الشيخ العلامة المجاهد محمد علي مشعل

(1342/1924 -1437/2016)

clip_image001_e7732.jpg

- الرابطة الدينية في حمص :

        برز النشاط الإسلامي في مدينة حمص في وقت مبكر لأسباب عدة؛ منها، أنها مدينة الشيخ مصطفى السباعي الذي باشر العمل الدعوي منذ حداثته ونعومة أظفاره، ومنها وجود ثلة من العلماء العاملين الذين لهم تأثير ملموس في تشكيل رأي عام يناصر الدعوة الإسلامية وإذكاء النشاط الذي يظاهر الإسلام، ويناصره، ومنها التحدي الذي واجهته الدعوة بوجود تيار شيوعي كبير استقطب شرائح عدة، من ضمنها أبناء المذهب الأرثوذوكي: وهم الذين يشكلون معظم المسيحيين في حمص، وهؤلاء مرتبطون بالكنيسة التي كان مركزها موسكو، ويجدون رعاية من الكنيسة الأم في الدولة الروسية.

          ظهرت جمعية الرابطة الدينية لشباب محمد -صلى الله عليه وسلم- في عام 1934 بتأسيس ورئاسة الشيخ أبو السعود عبد السلام الذي كانت تربطه علاقات وثيقة وتعاون جاد مع جمعية العلماء والجمعيات الإسلامية الأخرى، وكان يتحدث باسمها، ويشير إليها في الوسائل التي يرفعها للمسؤولين في الحكومة ناصحًا ومنكرًا لبعض المفاسد ومحتجًا على بعض تصرفات المسؤولين، ففي السابع من شباط عام 1939 وجه خطابًا إلى رئيس الجمهورية، وإلى رئيس الوزراء ، وإلى المندوب السامي الفرنسي باسم جمعية العلماء وجمعية الشبان المسلمين يحتج بها على نظام الطوائف، وإقحام النفوذ الأجنبي في الأمور الدينية، وعلى اعتماد كتب لتدريس التاريخ في المدارس الفرنسية تحوي على انتقادات لشخصية الرسول -صلى الله عليه وسلم-. وقد أخبر محافظ حمص وزير الداخلية في 27- 2- 1939 عن الرسالة التي بعث بها الشيخ أبو السعود وبما تضمنته من احتجاج .

         وهذا ما جعل المؤلف يوهانس يؤكد أن أبا السعود كان لديه ارتباط، في ذات الوقت، مع شباب محمد والشبان المسلمين وجمعية العلماء، وكانت جمعية التمدن الإسلامي بدمشق قد تقدمت باحتجاج عام 1936 إلى رئيس الوزراء ذكرت فيه أن كتاب التاريخ أورد في الصفحة 18 أن العرب كانوا يتبعون دينًا كاذبًا دعا إليه محمد -صلى الله عليه وسلم- .

          تابع المؤسسون للرابطة الدينية والجمعيات نشاطهم بالتصدي للمفاسد وللمسؤولين الذين يروجون لها، ففي الثاني من شهر أيلول عام 1948 رعى المحافظ حفلة راقصة تعرض فيها بكلمة إلى الرجعية والتقدم، وإلى الجمود والتحرر، وإلى الصعود والهبوط، ونال فيها من النشاط الإسلامي، فكانت الإجابة خطابًا مفتوحًا إلى المحافظ جاء فيه: نعم. إنني أعرف الحياة مثلك أيها السيد، وأدرك أيضًا ضرورة التقدم والتحرر والارتقاء، إلا أنني أعرف أيضًا أن التطور لا يعني تحلل الأخلاق، وأن تحرير الذات لا يعني تبذير الأموال العامة، وأن الصعود لا يعني الصعود إلى الشيطان.. إلخ الكتاب .

         كانت الرابطة الدينية في حمص ذات نشاط ملحوظ، غطت به ساحات في الثقافة والتعليم والسياسة، فقد انشأت مكتبة عامرة هي المكتبة الإسلامية العامة التي أسسها شباب محمد -صلى الله عليه وسلم- عام 1941، وافتتحت مدرسة نهارية تقوم بالتدريس حتى المرحلة المتوسطة، وتستقبل فيها الراغبين من العمال في التحصيل .

           إن أخطر ما عانته الجمعية في حمص هو الاعتداء المتكرر من الشيوعيين على أعضاء الجمعية، بلغ حد الاعتداء المسلح وقتل الأخ مصطفى الحراكي الذي سماه إخوانه الذين عرفوا صدقه وصلاحه : شهيد الإخوان المسلمين ، لم تتوقف الصدامات في حمص بين الشيوعيين وبين أبناء الحركة الإسلامي ، بل استمرت زهاء ثلاث سنوات (1944- 1947) فقد جاء في جريدة المنار في 30 أيلول عام 1947 عن فتنة أثارها الشيوعيون إثر محاضرة ألقاها الشيخ السباعي في نادي الثقافة للإخوان في حمص، فخرجت حمص في مظاهرة شعبية أضربت فيها المدينة بأجمعها في 1/9/ 1947.

         استمرت الحركة الإسلامية في حمص بسيرها المعتاد تحت تسميات الرابطة والإخوان وشباب محمد -صلى الله عليه وسلم- حتى عودة الشيخ السباعي من القاهرة إلى مدينة حمص عام 1941 ، فنهض بها نهضة كبيرة ظهر أثرها في جميع الميادين الثقافية والفكرية والاجتماعية والسياسية، لتثبت الحركة وجودها، وتؤكد حضورها بعد أن أعطاها الشيخ من روحه وفؤاده مددًا قويًا، لأن الشيخ رحمه الله من الإخوان القلائل الذين لديهم المقدرة على عرض الفكرة الأساسية، أي صلاحية الإسلام في جميع مرافق الحياة، بالطريقة المناسبة لأي وضع ، وضمن الإطار التاريخي المناسب .

            ربما كان مصطفى السباعي أقدر الخطباء والمتحدثين والقادة على تعبئة الأمة وتحريك الجماهير وإثارة العواطف النبيلة بين أفراد الشعب أيًا كان انتماؤهم، ففي كلمة ألقاها في حلب في شباط 1948 قال فيها: قد يظن البعض أن الثورة تتم بالسلاح، فليطمئن رجال الأمن وحكوماتهم كل الاطمئنان، فسنقوم بثورة لنشر الرسالة وتعميم الإخلاص والأمانة، وسنقوم بثورة حتى لا يبقى في الأمة بائس أو جائع أو متكبر أو ظالم أو جاهل أو ضعيف أو مريض أو ملحد أو فاجر، وسنقوم بثورة لنشرة الحق والعدالة إلى أن تمتلئ كل البطون، ويعالج كل مريض، حتى يصبح مجتمعنا أفضل المجتمعات في هذه الدنيا، وإلى أن تعود أمتنا إلى ما وصفها به الله رب العالمين ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران : 110].

            أعود إلى التحرك الإسلامي في حمص وصعوده بعد عودة الشيخ إليه في أعقاب دراسته بالأزهر الشريف، لقد اضطلع المركز بمسؤولياته في بناء حركة الإخوان المسلمين، وشارك بقوة وبفاعلية كبيرة في المؤتمرات التي سبقت ظهور الإخوان، وأدت إلى ميلادها كحركة واحدة في سوريا تمتد إلى لبنان والأردن، ويكون لها أثر ملموس في الأقطار المجاورة الأخرى كالعراق وفلسطين . وقد برزت شخصيات إسلامية قامت بجهد مشكور، وأدت واجبها في قيادة جمعية الرابطة الإسلامية في محافظة حمص، وفي جمعية أو جماعة الإخوان فيما بعد، كان من أبرزهم وعلى رأسهم الشيخ السباعي الذي اختاره إخوانه من جميع مراكز المحافظات الأخرى مراقبًا عامًا للجماعة فيما بعد، وشقيق الشيخ مصطفى الأستاذ نصوح السباعي، وعبد المعطي شمسي باشا، وجاسم الديك، ومصطفى خوجه، ومحمود الطرشة، وقبلهم، وفي مقدمتهم أبو السعود عبد السلام الذي يعتبر أول المؤسسين، وفي طليعة العاملين للدعوة الإسلامية في مدينة حمص، مدينة خالد بن الوليد، ...

           ومن منا لا يعرف جهود الشيخ طاهر الريس ودروسه للرجال والنساء وكم كان يتنقل بدروسه من حي إلى حي لتعم الفائدة ؟

           ومن منا لا يذكر الشيخ عبد العزيز عيون السود وخدمته للقرآن الكريم تلاوة وتجويداً ؟

              ومن يستطيع أن ينسى الشيخ محمود جنيد وأخاه محمد جنيد وتواضعهما ومحبة الناس لهما ؟  ومن ينسى فتاوى الشيخ محمود ودعاءه الخاشع في الدروس والحفلات .

رحم الله الجميع، وأجزل مثوبتهم، وتقبلهم برحمته في عباده الصالحين.

المولد والنشأة :

          ولد الشيخ محمد علي مشعل في محافظة في قرية (تلدو) قرب الحولة حيث قبر الصحابي الجليل العرباض بن سارية - رضي الله عنه - في ريف حمص في الجمهورية العربية السورية عام  1924م. ونشأ في أسرة متدينة ، ترجع في أصولها إلى قبيلة بني خالد التي كانت تسكن في الأحساء في المنطقة الشرقية في السعودية.

         وجدُّ تلك الأسرة الذي هاجر منها كان يعمل في الزراعة، وعنده أغنام وجمال، ولكنه اضطر للهجرة نتيجة لبعض الخصومات بين أقاربه وآخرين، فهجر تلك البلاد، واستقر في (تادف ) قرب مدينة الباب في ريف حلب الشرقي .

         وبعد انتقاله إلى تادف، واستقراره فيها صار له أولاد، وأرزاق، وأموال، وأحفاد، ومما يذكر أن له ثلاثة أبناء، وهم: بكار ، وعلي، وصالح ، وأصبح لكل واحد منهم عائلة وأبناء.

          وتابعت الأسرة التنقل داخل سورية طلباً للرزق، حيث انتقل علي الملقب بـــــ     (عليان) مع أسرته إلى قرية في شرق حماة، واستقر فيها، وبقي أخواه في تادف .

           ثم انتقل ولد من أولاد صالح، واسمه ( مصطفى ) إلى قرية تلدو، وهي واحدة من أربع قرى في منطقة الحولة في حمص، وكان لمصطفى ولدان: مشعل، وعبد الله، وقد هاجر أبناء عبد الله إلى قرية في حماة، وكان من أحفاده القارئ الحافظ الشيخ سعيد العبد الله شيخ قراء حماة .

          وأما الابن الآخر لمصطفى، وهو ( مشعل ) فقد استقر في ( تلدو )، وكثر أبناؤه وأحفاده، ومنهم : (حاج محمد مشعل)، والد الشيخ محمد علي مشعل: الذي ورّث الشيخ محمد علي مشعل النشاط الدعوي، وفتح له باب الخير، ومهد له الطريق إلى علماء حمص والدراسة في مدارس العلم الشرعي .

