عن الحل السياسي والحسم العسكري من جديد

عن الحل السياسي والحسم العسكري من جديد

ياسر الزعاترة

ليس غريبا أن يتحدث الأخضر الإبراهيمي عن استحالة الحسم العسكري من قبل أي من الطرفين في سوريا، ليس لأنه مقتنع بذلك، بل لأن هذه النظرية هي التي تبرر استمرار مهمته التي جرى تمديدها 6 أشهر أخرى.

في ملف الحل السياسي والحسم العسكري، ثمة تطورات لا تخفى يتابعها المراقبون تشير إلى بؤس نظرية الإبراهيمي الآنفة الذكر، مع أن قناعة النظام باستحالة الحل العسكري هي التي تبدو أكثر رسوخا هذه الأيام، الأمر الذي ينطبق على حلفائه في إيران وروسيا، وما هذه التراجعات التي سجلت خلال الأيام الماضية سوى دليل على ذلك، في ذات الوقت الذي يشير تشدد الائتلاف الوطني إلى شعور رموزه بأن إمكانية الحسم تبدو أكثر وضوحا مما كانت عليه في أية مرحلة سابقة.

حين يخرج وليد المعلم من موسكو ليتحدث عن موافقة النظام على إجراء محادثات مع المعارضة، بما في ذلك من يحملون السلاح، فنحن إزاء تراجع لم يأت من فراغ، تماما كما هو حال تأكيد معاذ الخطيب (زعيم الائتلاف الوطني) على أن “لا محادثات قبل تنحي الأسد ومحاكمة قادة أمنيين”، والذي جاء في ظل معطيات جديدة تشير إلى أن مسألة السلاح قد بدأت تتغير إلى حد ما، ليس فقط بسبب تراجع مستوى الضغوط الغربية، بل أيضا بسبب قدر من التمرد من طرف تركيا وقطر والسعودية التي بدأت تستشعر مخاطر استمرار المعركة إلى أمد أطول، في ذات الوقت الذي تستشعر فيه إمكانية الحسم في ظل استمرار حصار الثوار للعاصمة دمشق.

ليس لدى الروس والإيرانيين ما يمكن أن يقدموه لبشار الأسد أكثر مما قدموه ولا زالوا يقدمونه إلى الآن، اللهم إلا تورط مباشر في المعركة من طرف حزب الله، بمعنى زج الآلاف من مقاتليه في معركة الدفاع عن دمشق، الأمر الذي لن يكون سهلا على المستوى السياسي داخل لبنان، وقد يؤدي إلى انفراط عقد الحكومة، فيما سيفجر الساحة اللبنانية أكثر مما هي متفجرة.

ثم إن تورطا كهذا لن يحسم المعركة لصالح النظام، حتى لو أجّل حسم الثوار لها لبعض الوقت، ثم إنه سيشكل مغامرة من العيار الثقيل قد تكون لها تداعياتها الكبيرة في عموم المنطقة، من حيث الحشد المذهبي الذي يتصاعد على نحو محموم.

إيران أيضا لا تبدو قادرة على احتمال تدخل عسكري مباشر وواضح لصالح النظام، والسبب أن الوضع الداخلي لا يسمح بشيء كهذا على مشارف الانتخابات الرئاسية في حزيران، وهي انتخابات تقترب في ظل تصاعد الحرب بين أجنحة المحافظين على نحو ينذر بتهيئة الأجواء لصالح انتفاضة شعبية مردها الوضع الاقتصادي المتردي بسب العقوبات الدولية، وبسبب عدم قناعة الشارع بمغامرات المحافظين الخارجية، بما في ذلك عدم قناعته بجدوى الإصرار على المشروع النووي.

من هنا، فإن الأمل الذي يراود إيران وروسيا لا زال يركز على إمكانية التوصل إلى حل سياسي يبقي بشار الأسد في السلطة، لأن ذلك سيشكل ضمانة لمصالحهما، مهما كان شكل التغيير المتوقع.

على أن المعارضة ليست غافلة عن هذا البعد، وهي إلى جانب طموحها الجديد بإمكانية الحسم العسكري خلال الشهور المقبلة، فإنها تدرك أن حلا يبقي بشار في السلطة لن يعني غير هزيمة الثورة برمتها مهما كان العرض المقابل.

كلما تراجع النظام وحلفاؤه في الخطاب السياسي، كان بوسعنا أن نشتم حالة الضعف التي يعيشونها، وقناعتهم بأن إمكانية الهزيمة صارت أقرب من ذي قبل. وحين يقول لافروف (محامي بشار) إن “استمرار حمام الدم قد يؤدي إلى انهيار الدولة في سوريا”، فهذا يعكس قناعته بعجز النظام عن الانتصار، بل بقرب انهياره، ما يعني أن على المعارضة أن لا تكتفي برفض الحوار مع موسكو أو زيارة واشنطن، بل عليها أن تضيف إلى ذلك مزيدا من تركيز الجهد في معركة دمشق من أجل حسم قريب.

لا مكان لبشار في سوريا بعد نهر الدماء الذي جرى، ومن يعتقد بغير ذلك يعيش الوهم في أوضح تجلياته، فلا تركيا ولا العرب الداعمون للثورة في مزاج تقبل هزيمة أمام إيران مهما كان الثمن، فضلا عن الثوار الذين يُظهرون كل يوم إصرارا على الانتصار، ومن ورائهم شعب عظيم يمنحهم الحاضنة والإسناد دون كلل أو ملل.