السلطان محمد الفاتح

عند ذكر اسم الفاتح، يتطرق إلى الذهن فتح القسطنطينية، وحديث الرسول ﷺ "لتفتحن القسطنطينية، فلنعم الأمير أميرها، ولنعم الجيش ذلك الجيش".

فمن هو الفاتح؟

هو سابع سلاطين الدولة العثمانية، توسعت الدولة في عهده بسبب الفتوحات التي قام بها واشتهر في جميع أنحاء العالم، واعتبر المؤرخون عهده نقطة انتقالية من العصور الوسطى إلى العصور الحديثة.

ولد محمد الفاتح في 30 آذار/ مارس 1432، في مدينة أدرنة التي كانت عاصمة الدولة العثمانية آنذاك، وتربى في كنف أبيه السلطان مراد الثاني، الذي تعهده بالرعاية والتعليم ليهيئه للسلطنة.

أتمّ الفاتح حفظ القرآن، وقرأ الحديث وتعلم الفقه، ودرس الرياضيات والفلك وأمور الحرب، وتعلم اللغات العربية، والفارسية، واللاتينية، واليونانية.

ولّاه والده إمارة مغنيسيا وهو صغير السن، ليتدرب على ولاية شؤون الدولة وتدبير أمورها، بإشراف علماء عصره منهم الشيخ آق شمس الدين والملا الكوراني، مما أثر في تكوين شخصيته وبنائها بناء صحيحا.

بعد زواج السلطان الفاتح من ابنة سليمان بك، أمير إمارة ذي القدر، انتقل إلى مغنيسيا التي تولى إمارتها. وبعد مدة توفي والده مراد الثاني في مدينة أدرنة، فأسرع إليها ووصلها على جواده حيث استقبله كبار رجال الدولة والعلماء لتقديم العزاء له.

في يوم 18 شباط/ فبراير 1451، تولى السلطان محمد الفاتح عرش آبائه وهو في الحادية والعشرين من عمره.

فتح القسطنطينية

كان السلطان محمد الفاتح من أعظم سلاطين آل عثمان.. كان محوراً للسياسة الدولية، وصاحب الكلمة الأولى في العالم ومصيره.. علاقاته السياسية والحربية شملت أوروبا وآسيا وأفريقيا، وطدّ السيادة العثمانية في أوروبا، وبدد الأحلاف الصليبية.. وهو أول سلطان عثماني اشتهر عند الأوروبيين وكثر حديثهم عنه، بل وأول حاكم إسلامي أطلق عليه أهل أوروبا لقب (السيد العظيم).

المشروع العثماني

يقول المؤرخ التركي الدكتور مصطفى أرمغان: "من المعلوم أن فكرة فتح إسطنبول راودت الكثير من خلفاء وقادة المسلمين خلال العصور المتعاقبة للعصر النبوي إلاّ أنني أعتقد بأنه لم يكن وراء هذه الحملات والمعارك سوى دافع واحد هو نيل شرف البشارة النبوية من فتحها دون أن يكون لهم مشروع واضح.. إلاّ في الحالة العثمانية وخاصة في عهد السلطان محمد الفاتح، حيث أنه استفاد من تجارب أسلافه ووضع إلى جانب حماسه لنيل البشارة النبوية مشروعاً متكاملاً للفتح تمثل في ثلاث محاور رئيسة هي:

- المحور الأول ماقبل الفتح:

وتمثل هذا المحور في إيجاد قيادة فذة وواعية تحمل هم هذه البشارة النبوية وتتربّى على هذا الأساس و تهيأ روحياً وبدنياً لحمل هذه الأمانة العظيمة.

- المحور الثاني أثناء الفتح:

وتمثل في وضع الخطط العسكرية والسياسية المحكمة وإيجاد وسائل جديدة وابتداع طرق حربية بارعة لإبهار العدو بقوة وشكيمة الدولة العثمانية ، كـ (خطة جر السفن الحربية عبر البر والمدفع السلطاني الكبير ومعركة غالاطة المشهورة وتهيئة أجواء سياسية قادرة على إعطاء الشرعية لفتح هذه المدينة).

