بشار الأسد إعادة هيكلة .. أو إعادة تدوير.. "الحمل الذي ينجبه اليأس حمل كاذب"

خلال كل ما يجري في المنطقة، وعلى الصعيد الفلسطيني بشكل خاص، قام بشار الأسد ببعض الاستعراضات الداخلية، التي حاولت شيئا ما، أن تلفت الأنظار إلى الوضع الداخلي في سورية، بعد أن زاد انكشافا.. وذلك على صعيدين حزبي وأمني.

فعلى الصعيد الأول أجرى بشار الأسد أكثر من لقاء مع القيادة الحزبية، التي تشكل المشجب الصوري الذي علق عليه بشار الأسد وأبوه من قبله، كل رثاثات سياساتهما الشائنة. القيادة الحزبية لحزب البعث. ولا أدري حتى اللحظة، إن كانت هذه القيادة ما تزال تحتفظ باسمها التقليدي "القيادة القطرية" العنوان الذي تجاوز مغزاه، بعد أن تخلى الأسد عما سمي تاريخيا "القيادة القومية" لحزب كانت رسالته عند تأسيسه قومية مستشرفة.

 فهل تخلى الأسد عن العنوان التاريخي "القيادة القطرية" وعاد إلى مسمى "اللجنة المركزية" المستعار أصلا من التجربة الشيوعية السوفيتية؟؟ لا أعلم إن كان قد صدر تعليم جديد حول التسمية الجديدة.

وعلى كل من يصغي إلى ما يمكن أن يسمى "مصارحات" الأسد مع محازبيه القيادين التقليديين، أن يتساءل ولا بد، عما يريد بشار الأسد من الحديث عن المسؤولية والتغيير والتجديد والمبادرة والوطنية، أمام بعض القيادات الهرمة التي تعفنت على مقاعد التصفيق!! هل يريد بشار الأسد إعادة هيكلة، التي تعني عادة مواجهة حالة الترهل، و حالة التكسب، وحالة الاستنفاع أو الاستبضاع، أو أن ما يقوله بشار الأسد هو مجرد كلام استهلاكي في عملية تدوير مستحقة، وخصوصا أن الزمن الحزبي الرديء قد أنضج بعض الرؤوس الجديدة المشرئبة المتطلعة إلى فرصة في الغد القادم، هذه الرؤوس التي يمكن أن تكون أكثر وفاء لشخص الرئيس، وأفضل أداء في ظروف الإخراج المسرحي الأصعب...

وإلى جانب هذه الوشوشات أو الوسوسات المجهورة على كرسي القيادة الحزبية العتيدة تطلعا إلى المستقبلية، تم مفاجأة الرأي العام المحلي والإقليمي والدولي بحراك امني تعوّدت الرئاسة الأسدية عبر تاريخها الطويل أن تجريه في أجواء غاية في السرية والتكتم...

ففي حين يحاول بشار الأسد أن يلعب لعبة "الاستمرار من خلال الاستقرار" أقدم على إحداث تغييرات في بعض القيادات الأمنية، لو تأملنا فيها، لرأيناها لا تخرج في جوهرها عما يتحدث بشار الأسد عنه على مقعد القيادة الحزبية. ثمة رؤوس قد أينعت وحان قطافها. ولكن في هذا السياق لا يحسن الكلام، ولذا يسبق بشار الأسد إلى الفعل، فيزوي بعض الوجوه ذات الطبيعة الوصائية، ولو بحسب الفئة العمرية، ليعلق الأنواط على صدور من الفئة العمرية التي ينتمي إليها الرئيس، أو ربما من يمكن أن يصطف وراءه بحول أو حولين..

ولعل أهم سبب يدفع بشار الأسد إلى مثل هذه الخطوات على المستويين السياسي والأمني:

 أولا امتصاص بعض التناقضات التي تفرزها طبيعة التدافع الشخصاني، في محيط كل التنافس فيه شخصي. حتى الرئيس يخاف من أن يمدح خادم مائدته بالأناقة!!

ومن ثم إرسال رسالة مكتوبة بلغة غير مقروءة – على طريقة عوضين عندما كتب إلى أخيه عوض- إلى كل من الروس والإيرانيين وكذا إلى دول الجامعة العربية، أن قدْرا ما في سورية منصوبة على النار...وفي طبخات البحص قد يطول بالناس الانتظار...

بشار الأسد الذي استلم رئاسة الجمهورية العربية السورية وهو في الثلاثينات من عمره، وتحت السن الدستورية، ما يزال يعتقد أنه هو هو، وأنه ما زال في الثلاتينات، لأنه تعلم أن الرجل يبقى عند كلمته..

ثلاثة عشر عاما من القرارات والمغامرات والمجازفات السياسية، والتي أنجزت لسورية كل هذا الدمار والخراب وكل هؤلاء الشهداء والمشردين، لم يجد بشار الأسد نفسه، ولو للحظة مسؤولا عن أي خطأ وقع هناك. لم يقف أمام السوريين ولو لمرة واحدة فيقول كما ابن علي: "أنا فهمتكم" أو "لو استقبلت من أمري ما استدبرت" أو لعلي بالغت في.. أو تجاوزت على..

حتى أمام الفريق الحزبي الرئيس الملهم لا يخطئ والرفاق هم الذين يخطئون ويقصرون ويتوهمون

كل ما يفعله بشار الأسد هو إعادة تدوير على مستوى السياسات والقرارات والتجارب والأشخاص...

وربما من العبث أن ننتظر من بشار الأسد أي جديد مع طقمه أو طاقمه الجديد...

تبديل الطقم أو ربطة العنق أو الحذاء لا يعني تغيير الإنسان...لعلهم يتفكرون!!

*مدير مركز الشرق العربي للدراسات الحضارية والاستراتيجية

وسوم: العدد 1068