         ولد (الحاج محمد مشعل) في تلدو عام 1855م، ودرس في حمص على علمائها، وتتلمذ على الشيخ سليم خلف ( 1817 – 1910م ) شيخ الطريقة النقشبندية، وكان الحاج محمد من أبرز خلفاء  الشيخ سليم في حمص، وحماة، وحلب كما ذكر الشيخ أسامة نقلاً عن أبيه الشيخ محمد علي مشعل، ومن الأعمال الجليلة للحاج محمد أنه رمم مسجداً مهجوراً ، وأزال منه التبن، وطرد منه القرود، ونظّفه، وأقام فيه الصلاة، وعلم الناس العقيدة والعبادة ، والأخلاق، وانتشرت بسببه في القرية روح جديدة .ثم انتشرت الدعوة إلى القرى المجاورة ، وهكذا وفقه الله بسبب إخلاصه وجهوده ومتابعته إلى بث الروح الجديدة في المنطقة كلّها، وكثر طلابه، وأصبحوا أئمة في (تلدو) وغيرها .

           ثم نهض أخوه الشيخ حسين وهو أصغر منه وقد تعلم على علماء حمص وافتتحا كتاباً لتحفيظ القرآن، فانتشر العلم والوعي الإسلامي في القرية، ثم افتتح الشيخ حسين مشعل كتاباً آخر مع ابن أخيه الشيخ محمد علي مشعل حيث صار هذا الكتاب أوسع يدرس فيه الطالب العقيدة وعلوم القرآن والنحو ومبادئ الحساب والخط ..

          وكذلك كانت  والدته (سارة)، وجدته ( شعاع ) كل منهما مثال متميز للمرأة الداعية. من النساء الصالحات الذاكرات، وقد بايعت الشيخ أبا النصر سليم خلف رحمه الله، وقد حافظت على أخذ أوراد الطريقة النقشبندية .

         كان الشيخ محمد علي مشعل وحيداً لوالديه بعد أن توفي أخوه، واسمه (عبد الباري)، ويكبره بأربع سنوات، ومع أنه كان وحيداً لكنه لم ينشأ نشأة الدلال والترف، بل نشأ على حياة الجد والتعلم مع العطف والحب من والده ووالدته وأقربائه .

           كما بدت عليه علامات المشيخة منذ صغره، فكان يُدعى بالشيخ؛ لأنه كان يبتعد عن كلّ قول أو فعل مخل بالأدب والأخلاق، بل كان ينكر على الأطفال تصرفاتهم السلبية التي لا تليق بالمسلم، ولو كان صغيراً .

           لقد تربى على الصدق والأدب والأمانة والكلام الحسن، وحضر دروس والده الذي كان يمنع الغيبة والنميمة ويمنع شرب السجائر في الزاوية .

دراسته ومراحل تعليمه :

            نشأ الشيخ (محمد علي مشعل) في طفولته على حب العلم والعلماء حيث رأى دروس الوالد والوالدة في بيته، فكان على صغر سنه يحضر مجالس العلم، والذكر، وعندما صار الشيخ في سنّ التلقي درسَ في الكتاب مبادئ العلم والقراءة والحساب .

          ثم تتلمذ على عمه الشيخ (حسين مشعل)، فدرس عليه الفقه والنحو والفرائض والتفسير وعلوم القرآن، وحفظ بعض المتون، ثم التحق بالمدرسة الابتدائية، ونال شهادتها (السرتفيكا )، ثم التحق بمدرسة دار العلوم الشرعية بحمص سنة 1935م، ودار العلوم كانت موئلاً لطلاب العلم الشرعي، وأكثر العلماء تخرجوا منها، وعندما جاء الشيخ محمد علي مشعل ليسجل في دار العلوم، رأت إدارة المعهد أنه يستحق التسجيل في الصف الثاني مباشرة ؛ لأن مستواه العلمي يؤهله له، وكان من طلاب المعهد: الشيخ وصفي المسدي ، والشيخ عبد العزيز عيون السود، والشيخ جميل مدور ، وكان مدير المدرسة الشيخ زاهد الأتاسي، ومن الأساتذة فيها :

-الشيخ أحمد صافي ( تفسير) .

-والشيخ أنيس الكلاليب ( أستاذ الفقه والنحو والبلاغة ).

- والشيخ محمد علي عيون السود ( أستاذ الأخلاق).

- والشيخ أبو السعود عبد السلام أستاذ التوحيد.

- والشيخ طاهر الريس أستاذ الفقه.

- والشيخ عبد القادر الخجة أستاذ الفقه الحنفي.

            وقد تخرج الشيخ محمد علي مشعل من مدرسة دار العلوم الشرعية بحمص، عام 1940م. وكان متفوقاً في جميع المواد، وكانت مدة دراسته فيها خمس سنوات .

        وقد لبس العمامة على يد الدكتور مصطفى السباعي في حفل تتويج العمائم في الجامع الكبير بحمص.

         ومن ثم حصل على شهادة الكفاءة ( دراسة حرة ) عام 1948م، وعلى أثر حصوله على التاسع عُين معلماً في مدرسة في قرية كفرلاها في الحولة، وهي قريبة من تلدو، ثم عُين مديراً للمدرسة فيها، ثم انتقل إلى قريته تلدو معلماً، ثم مديراً للمدرسة الابتدائية .

          ثم تابع دراسته الخاصة، وتقدم إلى امتحان الشهادة الثانوية عام 1952م، وحصل عليها لتبدأ مرحلة جديدة في حياته .حيث انتظم في كلية الشريعة بدمشق عند تأسيسها على يد العلامة مصطفى السباعي رحمه الله، وتخرج منها عام 1960م.

            وبعد تخرّجه من كلية الشريعة في دمشق، انتسب الشيخ محمد علي مشعل إلى كليّة التربية، ونال الدبلوم العامّة في التربية عام 1961 م .

زواجه وأحواله الاجتماعية وأسرته :

         تزوج الشيخ محمد علي مشعل قبل أن يحصل على الكفاءة عام 1940م، وكان عمره ست عشرة سنة، وبقي معها ست سنوات، ثم توفيت إثر مرض ألمّ بها، ولم ينجب منها أطفالاً، ثم تزوج مرة ثانية بزوجته التي عاشت معه، ورزق منها بالأبناء، وتحملت معه أعباء الحياة، وعانت كثيراً مما عاناه، وصبرت، فكانت نعم الزوجة إلى أن توفيت في 6 ذي الحجة عام 1429ه / الموافق 4 كانون 2008م .

       وقد رزق منها بعدة أولاد: أربعة ذكور :

-د. أسامة محمد مشعل .

-ومصعب مشعل .

-وأبو النصر محمد مشعل .

- ود. عبد الباري محمد مشعل .

         وله خمسة بنات ، وكلهم صالحون أتقياء، وقد زوج بناته لرجال بالصفات نفسها من الصلاح والتقوى، ويذكر ابنه أسامة أن أسلوب الوالد في تربية أبنائه يقوم على الوعظ والترغيب وأحياناً بالتلميح وأحياناً بالمدح والثناء المباشر، وقلما يستعمل القسوة عندما لا يجدي غيرها، وأما معاملته لأصهاره فليس لهم عند الشيخ إلا التقدير والاحترام والمحبة والإكرام .

          بقي أن نعلم أن زواجه لم يشغله عن دعوته وعن تقدمه في العلم والتعليم، فأقام الحلقات العلمية منتظمة وبكثافة حتى عام 1948م، ثم قلّ عدد طلابها لانشغال الشيخ بالوظيفة والإدارة وكان ينتقل بين تلدو وكفرلاها، ثم توقفت تلك الحلقات في سنة 1973م بسبب اعتقال الشيخ في أحداث الدستور .

         وفي هذه الفترة أخذ كثيراً من المهمات عن والده فكان إماماً وخطيباً ومدرساً في المسجد وشيخ طريقة ومرجعاً للفتوى مع والده حيث صار عنده علم أكثر من والده وعمه .

أعماله والوظائف التي تقلدها :

          بدأ نشاطه الدعوي بشكل مبكر وكان والده يلاحظ ذلك ويشجعه ويمكنه من إلقاء بعض الدروس، وقد ساهم عمه الشيخ حسين مشعل في إنضاج وعيه وقدرته على الكلام والدروس والخطابة .

          وكان عمه يصطحبه معه إلى القرية التي عين فيها إماماً وخطيباً، وكان عمره ست سنوات، وكان الشيخ يراه أمامه يتكلم والناس يسألونه، وهو يجيب على أسئلتهم، وكان الشيخ محمد علي مشعل حاضراً  معه بكل جوارحه ووجدانه .

         ولقد سافر معه إلى قرية تادف التي نزحوا منها، ولهم فيها أقرباء وأبناء عمومة، وكان عمره 11 سنة ، فألقى خطبة الجمعة عام 1935م، فأدهش الناس، وأكرمه أهل المسجد كل الإكرام ، وفي زاوية والده ألقى دروساً يحضرها الكبار والصغار، وكان عمره 16 سنة ، وكان يلقي الدروس وخطب الجمعة بدلاً عن والده أثناء سفره، أو مرضه، فكان يقوم بالمهمة بلا تردد، ولا تكلف، ولا ضعف، فأقبل الناس على دروسه بسبب أسلوبه الشيق البارع .

         وبسبب هذا النضج المبكر تفوق الشيخ في دراسته في دار العلوم الشرعية حيث قبل في الصف الثاني مباشرة .

      وكان محباً منذ صغره للعلوم الشرعية واللغة العربية، والمطالعة ، والتعمق في الفقه .

       وكان والده يغرس فيه روح الدعوة، والأمر بالمعروف،  والنهي عن المنكر، فكان يقوم :

-بالنهي عن المنكرات التي تقع في الأعراس والاختلاط بين الرجال والنساء.

-استعمال آلات اللهو المحرمة في الأعراس... وغيرها .

-أخذ مهور البنات من قبل الآباء .

-الاستعانة بالقبور والاعتقاد بنفعهم وضررهم .

-تصديق الخرافات والأساطير في كثير من الأمور الحياتية اليومية .

          فكان مع أبيه ينبّه عليها، بل ويذهب إلى أماكن الأعراس، وأهل البدع، فيبين لهم الخطأ، ويعلمهم الصحيح، ويوضح لهم طريق الالتزام وطريق الجنة، واستمرّ الشيخ بعد أبيه على هذه الطريقة، وهي مهمة الأنبياء والمصلحين من قبل . وقد آتى عمله نفعه، فامتنع كثير من الناس عن فعل المنكرات التي كانت منتشرة في القرى عن جهل أو لا مبالاة .

