دراسة جديدة لنظرية الجبر في الفقه الإسلامي

تتضمن آفاقاً رحبة لواقعنا المعاصر..

دراسة جديدة لنظرية الجبر في الفقه الإسلامي!

صلاح حسن رشيد /مصر

salah_rashied@hotmail.com

نادت دراسة علمية جديدة  بضرورة إحياء وتطبيق مفهوم الجبر في الفقه الإسلامي؛ لما له من عظيم الأثر والفائدة على حياة الناس والمجتمع، وتعميق الفهم الصحيح لمقاصد الشريعة الإسلامية، تيسيراً وتخفيفاً على المسلمين في ظل الظروف الحياتية الصعبة.وهي أوفي  دراسة تتحدث عن هذا الموضوع الحيوي باستفاضة وعناية كبيرة.

وقالت الدراسة التي أنجزها الباحث وصفي عاشور أبوزيد، ونال عنها درجة الماجستير مؤخراً من كلية دار العلوم بجامعة القاهرة بتقدير امتياز، إن أمتنا الإسلامية تمر في هذا العصر بظروف عصيبة تستنفر معها كل الجهود التجديدية المخلصة في شتى المجالات وبكل السبل والوسائل الممكنة كي تفيق من غفلتها، وتتعافى من أمراضها وعللها، وتتصدر مكان الريادة والقيادة كما كانت من قبل: "كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ...". آل عمران: 110.

ورأى الباحث أن : أبرز هذه المجالات مجال الفقه الإسلامي الذي يواجه ـ بحكم تغير الزمان والمكان والأحوال ـ وقائع جديدة ومسائل مستحدثة تضع نفسها بين يديه متطلبة حكم الشرع فيها، والفقه الإسلامي ـ بطبيعته ـ فقه ثري، فيه من السعة والمرونة ما يستوعب به كل جديد، ويضعه في مكانه السليم من شريعة الإسلام.

تجديد الفقه

ومن أهم الدعائم التجديدية لهذا الفقه والتي تضمن له ـ إلى حد كبير ـ مسايرته للواقع وحضوره مع العصر بما لا يتنافى مع مبادئه الكلية ـ تنظيره في نظريات كلية عامة تصبح هي الأصول الكلية التي تتشعب منها جزئياتها وتطبيقاتها المختلفة على النحو الذي عرف في القوانين الأجنبية في مثل: النظرية العامة للالتزامات، ونظرية البطلان، ونظرية الأهلية وغيرها.

ولقد اتُّهم الفقه الإسلامي ـ ضمن ما اتهم به ـ بالتخلف والجمود، وبالزعم بأنه فقير من هذه النظريات، وعدم قدرته على التجديد والابتكار ومسايرة العصور كما هو الحال ـ زعموا ـ في القوانين الوضعية.وهو أمر غير صحيح على الإطلاق كما يؤكد وصفي عاشور أبوزيد0

جهود الفقهاء الباهرة

والمتأمل في تاريخ الفقه الإسلامي لا تخطئه تلك الجهود الباهرة لفقهاء المسلمين في مسألة التنظير وإن كانت بشكل لا ينطبق تماما على المفهوم الاصطلاحي المعاصر لكلمة نظرية إلا أنه يقترب منها في مفهومها العام على الأقل، فليست القواعد الفقهية التي استنبطها الفقهاء إلا نوعا من هذا التنظير، مثل: "الأمور بمقاصدها"، و"العادة محكمة"، و"اليقين لا يزال بالشك".....الخ، فهي قواعد كلية عامة تنطبق على ما يتفرع عنها من جزئيات، وكذلك كتاب البغدادي (ت: 1027هـ): "مجمع الضمانات"، ليس إلا نوعا من هذا التنظير.

