نجم تألق ثم رحل، محمد علي دولة في ذمة الله

clip_image002_12158.jpg

قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : >> إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس ، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء ، حتى إذا لم يترك عالما ، اتخذ الناس رؤوسا جهالا ، فسئلوا فأفتوا بغير علم ، فضلوا وأضلوا << 

وإن من أوجب الواجبات على الأمة أن تقوم بحق علمائها عليها ، وبخاصة علماء الشريعة الغراء ، لأنهم هداتها إلى الله ونورها الذي تستضيئ به لتحقيق العبودية لله تعالى والفوز برضاه وجنته .

وهذا الواجب آكد ما يكون في أعناق تلامذة أولئك العلماء ومحبيهم والمقربين إليهم. ولذا رأيت أن أقوم بجزء من هذا الاستحقاق والواجب ، تجاه أستاذنا محمد علي دولة نوّر الله مرقده . 

أولا : نشأته وتعليمه :

** تلقى تعليمه في ( الجمعية الغراء لتعليم أولاد الفقراء ) بدمشق ، والتي ينبثق عنها ( مدارس ) و ( معهد العلوم الشرعية ) ، فالتحق ( محمد علي ) بمعهد العلوم الشرعية ، وتربى على موائد علماء أكابر ، وأخذ العلم عنهم ، ومن أبرز هؤلاء : 1- الفقيه الشافعي أحمد المقداد البصروي .

2- الفقيه الأصولي المربي عبد الكريم الرفاعي الدمشقي .

3- العلامة خالد الجباوي المعروف ب ( خالد إنخل ) أستاذ النحو والبلاغة والبيان .

4- العالم عبد الرحمن الطيبي الزعبي ، أستاذ التفسير والحديث .

5- جامع العلوم والزهد نايف العباس ، وهو أحبهم إلى قلب الأستاذ محمد علي .

6- الأديب النحوي عبد الغني الدقر ، أستاذ الأدب واللغة العربية .

** بعد أن تخرج من ( معهد العلوم الشرعية ) التحق بكلية الشريعة بجامعة دمشق، سنة 1960 م ، وهي منارة العلم و الفكر و الثقافة والدعوة .

وأخذ مختلف أنواع علوم الشريعة عن علماء أفذاذ وجهابذة كبار ، ومن أبرز أساتيذه في هذه المرحلة :

1-المفكر الداعية الكبير مصطفى السباعي ، مؤسس الكلية وعميدها .

2- المفكر الجهبذ محمد المبارك ، أستاذ مادة ( نظام الإسلام ) .

3- المؤرخ الناقد يوسف العش ، أستاذ التاريخ الإسلامي .

4- الحقوقي الفذ معروف الدواليبي ، أستاذ الفقه و السنة .

5- فقيه الأمة مصطفى الزرقا ، أستاذ القانون المدني .

6- العالم الجليل صبحي الصالح ، أستاذ علوم القرآن .

ثانيا : في ميادين التدريس والخطابة ونشر العلم :

تخرج الأستاذ محمد علي من كلية الشريعة ، وانخرط في سلك ( التربية والتعليم ) ، ودرس مادة التربية الإسلامية في مدارس متعددة فدرس أولا بالمدرسة الأهلية في بلدة ( الكسوة ) ، ثم في مدينة السويداء جنوب سورية ، وبعدها في العاصمة دمشق في ثانوية جودت الهاشمي أكبر ثانوية عامة في سورية ، وثانوية البنات في باب الجابية بدمشق ، وأخيرا في ثانوية الكسوة لمدة سنة ، وفيها تلقى عنه كاتب هذه السطور ، وفي السنة التالية 1974 م ، قدم الأستاذ محمد علي استقالته ليتفرغ للعلم و إدارة أعمال مكتبته ( دار القلم ) .

** ومع التدريس وأعمال مكتبته الناشئة ، كان ينشر علمه ويبلغه للناس في بلدته ، حيث ارتقى المنابر ولانت له درجاتها فكان يخطب في الجامع الكبير ومسجد أبي بكر ، وعقد دروسا عامة في المساجد في السيرة النبوية والفقه الشافعي ، ودروسا للعمال في كتاب " حياة الصحابة " ، ودروسا للمختصين في علوم العربية والتاريخ الإسلامي وأذاع في الناس علما غزيرا مباركا .

ثالثا : رحلاته واتصاله بالعلماء والفعاليات الثقافية :

تنقل الأستاذ رحمه الله في مختلف المدن السورية ، واتصل بالمؤلفين والعلماء 

والناشرين ، ثم رحل إلى كثير من البلاد العربية : إلى بلاد الحرمين ، ومصر ، والعراق ، والأردن ، والمغرب العربي الإسلامي ، والكويت ، والإمارات العربية ولبنان وغيرها .

