الوداع الكبير

الحياة وداع كبير ، سلسلة من الوداعات لا تنتهي إلا بانتهاء فترة الإقامة داخل هذا القفص المؤقت المصنوع من طين الدنيا الصائرة  بكل ما فيها إلى الزوال … هذا الذي يدعونه الجسد . 

 

منذ اللحظة التي يستهل فيها المولود مطلقا صرخته المعهودة في كل اللغات "واع" وهو يستقبل أول ومضة من ومضات نور الحياة تبدأ مسيرة الوداع في حياته فها هو  ذا قد ودع للتو رحم أمه الذي انبثق منه   ولبث يحتضنه ويمده بالدفء والحنان  ويمده بأسباب الحياة  ليودع فور خروجه لعالمه الجديد اللحظة الأولى من مدة بقائه على هذه البسيطة التي لا تنقص لحظة ولا تزيد لحظة " العمر" وهكذا دواليك لا يستقبل ساعة أو يوما جديدا حتى يكون قد انفض من وداع الساعة أو اليوم الذي أصبح بالنسبة له من الماضي … بعد شهور سيودع مهده ، حجر أمه الذي لن يجد أوثر  منه ولا  أدفأ ولا أحنى على الإطلاق  فهو بين جبلين : ماض يكبر ومستقبل يصغر … هكذا حتى يتعادلان عند الذروة ، قمة جبل العمر الذي يبدأ بعدها بالانحدار باتجاه  القاع .. يودع يوما بعد يوم و أسبوعا بعد أسبوع وشهرا بعد شهر وسنة بعد سنة … يغادر شتاء ليستقبل ربيعا ثم صيفا ثم خريفا … كل شيء في هذا الكون  ينطق بالحقيقة الخالدة : "كل من عليها فان "  … الشمس التي تشرق كل صباح مودعة نصف الكرة الأول لتودع نصفها الثاني عند المساء … الورقة التي تسقط  من ثوب أمها الشجرة .. كم من المخلوقات تودع الحياة إلى غير رجعة ولما يمض على دخولها عالم الكائنات الحية دقائق معدودة ...الوردة التي لا تلبث تضحك للنور حتى تذبل وتقول وداعا .. عقارب الساعة التي تودع الدقيقة بعد الدقيقة والساعة بعد الساعة  " تك ، تك ، تك " وكأنها نبضات قلب الحياة التي ستتوقف يوما  وكأنها تقول : وداع ، وداع  ، وداع… "دقات قلب المرء قائلة له إن الحياة دقائق وثواني"  (يا ابن آدم إنما أنت أيام إذا ذهب  منها يوم ذهب منك بعضك) … حافلة تسير بأقصى سرعة لها لا تتعطل ولا تتوقف ، عجلات الزمن الجبارة ليس لها فرامل ولا تكف عن الدوران  … صفحات لا تفتح واحدة منها إلا بإغلاق سابقتها … كلنا يمضي ولا يبقى منا إلا الأثر ولولا أننا حلقة في سلسلة ندري من قبلنا ومن بعدنا ما كنا لنصدق أن أقواما غيرنا مرّوا من هنا ربما كانوا أشد منا قوة وأكثر أموالا وأولادا وعمروها كما عمرناها وزيادة … كانوا يمشون في مساكنهم كما نمشي ويصخبون كما نصخب يجْرُون خلف أحلامهم  التي ولّت هاربة حين سقطوا مودعين  على حافة خندق النهاية الرهيب .. .. مشكلتنا مع هذا الزمن  الذي ينصرم بسرعة البرق ونحن ساهين لاهين غافلين عن الإعداد لما بعد  الخط الفاصل ، المعبر المُفضي إلى عالم الخلود الذي تتوقف فيه عقارب الساعة ،ينتهي الإحساس بالزمن وتتوقف مسيرة الوداع ،الموت الذي قهر الله به الجبابرة وأذل رقاب الأباطرة وجعله عزاء لعباده المؤمنين 

 مُدخلا يَلِجُون منه إلى عالم  اللاموت السعيد  لا  سلطان فيها إلا سلطان الله ذو الجلال والإكرام ... 

أجمل مافيه على الإطلاق أن قواميسه تخلو من الكلمة  التي تقف بالمرصاد لكل إحساس بالسعادة وتقض مضاجع الأحياء  "الوداع"     " لا فيها نصب وما هم منها بمخرجين "….       كل يوم نودع بعضا من اعزائنا… نبكي خلفهم تتقطع  قلوبنا حسرة من هول المفاجأة ولا مفاجأة ولا غرابة مطلقا  المفاجأة الوحيدة تكمن في التوقيت المحجوب عن أبصارنا فقط  لعلمنا أننا جميعا مسافرون في ذات الطريق وما حياتنا في هذه الدنيا  إلا قصة وداع كبير !!

وسوم: العدد 927