ويؤكد الباحث أن: تنظير الفقه الإسلامي يحتاج إلى جهود الدارسين والباحثين لا سيما الذين يجمعون بين الفقه والقانون؛ ذلك لأن الفقه الإسلامي غني بمبادئ ومواد وعناصر لو تولاها الباحثون بالاستقراء والاستنباط والصياغة لصنعوا منها نظريات تضاهي ـ بل تفوق ـ في شمولها ورقيها ومواكبتها للعصر تلك النظريات التي يفخر بها الغرب اليوم، وقد بدأتْ بالفعل هذه الجهود العلمية في صورة مؤلفات ورسائل علمية مع بداية الربع الثاني من القرن العشرين، وإن هذا المجال لفي حاجة إلى مزيد من جهود الباحثين والدارسين.

أسباب اختيار الموضوع

وقد دفع الباحث وصفي عاشور أبوزيد لاختيار هذا الموضوع ـ نظرية الجبر في الفقه الإسلامي ـ عدة عوامل هي:

أولا: أن مسائل الجبر في الفقه الإسلامي موجودة وجودا متناثرا في كتب الفقه الإسلامي المختلفة، تفتقر إلى الجمع والترتيب المنطقي، فلم يتناولها أحد من علمائنا القدماء أو المحدثين تناولا شاملا، كما لم يقم أحد منهم بجمع مسائله ـ إلا قليلا من المسائل ـ من أبواب الفقه الإسلامي، وبيان أحكامها، باستثناء الدراسات الفقهية التي تحدثت عن بعض جزئيات الجبر كالدراسات التي قامت عن الضمان مثلا، وقد قال  الدكتور محمد أحمد سراج عن الجوابر في كتابه "ضمان العدوان": "تناولها الفقهاء على نحو مشتت في مواطن متفرقة يفتقر إلى الترتيب المنطقي والوضوح، ومن الواجب جمع هذه الجوابر في سياق واحد لتحديدها وبيان أحكامها".

ثانيا: أنه لم يُنظِّر لهذا الموضوع أحد ـ إلا في جوانب محدودة ـ أو يقعد له ببيان أركانه وشروطه وأسبابه وقواعده وضوابطه، بل لم يتعرض أحد لتعريفه كما سيأتي في التعريف.

ثالثا: محاولة المشاركة في هذا الجانب الذي يعمل على تجديد الفقه الإسلامي، وبيان ثرائه، وما يحتوي عليه من مواد أولية تفوق ـ إن أُحسنت صياغتها ـ أعظم النظريات في القانون الوضعي.

دراسات السابقين

وتعتبرمسائل الجبر ـ كما سبقت الإشارة ـ متناثرة في ثنايا كلام الفقهاء في مصنفاتهم، فإذا جاءت مسألة من مسائل الجبر تكلم عنها الفقهاء بحكم وجودها في هذا الباب أو في هذه المسألة، ولا شك أن هذا مستوى من مستويات دراسات السابقين.

أما تناول المسألة على وجه مخصوص ومستقل فالحديث عنها في مستويين بالنظر إلى العلماء من حيث قدمهم ومعاصرتهم:

تناول الجبر من علمائنا السابقين ثلاثة، هم: عز الدين ابن عبد السلام، وشهاب الدين القرافي، وبدر الدين الزركشي، وجاء حديثهم كما يلي:

تحدث ابن عبد السلام عن الجوابر بشكل مستقل في كتابه: "قواعد الأحكام في مصالح الأنام"  تحت عنوان: "قاعدة في الزواجر والجوابر"، فذكر الحكمة من مشروعية الجوابر وهي جلب ما فات من مصالح حقوق الله وحقوق عباده، وذكر بعض الأسباب مثل الخطأ والنسيان والعمد والجهل، وأورد خلافهم في الكفارات هل هي جوابر أم زواجر مرجحا أنها جوابر، وقرر وقوعها في العبادات والأموال والنفوس والأعضاء ومنافع الأعضاء والجراح، ثم ذكر بعض النماذج التطبيقية للجبر في العبادات في فقرتين من كتابه، ثم أورد كلاما عن الجوابر المتعلقة بالأموال مبينا أن الأصل رد الحقوق بأعيانها عند الإمكان، فإن ردت ناقصة جبر أوصافها بالقيمة؛ لأن الأوصاف ليست من ذوات الأمثال.

