ماذا فعلت إسرائيل لإخفاء جريمة النكبة الفلسطينية ؟!

كانت النكبة التي أنزلتها إسرائيل بالشعب الفلسطيني خلال عامي 1947 _ 1948  ولا زالت واحدة من الجرائم العظمى في التاريخ ، وهي التي يسميها إيلان بابي " التطهير العرقي في فلسطين " في كتابه الذي يحمل ذات العنوان ؛ فقد تمت إقامة  إسرائيل على حساب الشعب الفلسطيني أحفادا ولاجئين ، واستهدف المشروع الأساسي إقامة دولة بأكبر عدد من اليهود ، وأقل عدد من العرب الفلسطينيين بأي وسيلة بما في هذا المجازر الجماعية ضد شعب أعزل . وقاد ذلك إلى إجبار 800 ألف فلسطيني إلى ترك وطنهم ، وقتل آلاف منهم بدم بارد . ودمرت حملة الشهور الستة الإسرائيلية التي بدأت في نهاية 1947   531 قرية فلسطينية و11 منطقة حضرية في ضواحي مدن مثل تل أبيب وحيفا والقدس . وتصنف مبادىء نورمبرج التطهير العرقي لشعب من وطنه باعتباره جريمة عظمى في حق الإنسانية . ولم يحدث أن حوسبت إسرائيل على القتل الجماعي ، وتدمير البيوت ، وإتلاف المحاصيل والممتلكات الأخرى في أفعال وحشية لم يظهر فيها الإسرائيليون أي شفقة على الرجال العزل ، والنساء والأطفال ، فمعايير نورمبرج أقصيت عن التاريخ الإسرائيلي الرسمي ، وحلت محلها الخرافة التي تقول إن الفلسطينيين تركوا بلادهم راضين ، خوفا من الضرر الذي قد تلحقه بهم الجيوش العربية التي غزت هذه البلاد . ويقول فلسطيني عاش تجربة تلك الذكريات المرعبة : " لا أستطيع نسيان ثلاثة أيام من الرعب في يوليو 1948 لكون الألم ما فتىء يلفح ذاكرتي ، ولا أستطيع التخلص منه مهما كان عظم المحاولات  التي  أقوم بها . في البداية ، طرد الجنود الإسرائيليون آلاف الفلسطينيين من بيوتهم قرب ساحل البحر مع أن بعض الأسر التي تعيش في تلك البيوت عاشت فيها قرونا سابقة . أسرتي تعيش في مدينة اللد من 1600 سنة على الأقل . وإثر طردنا سرنا متعثرين في التلال الوعرة ، وتابعنا سيرنا ثلاثة أيام مميتة دون ماء . وتعقبنا الجنود الإسرائيليون يطلقون النار فوق رؤوسنا بين وقت وآخر لإرهابنا ودفعنا لموالاة سيرنا . وملأ الرعب قلبي ذا الأحد عشر عاما ، متسائلا عما سيحدث لنا . وتذكرت في تلك اللحظة ما سمعته مرارا من أبي وأصدقائه متحدثين عن رعبهم من آخر المجاز التي اقترفها الإرهابيون اليهود ، وسألت نفسي : هل يقتلوننا أيضا ؟! ولم ندرِ ما نفعل غير طاعة أوامر الجنود الإسرائيليين ، والسير على وجوهنا متعثرين دون هدى بين التلال الصخرية . سرت يدي في يد جدي الذي كان يحمل ما تبقى من مملوكاتنا ، وهي وعاء سكر صغير ، وشيء من الحليب لابن عمتى ذي العامين المصاب بالتيفوئيد " ،

