سليم زنجير العضو المؤسس في رابطة أدباء الشام في دقائق

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على مصطفاه

أيها الإخوة الأحبة

الكتابة عن أخٍ في حجم (أبي الخير) في نهاية الصعوبة، عن تلميذ ذكي، مهذب، فهيم، متقدّم على زملائه في المدرسة، وفي مدرسة الحياة، وفي مدرسة الحب والوفاء، والإيثار، والشجاعة والكرم، وفي قطار الأخلاق مما ذكرتُ ومما لم أذكر من شمائل أبي الخير.

كان تلميذاً عندي في الصف الحادي عشر الثانوي، في ثانوية الكواكبي في حلب، وقد استرعى انتباهي من الوهلة الأولى التي التقيته فيها.. سلّم عليّ في أدبٍ وسألني في أدب، واستأذنني في أدب جمّ.. وقبل أن آذن له سألته عن اسمه، فأجاب: أخوكَ الصغير سليم..

وذات يوم طلبتُ من طلابي أن يقرؤوا لي وظيفةً أدبيةً، وقرأ أربعة منهم، وكانوا دون المستوى المطلوب، وقرأ سليم وكان مبدعاً في ما كتب وقرأ، ناديته، وطلبت منه أن يُملي ما كتب على زملائه، وعندها احتجّ أحد زملائه وطلب مني أن أملي شرح الأبيات من إنشائي، فقلت:

اسمعوا يا شباب.. زميلكم سليم أبدعَ فيما كتب، ولو أردتُ أن أملي عليكم من إنشائي، لما كانت كتابتي خيراً من كتابته.. ولم ينسَها لي أبو الخير حتى رحيله رحمه الله، وبرزَ سليمُ الهادئ هدوء بحر عميق، فشبَّ وشبّت معه إمكاناته، واقترح إنشاء فرقة إنشاد، وتمكّنت هذه الفرقة من تحقيق نجاحٍ تلوَ نجاح، وهي فرقة أبي الجود، باجتهاد مُنشئها الحقيقي وهو أبو الخير الذي كان شاعرها، وكان الفعّال فيها، بالتشاور مع مُنشدها المبدع أبي الجود، وتوسّعت، حتى عمّت شهرتها الآفاق.

واعتُقل أبو الخير.. اعتقله مجوس النصيرية، وتعرّض لأشدّ أنواع العذاب، وهو صابر محتسب، وتمكّن مع ستة عشر من إخوانه المعتقلين معه من الهرب من السجن، ومنه إلى الخارج.. وفي مهاجره في السعودية أنشأ (مؤسسة سنا) وعمل فيها بجدّ مع أخويه الأستاذين المبدعين: سداد عقاد، وعبدالله زنجير، ونهضوا بهذه المؤسسة الفنية التي ما تزال تؤتي أكُلها في كل حين.

أما أبو الخير الأديب والشاعر المجيد، فقد كان ابن بجدتها، ولا غرابة في ذلك فهو عضو مؤسس في رابطة أدباء الشام، تخصّص في أدب الأطفال، وقدّم عدداً من الدواوين للطفل العربي المسلم، وأنشدَ فنّانو سنا وعلى رأسهم (د. محمد أبو راتب وأبو دجانة ويحيى حوّى وسواهم) تلك الأشعار الطفولية البديعة في روحها الرقيقة، وأساليبها الناعمة التي تسرّبت إلى نفوس الكبار والصغار معاً..

أهداني أبو الخير ديوانه الكبير: القادمون الخضر، وكنتُ مطّلعاً على أكثر قصائده.. قرأته من جديد، ثمّ قدّمته إلى الشاعر الناقد الكبير الدكتور أحمد سليمان الأحمد –شقيق الشاعر الكبير بدوي الجبل- وطلبتُ رأيه في الديوان، وبعد أيام هاتفني الدكتور الأحمد وقال لي: صاحبُ هذا الديوان شاعرٌ أصيل، أين شعراء اليوم منه.

أبو الخير شاعر وروائي، وقاصّ، وناثر بليغ فصيح، يعمل بصمتٍ وفي تواضع وحب، أعرف الكثيرين ممن يحبّونه، ولا أعرف واحداً يبغضه ويذمّه، وكان في حياته مؤشر جمع وليس مؤشر طرح.. كان إيجابياً مع الناس بما تميّز به من إيجابيات في فكره وسلوكه وأخلاقه عامة..

وأخيراً يا أبا الخيرات والبشريات، نم قرير العين، فموقعك لم يشغر، فقد شغله من تعرف من أصحاب الأيدي المتوضئة والقلوب الطاهرة، والعقول المستنيرة بنور الرحمن الرحيم...

نم فركب الإيمان الذي تركت هو هو، والقافلة تسير لا يضيرها ضائر من إنس أو جان.. نم أبا الخير والملتقى في الغرفات العلى إن شاء الله، مع شهدائنا الأبرار، وهم عدّوا الكواكب، على سرر متقابلين، تعلو وجوههم نضرة النعيم، وحسن أولئك رفيقاً..

واسلم في الخالدين..

وسوم: العدد 920