الشيخ العالم الدكتور عبد الحفيظ قلعجي

sfdsg1070.jpg

( ١٩٤٣ _ ٢٠٢٣م )

   هو الشيخ العالم الفقيه د. عبد الحفيظ قلعجي من أعلام حلب الشهباء، ينتمي إلى أسرة مسلمة ملتزمة عريقة، تحب العلم، وتحترم العلماء، برز فيها د. محمد رواس قلعجي، وعبد الفتاح قلعجي، ....

المولد، والنشأة:

    ولد الشيخ عبد الحفيظ قلعجي في مدينة حلب، عام: 1943م تقريباً، وفي حي من أحيائها العريقة (حي الكلاسة) ومن أبوين صالحين، فوالده الشيخ عيدو قلعجي ـ رحمه الله ـ شيخ الحي ومعلم أبنائه القرآن الكريم، وما من رجل رجال الحي إلا وتعلم على يديه القراءة والكتابة وتلاوة القرآن الكريم، وكان رحمه الله شديداً على طلابه، لا يتوانى عن معاقبتهم إن هم قصروا في الحفظ، أو أداء الواجبات البيتية، وكانت عصاه ـ رحمه الله ـ لا تفارق يده، (كنا ونحن صبيان صغار عندما ننصرف من مكتبه ونبتعد عنه مسافة نطمئن بها أنه لا يرانا، ولا يمكنه أن يلحق بنا نرفع أصواتنا وننشد: الشيخ عيدو عصايتو بإيدو)

    أما أمه فهي السيدة الفاضلة أخت الدكتور محمد رواس قلعجي وأخيه المؤرخ عبد الفتاح قلعجي رحمهما الله تعالى.

    نشأ الشيخ عبد الحفيظ في أحضان هذه الأسرة العلمية الكريمة، بين إخوته الذين حرص والدهم على تعليمهم وتزويدهم بمختلف العلوم الشرعية والعربية والكونية وحصولهم كلهم على الإجازات الجامعية، فالأستاذ عبد الله مجاز في اللفة العربية وآدابها، وأخوه الأستاذ عبد القادر مجاز في العلوم، والأستاذ عبد المعين مجاز في الرياضيات والفيزيا والكيمياء (ر ف ك ).  

الدراسة، والتكوين:

    في هذا الجو العلمي نشأ الشيخ عبد الحفيظ قلعجي، وتلقى تعليمة الابتدائي في إحدى المدارس الابتدائية في الحي، ثم انتسب إلى المدرسة الخسروية ـ الثانوية الشرعية ـ وفيها التقى جل شيوخه من كبار علماء حلب، أمثال: محمد نجيب خياطة، والشيخ محمد سامي البصمجي، والشيخ أحمد قلاش، والشيخ بكري رجب، والشيخ محمد زين العابدين الجذبة، والشيخ محمد السلقيني، والشيخ عبد الوهاب سكر، والشيخ عبد الرحمن زين العابدين، والشيخ محمد أبو الخير زين العابدين، وغيرهم، وأخذ عنهم علوم القرآن الكريم وتفسيره، والحديث النبوي الشريف ومصطلحه، والفقه وأصوله والسيرة والتاريخ، بالإضافة إلى علوم العربية.

    وتابع الشيخ عبد الحفيظ دراسته في الثانوية الشرعية حتى تخرج فيها.

   ثم انتسب إلى كلية الشريعة بجامعة دمشق، وفيها التقى مجموعة أخرى من شيوخه الأجلاء، وأخذ عنهم مختلف العلوم الشرعية والعربية، نذكر منهم الدكتور صبحي الصالح، والدكتور عبد الرحمن الصابوني، والدكتور مصطفى الزرقا، الذي أحبه، وقامت بينهما علاقة محبة امتدت الى آخر العمر، وكانت بينهما مراسلات كثيرة[1]، وكان الدكتور مصطفى الزرقا يحبه، ويثق بعلمه وعقلة. وربما شاوره في بعض المسائل الفقهية والأصولية.

   وتابع الشيخ دراسته في كلية الشريعة من جامعة دمشق إلى أن تخرج فيها عام: 1965م

   انتسب بعدها إلى جامعة الأزهر في القاهرة، وحصل منها على درجة الماجستير في الفقه المقارن بتقدير جيد عن رسالته: (التعزير بالنفس والمال) عام: 1967م.

