يا أهل الأردن أهل النخوة والشهامة.. الشقيقة الجريحة تستجير بكم

مؤمن مأمون ديرانية

يا أهل الأردن أهل النخوة والشهامة..

الشقيقة الجريحة تستجير بكم

فهل من مجير؟

مؤمن مأمون ديرانية

[email protected]

أردننا الحبيب.. يا مهبط رسالات الله وموطن أنبيائه.. ومهد الحضارات الإنسانية.. وأرض مؤتة الخالدة واليرموك العظيمة، ومثوى عظماء هذه الأمة الذين رووا بدمائهم الزكية هذه الأرض الطاهرة؛ زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة، وأبو عبيدة بن الجراح وشرحبيل بن حسنة وضرار بن الأزور.. يا أرض الرباط وأرض المحشر..

أهل الأردن الأحبة.. يا أهل الإيمان وأحفاد الصحابة الذين ضمّهم ثرى الأردن، وأهل النخوة والشهامة عندما تعز النخوة والشهامة، وأهل الكرم والضيافة وإغاثة اللهفان، وأهل الإنسانية الذين لا يرتضون الظلم وامتهان إنسانية الإنسان..

إن مما يبعث على الذهول أن نجد في أردن الإيمان والخير والشهامة والإنسانية من يقف إلى جانب الظلم ويساند نظام سورية وحربه الوحشية الشرسة على الشعب السوري في حركته السلميّة.. مهما كانت مبرراتهم!

إن مما يحزن ويملأ القلب بالأسى أن نرى شطراً من الصفوة المثقفة لهذا الشعب الأبيّ ممثلة بالنقابات المهنية ما زالت مخدوعة بنظام الصمود والتصدي، الذي ملأ الدنيا شعارات كاذبة ولم يقدم أي إنجاز وطني حقيقي.

ونتساءل: هل هذا هو مستوى الوعي الحقيقي لهؤلاء المثقفين، وهل تجمّد وعيهم في زمن ماضٍ بينما نشهد نقلة كبيرة في وعي الأمة في تونس ومصر وليبيا واليمن؟ ألم تسقط كذبة الأنظمة الثورية والممانعة بعد؟ ألم نشبع ونُتخم بعد من الشعارات الثورية الفارغة من المضمون؟ لم تعد الأمة بعد اليوم تقبل ظلماً وقمعاً باسم الوطنية والممانعة ولم تعد تريد أن تسمع وطنيات فارغة.

ونتساءل عن الذين لم يتطوّر وعيهم بعد: ألم تسعفهم ضمائرهم وهم يرون هذه الفظاعات؟ هل هانت عندهم الدماء والأعراض وطابت نفوسهم بذبح شعب شقيق لأن القتلة يرفعون شعارات وطنية أو ينتمون إلى نفس الحزب؟ هل ترتضون أن تكونوا شركاء في إراقة دم الشعب السوري وتعذيب أبنائه؟

وكيف يمكن أن يحدث أن تقدم ثلة من "البلطجية" من أزلام النظام السوري في الأردن على الهجوم على معرض لدماء سورية النازفة أقامه الخيّرون في مجمع النقابات في هذا البلد المعطاء وإتلاف بعض محتوياته، ولا يجدون من يضرب على أيديهم ولا نسمع إلا قليلاً من الأصوات الغاضبة، لتقول لهم أنهم مجرد "شبيحة" لماهر الأسد كما وصفهم الكاتب ياسر ابو هلالة في كلمة حق قالها، ولتذكّرهم أنهم واقفون على أرض الأردن وليسوا في سورية، والأردن لا يقبل هذا الموقف الظالم ولا هذا السلوك الهمجي، ولو كانوا في سورية لوقفوا جنباً إلى جنب مع أجهزة النظام السوري في قتل وتعذيب الناس الذين قاموا يطلبون الحرية. هم لم يكتفوا بالسكوت عن الظلم بل أرادوا أيضاً تكميم أفواه الذين انتصروا للمظلومين، وهم الذين يتظلّمون من تكميم الأفواه. هؤلاء ليسوا مضللين ومؤيدين للظالم ضد المظلوم وحسب بل هم أيضاً عالة على الحضارة الإنسانية مهما لبسوا لباس المثقفين لأن المثقفين بسلوكهم وليس بلافتات يحملونها. هؤلاء عار على الأردن، وأهل الأردن معنيون برفع هذا العار والضرب على هذه الأيدي الآثمة والانتصار لإخواننا المظلومين.