وعقد أواصر المعرفة والعلم والمحبة مع الجم الغفير من علماء الأمة ومفكريها وكتابها وناشريها وطلبة العلم فيها :

ففي مصر : الشيخ محمد الغزالي ، والدكتور يوسف القرضاوي ، وأنور الجندي ، ومحمد الصادق عرجون، والإمام الأكبر عبد الحليم محمود، والإمام الأكبر جاد الحق، والمفسر الإمام محمد متولي الشعراوي، والمحقق السيد أحمد صقر، وغيرهم 

وفي بلاد الحرمين : فقيه الجزيرة عبد العزيز بن باز ، ومحمد بن صالح العثيمين ، وبكر أبو زيد ، ومحمد الأمين الشنقيطي المفسر الشهير ، وخطيب المسجد النبوي عبد العزيز بن صالح ، وآخرون .

وفي العراق : الدكتور العلامة أكرم العمري ، والعلامة عبد الكريم زيدان ، والدكتور الكبير عماد الدين خليل ، والدكتورعبد الرحمن الحجي .

وفي الأردن : المفكر يوسف العظم ، والمؤرخ الكبير عبد الكريم غرايبة والعالم الناقد ناصر الدين أسد ، والدكتور الجليل صلاح الخالدي .

وفي المغرب : العالم الجليل الدكتور فاروق حمادة ، وغيره .

وفي لبنان : المفتي الشيخ حسن خالد ، والدكتور الجليل عمر فروخ ، والمحقق الكبير إحسان عباس .

ومن الهند : بركة العلماء أبو الحسن الندوي ، والفقيه العلامة محمد تقي العثماني ، والدكتور تقي الدين الندوي ، وغيرهم .

رابعا : الأستاذ محمد علي الناشر المتميز الأصيل :

مع بداية انطلاقته في ميادين تدريس علوم الشريعة للعامة والخاصة ، اتجه رحمه الله إلى فكرة ( تعميم العلم والثقافة ) على عموم الأمة في العالم العربي والإسلامي، فأسس سنة 1967 م ، (دارالقلم) بدمشق ، وانطلقت بتؤدة وروية فكان الأستاذ يفتش عن المبدعين والمخلصين وينتقي النافع المفيد ، في خطة منهجية ملتزمة ، وسار على هذه السبيل طيلة مسيرته المباركة ، وضم إلى هذه الدار الرئيسة في دمشق ، (الدار الشامية) في بيروت ، و (دار البشير) في جدة ، وأضحت الأخوات الثلاث منتظمة في عقد واحد قلبها دار القلم بدمشق ، التي تبوأت مكانا عليا في سماء النشر. ومما يميزها أن منشوراتها استوعبت مختلف العلوم العربية والإسلامية : في العقيدة، والسنة وعلومها ، والتفسير ، والرجال ، والتراجم العامة والخاصة ، واللغة العربية وعلومها ، والتاريخ ، والقصص ، والطب ، والفكر الإسلامي .

ومزية ثانية تتجلى في إصدار سلاسل قيمة هادفة مثل : سلسلة أعلام المسلمين ، وسلسلة أعلام ومفكرون معاصرون ، وسلسلة كتب قيمة ، وسلسلة أعداء الإسلام .

ومزية ثالثة تمثلت في تألق كوكبة من المفكرين والكتاب والمؤلفين الذين أسهموا بعصارة عقولهم في إنتاج مؤلفات جليلة ، تنوعت مجالاتها مثل ما تعددت بلدان مؤلفيها . 

وهكذا حتى بلغت منشورات دار القلم زهاء ( ألف ) عنوان ، قدمت للأمة زادا عظيما من العلوم والمعارف .

خامسا : الأستاذ في بلاد الحرمين :

ومن تمام النعمة على الأستاذ محمد علي رحمه الله ان تهيأت له فرصة جليلة للإقامة والعمل في المملكة العربية السعودية ، فرحل إليها سنة 1983 م ، وتواصل عطاؤه هناك ، فاتصل بمعارف قدماء وجدد من أمثال : الشيخ علي الطنطاوي ، وعبد الفتاح أبو غدة ، وعبد الرحمن حبنكة الميداني ، ومحمد المجذوب ، ومعروف الدواليبي ، فضلا عن أعيان علماء وشيوخ بلاد الحرمين .