         وبعد أن حصل على الثانوية أنشأ ثانوية علي بن أبي طالب رضي الله عنه عام 1953م، وساعده على الترخيص لها فضيلة د. مصطفى السباعي، والوزير نهاد قاسم والريئس هاشم الأتاسي، وتعلم فيها أبناء المنطقة على اختلاف فئاتهم المذهبية، وساعده بعض التجار في تجهيزها بالألواح والمقاعد والسبورات والطباشير والأثاث. فحققت المدرسة نسباً عالية في النجاح 80 بالمئة بسبب جهد الإدارة والتدريس فيها .

         ولم ينس الشيخ مهمته، وهي حلقات العلم والذكر ومهمات أخرى في الفتوى وفض الخصومات وإصلاح ذات البين وحضور الأفراح ومجالس التعزية وفي إنكار المنكر وبخاصة بعد أن توفي عمه الشيخ حسين مشعل في عام 1953م، وكان والده قد بلغ المئة عام .

         وكان يشرح للعلويين مبادئ الإسلام، ويعلم أبناءهم حتى رجع الكثير منهم عن مذهبه .

          وبقيت المدرسة منارة حتى ضاق بها المسؤولون والحزبيون وأصحاب الغايات، ولذلك قرروا الاستيلاء عليها في عام 1964م بعد ثورة آذار واستيلاء حزب البعث على البلاد .

         وعينوا مديراً مكان الشيخ، وعزلوا الأساتذة القدماء، وعينوا مكانهم معلمين جدد، فثار الطلاب، ورجموا المدرسة بالحجارة، وكسروا الزجاج، وأمتنع المعلمون من الدوام حتى عادت الأمور إلى نصابها، وعاد الشيخ إلى عرينه .

        ولكن عندما كثرت المدارس، وقلّ التمويل اضطر نجله الشيخ أسامة مشعل إلى إغلاقها عام 1978م .

      وعمل مدرساً عاماً في الجامع الكبير بحمص منذ عام 1975م. يومي الاثنين والخميس.

درسه من أشهر الدروس في الجمهورية، والحضور قرابة أربعة آلاف شخص غالباً.

جمعية العلماء في حمص :

      وكان الشيخ محمد علي مشعل منذ نشأته مع العلماء تلميذاً، ثم أصبح معهم معلماً ومربياً، وبين الناس مفتياً وفي الحفلات معهم خطيباً، وعنهم وافداً ومتكلماً، وفي المجالس العلمية مناقشاً ومقرراً، وفي المجالس النيابية عنهم نائباً، وبين العلماء إذا اختلفوا مصلحاً، وفي المساجد مدرساً، فهو منذ أن انتسب إلى دار العلوم الشرعية في حمص لم ينقطع عن العلماء وعن اجتماع الناس حولهم، وعن مواعظ العلماء ومرافقتهم .

         وعندما تأسست جمعية العلماء في حمص عام 1365ه/ 1946م انتسب الشيخ محمد علي مشعل إليها مبكراً، وصار أصغر الأعضاء في جمعية العلماء في حمص سناً، ومنذ نهاية الأربعينات صار كوكباً في الحركة والعمل والاندفاع لتحقيق غايات الجمعية.

          كانت جمعية العلماء تضم نخبة من العلماء العاملين الراغبين بنشر الإسلام والوعي والدعوة إلى الله في كل مكان .

         وكان للجمعية سيارة تنقل أحد العلماء مع بعض المصلين إلى القرى المجاورة فيلقي الخطبة، ويجتمع حوله الناس، ويستفتونه، وكان الشيخ محمد علي مشعل أحد هؤلاء  .

        وكان للجمعية نشاط في المناسبات مثل مولد الرسول صلى الله عليه وسلم ، أو الهجرة، أو غزوة من الغزوات، وكان الشيخ محمد علي مشعل في مقدمة الحضور مع أعضاء الجمعية، وكانت طريقته في إلقاء الكلمات محببة إلى الكبار والصغار .

        ومنذ انتساب الشيخ محمد علي مشعل إلى جمعية العلماء اهتم الشيخ كثيراً بدعم أعمال جمعية إصلاح ذات البين، والمساهمة في أنشطتها، وترأس لجان الإصلاح التي تعقدها للنظر في المشاكل الاجتماعية المرفوعة إلى الجمعية.

            وبالقدر نفسه من الاهتمام دعم الشيخ أعمال جمعية البر والخدمات الاجتماعية بحمص التي تعد من التجارب الفريدة في العالم الإسلامي.

التجربة السياسية : 

clip_image003_d62a3.jpg

       تأسست جماعة الإخوان المسلمين في سورية عام 1945م على يد الشيخ مصطفى السباعي ، فانتسب الشيخ محمد علي مشعل إلى الإخوان المسلمين في أواخر الأربعينات، مما يدل على وعيه السياسي المبكر، فهو يريد انتصار الإسلام، ولا انتصار له إلا بالتعاون والتحزب الواعي السليم المنظم ، وبعد اطلاعه على منهج الإخوان أعجبه نشاطهم وفكرهم، وبعد استشارة بعض المقربين – ومنهم الشيخ محمد الحامد في حماة – الذين نصحوه بالانضمام إليهم، وبهذا ضم العمل السياسي إلى نشاطه العلمي الشرعي، وكان العلماء يعرفون ذلك، ويوكلون إليه كثيراً من الأمور، فكان الشيخ هو الصلة بين العلماء والإخوان .

           دخل الشيخ محمد علي مشعل التنظيم، وشارك في هيئاته، واختير للقيادة فيما بعد ولمجلس الشورى، ثم رئيساً لمجلس الشورى، ورئيساً لمحكمة التنظيم، وكان مع إخوانه في حمص يهتم بشؤون الشباب من الإخوان في تنظيمهم والتزامهم وتوعيتهم وتوجيههم .

         وكان نشاطه الإخواني لا يتعارض مع نشاطه مع العلماء ولا مع تدريسه وإدارته لثانويته في تلدو ولا مع اختلاطه بالناس والتودد إليهم وحضور مناسباتهم وحفلاتهم، ولا مع دروسه المنظمة في الفقه والحديث والتوحيد وسيرة النبي - عليه الصلاة والسلام - .

         وعندما سافر إلى السعودية تابع نشاطه الإخواني، وساعد الشباب في أمورهم الدعوية والمعاشية، وكان على صلة بإخوانه في كل مكان انتشروا فيه في البلاد العربية والأروبية.

         ثم وجد بعد ذلك أن الشباب يقومون بالمهمات التنظيمية والإخوانية خير قيام، فتفرغ للدروس والعلم والبحث والتأليف، ولم ينقطع عن إبداء الرأي لإخوانه في كثير من الأمور الاجتماعية والدعوية والسياسية .

         وأثناء الوحدة بين مصر وسورية في عام 1958م طلب لحمص ممثلون في الاتحاد القومي، فانضم الشيخ محمد علي مشعل تحت رأي العلماء ، ومشورتهم ، وتوجيههم إلى الاتحاد القومي بغرض خدمة الإسلام.

          وكان اختيارهم موفقاً نظراً لثقة الناس به، ولقدراته المتنوعة الدعوية والشرعية والاجتماعية ولإمكانيته في الخطابة والمناقشة الهادئة الهادفة والإقناع .

         وشارك الشيخ محمد علي مشعل في وفد العلماء برئاسة الشيخ السيد مكي الكتاني من كافة محافظات سورية إلى مصر في بداية الوحدة مع مصر، بغرض صياغة الدستور الإسلامي للجمهورية العربية المتحدة الذي لم يتم.

الشيخ محمد علي مشعل نائباً في البرلمان :

         وفي عام 1961م بعد الانفصال عن مصر، ترشح الشيخ محمد علي مشعل لانتخابات المجلس النيابي السوري باسم العلماء وتوجيههم، وكان معه في القائمة الأستاذ محمد طيب بن الشيخ عبد القادر الخجة رحمه الله ، وفيضي الأتاسي وهاني السباعي وغيرهم.

          وكان هدفه من دخول البرلمان سن تشريع يستمد أصوله من تعاليم القرآن والدين الإسلامي الحنيف، ويحفظ للمواطنين جميعاً حقوقهم وكرامتهم الإنسانية، وإلغاء التشريع الذي يخالف هذا المبدأ . والعمل على النهوض بالريف من جميع النواحي .

          وقد حصل الشيخ على أعلى الأصوات، وفاق مرشح حزب الدولة بــــــ / 6 / آلاف صوتاً مع الدعاية الكبيرة لذلك المرشح، وقد أصبح الشيخ مشعل نائباً عن حمص في المجلس النيابي مع ثلاثة عشر عالماً آخرين يمثلون محافظات أخرى.. شكلوا جميعاً الكتلة التعاونية الإسلامية بقيادة الأستاذ عصام العطار حفظه الله، وتضم في عضويتها : زهير شاويش، وعبد الرؤوف أبو طوق، وعمر عودة الخطيب، وعبد الفتاح أبو غدة، وأحمد مظهر العظمة، وسعيد العبار، ومصطفى الزرقا، ومعروف الدواليبي، ومحمد طيب الخجة، والشيخ حسين خطاب، ومحمد نبيل الخطيب، ....

              وكان للكتلة دور كبير في المجلس في كثير من الأمور التي تهم البلد وتهم المسلمين وتهم الناس عامة مثل قانون الإصلاح الزراعي، ووضع التماثيل لأبطال سورية في الساحات العامة والأماكن البارزة وزيادة رواتب النواب، وكان للشيخ محمد علي مشعل،   وقد كان مواقف مشهودة في عدة قضاياً عامة طرحت على المجلس النيابي. . منها :

-في إحدى الجلسات عندما أعلن رئيس المجلس مأمون الكزبري عدة قرارات منها :

زيادة الرواتب للنواب ، طلب الشيخ محمد علي مشعل الكلام فلم يأذن له رئيس المجلس بل استمرّ في ذكر القرارات حتى وصل إنشاء التماثيل لأبطال سورية تخليداً لهم، عندها سمح له بالكلام فقال الشيخ : التخليد يكون بما ينفع الشعب، ومما ينفع الشعب تسمية المنشآت العلمية والصحية والعسكرية بأسماء الأبطال، مثل المدارس والمستشفيات والمعسكرات ومراكز التدريب ثم عاد للتعليق على زيادة الرواتب ، ومما قاله : إن الشعب اختاركم لتهتموا بمصالحه أولاً، حتى تزيدوا الرواتب القليلة ؟ وهل حسنتم معيشة الناس حتى تزيدوا رواتبكم، فوقف أحد نواب الدروز، ورد عليه بشدة وسخرية، ومما قاله : إن الشيخ مشعل إمام مسجد ومن الدراويش، ولا يدرك أن راتب النائب قليل، وهنا كثر الصخب في المجلس ، وانسحب أعضاء الكتلة الإسلامية تأييداً للشيخ، ثم حلّ المجلس النيابي بانقلاب آذار عام 1963م .