بارك الله في الكاتب محمد أبو رمان مطلق حملة "ليسوا منا" براءة من وفد المحامين الأردنيين الذين زاروا سفارة النظام السوري مؤيدين له على ذبحه لشعبه، المحامون الذين نسوا ميثاق مهنتهم وخانوا شرفها، وميثاق هذه المهنة العظيمة وشرفها هو الدفاع عن المظلوم، وهؤلاء انحازوا إلى الظالم لاعتبارات حزبية رخيصة، فعرّوا أنفسهم بأنفسهم وسقطوا أخلاقياً ومهنياً وفقدوا مصداقيتهم، فكيف يقصدهم بعد ذلك صاحب حق ضائع لينصفوه من خصمه. وبارك الله في نقابة المهندسين الزراعيين الذين قاموا بالواجب الذي قصّر فيه الآخرون وأبوا إلا أن ينتصروا لشعب سورية المظلوم ولو بمعرض صور يبيّن شيئاً من مأساتهم وبالدكتور أمجد قورشة الذي صدع بكلمة حق في هذا المهرجان. وبارك الله في الأقلام الصادقة التي لم تقصّر في الدفاع عن شعب سورية الشقيق على صفحات الصحف الأردنية وعلى أثير الشبكة العنكبوتية. وبورك كلّ من وقف في اعتصام أمام سفارة النظام السوري ليقول لهذا النظام أن شعب الأردن الأبي لا يتخلى عن أهله. وجزى الله خيراً كل من قال كلمة حق أو أنشد لحناً من ألحان الحرية.

أناشد نقابتنا أن تعيد النظر في موقفها وتقف موقف عدل وإنصاف، وإني لأرجو أن يكونوا وقافين على الحق إذا ظهر لهم هذا الحق، وسيجدون من الأطباء الذين ساءهم هذا الموقف كلّ الشكر والثقة والتقدير. وأناشد إخوتي الأطباء في كلّ أرجاء الأردن الغالي أن يوصلوا أصواتهم بكل طريقة ممكنة إلى مجلس النقابة، الذي يفترض به أن يعبّر عن ضمير الأطباء الأردنيين ولا يعبّر عن فئة منهم فقط. أنتم معشر الأطباء أصحاب المهنة الأسمى المؤتمنة على حياة الإنسان، ومن الخيانة أن تكونوا شهود زور على انتهاك حياة الإنسان وتسكتون عن هذه مثل هذه الجرائم التي يندى لها جبين الإنسانية. وأناشد النقابات الأخرى وأوساط المثقفين في بلدنا الذين تتوقع منهم الأمة أن يكونوا طليعة لها يقودونها لمواقف الحق ووقفات الرجال أن يعيدوا النظر في موقفهم أيضاً، والرجوع للحق أحق من الإصرار على موقف جانب الصواب.

إذا كان أهل النقابات لا يقدّرون معنى الحرية ولا يساندون من يطلب الحرية فهم عبيد لا يستحقون الحرية ولا يجدر بهم أن يجلسوا في هذا المجلس، وإذا كانت ضمائرهم ميتة لا تبكي أمام مشهد الدماء المسفوحة وصور الأطفال المشوهين وأخبار الأعراض المنتهكة فليسوا أهلاً أن يمثّلوا هذه الشريحة من شعبنا الأردني الشهم، فليتركوا هذا الموقع لمن يعبّر بصدق عن ضمائرنا.

وأناشد أهل الإعلام وأصحاب الأقلام الشريفة أن ينتصروا للمظلومين ويقفوا إلى جانب زملائهم الذين قالوا كلمة حق. أناشدكم الله أن تبحثوا بمهنية صادقة وموضوعية حقيقية عن الحقيقة، بالطريقة التي ترونها ومن المصادر التي تريدونها، ثم تنشروا هذه الحقيقة وتدافعوا عنها كما تقتضي أمانة مهنتكم العظيمة، التي لم تعد مجرد مهنة بل صارت تسمى سلطة رابعة، مما يزيد في حجم الأمانة الملقاة على عاتقكم، فأصحاب السلطة مسؤولون ومحاسبون على التصرف بسلطتهم.

وليتذكر كل الذين يستمتعون بمعزوفة النظام السوري الوطنية (لأنهم يحنّون إلى معزوفة وطنية ويفتقدونها في زمن الاستسلام الذي نعيشه) أنهم يسمعون هذه المعزوفة من الخارج، ولو كانوا من الشعب السوري المقهور لنصف قرن إلا قليلاً، لعرفوا أن هذه المعزوفة في الداخل وقودها دم وحرية وكرامة هذا الشعب، وهي معزوفة كاذبة ابتداءً. والله الذي لا إله إلا هو، لو كنتم مكانهم لبكيتم ألماً وأنتم ترون إخوانكم في البلد الجار يصدّقون جلادكم الذي يلبس لباس الوطنية ويعطونه شهادات وطنية غير مبالين بدمائكم وآلامكم.