وأما القرافي فقد تحدث عن المسألة مع الزواجر بشكل مستقل في كتابه: "الفروق"، في الفرق التاسع والثلاثين: "بين قاعدة الزواجر وبين قاعدة الجوابر" وذكر وجوها أربعة للفرق بين الجوابر والزواجر كما سيأتي في المبحث الثالث من الفصل الأول: الجبر وعلاقته بالزجر، ثم ذكر أغلب كلام ابن عبد السلام، ولم يزد عليه شيئا تقريبا، كما تحدث عن تداخل الجوابر في الحج وعدم تداخلها.

أما الزركشي فقد تحدث عن المسألة في مصنفين: الأول: "المنثور في القواعد"، والثاني: "البحر المحيط"، ففي المنثور  ذكر أن الجبران يكون في مواضع ثلاثة كما سيأتي في المبحث الثالث من الفصل الأول: "قواعد وضوابط للجبر في الفقه الإسلامي"، عند الضابط الخامس والسادس والسابع.

وفي "البحر المحيط"، تحدث في الباب الخامس، وهو: "ما يجري فيه القياس"، عد منه "القياس في الجوابر"، وجاء حديثه في حدود خمسة سطور من الطبعة الأولى لدار الكتبي، ومثل له مثالا بالقارن قياسا على المتمتع في وجوب الدم، وقال: "إن أفعال المتمتع أكثر من أفعال القارن، وإذا وجب عليه الدم فلأن يجب على القارن أولى".

ثانيا: دراسات المعاصرين

لم يجد الباحث من العلماء المحدثين من أفرد حديثا مستقلا عن الجبر سوى  الدكتور محمد أحمد سراج في كتابه: "ضمان العدوان في الفقه الإسلامي" دراسة فقهية مقارنة بأحكام المسئولية التقصيرية في القانون، حيث قال: إن إجمال هذه الجوابر بالنظر إلى الأضرار في نوعين:

أولهما: الجوابر لما فات من النفس والأطراف والمنافع الراجعة إليهما، ويشمل هذا النوع من الجوابر ما اصطلح عليه في الفقه الإسلامي بعنوان الديات والأروش المقدرة والأروش غير المقدرة "حكومة العدل".

والثاني: الجوابر لما فات من الأموال بغصبها أو بإتلافها أو إتلاف منافعها، وتشمل هذه الجوابر الأخيرة كلا من النوعين التاليين: الجوابر النقدية، كوجوب القيمة، والجوابر العينية، كوجوب رد عين الشيء أو مثله في الغصب والاستيلاء على أموال الغير بغير حق.

وأضاف نوعا ثالثا، وهو الجوابر الخاصة، وتشمل الحكم بلزوم فعل أو المنع من فعل أو بمجرد الحكم التفسيري، وأفاض في الحديث عن هذا كله مقارنا بالقانون.

صعوبات البحث

أبرز ما واجه الباحث من صعوبات في مثل هذا الموضوع هو ندرة الدراسات الفقهية المتعلقة بجوانبه المختلفة، فمسائله متناثرة في كتب فقهائنا السابقين دون حديث عن جوانبه المتعددة، باستثناء الدراسات الفقهية التي تحدثت عن بعض جزئيات الجبر مثل الدراسات التي قامت عن الضمان والتعويض وغير ذلك. كما تطلب ذلك طول نظر وتأمل لا سيما عند الحديث عما لم يتكلم فيه أحد سواء من القدماء أو المعاصرين، مثل: تعريف الجبر، أو شروطه، أو أركانه، وغير ذلك.

منهج البحث

تطلبت طبيعة هذه الدراسة أن تعتمد أكثر من منهج في البحث؛ حيث استخدمت المنهج الاستقرائي في الاطلاع على مسائل الجبر في شتى أبواب الفقه الإسلامي؛ كي يسلم الحديث عن التنظير وينبني بناء صحيحا، واستخدم المنهج الاستنباطي عند الحديث عن مفردات النظرية من شروط وأركان وأقسام وغير ذلك، وقد جرى هذا الاستنباط من خلال الفروع الفقهية التي وقف عليها البحث من خلال المنهج الاستقرائي، وطول التأمل والنظر المتكرر فيها، كما استخدمت المنهج التكميلي في البحث؛ حيث استفاد من دراسات القدماء والمعاصرين وبنى عليها.