      -وكان كلما ظهر أمر في الدولة له علاقة بالإسلام والمسلمين يندبه العلماء ليمثلهم ، ويطلب مطالب عامة للمسلمين أو مطالب خاصة لأهل حمص :

1-سافر الشيخ بصحبة بعض العلماء إلى طرابلس عام 1963م إثر صدور حكم الإعدام على الأستاذ عصام العطار، وقابلوا رئيس الوزراء اللبناني رشيد كرامي ليتوسط مع رئيس الوزراء السوري، ويلغي حكم الإعدام الصادر عن القضاء ، ورشيد كرامي كان يقدر العلماء وذوي الهيئات، وطمعوا في هذه الصفة فيه – رحمه الله – لكن الأمور السياسية لها مجالات وحسابات أخرى .

2-شارك مع وفد من العلماء منهم الشيخ وصفي المسدي، والشيخ عبد الفتاح المسدي، والشيخ عبد الغفار الدروبي لمقابلة نور الدين الأتاسي رئيس الدولة من أجل قرار : عدم إدخال مادة التربية الإسلامية في امتحانات الشهادة المتوسطة والثانوية وحذف درجتها من المعدل .

3-شارك مع وفد مؤلف من الشيخ عبد العزيز عيون السود والشيخ وصفي المسدي وحين قابلوا حافظ أسد عام 1966 عندما كان وزيراً للدفاع من أجل قرار التعليم المختلط .

4-ترأس الشيخ عدداً من وفود العلماء لمناقشة قضايا إسلامية عامة مع القيادة السياسية لسوريا آنذاك. .ومن ذلك مشاركته ضمن وفد حمص مع وفود علماء سورية إلى مصر للمشاركة في مؤتمر يضم علماء الجمهورية العربية المتحدة بناء على دعوة الرئيس جمال عبد الناصر. وقد تشكلت هذه الوفود من جميع المحافظات برئاسة الشيخ السيد مكي الكتاني وكان الغرض المعلن هو اعتماد أسس الإسلام كنظام للجمهورية العربية المتحدة ، وكان ذلك في بداية الوحدة بين سورية ومصر .

         وهذه المشاركات مع الوفود قليل من كثير من المشاركات والمقابلات التي كان يكلف بها ويقوم بها خير قيام ولا يتأخر، ولا يتلكأ، وكانت بعض المقابلات تُجدي، ويحصل على إثرها النفع، لأنه يعتبر ذلك من واجبه الملقى عليه وعلى أمثاله من العلماء .

         وسافر الشيخ محمد علي مشعل أكثر من مرة إلى الخليج بصحبة بعض العلماء لجمع التبرعات لبعض المساجد، ومنها جامع عمر بن الخطاب في حمص ، والتقى بالملك فيصل لهذا الغرض. ويذكر أن الشيخ محمد علي مشعل كان أول خطيب لهذا الجامع بعد افتتاحه ولمدة من الزمن إلى أن تعاقب عليه خطباء آخرون .

          وكان يزور العلماء في بيوتهم، وفي أماكن عملهم من أمثال: وصفي المسدي، والشيخ عبد الغفار الدروبي في جامع جورة الشياح الذي كان مركزاً للعلم والدعوة  .

           وإذا حدثت جفوة بين العلماء، فكان يندب لها الشيخ محمد علي مشعل، فيوفق بينهم، ويصلح ذات البين، وقد أوتي لباقة عظيمة، فيزول الخلاف، وتعود اللحمة، وكانت لديه قدرة عجيبة على تقريب القلوب ووجهات النظر .

السجن والاعتقال :

         حفظ لنا التاريخ قديماً وحديثاً نماذج فريدة من العلماء المجاهدين الذين ساروا على درب الجهاد والحق من أمثال : العز بن عبد السلام ، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وكان الشيخ محمد علي مشعل من هذا النوع الذي آتاه الله الحكمة، فكان يحاور، ويبين للناس، وللحكام الأحكام بأسلوب متأن وبصبر وثبات، ويذكّر من غير تصريح، ثم يذكر بصراحة بلا لبس ولا غمغمة .

          وكان الحاكم يعرف ذلك عنه، ويتوقع منه المعارضة، ويعرف أنه لسان المعارضين، وأن الناس يسمعون منه، فكان يرسل عيونه ويرصد حركته واجتماعاته ويسجل أقواله، وكان الشيخ يعرف ذلك وأنه مقصود في المراقبة، ويتوقع في كل وقت أن يمنع أو يُعتقل، فهو على حذر دائم، لكن جرأته فوق حذره .

              ففي عام 1964م إثر حوادث حماة التي قادها الشهيد مروان حديد – رحمه الله – وإثر الاعتصام في جامع السلطان، امتدت الاحتجاجات والاعتصامات إلى دمشق، وحلب، وحمص، وقام الشيخ يوضح للناس في الخطب بشكل صريح وتوقع الاعتقال، بل صدر في حقه الاعتقال، فتوارى عن الأنظار بناء على نصيحة إخوانه من العلماء ومن المحبين، وظل متوارياً أكثر من شهر حتى انتهت الملاحقة، وانتهت الأزمة بجهود بعض المخلصين .

             وفي سنة 1967م وإثر خطبة ناقش فيها مقالاً نشر في المجلة العسكرية التي تنطق باسم الجيش بشكل رسمي للمساعد أول ( إبراهيم خلاص ) يقول فيه المساعد:       ( تضع الله في متاحف التاريخ ) فلم يحتمل الشيخ مع إخوانه علماء سورية هذا الكفر الصريح، وهذا الجحود في بلد مسلم، فوقف خطيباً محذراً موضحاً حقيقة هذا القول، وهذا  الكفر .

           ولم يحتمل الحاكم هذا البيان، وهذه الخطبة – مع أن الشيخ هاجم الفكرة، ولم يهاجم الحكومة ولا الدولة – فأصدر أمراً باعتقاله وسجنه، فاعتقل من بيته ليلاً بتاريخ 2 / 5 / 1967م بأسلوب لا يليق بعالم، وبقي في السجن مدة لم تطل؛ لأن حرب حزيران عام 1967م وقعت، وكانت الهزيمة، وصدر عفو عام عن المساجين السياسيين، فخرج الشيخ من السجن، ومعه ثلة من العلماء في بعض المحافظات بتاريخ 5 /6 / 1967م .

           وسجن الشيخ في الفترة من 1973-1975م ضمن أحداث عامة عرفت بأحداث الدستور مرت بها الجمهورية العربية السورية في تلك الفترة، حيث لم يذكر في الدستور : ( أن دين الدولة الإسلام، وأن الفقه الإسلامي هو مصدر التشريع )، وطلب من الناس الاستفتاء عليه، قام كثير من العلماء، وبينوا رأيهم في هذا الموضوع ، وقالوا :

         إن الدولة مسلمة، والناس فيها مسلمون، والدستور ينبغي أن ينص: على أن دين الدولة هو الإسلام، وأن التشريع يجب أن يستمد من الفقه الإسلامي ) .

           وتحرك علماء حمص، واتفقوا على أنه لا بدّ من توضيح، وكلفوا الشيخ محمد علي مشعل أن يتكلم باسمهم في حفلة يوم الاثنين، في جامع جورة الشياح. وكان الناس ينتظرون قول العلماء في المسألة، ويعرفون أن الشيخ مشعل سوف يتكلم في هذا الموضوع، والدولة تعرف أنه سيتكلم، فالأمر خطير،  اعتقل لمدة سنتين ، وبعد أن استقر الشيخ في السجن حوله إلى مدرسة ومسجد؛ فالدروس صباحاً ومساء في الفقه والعقيدة والمعاملة والأخلاق       ولقد تغير حال المساجين جميعاً، وكان فيهم الناصريون والبعثيون وممن لا علاقة له بالدين، ولا يحبون الدروس الدينية ولا المواعظ ولا الكلام في هذه المسائل، وكانوا يستمعون وهم بعيدون، ثم أخذوا يقتربون رويداً رويداً حتى قال بعضهم : الحمد لله الذي جمعنا في السجن مع الشيخ الجليل ؛ لأننا لم نفهم ديننا من قبل .

           اجتمع الجميع على دروسه في السجن ما عدا المسؤول عن البعثيين فلما بدأ الشيخ يتحدث عن اللغة العربية أسرع ذلك البعثي بالانضمام إلى المجموعة لأنه في السنة الرابعة في كلية اللغة العربية ولم يتخرج منها بعد فاستفاد من الشيخ كثيراً والتزم بالحضور في دروسه .

      ولم يتضايق الشيخ ، ولم يمل حتى أتمّ السنتين : من 4 / 1973م إلى 4 / 1975م .

        وبعد تمام السنتين اجتمع معه كبار المسؤولين في السجن، واعتذروا عن سجنه، وقالوا نوصلك إلى حمص، فطلب منهم الوصول إلى (تلدو ) فاستجابوا له، ثم خرج معززاً مكرماً بعد أن اعتذر له المسؤولون في الأمن القومي آنذاك.

وبقي عدة أشهر يستقبل وفود المهنئين من المحافظات السورية ومن لبنان وكان يشرح لهم الدروس والعبر التي استفادها من السجن ويشجع الناس على الصبر والثبات .

 وعين رسمياً مدرساً عاماً في الجامع الكبير بحمص.

     وكانت له وجهة نظر متميّزة في أحداث سوريّة، والموقف من النظام البعثي.

        وفي أعقاب انقلاب (حزب البعث)، وتسلطه على الدولة والمجتمع في سوريّة، دعا إلى تحرير الشعب السوري من نظام الفرد، والعودة إلى الحياة البرلمانيّة الصحيحة، والتوقف عن انتهاك حقوق الإنسان.

واستمر الشيخ محمد علي مشعل في دروسه في حمص والقرية وفي جمعية العلماء ولكن الأمور في البلد تفاقمت بعد حادثة مدرسة المدفعية، وكان درس الشيخ ملتقى للحديث حول الأحداث من قبل الشباب ، مما جعل بعض المقربين من الشيخ وبعض العلماء ينصحونه بتوقيف الدرس حفاظاً على الشباب وعلى سلامة الأوضاع، وتعاقد مع المعهد العلمي التابع لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في المدينة المنورة ، وغادر البلد عام 1979م، وبقي فيها حتى وفاته عام 2016م .

حياته الدعوية في المدينة، والحجاز:

           في عام 1979 خرج الشيخ إلى المدينة المنورة، فعمل أستاذاً في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في المعهد العالي للدعوة ( ماجستير ودكتوراه)، والمعهد العلمي، وقد استمرّ في الجامعة ثلاثة عشر عاماً منذ ذلك التاريخ. وقد قام الشيخ بمهمته على أكمل وجه بالرغم من أنه لم يكن ممن يحمل شهادة الدكتوراه ..مثله مثل الشيخ عبد الفتاح أبو غدة والشيخ مصطفى الزرقا ...وقد أشرف الشيخ محمد علي مشعل على بعض البحوث ورسائل الماجستير ، والدكتوراه واشترك في مناقشة بعضها .