  وتابع الشيخ دراسته في هذه الجامعة إلى أن حصل منها على درجة الدكتوراه في الفقه المقارن بمرتبة الشرف الثانية عن رسالته (سلطان الإرادة العقدية) عام: 1972م.

الوظائف، والمسؤوليات:

    وكان الشيخ أثناء دراسته في جامعة دمشق وجامعة الأزهر يعمل بالتدريس لمادة التربية الدينية في عدد من ثانويات حلب.

  وبعد نيله درجة الدكتوراه، شد الرحال إلى المملكة العربية السعودية، وعمل مدرساً في جامعة محمد بن سعود فرع أبها، ثم انتدب إلى جامعة الأمير عبد القادر الجزائري في الجزائر، كما عمل مدة في جامعة الكويت وكان يدرس في هذه الجامعات: التفسير وعلوم القرآن والفقه المقارن ومقاصد الشريعة والنظريات الفقهية وغيرها.

    عاد الشيخ بعدها إلى مدينة حلب، وحاول العمل في الجامعة، فلم يقدر له ذلك، ولقي معارضة شديدة بسبب صراحته وجرأته في قول الحق، فعمل مدرساً لمادة التربية الدينية في ثانويات حلب، وكان رحمه شديد الصراحة في انتقاد بعض أصحاب المناصب الإدارية والسياسية في غرفة المدرسين، وربما سأله أحدهم عن أمر من الأمور، أو عن شخص من الأشخاص، فكان يرد بكل شجاعة وقوة.

    ونتيجة عدم انسجامه في العمل في التدريس، تركه وافتتح لنفسه دكاناً يبيع فيه الأدوات المدرسية.. وغيرها.

مؤلفاته:

    ترك الشيخ عدداً من المؤلفات في مجال الفقه المقارن وأصول الفقه، بقيت مخطوطة لأن الشيخ لم يتمكن من طباعتها ونشرها ومن هذه المؤلفات

1.التعزير بالنفس والمال وهو رسالته لنيل درجة الليسانس.

2.التعزير بإتلاف المال في الفقه الإسلامي ربما كان هذا بحثا من أبحاث المؤلف السابق أو هو نفسه[2]

3.سلطان الإرادة العقدية وهو رسالته لنيل درجة رسالة الدكتوراه

4.نظرية العقدي في الفقه الإسلامي، وهو كتاب ضخم قي أكثر من / 500/ صفحة ما زال في مسودته على الآلة الكاتبة .

  1. الإرادة المنفردة (مخطوط).
  1. المسؤولية التقصيرية (لم يكمل).
  1. التعسف في استعمال الحق (مخطوط).
  1. شرح لكتاب القواعد الفقهية للشيخ أحمد الزرقا مع وضع الفهارس والتعليقات عليها.

   ومن المقالات المنشورة له:

  1. القرائن بين الشريعة والقانون (مجلة كلية الشريعة واللغة العربية بأبها) العدد الثاني.
  1. حول قضية المرأة المسلمة حوار مع فضيلة الشيخ الغزالي والدكتور رواس قلعة جي، (مجلة المسلمون السعودية).
  1. نظرية الظروف الطارئة في الفقه الإسلام.

أخلاقه، وصفاته:

    امتاز الشيخ عبد الحفيظ بعلو الهمة في المطالعة، وسرعة الحفظ، والدقة في البحث، والتأليف والتدقيق وتأصيل المسائل، وتفنيد ما يجب تفيدة فيها، كما امتاز بالإحاطة التامة في الفقه الإسلامي وأصوله، وبالتحقيق العلمي لمسائله، وكان كثير من العلماء والشيوخ يشاورونه في المسائل الفقهية والمشكلات الدقيقة، ويعرضون عليه بحوثهم ومؤلفاتهم ليبدي لهم رأيه وملاحظاته، ويستفيدون من علمه ومواهبه الفقهية التأصيلية والاجتهادية، ولا أدل على ذلك من أن شيخ الفقهاء في عصرنا الدكتور الشيخ مصطفى الزرقا ـ رحمه الله تعالى ـ كان يثق به وبعلمه وبآرائه الفقهية والأصولية والنقدية، وكان بينهما تواصل علمي عجيب من خلال الرسائل الكثيرة المتبادلة بينهما، كما كان الشيخ الزرقا يكلفه بمراجعة بعض كتبه وأبحاثه، وكان يثني عليه ويرشحه للوظائف العلمية التي تليق بمكانته وبعلمه.

