الطالب الفائق والتلميذ الخائب!

أ.د. حلمي محمد القاعود
[email protected]

حقيقة يعلمها كل من تعلم في المدرسة المصرية وهي أن الطالب الفائق الذي يجلس في الصف الأمامي عادة يتعرض من زميله الخائب الذي يجلس في الصفوف الخلفية غالبا؛ إلى مضايقات ورزالات عديدة، تصل في بعض الأحيان إلى الاعتداء البدني، الذي تحركه الغيرة والحسد والحقد.

هذا هو ما يجري تقريبا بين الرئيس التركي رجب الطيب أردوغان والانقلاب العسكري الدموي الفاشي في مصر. وحين ترى مساحة الاهتمام الكبيرة بما يجري في تركيا على صفحة الإعلام المصري ومحركاته الفاشية تتصور أن مصر لم تعد بها مشكلات وأنها تعيش مرحلة مثالية غير مسبوقة في القوة والسيادة والاقتصاد والعملة والديمقراطية والحرية والكرامة والتعليم والصناعة والزراعة والتكافل الاجتماعي والطرق والمواصلات والمرور، والتنظيم العمراني الخالي من العشوائيات وعمارات الموت، والنظافة والعلاج والدواء ولبن الأطفال والتموينات والخبز....  

ما كادت تركيا تأخذ خطواتها نحو التعديلات الدستورية حتى انطلقت نعال البيادة تردح للرئيس التركي والحكومة التركية وتلصق بهما كل التهم التي تراها تحط من قدرهما وتنزلهما دركا سحيقا من الأخلاق والسلوك، مثلما تفعل تجاه أمير قطر من سب وقذف يطال عرض والدته وأهله؛ مع أن الأمير وهو يملك أجهزة إعلامية أقوى لا يرد بالمثل، ولا يتناول عِرْض مسئول انقلابي أو غير انقلابي!

لم يهتم أحد من الرداحين نعال البيادة بطبيعة الاستفتاء التركي وأبعاد التعديلات الدستورية ومدى حاجة الأتراك إليها، ولكن أهل الردح الذين يحملون كراهية علنية للإسلام والمنتمين إليه يتخذون موقفاً مسبقاً ضد تركيا وما يجري فيها، ويرون أن الاستفتاء التركي تأسيس للديكتاتورية، مع أنه يقلص صلاحيات الرئيس أيا كان هذا الرئيس، ويعطي البرلمان حق اتهام الرئيس وتقديمه للمحاكمة، ويمنح الشباب التركي قبل العواجيز فرصة المشاركة وتجديد الدماء السياسية، كما يلغي المحاكم العسكرية بالنسبة للمدنيين...

أهل الردح يتهمون أردوغان بأنه الديكتاتور الذي يأمر الأتراك ويحثهم علي الاقتراع لتغيير الدستور العلماني وتكريس حكم الزعيم الأوحد المالك لصناعة القرار بينما الشعب التركي يستسلم لحكم الإخوان الذين يمثلهم حزب العدالة والتنمية. كما يرون أردوغان قد انقلب على الجمهورية الأتاتوركية بالاستفتاء، ليس بدبابات أو طائرات، وذلك لإقامة الجمهورية التركية الثانية ذات النظام الرئاسي والأيديولوجيا الإسلامية المستندة إلى الحلم العثماني، ثم إنهم يذهبون بعيدا فيرون أردوغان قد تمكن بصعوبة شديدة من فرض تعديلاته الدستورية التي قام بتزويرها في ظل البطش الذى انتهجه منذ الانقلاب الصوري(؟) ولم يحصل إلا على ٥١% فقط، بفارق ضئيل جدا عن المعارضين للتعديلات الذين صوتوا بـ٤٩%.. ويعيبون على ترامب تهنئته المفاجئة لأردوغان بنجاح الاستفتاء حيث لم يتوقف أمام مطالبة الاتحاد الأوروبي بإجراء تحقيق دولي في النتيجة، مع أن موقف الاتحاد الأوروبي الرافض لما حدث يتفق تماما مع ما تتميز به هذه الدول من تحضر (!!)