        وبعد أن استقر الشيخ في السعودية استمر في حب الخير للناس وحب نفعهم ومساعدتهم وحضهم على التمسك بدينهم واعتزازهم به .

وكم جاءه من محتاج فأعطاه حاجته، وكم جاءه من ملهوف خائف من الترحيل أو طالب للإقامة فساعده قدر استطاعته فكان يدخل على المسؤولين بهيئته ومكانت،ه وقد يفشل، ويشعر بالأسى، ومع ذلك يبتسم، ويقول لصاحب الحاجة: حاول مرة أخرى، ويأمره بالصبر والدعاء.

وشارك الشيخ محمد علي مشعل في وفد العلماء الذي شكله في المدينة المنورة وجدة لأغراض تسهيل أمور السوريين المهاجرين إليهما بسبب الأحداث في سورية عام 1980م وما بعدها.

             تولى الشيخ خلال تلك الفترة تدريس العديد من المواد الدعوية والعلمية لطلبة الدراسات العليا في المعهد العالي للدعوة، منها: مناهج الدعوة وأساليبها، فقه الدعوة، علوم القرآن، السيرة النبوية، نصوص من الكتاب والسنة، الدعوة في الكتاب والسنة.

             كلف الشيخ من قبل إدارة المعهد العلمي بالمدينة المنورة بالكلمة التوجيهية للطلاب لمدة لا تزيد عن ربع ساعة يومياً بين الأذان والإقامة لصلاة الظهر، طيلة مدة بقائه في المعهد، وقد أطلق الشيخ على هذه الكلمات التوجيهية: سلسلة توجيه الطلاب إلى الصواب.

          لم يلبث طلبة العلم في المدينة المنورة من الوافدين والمقيمين فيها أن تعرفوا على وجود الشيخ في المدينة المنورة، فقصدوه لطلب العلم، فأقام حلقات علمية شتى في الفقه، والأصول، والحديث، والأخلاق، والنحو، وقد حضر هذه الحلقات ثلة من العلماء البارزين في بلدانهم.

           لاحظ الشيخ أهمية تأسيس الشباب من الناحية العلمية قبل تفرقهم في بلدان شتى للدراسة في علوم شتى، فعكف على إعداد مختصرات في النحو، والسيرة، والعقيدة، والفرائض، والتاريخ وتدريسها في حلقات علمية موجهة للشباب والكبار في كل من المدينة وجدة ومكة، وقد منَّ الله على الشيخ بتخريج عدد كبير من الطلاب الذين درسوا على يديه تلك المختصرات.

          خلال الفترة الأولى من إقامة الشيخ في المدينة المنورة كان يقيم دروساً في المسجد النبوي الشريف في موسم الحج، كما شارك في عدد الحلقات والندوات العلمية والتوجيهية في الإذاعة والتلفزيون السعودي وبخاصة في شهر رمضان.

             كما قام في تلك الفترة برحلات دعوية سنوية متكررة خلال شهر رمضان إلى دولة قطر والكويت والإمارات بدعوة من وزارات الأوقاف والشؤون الإسلامية فيها..)[2] .

وانطفأ المصباح :

         مرض الشيخ محمد علي مشعل، ونُقل إلى قسم العناية المركزة بمستشفى الملك خالد الجامعي بمدينة الرياض عاصمة المملكة العربية السعودية،  وهناك حيث اصطفاه الله بقبض روحه الطاهرة، ووافته المنيّة مساء الأربعاء 15 من شوال 1437هـ / الموافق 20 تموز 2016م، وغادر الدنيا بعد عمر مديد / 90 / عاماً حيث قضاها في مسيرة حافلة بالبذل والعطاء، والتضحية والفداء .

وإنا لله وإنا إليه راجعون ... يرحم الله الإمام العلّامة، ويجمعنا به في الفردوس الأعلى .

أصداء الرحيل :

نعي فضيلة الشيخ العلامة والداعية محمد علي مشعل رحمه الله

         وكان لوفاة الشيخ محمد علي مشعل أصداء إعلامية ودوي كبير في المؤسسات العلمية، والدينية، حيث نعته جماعة الإخوان المسلمين في سورية، وجاء في بيانها : ( بسم الله الرحمن الرحيم :

بمزيد من الأسى والحزن تنعى جماعة الإخوان المسلمين في سورية الشيخ الجليل والداعية الكبير محمد علي مشعل - رحمه الله- والذي وافته المنيّة مساء أمس الأربعاء 15 من شوال 1437هـ الموافق 20 تموز 2016م.الشيخ الراحل من مواليد ١٩٢٤، وهو أحد أعلام مدينة حمص، تخرّج في مدارسها الشرعية، وتتلمذ على يد شيخها الجليل، الدكتور مصطفى السباعي رحمه الله المراقب العام الأول للجماعة، وفيها أنشأ ثانوية شرعية لتعليم أبناء المدينة وتثقيفهم بأمر دينهم، وفيها صار أستاذاً عامّاً بمسجدها الكبير والذي يؤمّه الآلاف مرّتين في الأسبوع.

       ومنها انتقل إلى دمشق ليتخرّج من كلية الشريعة عام 1960.

      ومارس الشيخ السياسة؛ فمثّل أبناء مدينته في مجلس الشعب، وكان له موقفه المشهور والمشهود في أحداث الدستور عام 1973، حين عارض تلاعب نظام الأسد الأب بهويّة السوريين ودينهم. وتناقل الناس خطبه النارية آنذاك بصورة محمومة في أنحاء المحافظات السورية.

       انتقل نهاية سبعينيات من القرن المنصرم إلى المملكة العربية السعودية، وفيها لم يتوقّف نشاطه العلمي والدعوي، حيث عمل أستاذاً في المعهد العالي للدعوة، في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية كما عمل في المعهد العلمي في المدينة المنورة، ومدرّساً في حرمها النبوي.

رحم الله الشيخ الجليل، وأجزل له المثوبة والأجر كفاء ما قدّم وبذل وضحى، والله نسأل أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يثيب أهله، ويرزقهم وإيّانا الصبر والسلوان.. والحمد لله رب العالمين.

المكتب الإعلامي

جماعة الإخوان المسلمين في سورية

١٦ شوال ١٤٣٧

٢١ تموز ٢٠١٦م

الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين ينعي الشيخ محمد علي مشعل:

         ( انتقل إلى رحمته تعالى العالم الرباني الداعية الفقيه الشافعي الشيخ محمد علي مشعل عن عمر يناهز 90 عاماً وذلك يوم الأربعاء في العاصمة السعودية الرياض بعد معاناة مع المرض.

ولد الشيخ في محافظة حمص، مدينة الحولة عام 1924م.

وحسب صفحة “الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين” على “فيسبوك”، فقد تخرج الشيخ محمد علي مشعل من مدرسة دار العلوم الشرعية بحمص، عام 1940م. لبس العمامة على يد الدكتور مصطفى السباعي رحمه الله في حفل تتويج العمائم في الجامع الكبير بحمص.

         بدأ حياته العلمية والدعوية منذ كان عمره إحدى عشرة سنة، حيث خطب الجمعة في الجامع الكبير في بلدته تلدو، كما مارس دروس الوعظ والإرشاد، في هذه السن المبكرة. تفرغ للعلم الشرعي تفرغاً تاماً في الفترة من 1940-1950م معلماً ومتعلماً للعلم الشرعي.

منذ عام 1940م أقام دروساً شرعية عامة وخاصة وحلقات علمية متخصصة، ولم ينقطع عن تقديم العلم حتى وافته المنية..) .

العالم الرباني الداعية الفقيه الشافعي الشيخ محمد علي مشعل - حفظه الله :

وكتب فضيلة الشيخ: محمد فاروق بطل – حفظه الله – يقول :

        (سبحان المعطي الوهاب الذي أعطى الشيخ أبا أسامة مشعل – أمدّ الله في عمره وكتب له الصحة والعافية - أعطاه الله علماً وخلقاً، وسمتاً حسنا، ووجهاً منيراً، ومظهراً أنيقاً، وحركةً دائبةً، ونشاطاً كبيراً، ورغبةً جامحةً في نشر العلم، والتزاماً قوياً بالعمل للإسلام، والدعوة إلى الله سبحانه، لا يمل ولا يفتر، لم يغيّر ولم يبدل، منذ أن كان يافع السن، وحتى بلغ الشيخوخة الوقورة، رغم المحنة القاسية التي ألمّت به، ورغم الغربة الطويلة التي قضاها بعيدا عن بلده حمص، وقريته (تل دو) ومدرسته التي كان يملكها (ثانوية علي بن أبي طالب).. ما نكاد نجده إلا صابراً محتسباً، شاكراً بسّاماً ودوداً.

         لقد كان بحق علماً من أعلام الدعوة إلى الله في حمص، وفي سورية في الوطن والمهجر. أول مرة لقيت فيها الشيخ كانت في دمشق وفي مدخل كلية الشريعة، كان يقف أمام لوحة الإعلانات ينقل بعض الدرجات، أو بعض التعميمات، كان مميزاً بعمته البيضاء، ولحيته الشقراء، ووجهه البسّام، وشبابه النضير، وجبّته الأنيقة. لم يسبق لي به لقاء، ولكنني سرعان ما عرفتُه لشهرته، ولكونه عضواً في المجلس النيابي السوري عام 1961م ممثلا لمدينة حمص، وقبلها كان ممثلاً لهم في برلمان الاتحاد القومي أيام الوحدة، بل ممثلاً للعلماء الذي أجمعوا على تأييده ودعمه وترشيحه.

          هو أكبر مني سناً وقدراً وعلماً، حيث ولد – حفظه الله تعالى - عام 1924م، بينما الفقير إليه تعالى ولد عام 1936م، وكان عالما فقيهاً قبل أن ينتسب إلى كلية الشريعة التي تخرج منها في الفوج الثالث عام 1960م، بينما تخرجتُ من الكلية نفسها في الفوج الثاني عام 1959م، وسبب تأخره في الدراسة الجامعية هو تأخر افتتاح الكلية من جهة، وانشغاله بالعمل الدعويّ والتعليميّ والمعيشيّ من جهة أخرى، فقد سبق له – حفظه الله تعالى – أن عمل في سلك التعليم الرسميّ معلماً، ثم مديراً للمدرسة الابتدائية في (تلدو) ثم مديراً ومالكاً لثانوية علي بن أبي طالب الأهلية.