ألم يكفكم أن تروا أزلام النظام السوري يكفرون بإله السماوات والأرض ويهتفون "لا إله إلا بشار" ويسجدون على صورته الممدودة؟

ألم يكفكم أن تروا بيوت الله المهدّمة التي اقتحمتها قوات الأمن السورية، وصفحات كتاب الله الممزقة التي داسوها بأقدامهم؟

ألم يكفكم أن تسمعوا رؤوس النظام يلوّحون لليهود في فلسطين المحتلة ويتملّقون الغرب الداعم للكيان الصهيوني ويؤكدون لهم أنهم خير من يكفل أمن إسرائيل؟ فأكدوا بالقول الصريح ما مارسوه بالفعل أربعين عاماً على جبهة الجولان التي لم تطلق منها رصاصة واحدة، الجولان الذي سلمه لهم وزير الدفاع حافظ الأسد تسليم اليد (اقرؤوا كتاب سقوط الجولان لخليل مصطفى لتعرفوا بالتفاصيل والوثائق كيف سُلّم الجولان وكيف جاءت أوامر الانسحاب والقنيطرة لم تسقط بعد.)

ألم يكفكم أن تروا دماء إخوانكم الأبرياء في سورية تراق كل يوم بدم بارد، وهم لم يرفعوا سلاحاً ولم يقترفوا ذنباً إلا أنهم طلبوا حريتهم؟

ألم يكفكم أن إخوانكم يلاقون من صنوف التعذيب في سجون سورية ما تقشعرّ له الأبدان وتشيب منه الولدان، فقط لأنهم يطلبون الحرية؟

ألم يكفكم أن هؤلاء المجرمين اغتالوا طفولة الأطفال فعذبوهم وقتلوهم بلا رحمة؟

ألم يكفكم أن هؤلاء السفلة انتهكوا أعراض أخواتكم العفيفات في سورية، ففعلوا ما لم يفعله اليهود المعتدون في فلسطين؟

ألم يكفكم أن تنتهك كرامة الإنسان في سورية في حقد سادي ووحشية لا مثيل لها؟

ما الذي تنتظرونه أن يحدث أكثر من ذلك لتزول الغشاوة عن عيونكم وليغلي الدم في عروقكم وتهبوا لنجدة إخوانكم؟

ألا تقولوها بملء أفواهكم: نحن معكم أهلنا في سورية، آلامكم آلامنا وجراحكم جراحنا.. قلوبنا معكم وديارنا تؤويكم.. ونحن معكم على من ظلمكم.

ولا أقلّ من أن تنتصروا لهم بكلمة أو وقفة، أو اعتصام أمام سفارة نظام سورية المجرم، أو تقيموا معرض صور يعرض المأساة المؤلمة، أو تشاركوا في مهرجان يذكّر الناس بقضيتهم العادلة؟

ليكن ردنا على هؤلاء "الأوباش" الذين اعتدوا على معرض دماء سورية رداً حضارياً كما هي ثورة أهلنا في سورية حضارية. فليُقِم شرفاء الأردن معارض وليس معرضاً واحداً ومهرجانات وليس مهرجاناً واحداً لنصرة أهل سورية في محنتهم. وليتنادى المؤمنون الأحرار لاعتصامات أمام سفارة نظام القتلة رافضين قتل إخواننا. هذا هو التعبير الحقيقي عن ضمير الشعب الأردني.

أهل الأردن لا يفرطون في دماء إخوتهم في سورية، ولا يتنازلون عن دم طل الملوحي التي تعرضت لانتهاكات فظيعة وقضت تحت التعذيب، والأطفال حمزة الخطيب وثامر الشرعي الذين لم يرع الوحوش طفولتهم، ودماء ألفيّ شهيد سقطوا، وعشرة آلاف أسير جديد أُضيفوا إلى عشرات آلاف أُخر يُسامون سوء العذاب.

أهل الأردن هم الأنصار إذا كتب الله على أهل سورية أن يكونوا المهاجرين.

أهل الأردن الصالحون الشرفاء الأحرار مطالبون بموقف أكثر تأييداً لإخوانهم في سورية الذين تراق دماؤهم صباح مساء، رجالاً ونساءً وكباراً وصغاراً، وما ذنبهم إلا أنهم لم يعودوا يطيقون الظلم وقاموا يطلبون الحرية.

أهلنا الأحبة في الأردن الحبيب كافةً أنتم مدعوون إلى وقفة يرضى عنها الله وتقدّرها لكم الأمة ويسجلها التاريخ. وسيسألكم الله يوم العدل الأكبر عن انتصاركم لإخوانكم أو خذلانكم لهم.

يا أهل الأردن أهل النخوة والشهامة.. سورية الشقيقة الجريحة تستجير بكم.. فهل من مجير؟