاضة لا تُذَمّ في أصلها ولا تُحمَد، فمعناها لا ينضبط ومغزاها لا يتحدّد إلاّ بالنظر إلى مصدرها وكيفية توظيفها وإدراك ما يتلبّسها في سياقات التناول، مع استشراف وقعها وتقدير مفعولها في الجمهور الذي إليه تتوجّه. فكيف سيشتغل الشعار مع شباب حائر عندما يخاطبه متحدثون بارعون في الشاشات والشبكات بمِثل القول: "فكِّر بطريقة مختلفة.. وإن اتهموك بالكفر والزندقة"؟ ألا يُتوقّع من بعض الجمهور أن يرى في الخطاب ترغيباً ضمنياً بنزعات محسوبة على "الكفر" و"الزندقة"، أو أن يعدّها تطبيعاً وجدانياً مع المروق الاعتقادي؟

وإن زُعِم أنّ المضامين ما خاطبت إلاّ فئات مخصوصة دون غيرها بما يدرأ سوء الفهم أو إساءة التأويل عنها؛ فإنّ انفلات المضامين الشبكية من سياقات المخاطبة التي وردت فيها في الأصل، بالتدوير العابر للمكان والزمان؛ يبلغ بها جماهير متجاوزة لخصوصية الفئات المُخاطبة بها في الأصل، بما قد يُفضي إلى سوء الفهم والتأويل عيْنه. يؤكد هذا الحاجةَ إلى استجماع الفحص والتمحيص مع مقولة "الاختلاف" وقائليها، دون إعفائهم من النقد بذريعة الشعارات الساطعة التي تتلبّسها والتوقّعات الإيجابية المعقودة على ناصيتها، والتي تبلغ ببعضهم حدّ مصادرة العقل والضمير والحرية والقيم النبيلة لخطاباتهم دون التحقّق من امتثالهم لمقتضاها.

حالة الخليط الديني الفردي مثلا

من أعراض حالة "الاختلاف" أن يغدو الدين ذاته لدى بعضهم هوية دينية فردية مركّبة تفتقر إلى الثبات؛ وقد تبحث عن "طائفتها" في العالم الشبكي بتحلُّق الأفراد حول هويات اعتقادية أو تصوّرية ملفّقة، بمعزل عن أنساقهم المحيطة بهم أو واقعهم المباشر على الأرض. يتّجه أفراد إلى تشكيل مزيج اعتقادي هلامي أو الإيمان بـ"خليط دينيِّ" مَرِن، بصفة تأخذ من أديان ومذاهب وفلسفات بأطراف متفرِّقة، وتتولّى تجميع جزئيّات دينية ومذهبية وفلسفية منتقاة في إطار موحّد، قد يغلِّف ذاته بشعار "الإنسان" مثلاً، ثم محاولة الانتماء إليها وتعريف الذات من خلالها، فيكون هؤلاء "إنسانيين" أو شيئاً من هذا، فيأتي خليطهم الانتقائي بما يشبه المُعتقد أو الدين؛ رغم تعارُض سياقاته الأصلية. تُغري هذه الحالة السائلة بعض قوى السلطة ومراكز النفوذ التي تفضِّل التعامل مع شعوب ومجتمعات غير متماسكة؛ خاصة إن لم يكن التكتّل الديني – الاعتقادي مضمون الولاء لها أو كان خزّاناً تقليدياً للمقاومة. يأتي هذا النمط من التمظهُر الديني بنسخ فردية مبعثرة وغير متجانسة في هيئة اختيار شخصي مفارق لهوية المجتمع التقليدية، وهي حالة قد تتواطأ في مفعولها مع إرادة تكريس الهيمنة على الجماهير دون اعتراض أو مقاومة. وقد يُؤمَل من هذا المزيج الفردي أن يُتيح مكمِّلات روحية لمجتمع مادي دون مُناقشة أنظمته أو إزعاج مراكز نفوذه.

ليس مفاجئاً، إذن، أن تشهد مجتمعات "حديثة" نشاطاً مطرداً تتولّاه مجموعات وحركات ومؤسسات دينية أو روحية تمنح إنسان المادية المُنهَك ما يستعيد به بعضاً من توازنه من خلال خيارات منتقاة من البوذية والهندوسية والقبالاه والتصوّف والشعوذة؛ لكنها تبقى "خدمات روحية" لا تُزاحِم فلسفة النظام ولا تُناقِش آليّات اشتغاله في واقع الأمر، فهي تزعم دعم المجتمع روحياً؛ وتَشُدُّ من عَضُدِه وتحفِّزه على الاستمرار في تدوير عجلته دون مساءلة مقصدها أو التأثير على وجهتها. تزعم حركات وجماعات ومؤسسات روحية حرصها على ملء فجوات لدى إنسان المادية، بينما يستثمر بعضها آليّات المجتمع المادي في كسب الأتباع وجني الأرباح وتوسيع أرضيّتها وتنمية خدماتها. أمّا "الوصفة الروحية" التي تأتي ضمن دعوات أوسع نطاقاً ومؤسسات دينية أشمل رؤيةً؛ فلا تبدو مرغوباً بها، خاصة إن اعتُبِرت قيمها المركزية ورؤيتها الحضارية وتعاليمها الإصلاحية مزاحمةً للنظام العام ومعارضةً لفلسفته ومعترضةً على بعض آليّات اشتغاله، وهذا ما يفسِّر جانباً من نزعة الترحيب التقليدي بالبوذية من جانب؛ ونبذ الإسلام من جانب آخر؛ في أمم الشمال الغربي.

تناقضات "الاختلاف"

يشي خطاب الحضّ على "الاختلاف" بالتساوق مع نزعات سائدة في الزمن الجديد، فلا يأتي من هذا الوجه على الأقلّ خطاباً مستقلاً أو "مختلِفاً" بالأحرى. ويأتي في مضامين الخطاب ما يشكّك بمدى الوفاء لفكرة "الاختلاف" ذاتها، كأن يبرز أحدهم ليحضّ على "الاختلاف" في منصّة؛ ثم يخرج في منصّة أخرى لذمِّه إن جاء على نحو لا يروق له. ويتجلّى التناقض عندما يبالغ بعضهم في تمجيد "الاختلاف" ذاته؛ ثم يشدِّدون النكير على من يختلفون بزعمهم عن أسلوب العصر في الهيئة واللباس مثلاً.

تكشف هذه التناقضات وسواها عن سطوة الشعار التي تُغري باستعماله في وجهات محدّدة، مثل الاستعلاء على مجتمع، أو التمرّد على ثقافة، أو الاستدراج إلى تغيير آراء ومذاهب ومعتقدات، أو استقطاب الحيارى من بين الجمهرة مثلاً، علاوة على التوطئة لنزعات التفكيك والتقويض والنسبية والعدمية.

يستحقّ خطاب "الاختلاف" هذا نظراً فاحصاً وتمحيصاً دقيقاً واستعمالاً للحسّ النقدي معه بلا هوادة. ثمة حاجة إلى استقبال "مُختلِف" لهذا الخطاب عن الرؤى التي ينسجها دعاته، وبصفة تتحرّر من الشحنات الوجدانية التي يبثّونها معه، وتتنبّه إلى المقاصد الكامنة التي يتحرّونها عبره، سواء أصَدَر منهم هذا كلّه بقصد أم بدون قصد.

وسوم: العدد 798