من الصعب أن تقنع رداحا مأجورا بالعقل والحكمة، لأنه مبرمج لإهانة الخصم وتجريحه بالحق أو بالباطل، لدرجة أنه يريد أن يمنع رئيس أقوى دولة  من تهنئة أردوغان بالموافقة على التعديلات وكأنه عسكري مراسلة عند سيادة القائد! وهذا بلاء عرفته مصر مع تأسيس الحكم العسكري منذ ستين عاما بمعرفة البكباشي النرجسي الحقود الذي أدخل مصر في دائرة الخراب والهزائم وإهدار الكرامة المصرية على الصعيدين الشخصي والعالمي، وجعل شذاذ الآفاق ينالون من المصريين والعرب، ويحققون مالم يحلموا به من قوة وتوسع وهيمنة، وتركوا لنا الفقر والهوان والبؤس الذي لم تعرفه مصر منذ الشدة المستنصرية، واكتفي هو بحنجرة أحمد سعيد وصراحة مسيلمة الكذاب!

إن المثل الشعبي المصري المشهور: من كان بيته من زجاج لا يقذف الناس بالطوب! هذا المثل يتجاهله الرداحون المأجورون. فاتهام أردوغان بالدكتاتورية وتزوير الانتخابات وصناعة انقلاب صوري، هي تهم مردودة على أصحابها. أردوغان قائد ناجح حقق لبلاده ما لم يحققه الفاشلون الخُيّاب الذين جعلوا مصر معرّة الأمم، وهو يعيش في نظام ديمقراطي يتيح لكل الأصوات أن تعبر عن نفسها، ولو كان ديكتاتورا لصنع انتخابات التسعات الثلاث الشهيرة، واستعان بالكومبارس ليكملوا الديكور الانتخابي، وأرغم الناس على الإدلاء بأصواتهم، وخوّفهم بالغرامات، وصرخ الرداحون إياهم يناشدون الجمهور أن يعمر لجان الاقتراع الخاوية، ولتحدث المراقبون والمنظمات الدولية عن التزوير. لقد سنّت الانقلابات العسكرية التركية مع كل جرائمها سنّة حميدة هي عدم تزوير الانتخابات في ظلال البيادة على مدى ما يقرب من قرن، ثم إن الديكتاتور المزعوم سمح لمراسل أكبر جريدة انقلابية في مصر أن يرسل تقاريره اليومية من أنقرة ليهاجمه وينقل ما يقوله أعداؤه، وصحف المعارضة التركية، دون أن ينقل خبرا إيجابيا واحدا عن إنجازاته التاريخية، ولم يعتقله أردوغان كما اعتقلت القاهرة الانقلابية مراسلي القنوات والصحف الأجنبية، وسمح للمظاهرات المعارضة للاستفتاء بالخروج والتعبير عن آرائها ولم يعتقل أحدا ويحكم عليه بالسجن المشدد لسنوات طوال!

الانقلاب الصوري أكذوبة وكأن الرداحين يقولون: إن الانقلاب الحقيقي الناجح عندنا أيها الأتراك وليس عندكم، وهو أمر مضحك ومبك بكل تأكيد! فالعالم كله شهد الدبابات الخائنة الغادرة تتحرك في شوارع اسطنبول وتدوس المواطنين الأحرار الذين تصدوا لها، ودافعوا بدمائهم عن الحرية والكرامة ولم يغنوا " تسلم الأيادي"!

من المؤكد أن الرداحين المأجورين لا تعنيهم حرية الشعب التركي لأنهم لا يأبهون بحرية الشعب المصري، ولا تعنيهم قضية الديمقراطية من قريب أو بعيد، ولا يهمهم أمر أربعة وعشرين ألف انقلابي يحاكمهم القضاء التركي على جرائمهم ضد الحرية والديمقراطية؛ لأنهم تناسوا أمر ستين ألف مصري شريف أو يزيد؛ يحبون الحرية والديمقراطية ويضحون من أجلها ويحاكمون استثنائيا وعسكريا بغير جرم اقترفوه. الذي يعني الرداحين المأجورين هو قضية الإسلام، الذي ينتصر في تركيا على العلمانية التي تحكم دستورها وقوانينها، وجعلت الأذان ذات يوم بالتركية، والعمامة مخالفة قانونية وفقا لنظام القيافة!

الطالب الفائق أردوغان حوّل تركيا من شبه دولة إلى دولة كبرى تنافس ضمن العشرة الكبار في العالم سياسيا واقتصاديا وسياحيا وإنتاجيا وتصديريا، وبالتالي فهو يستحق العقاب من الطالب إياه الذي يجلس في الصفوف الخلفية، وهي ضريبة لابد من دفعها على كل حال.

الله مولانا. اللهم فرج كرب المظلومين. اللهم عليك بالظالمين وأعوانهم! 

وسوم: العدد 720