رصد كتاب الفتوى بين الانضباط والتسيّب د. يوسف القرضاوي

هذا الكتاب من مؤلفات الدكتور يوسف القرضاوي، حفظه الله، أحد أعلام الفقه الإسلامي المعاصر.

يقع الكتاب في مئة وخمس وأربعين صفحة من القطع المتوسّط. وهو صادر عن دار الصحوة للنشر والتوزيع / القاهرة. والطبعة التي بين أيدينا هي الطبعة الثالثة، صدرت عام 1413هـ - 1992م.

عرض الكتاب:

تناول الكتاب ثلاثة موضوعات كبيرة:

1- مكانة الفتوى وشروطها.

2- مزالق المتصدّين للفتوى في عصرنا.

3- منهج معاصر للفتوى.

ومن معالم الفِكَر في هذا الكتاب:

  • حوى القرآن الكريم كنزاً من أحكام الشريعة، من كليات وجزئيات. وكان معظمها بياناً من غير سؤال أو استفتاء ظاهرين، وكان بعضها جواباً صريحاً لسؤال.. وهو ما ورد بصيغة "يسألونك".
  • وفي السنّة النبوية عدد كبير من أحاديث الأحكام، منها ما بيّن فيه النبي صلى الله عليه وسلم أحكاماً شرعية ابتداءً، أو جواباً على سؤال لم يُذكر، ومنها ما كان جواباً على استفتاء صريح ذكرته الروايات.
  • وألّف علماء الأمة في عصورها الأولى، وعبر جميع العصور، وإلى يومنا هذا، كتباً في الفتوى، منها ما يختص بمذهب معين، ومنها ما فيه نوع من الفقه المقارن.
  • جلالة منصب الفتوى:

قال الإمام الشاطبي: "المفتي قائم مقام النبي صلى الله عليه وسلم. فهو خليفته، ونائب عنه في تبليغ الأحكام وتعليم الأنام. وهو إلى جوار تبليغه في المنقول عن صاحب الشريعة، قائم مقامه في إنشاء الأحكام المستنبطة منها، بحسب نظره واجتهاده".

بل إنّ الإمام أبا عبد الله ابن قيم الجوزية عدّ الفقيه موقّعاً عن الله تعالى فيما يُفتي فيه، وألّف في ذلك كتابه "إعلام الموقّعين". وذلك لإعلام المُفْتين بما يجب أن يُعَلّموه من أمر الفتوى.

  • تهيّب السلف للفتوى:

قال عتبة بن مسلم: صحبتُ ابن عمر أربعة وثلاثين شهراً، فكان كثيراً ما يُسأل فيقول: لا أدري!.

وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أجرؤكم على الفُتيا أجرؤكم على النار.

وكان سيد التابعين وأفقهُهم سعيدُ بن المسيّب لا يكاد يفتي، ولا يقول شيئاً إلا قال: اللهم سلّمني وسلّم مني.

وقد حُفظ عن أبي حنيفة – على براعته في الجواب، وقدرته الفائقة على الاستنباط والتوليد – مسائل معروفة، قال فيها: لا أدري.

وكان مالك رحمه الله يقول: من سُئل عن مسألة، فينبغي له، قبل أن يُجيب فيها، أن يعرض نفسه على الجنة والنار، وكيف يكون خلاصُه في الآخرة، ثم يجيب فيها.

  • إنكار السلف على من أفتى بغير علم:

كان السلف يَعُدّون اقتحام حمى الفتوى من غير أهلها منكراً عظيماً، ويستدلّون بما رواه الإمامان أحمد وابن ماجه عن النبي صلى الله عليه وسلم: "مَن أُفتيَ بغير علم كان إثمُ ذلك على الذي أفتاه".

وقد ذهب أبو حنيفة إلى وجوب الحجر على المفتي الجاهل.

  • الشروط الواجب توافرها في المفتي:

يجب على المفتي أن يكون على قدر كبير من العلم بالإسلام، والإحاطة بأدلة الأحكام، والدراية بعلوم العربية، مع البصيرة والمعرفة بالحياة والناس، وأن يكون ذا ملكة في الفقه والاستنباط، وذا صلة وثيقة بالقرآن والسنّة، وتمرّس بأقوال الفقهاء، وعلمٍ بأصول الفقه واختلافات الفقهاء.