          الشيخ محمد علي مشعل جمع بين مدرستين: مدرسة العلم والتصوف ومدرسة الدعوة، كما جمعهما من قبل الإمام الشهيد حسن البنا، والدكتور مصطفى السباعي، والشيخ محمد الحامد، والشيخ عبد الفتاح أبو غدة، وكثير من علماء الدعوة رحمهم الله تعالى. ولذلك كنتَ ترى في الشيخ أبي أسامة الشخصية العلمية الوقورة، والشخصية الدعوية، ولا تشعر البتة بأيِّ انفصال أو ازدواجية، فهو واحد من كبار العلماء إلى جانب كونِه واحداً من كبار رجال الدعوة التزاماً وانضباطاً.

          ويشاء الله أن يجمع بيننا في أكثر من عمل حتى في سورية، وعلى قلّة لقاءاتنا فيها، ولا أذكر أنني التقيته في سورية أكثر من ثلاث مرات، مرّة في حرم كلية الشريعة، ومرة في حرم الجامع الكبير في حمص، قد أمّ درسه المئات، ومرة في وفاة الشيخ المقرئ عبد العزيز عيون السود رحمه الله تعالى.

          تتجسّد في الشيخ محمد علي مشعل الصورة الجميلة التي تقول: إنه كالغيث أنيما حلَّ نفع، وكان ذلك في حمص من خلال عمله في رابطة العلماء، وجمعية إصلاح ذات البين، ودروسه العامة في الجامع الكبير التي كانت تستقطب الشباب وتوجههم الوجهة المثلى، وتعطيهم القدوة من سير الأنبياء عليهم السلام، وسيرة سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم، ولقد كان بعض علماء حمص، وحرصاً منهم على استفادة الشباب، كانوا يوقفون دروسهم لمكِّنوا طلابهم من حضور درس الشيخ.

          لكن ما شهدتُه بنفسي في هذا الشأن كان أمراً عجباً، إذ أقام الشيخ في جدة يعمل مستشار فقهياً لمؤسسة البركة (صالح كامل)، ومستشاراً شرعياً كذلك للدكتور محمد عبده يماني –رحمه الله- وزير الإعلام السابق في المملكة العربية السعودية، إضافة إلى ذلك كان له درس بعد صلاة الظهر في هذه المؤسسة، وبعد صلاة العشاء درس في الفقه الشافعي، أو في اللغة العربية، أو في مواد أخرى. هكذا يومياً في جدة وفي مكة وفي الطائف، وفي المدينة المنورة، حين يسافر إليها.. بارك الله في همّته، فقد كان مدرسة متنقلة، وجامعة مفتوحة.

        كان حفظه الله يقيم أربعة أيام في جدة، ينتقل منها عصراً إلى مكة المكرمة والطائف ليعطي دروسه هنا وهناك، ثم يسافر براً إلى المدينة المنورة يؤدي عمله الوظيفي ودروسه العلمية، وصباح السبت يعود إلى جدة ليتابع جهوده السالفة الذكر، هكذا أسبوع بعد أسبوع، نشاط دائم، حركة متصلة، وعطاء مستمر، ولا يمكن أن تراه إلا والبسمة يفتر به ثغره، والكلمات الجميلة ينطق بها لسانه.

          وأشهد أن الشيخ كان حليماً صابراً لطيفاً ودوداً مع كل من أساء إليه وأو انتقده، أو عرّض به، لم يسبق أن سمعت منه كلمة سيئة في حق الذين أساءوا إليه أو أخطأوا في حقه, كما أشهد أن الشيخ الجليل أبا أسامة كان شعلة نشاط، وأحد العلماء الذين كانوا يتحرّكون في مصالح المسلمين على مستوى سورية، كان له حضور، حيث كان له قبول من كل العلماء في بلدنا على مختلف شرائحهم ومدارسهم.

          وقد أكرمني الله بصحبته في السفر وفي الحضر، ونمت قريباً منه ليالي كثيرة فلم أر أنشط منه في العبادة والتنفل ودوام الذِّكر، كان لسانه دائماً رطباً بذكر الله، وقد كنّا نتأخر في السهر أحياناً في أعمال دعوية، فكنتَ تراه حفظه الله تعالى يوقظ الجميع لصلاة التهجد، ثم صلاة الفجر، ثم أداء الأذكار، ثم درسه في الوعظ والتوجيه، كان هو المنبه دائماً للطاعات، وبأسلوب رقيق لطيف ودود، يلمس إخوانه النائمين بيد حانية وكلمات رقيقة، وبسمة حلوة، لا أزكيه على الله لكنني أشهد بما رأيت.

          أسأل الله سبحانه أن يمتعه بالصحة والعافية، وأن يمدّ في عمره، وأن يبارك في عمله.

شهادة بعض الأعلام، في الشيخ محمد علي مشعل :

أولاً: شهادة الداعية المفضال الشيخ: عصام العطار -حفظه الله تعالى- :

       ( أخي الحبيب الجليل الأستاذ: محمد فاروق بطل السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد؛ فقد سعدتُ برسالتك الكريمة، وبما حملته من أخبار "رابطة العلماء السوريين" رعاها الله عز وجل، وزادها نماءً وعطاءً، وجزاكم الله أحسن الجزاء على النهوض بهذا الواجب الكبير، والعمل الطيب المثمر إن شاء الله، وأسعدني أيضا أن يصدر عدد من أعداد مجلتكم: "بشائر الإسلام" بترجمة الأخ الحبيب محمد علي مشعل؛ فهذا العالم الجليل، والمعلّم الجليل، والمربي الجليل، والداعية الصادق الغيور.. جدير بكل تكريم، وبأن تكون حياته وسيرته قدوة صالحةً نافعةً لأجيالنا الجديدة ولسائر العاملين، وأسعدني أيضاً ان تتيحوا لي في مجلتكم فرصة مشاركتكم ولو بسطور معدودة في تكريم هذا الأخ الكريم الذي أحببته وأعجبتُ به منذ عرفته، وما زادتني الأيام والسنون إلا محبةً وإعجاباً وتقديراً، لقد لفتني في أبي أسامة أولَ ما عرفته كرم خلقه، وسعة صدره، وأدب معاملته، وتواضعه الجمّ، ثم اكتشفت فيه على توالي الأيام، وزيادة المعرفة واللقاءات.. عالماً لا يشبع من العلم، ولا ينفصلُ العلم عنده عن العمل، قادراً على أن يحوِّل الرغبات والأمنيات إلى مشروعات واقعية عملية قابلة للتنفيذ، وأن يعطيها من قلبه وفكره وجهده ووقته الكثير الكثير حتى تتحوَّل من فكرٍ إلى عمل، ومن أمنيات إلى واقع، وكم كان له في ذلك على الصعيد التعليميّ والاجتماعيّ والخيريّ من أثر محمود.

            كان أبو أسامة يحب الناس، ويحسّ بآلام الناس، وآمال الناس، وحاجات الناس، ويحمل همومهم، ويسعى في خدمتهم كأنه موكَّلٌ بخدمتهم، ويكافح لرفع الظلم عنهم، وإقامة العدل بينهم، ولا يهاب أن يقول كلمة الحق، عندما يتوجَّب أن تقال كلمة الحقّ – ولو غلا الثمن. وعندما زاملته في المجلس النيابيّ سنة 1961م أثار إعجابي بمعرفته بأوضاع البلاد السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وبأصولِ العملِ النيابيّ وأساليبه المختلفة، وبرؤيته البصيرة للأمور، واستقامته على ما يراه من الحقِّ والواجب ومصلحة الأمة والبلاد، وترفُّعِه عن المكاسب الشخصية التي تستهوي وتحرِّك كثيراً من الناس.

           كان أبو أسامة يحب الناس، ويحس بآلام الناس، وآمال الناس، وحاجات الناس، ويحمل همومهم، ويسعى في خدمتهم كأنه موكّلٌ بخدمتهم، ويكافح لرفع الظلم عنهم، وإقامة العدل بينهم، ولا يهاب أن يقول كلمة الحق، عندما يتوجَّب أن تقال كلمةُ الحق - ولو غلا الثمن، وعندما زاملته في المجلس النيابيّ سنة 1961م أثار إعجابي بمعرفته بأوضاعِ البلاد السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وبأصولِ العمل النيابيّ وأساليبه المختلفة، وبرؤيته البصيرة للأمور، واستقامته على ما يراه من الحقِّ والواجب ومصلحة الأمة والبلاد، وترفُّعه عن المكاسبِ الشخصية التي تستهوي وتحرّك كثيراً من الناس...

            ولقد أعطى أبو أسامة: محمد علي مشعل في مختلف مراحِل حياته الكثير الكثير من العطاء الماديّ والمعنويّ، وأودع في نفوسا أجمل الذكريات؛ فتحيةُ القلبِ إلى الأخ الحبيب، والعالم العامل: محمد علي مشعل... مدّ الله في حياته، ومتعه بالصحة والقوة، وزاده فضلاً إلى فضل، وعطاءً إلى عطاء.

والسلام عليكم ورحمة الله

أخوكم عصام العطّار

ثانياً: كلمة وفاء من فضيلة الأستاذ الداعية: علي صدر الدين البيانوني لفضيلة الشيخ محمد علي مشعل (أبو أسامة) :

( مع أنني تربطني بالشيخ أبي أسامة علاقة وثيقة قديمة، منذ أن كان على تواصل مع والدي الشيخ أحمد عز الدين البيانوني، وجدّي الشيخ عيسى البيانوني رحمهما الله تعالى.. إلاّ أنني لم أتعرّف إليه عن قرب، إلاّ قبل حوالي ثلاثين سنة، عندما جمعتنا مؤسّسات العمل الإسلامي والدعويّ خارج سورية.

          ولعلّ أول ما لفت نظري في شيخنا الحبيب أبي أسامة، هو تواضعه الجمّ، ووفاؤه لهذه العلاقة التاريخية مع والدي وجدّي، وشيخهم جميعاً الشيخ أبو النصر خلف (الحمصي). فكان حفظه الله يحدِّثني دائماً عن تلك العلاقة الأخوية التي كانت تربطه بهم، وعن حنينه إليهم، وعن ذكرياته معهم في حلب، وفي تادف، وفي حمص.. وكنت أشعر بأنني أحظى عنده بمكانة خاصة، وبسبب هذه العلاقة الوثيقة التي قامت على أساسٍ متين من الحبّ في الله والأخوة فيه.

           إنَّ من يتعرَّف على الشيخ محمد مشعل حفظه الله، يدرك أنه داعيةٌ إلى الله عز وجل، من طرازٍ فريد، الدعوة همُّه الأول، يتجلّى ذلك في أحاديثه الخاصة والعامة، فلا يكاد يخلو مجلسه من تذكرة أو موعظة أو نصيحة.. كلّ ذلك بأسلوبه الهادئ الرقيق، ولطفه المعهود، وابتسامته التي لا تكاد تفارقه.

           قد تختلف معه في الرأي حول قضية فقهية أو دعوية أو سياسية.. ، وقد تختلف معه في أسلوب معالجة هذه القضية.. إلا أنه يبقى دائماً قريباً إلى القلب، حبيباً إلى النفس، مهما اختلفت معه، أو كانت لك وجهة نظر تختلف عن وجهة نظره.