وفي المسائل الفقهية التي جاءت أمثلة تطبيقية لم تعتمد الدراسة مذهبا فقهيا واحدا بل قارنت المسائل التطبيقية على المذاهب الثمانية: الحنفي، والمالكي، والشافعي، والحنبلي، والظاهري، والزيدي، والإباضي، والإمامي، ولم تهمل الدراسة مذاهب الصحابة والتابعين وفقهاء ما قبل المذاهب، كما استعانت واستفادت من دراسات المحدثين والمعاصرين.

ولم يمنع الباحث في استخدام هذه المذاهب والمناهج أن يكون له تعقيب أو توضيح أو ترجيح لبعض المسائل أو المذاهب، فلم يعتمد مذهبا معينا ينصره على طول البحث، ولكن كان يتبع الحق بدليله، فكان يرجح الفقه الحنفي أو المالكي، وأحيانا الشافعي أو الحنبلي، وأحيانا أخرى الظاهري أو أحد مذاهب الشيعة، وربما ترك كل ذلك ليرجح رأيا لأحد الصحابة والتابعين، أو أحد الدارسين والعلماء المعاصرين، يسير في ذلك وراء الدليل متى كان قوي الحجة ساطع البرهان.

خطة البحث

وقد اقتضت طبيعة هذا الموضوع أن يأتي في مقدمة وسبعة فصول وخاتمة.

فاحتوت المقدمة على أسباب اختيار الموضوع، ودراسات السابقين، وصعوبات البحث، ومنهجه، وخطته.

والفصل الأول: ماهية الجبر، جاء في ثلاثة مباحث: الأول: تعريف نظرية الجبر، والثاني: الألفاظ ذات الصلة، والثالث: الجبر وعلاقته بالزجر.

والفصل الثاني: مشروعية الجبر، وقد جاء في ثلاثة مباحث أيضا: الأول: مصادر مشروعية الجبر، والثاني: الحكم التكليفي للجبر والحكمة من مشروعيته، والثالث: قواعد وضوابط للجبر.

والفصل الثالث: أركان الجبر، وقد جاء في ثلاثة مباحث كذلك: الأول: الجابر، والثاني: المجبور، والثالث: المجبور به.

والفصل الرابع: شروط الجبر الذي جاء الحديث فيه عن: شروط عامة شملت شروط لزوم وشروط صحة، وشروط خاصة.

والفصل الخامس: أقسام الجبر، وقد جاء في خمسة مباحث: الأول: جبر حقوق الله وجبر حقوق العباد، والثاني: الجبر العيني والجبر النقدي، والثالث: الجبر المقدر والجبر غير المقدر، والرابع: الجبر المادي والجبر المعنوي، والخامس: الجبر المخفف والجبر المغلظ.

والفصل السادس: أسباب الجبر، وقد جاء في اثني عشر مبحثا: الأول: الخطأ، والثاني: النسيان، والثالث: الإكراه، والرابع: الإتلاف، والخامس: الجهل، والسادس: الأنوثة، والسابع: العمد، والثامن: التعدي، والتاسع: التقصير، والعاشر: المرض، والحادي عشر: السفر، وأما الثاني عشر فقد جاء بعنوان: أسباب أخرى، وشمل ثمانية أسباب، هي: الغصب، والامتناع أو الترك، والأكل والشرب، والظهار، والإحصار، والفوات، والجماع، والطلاق.

والفصل السابع: نطاق الجبر، وقد جاء في خمسة مباحث بعدد أبواب الفقه الإسلامي: الأول: العبادات، والثاني: المعاملات، والثالث: الحدود والجرائم والعقوبات، والرابع: أحكام الأسرة، والخامس: السياسة الشرعية.

ثم تلا ذلك الخاتمة وأهم نتائج الدراسة.