وأن يكون له حِلم ووقار وسكينة.

وأن يكون عاملاً بما يعلم، وأن يخشى الله عز وجل، وأن يُفتي بما يعلم أنه الحق.

  • واجب المستفتي:

واجبه أن يسأل عما ينفع في دينه ودنياه ومعاده، وأن يكون إيجابياً، يُعرِض عن اللغو، ويَشْغَل نفسه ووقته بالنافع من القول والعمل والفكر، وأن يتّقي الله ويراقبه في استفتائه.

وعلى المسلم أن يتفقّه في دينه ويتعلّم من أحكامه ما ينفعه حتى لا تختلط عليه الأمور، وأن لا يقرأ من الكتب إلا ما هو موثوق ومعتمد من عالم موثوق به في علمه وفي سلامة اتجاهه، وأن يجالس العلماء ومجالس العلم.

  • مزالق المتصدّين للفتوى في عصرنا:

لقد شهد عصرنا نهضة علمية واسعة في مجال الدراسات الإسلامية، وبرز صراع مرير بين القديم والجديد، تمخّض عن فئات ثلاث من الناس:

1) فئة تشبّثتْ بالقديم كله، وربما تعصبتْ لمذهب معين.

2) فئة تبنّت الجديد كله، ولم تعبأ بما وافق أقوال جمهور العلماء أو خالفهم.

3) فئة تمسّكتْ بكل قديم نافع، وبكل جديد صالح، متحرّية ما تراه أقرب للنصوص، وأيسر على الناس.

وإزاء هذا، فالإنسان لا يستطيع أن ينفصل عن مكانه وزمانه أمام هذه المؤثرات الفكرية والنفسية والاجتماعية والسياسية، مما أدى إلى كثير من المزالق التي تزل فيها الأقلام.. وهذه أسبابها:

1) الجهل بالنصوص أو الغفلة عنها.

2) سوء التأويل.

3) عدم فهم الواقع على حقيقته.

4) الخضوع للأهواء: في هوى نفسه أو هوى غيره.

5) تقليد الفكر الغربي.

ومن أسوأ هذه المزالق وأخطرها أن يختلق الفتوى التي يُرضي بها الطواغيت، أو يتزلّفُ بها إلى ما يتوافق مع قيم الغرب.

  • منهج معاصر للفتوى:

ولهذا النهج أسس هي:

1) التحرر من العصبية والتقليد: التحرر من العصبية المذهبية، والتقليد الأعمى.

2) يسّروا ولا تعسّروا: والتيسير المقصود هو الذي لا يُصادم نصّاً ثابتاً محكماً، ولا قاعدة شرعية قاطعة، بل يسير في ضوء النصوص والقواعد والروح العامة للإسلام.

3) مخاطبة الناس بلغة العصر: مما يتصل بخصائص التفكير، وطرائق الفهم والإفهام.

4) الإعراض عما لا ينفع الناس.

5) الاعتدال بين المتحللين عبيد التطور، وبين المتزمتين في الفتوى، المتعصبين لرأي نشؤوا عليه.

6) إعطاء الفتوى حقها من الشرح والإيضاح: حتى يكون المسلمون صفاً واحداً في مواجهة أعداء الإسلام الذين يختلفون كثيراً، لكنهم يتفقون علينا نحن أمةَ الإسلام.

وليس من الدين، ولا من السياسة، ولا من العقل، أن ننقل المعركة من ميدانها الحقيقي في مواجهة الأعداء، ليواجه بعضنا بعضاً. كما يجب مراعاة التزام النهج العلمي الموضوعي، ورعاية أدب الحوار، أو أدب البحث والمناظرة...

نقد الكتاب:

- تناول الكتاب موضوع الفتوى من جوانبه كافة.

- واتسم – شأن كتب القرضاوي – بالموضوعية والاعتدال.

- وكان زاداً علمياً، فكرياً، ثقافياً، يليق بكل مسلم أن يتزوّد به.

نفع الله بالكتاب والكاتب.

وسوم: العدد 997