    ومن كتاب الدكتور الزرقا إلى رئيس البنك الإسلامي للتنمية يرشح فيه الدكتور عبد الحفيظ قلعة جي لوظيفة علمية في هذا البنك، قوله: (وقع اختياري على أحد تلاميذي القدماء من جامعة دمشق،...... وأعرف فيه دقَّة الفكر وحسن الفهم والجدّية، وأفيد سيادتكم أن هذا الرجل من خير من يصلحون للعمل لديكم علمًا وخلقًا وخبرةً وتواضعًا واحترامًا للنظام وأهلية للمهمة لديكم، وأنا مطلع على كتابات له فقهية، ومنها تعقيبات على بعض مؤلفاتي، تدل على دقَّة فكره وحُسن فهمه الفقهي)، وكفى الشيخ عبد الحفيظ بهذه الثقة وهذا التقريظ من الدكتور مصطفى الزرقا مكانة علمية مرموقة

    وهذه شهادة من فقيه كبير لعالم جليل قدر هذ الشهادة حق قدرها، فقال في رسالة يجيب فيها شيخه: (وأنا جدّ فخور بهذه الثقة وأعتبرها فوق شهادة الدكتوراه، وأقول لكم صادقًا: إني أعتبرها فوق جائزة الملك فيصل؛ لأن هذه الجائزة يمنحها رجال السياسة، وثقتكم خرجت من بيت العلم وسلالة العلماء الطاهرين).

    كان الشيخ عبد الحفيظ طيب القلب، عظيم النفس، معتداً بنفسه واثقاً بعلومه وآرائه، شديد النباهة، عظيم الحساسية، حاد المزاج، حاضر الجواب، بعيداً الشبهات والدنايا وسفاسف الأمور، جريئاً في مواقفه لا يماري ولا يداري ولا ينافق لأصحاب المراكز والمناصب، ولا تأخذه في الحق لومة لائم، يسمي الأشياء بأسمائها الحقيقية، يستوي عنده الكبير والصغير والسوقة والوزير.

    ولهذه الجرأة وهذه الصراحة في قول الحق والجهر به بقي الشيخ مغموراً ولم يأخذ حقه في الحياة، ولم تظهر مكانته العلمية إلا لدى قليل من الناس، وحرم من حقه في التعليم في الجامعات السورية.

وفاته:

    بقي الشيخ على هذه الصفات والأخلاق إلى أن وافته المنية في حلب، مساء يوم السبت، الواقع في الخامس من شهر جمادى الأول، سنة: خمس وأربعين وأربعمئة وألف للهجرة ( ١٤٤٥)، الموافق للثامن عشر من شهر تشرين الثاني عام: ثلاثة وعشرين وألفين للميلاد ( ٢٠٢٣م)، رحمه الله تعالى، وأحسن إليه.

أصداء الرحيل:

في وداع الراحلين

 الشيخ عبد الحفيظ قلعجي رحمه الله تعالى، وتقبله في الصالحين، وأعلى مقامه في عليين.

وكتب الداعية (زهير سالم)، يقول:

  بلغني اليوم عن طريق المتابعين وفاة الشيخ الدكتور الفقيه الأصولي عبد الحفيظ قلعجي.. رحمه الله تعالى..

وكانت لي معه رفقة في إعدادية الثأر في حلب. كنت انا مكلفا بالتدريس في سنوات الطلب، وكان هو مدرسا. حاملا لشهادة العالمية، كما يقول أساتذتنا الأزهريون.

أنا حتى الآن لا أعرف كيف يلفظون هذه الرتبة العلمية، بفتح اللام أو بكسرها، ولعل متمكنا يفيد!!

  كان الشيخ عبد الحفيظ رحمه الله تعالى حساسا مفرط الحساسية، نبيها شديد النباهة، حاضر الجواب، وإذا حكمه القول قال؛ تستوي عنده السواقي والبحور.