         عندما تخالط الشيخ أبا أسامة، تشعر أن الرجل لا يعيش لشخصه، إنما يعيش لدعوته، ولشعبه، وأمته. همُّه هو همُّ الدعوة، ومعاناة الناس، وهموم الأمة. هذا هو حاله منذ عرفته، وهذا هو حاله عندما زرته في المدينة المنورة قبل شهور، أسأل الله عز وجل أن يبارك له في عمره، ليبقى أنموذجاً وقدوةً في سيرته ودعوته، وسنداً لإخوانه وشعبه وأمته.

علي صدر الدين البيانوني

24 شعبان 1431هـ / الموافق 5 من آب 2010م.)[4] .

ثناء الشيخ ممدوح جنيد عليه :

 وقال الشيخ ممدوح جنيد في رثائه : ( الأفضل والحل الوحيد أن أطبع بحياته ومآثره كتاباً ضخماً ، وأوزعه عليكم؛ لأن منشوراً من عدة أسطر لا يفي بحقه ، ولا بمقامه ذلكم هو الشيخ محمد علي مشعل رحمه الله ( أبو أسامة )

لكل عالم وداعية بصمته

البيت بيت علم والأسرة عريقة، ولها في منطقة الحولة وتلدو وجاهتها فمنذ طفولته وهو بين العلماء الأعلام تارة مع الشيخ عبد القادر الخجه، وأخرى مع الشيخ أبو النصر خلف والقائمة تطول جداً

لم يكن شيخاً حمصياً بقدر ما هو شيخ سوري بل شيخ أمة

منذ شبابه، وهو بين الشباب داعياً إلى الله ومشعلاً يضيء لهم الطريق

لا يتكلم بهمه الخاص فهمه هم الأمة كلها

الشهادات الشرعية التي نالها لا تعني شيئاً برأيي بالنسبة لما تركه من أثر، ولما قام به من جهود

          ولدت يوم كان عمره عشرون سنة، ونشأت وأنا أسمع بذلكم الصرح الدعوي الشامخ ، والبعيد عنه لا يعرف أين يقيم رحمه الله منذ شبابي، وأنا قريب منه فاليوم جاء صباحاً من قريته إلى حمص، وبعد ساعة غادر إلى دمشق لقضية تهم الأمة اجتمع بالعلماء هناك، وعاد ليلاً إلى حمص نام بقية الليل على وطاء بسيط في غرفة الشيخ طاهر الرئيس المتواضعة الباردة شتاءً والحارة صيفاً ، ثم في الصباح غادر إلى حلب، واجتمع بعلمائها، ثم عاد إلى حمص، وهكذا هذه حياته أسفار وحل وترحال بل ( جهاد ) ومع هذا فهو زوج ووالد لأسرة كثيرة العدد يغدو، ويروح دائماً، وكأنه لا بيت له، وليس عنده أسرة ومرة سمعت شيخي الشيخ عبد الغفار الدروبي - رحمه الله-  يقول له : نحن مشغولون جداً بحوائج الأسرة والأولاد، والأهل فأنت من يقوم بشؤون أسرتك أهلك وأولادك ؟ ، فابتسم الشيخ ، ولم يعلق وكأن الجواب عندي هو المقولة الصحيحة ( من تكفل بالأمر العام تكفل الله له بالأمر الخاص ) .

رحمك الله أبا أسامة، فأنت الإمام، وأنت الخطيب، وأنت أمة وحدك

          اعتقد أنه ما من طالب علم شرعي في حمص إلا وللشيخ عليه فضل بل إن حمص وغير حمص كانت تحتاجه في الليلة الظلماء

          استطاع بحكمته أن تكون علاقته طيبة مع كل العلماء ، مرت أحداث جسام في سورية فكان خطيب تلك الأحداث والباحث عن حلها، والدينمو المحرك فيها هو الشيخ مشعل...

فقيه وفر ضي ومفسر وواعظ وخطيب ومدرس ووو، وكل هذا في كفة وكونه منارة دعوة تحمل (هم الأمة بأسرها ) في كفة أخرى .

كم مرة سجن في سبيل الله، وكم عانى من أجل الدعوة

         ومرة سجن ويومها حصل أمر في حمص يستدعي اجتماع العلماء لحله والشيخ سجين، فاجتمع كل العلماء للبحث فيها، فشعر الجميع أن هناك ثغرة وفراغاً بعدم وجود الشيخ الذي عبر عنه عمي الشيخ محمود رحمه الله بقوله لي يا ابن أخي ( تَيٓتَّمْنا )، ولو كان الشيخ محمد علي مشعل موجوداً بيننا لاختلف الأمر .

          زهد وورع وحرقة على الأمة صلاح وتقوى وأوراد التزم بها حياته كلها -قرآناً وأذكاراً وصلاة - لا يتركها صيفاً ولا شتاء ولا سفراً ولا حضرا

رحمك الله أبا أسامة فدرس الخميس في الجامع الكبير في حمص قل نظيره

خليج وقت العواصف أوى إليه الشباب سنوات كثيرة

فالزمان والمكان عند الشيخ مزرعة

يجب أن يكون له في كل مكان وزمان درس

        وجاء الشيخ مدرساً إلى السعودية فأضاء هذا المشعل في الرياض وفِي مكة وفِي المدينة وفِي جده المكان الذي يوجد فيه الشيخ فمعناه كتاب مفتوح ومجموعة بين يديه تفتح كتبها وتأخذ العلم العلم، واعتقد جازماً أنه إذا كان الشهيد يتمنى العودة إلى الدنيا مرات ومرات فقط ليجاهد، ثم يقتل لما يجده من لذة الشهادة .

فإن أبا أسامة يتمنى ذلك فقط ليفتح دروساً هُنَا، وهناك ليعلم الناس دينهم

          ولكل أجل كتاب وبعد أكثر من تسعين عاماً من حياة هذه القلعة الشامخة انتهت حياته الشيخ كجسد لكن آثار بصمته على الأجيال لم تنته

جسد ووري ثرى بقيع الغرقد في المدينة المنورة

ولكن جليل أعماله مازالت مصابيح تنير للأمة طريقها في حالك الظلمات النازلة بهذه الأمة

رحم الله شيخنا وأعظم أجره عن كل خير قدمه -وما أكثره - وبارك في أنجاله وذرياته وأصهاره وأدام نور الدعوة إلى الله في هذه الأسرة المباركة

اللهم وحقق كل ما كان يتمناه الشيخ في حياته لهذه الأمة ولهذا الدين من عزة وتمكين

ووفقنا جميعاً للاقتداء واقتفاء الآثار الطيبة المباركة ...

ذكريات مع العالم الجليل الشيخ العلامة محمد علي مشعل - رحمه الله تعالى:

وكتب الأستاذ الدكتور  عبدالعزيز السباعي يقول :

         لقد عرفت الشيخ أبا أسامة رحمه الله مرتين :

الأولى : في حمص ، عرفنه العالم الذي يحبه شباب الدعوة ، ويسرون لرؤيته، وعلى الأخص في حفلة الإثنين في مسجد جورة الشياح، لأنهم يعتقدون أنهم سيحصلون ما هم بحاجة إليه من الحماس، والإرشاد والفكر السليم .

       وكمثال على هذا الفكر المتألق : سأله أحد الشباب عندما وصلت أمريكا إلى القمر السؤال التالي : هل يجوز أن نعتقد أنهم وصلوا إلى القمر؟

      فأجاب الشيخ : صحح السؤل ! فإن سألت سؤالا صحيحا أجبنك عليه . وساعده الشيخ في صيغه السؤال، عندما أحس بحاجته إلى المساعدة ،وقال : إن سألت، هل يجوز أن تصل أمريكا إلى القمر قبل المسلمين ؟ لقلت لك لا ، وألف لا ، لإن وصولهم أولا سيكون لصالحهم وليس لصالح المسلمين وغيرهم ، وعلى المسلمين أن يكونوا الرواد في كل علم . وعرفته ثانية : في المملكة بعد غياب عن سوريا ، لمدة تزيد عن ثمان سنوات ، للتخصص و العمل في ليبيا .

عرفته في السفر و الحضر :

         أما في السفر ، فكان لا يترك فرصة للعطاء و الإرشاد ، إلا اغتنمها ، فبعد صلاة الفجر كلمة موجزة مؤثرة ، يكتب ملخصها عدد من الأحبة أصحاب الاختصاص الشرعي ، و في حال الانتهاء من العمل الأهم عند الشيخ ، يتفقد الشباب في ذلك البلد ، الذي تكثر فيه الأماكن الجميلة ، و الأطعمة الفاخرة ، فكلما ذكرنا له مكانا أو طعاما ، وجدنا الجواب : هل بالإمكان زيارة الشباب ؟ و ذلك ليتعرف على حاجاتهم و يرشدهم .

وأما في الحضر، فقد كان برنامج الشيخ في يومي السبت والإثنين من كل أسبوع، وذلك في الفترة المسائية ، . ففي يوم السبت درس للنساء بعد المغرب، ودرس للأطباء أو غيرهم بعد العشاء ، وبينهما زيارة أخ عزيز أو تعزيه بفقيد أو زيارة مريض

أما يوم الإثنين : فدرس لأعضاء هيئة التدريس في جامعة الملك عبد العزيز بعد المغرب ، وبعد العشاء درس في النحو ، قرأنا فيه شذور الذهب ، لابن هشام مرتين ، ثم بعده درس في شرح صحيح مسلم للإمام النووي .

والذي لا أنساه :

1-وفاء الشيخ، فقد كان دائما يذكر مشايخه ، ونتلمس من حديثه الحب و التقدير لهم ، كما أنه لا ينسى أصحابه فكثيرا ما كان يزور من يصفه بأنه أخوه ، عمي الحاج : محمد الحسن الحافظ .

2- سلامة صدر الشيخ ، حتى بالنسبة لمن أساء إليه ، وفي إحدى المناسبات التي كنا نحضر قائمة بأسماء من هم بحاجة إلى إقامة ، طلب الشيخ أن نضع أولا أسماء أشخاص ، نعرف إساءتهم للشيخ ، وعندما ذكرناه بذلك أجاب : إذا لم يكن للنفس حظ في أمريسره الله ! وبالفعل يسر الله الأمر ، وحصلت أكثر من مئة أسرة على الإقامه .

3- ما طلبت منه طلباً ، إلا كانت النتيجة أفضل وأسرع مما أتمناه .

4-كل موضوع يجد الإخوة بحاجة إليه، يقوم بكتابة ملخص له، وتصوير ذلك، وتوزيعه، حتى يرجع الإخوة إليه

أسأل الله أن يتغمده برحمته، وأن يجمعنا به في ظل عرشه ، يوم لا ظل إلا ظله ، ولا باق إلا وجهه ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

أبو معاذ  4-12-1437هـ

تأملات في حياة الوالد الشيخ محمد علي مشعل - رحمه الله تعالى ..