وأسس مكتبة ( دار المنارة ) بالتعاون مع الأستاذ الفاضل نادر حتاحت ، وانطلقت الدار وشقت طريقها في النشر والتوزيع ، ثم تركها الأستاذ محمد علي وأسس ( دار البشير ) في جدة لتكون فرعا عن دار القلم تتولى نشر كتبها في كافة أرجاء المملكة ولا تزال إلى الآن بإدارة ابنه سيد محمد دولة . وفي جدة اتصل الأستاذ بأحد أعيانها المحسن الجليل عبد المقصود خوجة الذي كان يعقد في ( دارته ) العامرة (إثنينية) يقيم فيها في كل يوم إثنين مأدبة تعقبها ( ندوة علمية أدبية ) يتخللها تكريم رجالات العلم و الأدب والدعوة في العالم العربي والإسلامي .

وأصبح أستاذنا من نجوم ( الإثنينية ) ومن خلصاء السيد عبد المقصود ، وتولى طباعة ( مجالس الإثنينية ) في عدة مجلدات .

سادسا : المؤلف المبدع :

لم يكتف الأستاذ بكل ذلك العطاء والعمل الدؤوب ، بل كان خلال زحمة أعماله يخصص جزءا مهما من وقته للمطالعة والكتابة ، وركز اهتمامه في محورين جليلين : الأول السيرة النبوية وحياة الصحابة ، والثاني : اليهود وقضية فلسطين .

ففي المجال الأول قدم للأمة : 1- قصص من حياة الرسول وأصحابه 

2- الصحابي ربيعة بن كعب 3- أبو هريرة 4- أبو موسى الأشعري وفي الثاني : كانت قضية المسلمين في فلسطين ومعركتهم مع اليهود تسيطر على فكره وتشغل حيزا كبيرا من اهتمامه ، فقرأ عن اليهود وتاريخهم الطويل الرديء ما لا يحصى كثرة ، وأصدر كتبا نفيسة هي : 1- لتفسدن في الأرض مرتين 

2- كلام في اليهود 3- معاداة السامية 4- وإن عدتم عدنا 

ويتناول تاريخ اليهود ومصيرهم منذ النشأة حتى الآن ، وهذا لم يكمل حيث وافته المنية قبل إتمامه ، وسيطبع إن شاء الله ما أنجزه منه .

سابعا : الأستاذ محمد علي ( الإنسان ) :

لقد من الله على أستاذنا بخصيصتين جليلتين متلازمتين هما : العلم و العمل ، ولا نغالي فيما نقول ، ولا نتألى على الحقيقة ، وإنما نكتب ما عرفناه عنه عن كثب لا عن كتب ( و ما شهدنا إلا بما علمنا وما كنا للغيب حافظين ) .

كان رحمه الله تعالى هينا لينا ، حسن المحاضرة ، طيب العشرة ، رقيق الحاشية ، محببا مألفا ، يسعد بلقائه الكبير والصغير ، والغني والفقير ، والعالم والجاهل ، والقريب و الغريب ، يسع الجميع بلطفه ورقة طبعه و دماثة خلقه وطيب كلامه وحسن لقائه ، دائم البشر ، كثير التبسم عريض الأمل ، عظيم التفاؤل ، تغشى مجالسه الطمأنينة والسكينة والرضا والوقار ، وتتلخص مجمل صفاته وشمائله فيما يلي : 1- طيب النفس وحسن العشرة 2- الجرأة في الحق والحكمة في الصدع به 3- التواضع 4- الكرم والسخاء 5- عفة اللسان وطهر المجلس 6- الصبر والرضا 7- حب الخير للناس وحسن الظن بهم 8- الصدق والأمانة والإتقان في العمل 9- العبادة الوسطية والتعلق الفذ بالبلد الحرام والحب الغامر للنبي الأعظم (صلى الله عليه وسلم ) وصحابته رضي الله عنهم جميعا .

هذه كلمة مختصرة جدا عن حياة أستاذنا محمد علي ، وفي ذاكرتي أشياء كثيرة جدا، وفي قلبي له أكثر ، فصحبتي له امتدت على مدى ( 43 ) سنة ، لا توفيها هذه الكلمات القليلة .

رحل أستاذنا عن عمر ناهز ( 77 ) عاما ، أمضى منها ( 50 ) عاما من العطاء للأمة ، كان خلالها نجما في العلم ، نجما في الخطابة ، نجما في التأليف ، نجما في الطباعة والنشر والإتقان ، نجما في المعاملة الطيبة ، نجما في الصدق والأمانة والوفاء ، نجما في حضوره في المجتمع . حياة ماجدة وأعمال خالدة .

رحل ذاكم النجم المتألق إلى ربه سبحانه وتعالى ، وودعته الأمة وهي تدعو الله أن يجعل مقامه في أعلى فراديس الجنة ، وأن يجمعنا به في مستقر رحمته .

تلميذه المحب : عبد الستار الشيخ

وسوم: العدد 653