- المحور الثالث ما بعد الفتح:

- الالتزام بالمبادئ الإسلامية السامية والتحلّي بسنة النبي (صلى الله عليه وسلم) في سماحته ورحمته عند فتحه لمكة المكرمة.

- وضع الخطط الاستراتيجية (قصيرة وبعيدة الأمد) لبناء مدينة إسطنبول وجعلها من أعظم المدن وحشد العقول والمواهب إليها.

- تنظيم شؤون الدولة والشعب من خلال الاهتمام بالتعليم والتعمير والجيش وتنظيم الشؤون الإدارية والقضائية.

الفكرة العبقرية

بعد معارك دامية استمرت فيها المدافع العثمانية بدك أسوار القسنطينية المنيعة، فكر السلطان في إيجاد خطة بديلة يستطيع من خلالها إسقاط المدينة وفتحها أمام جحافل الجيش العثماني.. حتى لاحت في ذهنه فكرة بارعة وخطة عسكرية لم يسبق لجيوش العالم أن رأت مثلها، وهي نقل السفن مرساها في بشيكتاش إلى القرن الذهبي في مضيق البسفور، وذلك بجرها على الطريق البري الواقع بين المينائين مبتعداً عن حي غالاطة - حي نصراني - خوفاً على سفنه من أساطيل العدو، ورغم بعد المسافة - مايقارب (3) أميال - وعلى أرض غير مبسوطة.

يقول  الكاتب الإسلامي الدكتور عبدالسلام عبدالعزيز فهمي: "لقد كان منظر هذه السفن بأشرعتها المرفوعة تسير وسط الحقول كما لو كانت تمخر عباب البحر من أعجب المناظر وأكثرها إثارة ودهشة.. ويرجع الفضل في ذلك إلى همة السلطان وموهبته.. وإلى  مقدرة المهندسين الأتراك وكثرة الأيدي العاملة التي قامت بتنفيذ ذلك المشروع الضخم بحماس ونشاط، والذي يثير الفخر أن كل ذلك تم في ليلة واحدة فقط.

النبوءة البيزنطية

كانت لدى الشعب البيزنطي أسطورة تتناقلها الأجيال جيل بعد جيل ونبوءة تقول: "ستسقط القسطنطينية عندما تُرى السفن تمخر على اليابسة"، وفعلاً تحققت تلك النبوءة البيزنطية صباح يوم 22 نيسان/ أبريل سنة 1453، واستيقظ أهل المدينة البائسة على تكبيرات الأتراك المدوية، وهتافاتهم المتصاعدة، وأناشيدهم العالية، وموسيقاهم العسكرية، وهم يرون بأم أعينهم سبعين سفينة عثمانية في الميناء برجالها ومُعدّاتها وهي تزحف نحو أسوار القسطنطينية.

يوم الفتح

في 27 أيار/ مايو سنة 1453 أمر السلطان محمد الفاتح جنوده بالصيام تطهيراً لنفوسهم وتقوية لعزائمهم وإرادتهم، وأمرهم بالإكثار من الصلاة وذكر الله والدعاء، وزار بنفسه في ذلك اليوم سور المدينة من بحر مرمرة بالقرب من القرن الذهبي وتفحص أجزاءه بدقة، ورأى بعينيه ما أحدثته المدافع من ثغرات، ونظم الفرق التي ستقوم بالهجوم العام.

وعندما تأكد من تنفيذ خطته وأوامره قام بزيارات مفاجئة إلى كل أقسام جيشه، وأخذ يشجع الجنود، ويثير فيهم روح التضحية، ويقوي فيهم الثقة بالنفس ويؤملهم بالنصر.. حتى قال قولته المشهورة: "وعن قريب سيكون لي في القسطنطينية عرش أو يكون لي فيها قبر".

