بَرَاعَةٌ لُغَوِيَّةٌ فَائِقَةٌ

من آثار ظاهرة النص القصيرِ البراعةُ اللغوية الفائقة، أي أن يجدَه متلقُّوه قد بلغ من تحديد العناصر اللغوية وترتيبها وتهذيبها، ما لا زيادة عليه لمستزيد، حتى إنهم ربما حاولوا ذلك، فعجزوا، واعترفوا بالإتقان لصاحب النص القصير، الذي اضطُرَّ إلى مَضايقه، ثم خرج منها سالمًا ظَافِرًا!

هذا نص قصير يعبر عن اشتباه الكائنات بالمحبوب المفتقد، بثمان وثلاثين كلمة، في ثلاث عشرة جملة، على ثلاثة أبيات:

أَجَلْ أَنْتِ لَا بَلْ أَنْتِ لَا فَمَنِ الَّتِي تَخَاطَفُ ظَنِّي كُلَّمَا كِدتُّ وَلَّتِ

تَمَثَّلْتَها يَا سِرُّ مِثْلِي فَمَا أَرَى سِوَاهَا فَهَلَّا الْتَعْتَ لِي مِثْلَ لَوْعَتِي

فَمَاذَا تَرَى أَلَّا أَرَى غَيْرَ مَا تَرى تَلِفْتُ وَلَكِنْ لَمْ يَزَلْ بِي تَلَفُّتِي

أما أبيات هذا النص القصير الثلاثة، فطويليّة الأوزان الوافية المقبوضة الأعاريض والأضرب، تائيّة القوافي المكسورة المجردة الموصولة بالياء:

والطويل وزن كثير الاستعمال من قديم إلى حديث، لا يفتأ يُخْطِرُ لمستعمله أمثلته التي لا تحصى، أما التائية المكسورة المجردة الموصولة بالياء فقافية أكثر حديثًا منها قديمًا، قد اختارهما صاحبُ هذا النص القصير، ليزيد بهما دلالته على اشْتِبَاهِ الكائنات بالمحبوب المفتقد، من غير تَشَابُهٍ!

وأما جمل هذا النص القصير الثلاث عشرة -ومتوسط كلمات الواحدة منها "2.92"- فقد تَنَمَّطَتْ كلٌّ منها بمنزلة أركانها من التعريف والتنكير، على النحو الآتي:

فظهرَت الاسميةُ على ثلاث جمل منها (1، 3، 5)، والفعليةُ على سبع جمل (6-12)، وحارت ثلاثُ جمل بين الاسمية والفعلية (2، 4، 13)، وتكررت مرتين من الثلاث عشرة هذه الأنماطُ الثلاثة ("ضمير مخاطبة ومحذوف"، و"حرف جواب ومحذوفان"، و"ماض وضمير مخاطب")، دون سائر الأنماط.

لا ريب في أن من البراعة اللغوية الفائقة في هذا النص القصير، أن يُدير صاحبُه الحِوار المتداخل الذي أداره، ويتحرى من الملامح الأسلوبية الشديدة الملاءمة، زيادةَ الجملة الفعلية التي تلائم الحركة، ثم كون الجملتين الحائرتين بين الاسمية والفعلية بما أصاب أركانهما من الحذف من كلام طرف متوهم بالحوار لا وجود له في الحقيقة! ومن وادي هذا الملمح نفسه أن كان نمطانِ اثنانِ من الأنماط الثلاثة المكررة، نمطَيْ جُملٍ مرسَلة إلى هذا الطرف المتوهَّم نفسِه؛ فإن محاورةَ الأوهام مقيّدةٌ مهما انطلقت، محدودةٌ مهما انفتحت!

وسوم: العدد 869