ويستعيد الناجون من الفلسطينيين الرعب الذي اجتاح قرية دير ياسين يوم 9 أبريل حين دخلها دخولا عنيفا جنود إسرائيليون يمثلون الدولة التي تقترب من الإعلان عن قيامها ، وأطلقوا نيران رشاشاتهم خبط عشواء على بيوتها ، فقتلوا كثيرين فيها ، ثم جمعوا من تبقى من سكانها ، وذبحوهم بدم بارد ، وكان بينهم صبية وأطفال ومسنون ونساء ، اغتصبوا بعضهن قبل أن يذبحوهن ، ويقدر عدد قتلى القرية ب 120 . ويصف شاهد عيان هول ذلك اليوم على النحو التالي : "كنت في القرية حين هاجمها اليهود . بدؤوا بتطويقها وتبادل النار معنا ، وما أن دخلوها حتى حمي القتال في طرفها الشرقي ، وامتد بعدئذ إلى سائر أطرافها : إلى مقطع الحجارة ، وإلى وسطها حتى انتهى إلى بيوتها الغربية ، فقتلوا النساء والصبية دون تمييز ، ودافع شبانها عنها في شجاعة ورجولة " . وتسبب القتال في موت عشرات آخرين ، وواجهت قرى كثيرة ذات المصير . كان ما يفعله الإسرائيليون مرسوما بعناية بهدف القتل المنظم ، وهو النهج الذي اتبعته إسرائيل بعد ذلك باستعمال المزيد من القوة والأسلحة  الممنوعة دوليا .

وفي تقرير استقصائي بصحيفة  " هآرتس " ذُكر أن شعبة الأمن السري بوزارة الحرب الإسرائيلية (مالاب ) عملت على إخفاء مجريات النكبة ، وجاء في ذلك التقرير أن " فرق عمل تلك الشعبة سعت إلى تطهير أرشيفات إسرائيل ، وإزالة الوثائق التاريخية ، وإخفائها وفق جهد منسق لطمس أدلة النكبة " . وعلمت " هآرتس أن مالاب ( كلمة عبرية مؤلفة من بوادىء حروف كلمات أخرى ) أخفى شهادات قادة من جيش الدفاع الإسرائيلي عن " مجازر جماعية للفلسطينيين ، وتدمير لمدنهم وقراهم ، وعن انتزاع ملكية أراضي البدو في السنوات العشر الأولى لدولة إسرائيل " ، وأخبر يحيل حوريف رئيس شعبة الأمن السابق " هآرتس " أنه بدأ ذلك المشروع بهدف محو ماضي إسرائيل الشائن مع أن معلومات مفصلة عن النكبة نشرت من قبل . وهدف حوريف وغيره من ذوي الصلة بهذه القضية كان ومازال إعادة اختراع التاريخ بشأنها ، وهذا أمر مأخوذ به في بلدان كثيرة من ذات الماضي القبيح المزعج الذي تريد أن تمحوه من سجلها العام ، مثلما حدث في دفن السجل التاريخي للإساءة الرهيبة التي اقترفتها السلطات الأميركية بحق السود الأفريقيين والهنود الحمر . فالوثائق الخاصة بتطوير المشروع النووي الإسرائيلي ، وعدوان إسرائيل على دول في منطقة الشرق الأوسط ، وتاريخ النكبة ، كلها مدفونة في أقبية سرية . ويحمل تقرير " هآرتس " المفصل عنوان " دفن النكبة : كيف تخفي إسرائيل منهجيا الدليل على طرد العرب في 1948؟! " بإخفاء وثائق تاريخية عن الرأي العام . وعلاوة على إخفاء ماضي إسرائيل القبيح ، يستهدف مالاب تقويض مصداقية ما نشر من الوثائق عن النكبة . والواقع أنه ليس مهما كيف ننشر التاريخ ، وكيف نتعلم ما فيه . المهم أن الحقيقة التي ينشدها المؤرخون موجودة في أحداثه . كتاب بابي " التطهير العرقي في فلسطين " ، وكتاب هوارد  زن " تاريخ شعبي للولايات المتحدة " يكشفان السجل العام الذي يجب أن يعرفه مواطنو هاتين الدولتين ، وكل مواطن آخر في العالم .

*ستيفن لندمان في (GLOBAL RESEARCH) .

وسوم: العدد 833