يقولون كان حاد المزاج…

  رحمه الله تعالى كنت أستشعر عذاباته بين البلداء. وكنت أكون بجواره فأضغط على يده بجانب يدي ليقصر في كلام من باب الاخوة، إشفاقا عليه؛ فيقول لي: لستَ وصيا عليّ، فأبتسم له وأجيب: أنا الذي أحتاج إلى وصيّ!!

  ورطني يوما في قضية، وكنت طالبا في الجامعة في الصف الثالث؛ وقد حرمت من الحصول على حقي في الساعات، إلا ست ساعات أحرجت فيها، فريد جحا رحمه الله تعالى، فقال لي فقيدنا عبد الحفيظ مناغشا، وسط المدرسين، والمناغشة ضرب من الحوار يكون بين الأحباب، هي دون المناقشة وفوق المجاقمة، ألست تزعم أنك مدرس لغة عربية؟؟ قلت بلى..!!

  وكنا في غرفة المدرسين، وكانت مكتظة، وتعلمون معنى الاكتظاظ ومحاذيره، وكان في غرفة المدرسين مكتبة..

فسألني: وما معنى العفلق في اللغة العربية؟؟

فقلت له: لا أدري..

فقال: أتحسن استخدام المعجم؟؟ قلت نعم..

قال قم فهاته، وكنت أرى للعمامة العثمانية فوق رأسه مزيد فضل، فقمت ممتثلا؛ فقال ابحث عن لفظة العفلق واقرأ علينا..فبحثت ثم قرأت متلعثما…ولعلكم تعلمون اليوم ما لم أكن أعلم قبل خمسين سنة!!

وأقول لعلكم تترحمون معي على الشيخ الحفيظ عبد الحفيظ قلعجي، الذي كان إذا وقعت الحاء قبل القاف يقول ولا يخاف.. وربما كان حقَّ في مثله فاتحة اللزوميات:

أولو الفضل في أوطانهم غرباء..

اللهم اغفر له، وارحمه وأحسن نزله، وزده ولا تنقصه.

وأحسن عزاء أهله ومحبيه..

وبلغني أنه اشتغل بقالا قبل أن يقضي.

  كان نيتشة الذي يزعمون أنه ملحد، وأنه أعلن موت الله، يقول: ما أذلنا الله بشيء مثل الضمير.. يظل يلسعنا بسوطه..

ويا ذلة حاجتنا إلى لقمة الطعام…

  ويا لعار قوم كان فيهم. ويا لعار قوم عرفوه وتابعوه ولم يرفدوه حتى يكفوه، أقول يكفوه، ولا أقول يغنوه، وحق مثله الغنى وليس فقط الكفاية!!

أكتب على طريقته رحمه الله تعالى. وقد حضر ذكره.

يحكي لي فيقول: وقلت لحسن الخطيب وهو في ذلك الزمان مفتش للغة العربية قبل أن يكون الوزير، وهذا الرجل من معدن حافظ الأسد كان..

يقول لي: وقلت لحسن الخطيب: لو كان عندي معزى ما ائتمنتك عليها.

واقتبستها منه؛ وكنت أقول للناس، فلان، لو عندي ثلاث معزات ما ائتمنته عليها..وتأتمنونه على مصائر المسلمين..!!

رحم الله الدكتور عبد الحفيظ قلعجي وغفر لنا من بعده. تفقدوا نور الأفق في حلب لعله خبا…

لندن: ٥/ جمادى الأولى/ ١٤٤٥

١٩/ ١١/ ٢٠٢٣م

____________

*مدير مركز الشرق العربي

مصادر الترجمة:

[1] جمع الشيخ مجد مكي حفظه الله تعالى هذه الرسائل، وهو يعمل الآن على الاعتناء بها ونشرها، ونرجو من الله أن يوفقه لذلك

[2] ربما كان هذا بحثاً من أبحاث المؤلف السابق أو هو نفسه.

٣_ رابطة العلماء السوريين : محمد عدنان كاتبي.

٤_ مركز الشرق العربي: زهير سالم.

٥_ موقع نبض .

٦_ موقع قناة حلب اليوم .

٧_ مواقع إلكترونية أخرى.

وسوم: العدد 1070