كفر قاسم وكفر حَتَّه/حَتَّا- تاريخ وجذور..

كفر قاسم وكفر حَتَّه/حَتَّا- تاريخ وجذور..

د. محمد عقل

[email protected]

كفر قاسم:

تقوم كفر قاسم على ربوة يبلغ ارتفاعها 152 متراً عن سطح البحر. تقع إلى الجنوب من قرية كفر برا في أقصى المثلث الجنوبي بجوار مدينة راس العين، وعلى مسافة 8 كم من مدينة بتاح تكفا(ملبس). أقيم فيها مجلس محلي عام 1958، وأُعلن عنها مدينة في شهر آذار عام 2008. بلغ عدد سكانها في عام 1922 (661) نسمة، وفي عام 1945 (1460) نسمة، وفي سنة 2011 (20027) نسمة. كانت لها أراض مساحتها 12765 دونماً بقي منها بعد المصادرة 8745 دونماً.

يروي الأهالي أن كفر قاسم سُمِّيت بهذا الاسم نسبة إلى شخص اسمه قاسم جاء من قرية مَسحَه مع أقاربه وزرع الأراضي وتوطن في الربوة، وهم يشيرون إلى أن ذلك حدث قبل أكثر من 300 سنة، ثم انضمت إليهم عائلات جاءت من الخليل وقلقيلية وغيرها من القرى المجاورة. هذه الرواية لا يوجد لها سند تاريخي ولو كانت صحيحة لبقي لقاسم هذا مقام أو قبر في القرية.

يؤكد المؤرخون اليهود على أن كفر قاسم سميت بهذا الاسم نسبة إلى بلدة "قيسم" التي كانت تقع في السهل الساحلي وورد عنها في التلمود (المشناه) أن سكانها، آنذاك، كانوا من عبدة الأوثان وممن يقدسون الأشجار. بناء على هذا الرأي فإن هؤلاء السكان كانوا في القرن الثاني للميلاد من الرومان وليسوا يهوداً أو سامريين، ورغم أنه توجد في كفر قاسم آثار كثيرة يعود تاريخها إلى العصر الروماني إلا أن هذا الرأي ضعيف وواه إذ كان من الأولى تسمية كفر حَتَّه/حَتَّا بقيسم لأنها تقع في السهل الساحلي وفيها آثار من العصر الروماني.

يبدو لنا أن الاسم "كفر قاسم" مرتبط بإحدى طرق جباية الضرائب في الدولة الإسلامية وهي الطريقة المسماة بالمقاسمة. وفقاً لهذه الطريقة كانت سلطات الضريبة تحضر إلى البيادر وتقدر كمية المحصول ثم تأخذ حصتها أي لم يدفع الفلاح حسب هذه الطريقة الضريبة نقداً وإنما دفعها عيناً، وقد أُطلق على رجل الضريبة اسم القاسم. وخير دليل على ما نقوله وجود قرية في محافظة الجيزة بمصر اسمها "كفر قاسم"، وأخرى في محافظة كربلاء في العراق.

 

كفر حَتَّه/حَتَّا:

تقع خربة كفر حَتَّه/حَتَّا على مسافة كيلو متر واحد إلى الشمال الغربي من مدينة كفر قاسم، على تلة يبلغ ارتفاعها 50 متراً عن سطح البحر. في المكان قبر لولي صالح يسميه الأهالي النبي حَتَّا، وقد بني عليه، مؤخراً، بناء مسقوف فأصبح مقاماً. كان الناس في السابق يزورونه ويتباركون به، ويضعون عنده علب كبريت وزيت. في العهود القديمة كانت قرية كفرحته عامرة، ولكنها خربت وتركها أهلها. في سنة 1863 زار خربة كفر حَتَّا الواقعة شمال غرب كفر قاسم الرحالة الفرنسي فيكتور جيرين وقال عنها إنها تقع على تلة قليلة الارتفاع وفيها مسجد مهجور، وبرج من طابقين، وبيوت مهدمة وحجارة متناثرة وخرائب ولم يذكر شيئاً عن قبر النبي حَتَّا، كما أنه ذكر أن قرية كفر قاسم أُقيمت على أنقاض مدينة قديمة وكبيرة وفيها آبار للمياه، وأن عدد سكانها 400 نسمة، وبيوتها من طين وحجارة. ذكر مصطفى مراد الدباغ أن من المواقع الأثرية التي تقع في ظاهر كفر قاسم البقعة التي كانت تقوم عليها قرية كفر إتايا في العهد الروماني، وموقعها اليوم يقع في الشمال الغربي من كفر قاسم يعرف باسم "خربة كفر حطة" أو "خربة النبي حتى" وفيها عقود الحبس وأبنية مهدمة وأساسات وصهاريج وبئر وبركة ومغارة.

   دأب الأتراك العثمانيون على تسجيل الضرائب المجبية من البلدان المختلفة حسب الألوية، وقد اسموا  هذه السجلات باسم الدفاتر المفصلة. بين يدينا دفتر مفصل لواء نابلس لعام 1005ﻫ/1596م، وفيه وردت مقادير الضريبة المجبية من قرية كفر حَتَّه /حَتَّا، التابعة لناحية الجبل القبلي(قُبال) من لواء نابلس بالعملة المسماة آقجه مُوزَّعة على النحو التالي:

عدد الخانات(عدد دافعي الضريبة):  13.

نسبة الضريبة: 33,3%.

مقادير الضريبة:

حنطة: 2130 آقجه.

شعير: 500 آقجه.

مال صيفي(سمسم، ذرة..) : 500 آقجه.

زيتون إسلامي: 1500 آقجه.

بادي هوا ورسوم عروس: 30 آقجه.

ماعز ونحل: 20 آقجه.

عادات رجالية: 520 آقجه.

يكون: مجموع الضرائب: 5200 آقجه.

كيفية جمع الضريبة: زعامه.

بناءً على ما ورد أعلاه يمكننا أن نستنتج أن عدد سكان قرية كفر حَتَّه التابعة للواء نابلس بلغ 91 نسمة، وأن مجموع دخلها السنوي هو 15600 آقجه ما يدل على أن وضع السكان الاقتصادي كان جيداً، وأن سكانها اعتمدوا في معيشتهم على زراعة القمح والشعير والسمسم وعلى فرع الزيتون. البادي هوا ورسوم عروس هو حاصل الجرم والجنايات ورسوم الزواج، وعادات رجالية هي هبات كان المسلمون يُقدّمونها إلى والي لواء نابلس. كانت نسبة الضريبة المجبية باهظة إذ بلغت 33,3% من المحاصيل، أم كيفية جباية الضريبة فكانت عن طريق زعيم محلي(زعامه). من الدفتر يتبين أن قرية مسحة كانت أصغر بكثير من كفر حَتَّه إذ بلغ عدد دافعي الضرائب فيها 5 فقط ومجموع الضرائب المجبية منها 2300 آقجه، بينما بلغ عدد دافعي الضرائب في قرية كفر برا 20 ومجموع الضرائب المجبية منها 2920 آقجه ما يدل على أن عدد سكان قرية كفر برا بلغ 140 نسمة لكن كان دخل كفر حته السنوي أكبر بكثير من دخل قرية كفر برا. من الجدير بالذكر أن الآقجة كانت تساوي ثلث باره، وأن القرش العثماني كان يساوي 40 باره والليرة الذهبية كانت تساوي 100 قرش. يبدو أن سكان قرية كفر حَتَّه هجروها في القرن السابع عشر للميلاد لاختلال الأمن في السهل وانتقلوا إلى كفر قاسم الواقعة على مرتفع.