السيسي رئيسا

ياسر الزعاترة

يبدو أن عبد الفتاح السياسي قائد الانقلاب على الشرعية في مصر قد قرر طرح نفسه مبكرا كرئيس لمصر خلال المرحلة المقبلة. فعل ذلك حتى قبل أن يستقر الأمر للانقلاب، وفيما لا تزال الملايين تحتشد في الشوارع مطالبة بإعادة الرئيس مرسي للبلاد.

ثلاثة شواهد قدمت في يوم واحد تقريبا على توجه السيسي بطرح نفسه للرئاسة، الأول تسريب خبر محاولة اغتياله، من دون تقديم أي دليل على ذلك، الأمر الذي ذكّر كثيرين بواقعة المنشية التي اتهم فيها الإخوان بمحاولة اغتيال عبد الناصر، وهو ما نفاه الإخوان، وشككت فيه الواقعة نفسها من حيث طريقة إطلاق الرصاص، مع ميل البعض إلى وجود اختراق وراء العملية عبر استدراج الشاب الذي نفذ الواقعة. أيا يكن الأمر، فقد أقنع محمد حسنين هيكل السيسي أنه يستعيد أمجاد عبد الناصر، وأنه الوريث الشرعي له، ويبدو أن الرجل قد اقتنع بالقصة ويريد أن يكون الرئيس القادم لمصر ثورة 30 يونيو!!

الشاهد الثاني هو حضور السيسي لصلاة الجمعة التي خطب فيها مفتي مصر السابق علي جمعة، وبُثت على الهواء مباشرة، مع أن ذلك كان ينبغي أن يحدث للرئيس المؤقت وليس لوزير الدفاع ونائب رئيس الوزراء كما تقول التقاليد السياسية المعروفة، لاسيما بعد أن خرج الأول مُهددا ومتوعدا من يريدون نشر الفوضى في البلاد.

الشاهد الثالث هو ما قاله المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة، حيث ذهب إلى حق السيسي كأي مواطن مصري في الترشح للرئاسة بعد استقالته من منصبه، وهو أمر لا يمكن أن يُفهم منه غير وجود نية في هذا الاتجاه. أما النفي الذي ورد لاحقا، فيبدو أنه جاء بسبب ردود الفعل على القضية، ومعها حاجة الانقلابيين لالتفاف القوى السياسية التي شاركت في 30 يونيو من حولهم، لاسيما أن معركة الشرعية لم تضع أوزارها بعد.

أيا يكن الأمر، فقد قلنا منذ اللحظة الأولى للانقلاب إن الحديث عن استكمال أهداف ثورة 25 يناير من خلال ما عرف بثورة 30 يونيو هو محض هراء، ليس لأن ما جرى قد ثبّت وصاية العسكر عمليا على العملية السياسية، بل أيضا لأن من ضخوا المليارات (أعني العرب) لتمرير الانقلاب، ثم ضخوا أكثر منها بكثير من أجل تثبيته بعد نجاحه الأولي؛ هؤلاء لم تكن مشكلتهم مع الإخوان فقط، بل مع الثورات وربيع العرب، ولو علموا أن 30 يونيو سيستكمل أهداف ثورة 25 يناير لما دفعوا قرشا واحدا.

والحال أن ما جرى يعكس نوايا العسكر لاستعادة القرار السياسي في البلاد كما جرت العادة منذ ثورة الضباط الأحرار عام 52، وهو الأمر الذي كان على وشك التلاشي بعد مساعي حسني مبارك لتمرير التوريث لنجله، الأمر الذي كان يُقابل بالكثير من السخط في أوساط الجيش، لاسيما أن تلك المساعي كانت تشمل تقليم أظافر المؤسسة العسكرية.

اليوم يريدون من خلال طرح السيسي كمرشح للرئاسة أن يستعيدوا سيطرة العسكر على الحياة السياسية، وإن بديكور ديمقراطي كما كانت الحال أيام مبارك؛ ما يعني أن المأزق الحقيقي إذا لم يفشل مخطط الانقلاب عبر حشود الشارع، سيكون مأزق القوى التي ساندت الانقلاب، ويأمل بعض أركانها أن تكون لهم حصتهم في المشهد التالي، وهو ما حصلوا عليه عمليا من خلال 7 وزراء في حكومة الببلاوي، لكن ذلك لن يكون كافيا.

في معسكر القوى المحسوبة على ثورة 25 يناير أقوام قدموا حقدهم على الإخوان على أي اعتبار آخر، وهؤلاء لا يُستبعد عليهم أن يقبلوا بديمقراطية الديكور (المبرمجة) القادمة، وفي مقدمتهم الأحزاب التي لا حضور لها في الشارع مثل أحزاب عمرو موسى والبرادعي وحتى حزب الوفد، إذ سيحصل هؤلاء مقابل تمريرهم لترشيح السيسي على حصة في البرلمان بالتزوير الذي يجيده القوم، وسيحرسه القضاء “النزيه”!!

أما القوى التي تنتمي فعلا إلى تيار الثورة والتغيير، ومنها شخصيات وطنية، فهذه ستجد نفسها أمام مأزق حقيقي بعد وضوح المشهد أمامها، وستكتشف أنها لكي تحافظ على بعض الحضور الحقيقي في الشارع، وليس في برلمان مدجَّن مثل برلمان حسني مبارك، فلا بد لها من خوض رحلة نضال جديدة لتثبيت الحكم المدني التعددي، وستجد نفسها في ذات المعسكر مع الإسلاميين، وفي مقدمتهم الإخوان.

مشهد بالغ التعقيد بانتظارنا، لكن الشارع الذي بذل الكثير من الدم والتضحيات من أجل الحصول على حريته، لن يرضى بالتوليفة الجديدة، وسينحاز أكثر فأكثر للقوى التي سترفضها وتناضل من أجل تغييرها، والمعركة قد تطول بعض الشيء إذا لم تنجح حشود الشرعية في حسمها مبكرا.