وفي صباح يوم 29 أيار/ مايو كانت البشارة النبوية تلوح بالآفاق وكان قد بدء الهجوم العام، فسمعت فجأة في معسكر العثمانيين دقة ضخمة بالطبل التركي الشهير إيذاناً للجند بالتأهب والاستعداد، ثم تتابعت الدقات في جميع أرجاء معسكرات الجنود العثمانيين، ونُفِخ في الأبواق إيذاناً ببدء القتال.

واندفع الجنود الأتراك يهجمون على السور وقد لبسوا الدروع، وتقدموا بصياحهم الداوي، وتكبيراتهم القوية، وكانوا يطلقونها بملء أفواههم: "الله أكبر .. الله أكبر". ووصل بعض الجند إلى داخل المدينة وارتقوا الأسوار من الداخل وأزالوا علم الامبراطور ورفعوا العلم العثماني، فكان الفتح العظيم.

وهكــذا..

وبعد حصار دام واحداً وخمسين يوماً، كانت كلها معارك وصراعاتٍ عنيفةٍ، سقطت المدينة الحصينة التي استعصت على الفاتحين الأوائل، وفتحت على يد بطل شاب، له من العمر 23 سنة، وتحلى بمواهب فذة في قيادة وإدارة الحروب وشن المعارك.. فكانت الكلمة النبوية القديمة مدخرة لهذا البطل المقدام: "لتفتحن القسطنطينية، فلنعم الأمير أميرها، ولنعم الجيش ذلك الجيش".

وفاة السلطان محمد الفاتح

كان من بين أهداف الفاتح غزو روما، ليجمع فخرا جديدا إلى جانب فتح القسطنطينية، وكانت بداية خطته لغزو إيطاليا تجهيز أسطول عظيم.

تمكن الفاتح من إنزال قواته ومدافعه بالقرب من مدينة أوترانت، واستولت القوات على قلعتها في تموز/ يوليو 1480، وأراد الفاتح اتخاذ تلك المدينة قاعدة يزحف منها شمالا في شبه جزيرة إيطاليا،حتى يصل إلى روما، ولكنه لم يستطع التقدم بجيشه.

توفي السلطان محمد الفاتح يوم 3 أيار/ مايو 1481 عن ناهز عمر 49 عاما، بعد أن حكم 30 عاما.

يعتقد بعض المؤرخين أن إيطاليا كانت وراء موت السلطان الفاتح،فقد عرض أهل البندقية على طبيبه الخاص يعقوب باشا (يهودي الديانة، ومُدّعي الإسلام، المولود في إيطاليا) اغتيال الفاتح.

بدأ يعقوب بدس السم تدريجيا للسلطان، وعندما علم بأمر الحملة زاد جرعة السم، وانفضح أمره فيما بعد، فأعدمه حرس السلطان.

وهناك قول آخر لمؤرخين آخرين، وهو أن طبيبه الفارسي اﻷصل هو الذي سمّمه، وقد تمت عدة محاولات لاغتياله عبر السنين.

وصل خبر موت السلطان إلى البندقية بعد 16 يوما، جاء الخبر في رسالة البريد السياسي إلى سفارة البندقية في القسطنطينية، بجملة واحدة:

"لقد مات العقاب الكبير"

وانتشر الخبر في البندقية ثم إلى باقي أوروبا، وراحت الكنائس تدق أجراسها مدة ثلاثة أيام بأمر من البابا، إضافة لتأديتهم صلاة الشكر.

وكان لموته دوي هائل في أوروبا، التي تنفست الصعداء عندما علمت بوفاته.

دفن السلطان محمد الفاتح في المدفن المخصوص الذي أنشأه في أحد الجوامع التي أسسها في إسطنبول، وسُمّي الجامع باسمه جامع الفاتح، ويقصده المسلمون من جميع بقاع الأرض لزيارة ضريحه، كما يقصده السياح.

ترك الفاتح وراءه سمعة مهيبة في جميع أصقاع الأرض، وحقق في حياته مع الفتوحات، الكثير من الإنجازات اﻹدارية الداخلية.

وسوم: العدد 774