           في لحظات التأمل والتدبر الكثيرة التي أسافر فيها عبر الزمن البعيد والقريب يحتل الوالد المساحة الأكبر، لم يحمل هم الدنيا قط، لكن الدنيا كانت تجري خلفه...

           لم يحمل هم الرزق، ولكنه كان حكيمًا مدبرًا، وكان إذا جلس إلى الطعام قال "وإن تعدو نعمة الله لا تحصوها"، لم نره قط مغتمًا لدنيا أو رزق...

          ولكنه كان دائمًا يكرر على مسامعنا، بأن الدنيا ظل زائل، ولو كانت تساوي عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافرًا شربة ماء، كان إذا مرض أحدنا بادر إلى الرقية الشرعية،

          وكان يداوم على أذكار الصباح والمساء، ويقرأ الواقعة بين المغرب وتبارك بعد العشاء، حتى أصبح كل ذلك عادة لدينا، يتمثل الإسلام قولاً وعملاً، وإن تخيلت صورة للنبي صلى الله وعليه وسلم وجدت والدي الأقرب إليها، يحمل هم الإسلام في كل وقت....

          يهتم لحال المسلمين حيثما كانوا، يردد كثيرًا مقولة عمر بن الخطاب "لا عز لنا إلا بالإسلام ومهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله" يحمل هم العوائل المهجرة، والعاطلين عن العمل،

ويسعى في حاجاتهم، يطرق أبواب الأمراء والوزراء والأثرياء لحاجات الناس،

          وكان يبذل جاهه في ذلك، وقد عرف عنه منذ شبابه التوسط لحاجات الناس جميعاً،

          وقد أجرى الله على يديه الخير الكثير، العلم الشرعي قد شغل حياته، فأتم تعلمه في سنين مبكرة جدًا، لكنه لم يشغله عن هموم أمته، وبلده، وبلاد المسلمين، صعد منبر الخطابة في الحادية عشر من عمره، أصبح نائباً عن حمص في مجلس الشعب في الثلاثين من عمره، وله مواقف مشهودة فيه، له صولات وجولات مع علماء بلده والمسؤولين فيها لخدمة الإسلام.

            كان له درس عام يوم الثلاثاء في مساجد حمص إلى أن استقر الدرس في الجامع الكبير يومي الاثنين والخميس من كل أسبوع، وكان يؤمه الكثير من المدن الأخرى غير حمص، ومن السلاسل التي ناقشها في هذا الدرس العام، سلسلة في العقيدة الإسلامية، وفي الخلفاء الراشدين والفتنة بين الصحابة، والفرق، والفتوحات الإسلامية، وكان له إسقاطات مهمة على الواقع ومعايشة لمستجداته، تلك أيام مشهودة تذكرها أجيال انتشرت في بقاع المعمورة.

            رغم صغر سنه إلا أننا نعجب لمدى اندماجه مع كبار علماء سورية في كل المدن السورية وتواصله معهم، كان كثير الحديث عن علماء سورية حتى نظنهم من أهلنا وأقاربنا،

            حدثنا كثيراً عن السيد مكي الكتاني، والشيخ حسن حبنكة، وعلماء الشام، فلا تفوتنا أسماؤهم ومواقفهم، وأمتعنا كثيرا ً بالحديث عن الشيخ سليم خلف، الشيخ أبو النصر خلف، وزوجته أم كلال، وكان قد أقام في بيت الشيخ أثناء دراسته في المدرسة الشرعية في حمص لفترة، ويتكرر منه المبيت كلما تأخر المساء فلا يعود للمنزل في تلدو، وحدثنا عن فضائل ومواقف للشيخ عبد القادر الخجه، والشيخ عبد العزيز عيون السود، وعن علماء حمص خاصة، وكان يحكي مواقف لهم لا تتاح إلا للقريبين منهم، ومن صغري أحفظ أسماء علماء حمص الأحياء ورأيت أغلبهم. كما أحفظ أسماء الكثير العلماء السابقين رحم الله الجميع.

          ومن العجائب حديثه عن شيوخ آل المراد في حماة وقراباتهم فيما بينهم، ويصفهم بأنهم أعمامه، وكان يقيم عندهم الليالي والأيام، منذ كنت صغيرًا وعمري ربما لا يتجاوز العاشرة لا تغيب عن مخيلتي رؤية عدد من مشايخ حمص في زاوية الوالد ومسجده، كما لا يغيب عن مخيلتي غرفة الشيخ طاهر الرئيس في الجامع الكبير، وفيها علماء حمص يجلسون خلال اليوم، وبجوارها مبنى عليه لوحة كتب عليها جمعية علماء حمص، وأخرى كتب عليها جمعية إصلاح ذات البين، سجن في الفترة 1973-1975 في أحداث تسمى بأحداث الدستور، على إثر درس عام بين فيه الموقف من الدستور، والاستفتاء المطروح عليه، وشدد على الموقف الحضاري في إبداء الرأي،  وأذكر زيارتنا له في السجن عدة مرات بعد السماح بالزيارة، كما أذكر خروجه من السجن حيث ما كادت السيارة أن تقف أمام المنزل حتى تقاطر الناس للتهنئة واستمرت التهاني شهورًا من كل المدن السورية، وعاد بعد ذلك لدرسه العام في الجامع الكبير في حمص يومي الاثنين والخميس الذي استمر حتى عام 1979.

         لم يحدثنا عن نفسه كما حدثنا عن غيره،  كان كثير الحديث عن أمراض القلوب من العجب والغرور والحسد، قص علينا أحداثًا وقصصًا كان الفاعل والناشط فيها، لكننا لم ندرك ذلك لما سلكه في كل حياته من الابتعاد عن الحديث عن نفسه، يؤمن بالعمل الجماعي، ولو استطاع فعله بنفسه، كثير التواضع للعلماء رأيته وهو يتحدث إليهم ببضع كلمات، بغرض الذهاب لجاهة في أمر من أمور الناس، فكانوا لا يرفضون ذلك، لم يطأطئ رأسه لأحد، يبدو دائمًا مهيبًا ووقورًا وشامخًا، كان يليس زي العلماء في سورية الجبة والعمامة ويحسب لهذا اللباس حسابه، حدثنا ذات يوم بأنه رتب مع العلماء بأنه سيقابل المسؤول الكبير في شان إسلامي عام، وقد كان من المخطط أن يحضر من دمشق المسؤول الكبير للمشاركة في حفل سيقام في مدرج في أحد المقار الرسمية في مدينة حمص، فجاء الوالد وجلس في الحفل، وكان يترقب وصوله ليحدثه في الشأن العام، وبعد قليل فعلاً جاء المسؤول وجلس في الخلف، وكان على الوالد أن يصعد خلال المدرج إليه، فقام الوالد فعلاً وبدأ بالتوجه إليه، ولكن يا ترى ما الذي كان يدور في ذهن الوالد، وهو متوجه بجبته وعمامته إلى هذا المسؤول؟

         لم يكن يشغل باله هيبة المسؤول، وكيف سيتحدث إليه، كان يشغل باله ماذا لو بقي جالسًا هذا المسؤول الكبير ولم يقف، وما أثر هذا أمام الناس على هيبة العلماء؟، لكن بفضل الله قام هذا المسؤول مجرد أن رأى الوالد متوجهًا إليه، انتصر في داخله لمكانة العلم والعلماء، وليس لنفسه، ويحسب لكل كلمة أو فعل حسابا خاصاً من هذا الباب.

          اللهم احفظ الوالد ومتعه بالصحة والعافية، وأكرمنا برؤيته في القريب العاجل في المدينة المنورة إن شاء الله.

د. عبد الباري مشعل

28/2/2015م

وبعد :

       إنه الداعية الإسلامي الكبير محمد علي مشعل، عضو جمعيّة العلماء في مدينة حمص، ونائبها في البرلمان السوري، أستاذ سابق بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلاميّة، ومدرس بالمسجد النبوي الشريف، وعضو مجلس شورى جماعة الإخوان المسلمين في سوريّة، ورئيس مجلس شورى الجماعة، ومحكمة التنظيم، ومستشار شرعي لدى مجموعة البركة.

         كان – رحمه الله - حريصاً على صحّة المعاملات الإسلاميّة، وإبعاد الناس عن الربا المحرّم، فعمل مستشاراً شرعياً في مجموعة البركة في جدة منذ عام 1992.

          ورغم انشغاله بالدعوة والتدريس ومشاركته في المناسبات الدينيّة، واشتغاله بقضاء حوائج الناس فقد ألّف رسائل وكتباً، التزام فيها بمذهب أهل السنة والجماعة في حق الصحابة - رضي الله عنهم - من الحب والترضي والعذر لمن أخطأ منهم .

         اتهمه النظام منذ بداية الحراك السلمي في سورية 2011 م على لسان أحد أعوانه ونقلته وكالة أنبائه الرسمية سانا بالتمويل والتحريض لما أسماها أعمال العنف والتخريب والتحريض على الطائفية، الأمر الذي اضطر أبنائه لإصدار بيان كذبوا فيه ما ادعاه النظام وأعلنوا وقوفهم إلى جانب الشعب السوري لنيل مطالبه المشروعة ونبذ الطائفية .

          ويترك الشيخ الجليل أثراً عند كل من يجالسه، ويحاوره، فعنه قال رجل الدين اللبناني جمال الدين شبيب: لقد تربى على يديه جيل واسع من طلبة العلم، وخلف آثاراً علمية عديدة نافعة، وعرف بجرأته في قول كلمة الحق، وحرصه على تطبيق السنن والفضائل … وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر …

          وبعد حياة مليئة بجلائل الأعمال غادرنا إلى مثواه الأخير الشيخ العلامة محمد علي مشعل في الخامس عشر من شوال لعام 1437 هجرية/ الموافق 20 تموز 2016 م .

 رحمه الله رحمة واسعة، وأدخله فسيح جناته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً .

______________________

مصادر البحث :

1-ملتقى أهل الحديث، ترجمة الشيخ محمد علي مشعل، د. يحي الغوثاني.

 2- سلسلة أعلام حمص، الشيخ محمد علي مشعل، خالد البيطار.

4-أعلام الصحوة الإسلاميّة، وموقع مجلة الغرباء :  تأليف وإشراف الأستاذ محمد علي شاهين.

5- حياة الشيخ مشعل  - د. خضر السوطري .

6- موقع إخوان سورية .

7- رابطة أدباء الشام .

8- رابطة العلماء السوريين .

[2] - التعريف بالكتاب : محمد علي شاهين - مجلة بشائر الإسلام - العدد السادس - 8 ديسمبر 2010م .

[4] - رابطة أدباء الشام - وسوم: العدد 678 .

وسوم: العدد 774