شخصية المجاهد الشهيد عمر المختار في الشعر الإسلامي المعاصر

clip_image002.jpg

عمر المختار..هو أسد الصحراء، وشيخ المجاهدين الذي حارب الغزاة الإيطاليين منذ عام 1911 حتى أسره وإعدامه عام 1931م.

     إنه المجاهد الليبي الذي قاوم الغزو الإيطالي لبلاده في الفترة من 1911 إلى 1931. لقبه الليبيون بـ”شيخ المجاهدين” و”أسد الصحراء”، وأسره الإيطاليون، وعقدوا له محاكمة صورية قضت بإعدامه شنقا في 16 سبتمبر/أيلول 1931.

المولد، والنشأة:

   ولد عمر بن المختار بن عمر المنفي عام 1862 (وقيل عام 1858) في قرية جنزور بالبطنان في منطقة الجبل الأخضر ببرقة شرقي ليبيا.

   والده المختار بن عمر من قبيلة المنفة من بيت فرحات، توفي في رحلته إلى مكة لأداء فريضة الحج، فتولى الشيخ حسين الغرياني (شيخ زاوية جنزور السنوسية) رعايته وشقيقه محمد بوصية من أبيه، فأدخلهما مدرسة القرآن الكريم بالزاوية، ثم ألحق عمر المختار بالمعهد الجغبوبي.

   مكث عمر المختار في معهد الجغبوب 8 أعوام، حيث درس العلوم الشرعية المتنوعة كالفقه والحديث والتفسير، ومن أشهر شيوخه الذين تتلمذ على أيديهم: السيد الزروالي المغربي، والسيد الجواني، والعلامة فالح بن محمد بن عبد الله الظاهري المدني.

الدراسة، والتكوين:

  التحق عمر المختار بمعهد واحة الجغبوب التي كانت آنذاك عاصمة للدعوة السنوسية شرقي ليبيا، فدرس فيه مدة 8 سنوات العلوم الشرعية من فقه وحديث وتفسير.

  وقد تميز بثقافة دينية عميقة وبشخصية قيادية عززتها نشأته في الصحراء، حيث خبر القبائل وحروبها، وتعلم وسائل فض الخصومات البدوية، كما أصبح ماهرا بمسالك الصحراء.

التوجّه الفكري:

   تربى عمر المختار منذ صغره على مبادئ الدعوة السنوسية ذات المنزع العلمي الجهادي، وهو القائل في ولائه لها: “إن قيمتي في بلادي -إذا ما كانت لي قيمة أنا وأمثالي- مستمدة من السنوسية”.

الوظائف، والمسؤوليات:

  شق عمر المختار طريقه نحو الزعامة مبكرا حين حاز ثقة مشايخ الدعوة السنوسية، فأسند إليه محمد المهدي السنوسي (شيخ الدعوة) مشيخة “زاوية القصور” بالجبل الأخضر 1897، واختاره ليرافقه إلى تشاد لما قرر نقل قيادة الزاوية السنوسية إليها 1899.

  ثم عُين شيخا لزاوية عين كلكة، هناك فساعد في نشر تعاليم الإسلام بتلك المناطق، ثم عاد إلى الجبل الأخضر سنة 1906 فتولى مجددا مشيخة “زاوية القصور”، وفيما بعد أصبح قائدا لمعسكرات السنوسية بالجبل الأخضر.

المسار الجهادي:

  شارك عمر المختار أثناء وجوده بتشاد في المعارك التي خاضتها كتائب السنوسية (1899-1902) ضد الفرنسيين الذين احتلوا المنطقة، وكانت لا تزال وقتذاك ضمن الأراضي الليبية.

وفي سنة 1908 دُعي للمشاركة في المعارك بين السنوسيين والقوات البريطانية على الحدود الليبية المصرية.

  وفي 29 سبتمبر/أيلول 1911، أعلنت إيطاليا الحرب على الدولة العثمانية التي كانت ليبيا حينذاك جزءا منها، وبدأت السفن الحربية تقصف مدن الساحل الليبي.

  يومها سارع عمر المختار بالعودة إلى “زاوية القصور” لتنظيم حركة الجهاد ضد الغزاة الإيطاليين، فشارك في معركة السلاوي أواخر 1911.

   وتولى قيادة “المجلس الأعلى” للعمليات الجهادية الذى أدار أعظم المعارك في التاريخ الليبي مع المحتلين الإيطاليين، خاصة بعد انسحاب الأتراك من البلاد عام 1912 بموجب معاهدة لوزان التي تخلوا فيها لإيطاليا عن ليبيا.

  ألحق المجاهدون -بقيادة عمر المختار- بالغزاة هزائم مريرة، فقتلوا مئات الضباط والجنود، وخاضوا مئات المعارك في حرب استمرت 20 عاما.

  ولما انسحب السنوسيون من ليبيا إلى مصر 1922، ظلت الحرب قائمة بقيادته، وعندما حاصره المحتلون سنة 1926 في الجبل الأخضر، لجأ إلى حرب العصابات فأجبرهم على طلب مفاوضته سنة 1929، لكنه رفض مطالبهم بوقف القتال والخروج من البلاد واستأنف قتالهم حتى وقع في الأسر وأعدم عام 1931.

الأسر والشهادة:

    كان من عادة عمر المختار في كل سنة الانتقال من مركز إقامته إلى المراكز الأخرى التي يقيم فيها المجاهدون لتفقد أحوالهم، مصطحبا قوة كافية تحرسه.

    وفي عام 1931 ذهب المختار كعادته لكن في نفر قليل يقدر بمئة فارس، ثم عاد فردَّ من هذا العدد 60 فارسًا وذهب في 40 فقط.

   وفي الجبل الأخضر، يوجد واد عظيم اسمه وادي الجريب (بالتصغير)، وهو صعب المسالك كثير الغابات، كان لا بد من اجتيازه، فمر به عمر المختار ومن معه، وباتوا فيه ليلتين.

   وعن طريق عملائها، علمت إيطاليا بمكان المختار، فأمرت بتطويق الوادي من جميع الجهات، فوقع المختار ورفاقه وسط العدو، والتحمت المعركة داخل الوادي.

   أصيب عمر المختار بجراح في يده، وأصيب فرسه بضربة قاتلة، وحُصرت يده السليمة تحت الفرس فلم يتمكن من سحبها، ولم تسعفه يده الجريحة.

   ويوم 11 سبتمبر/أيلول 1931، هجم جنود الطليان على المختار دون أن يعرفوا شخصيته في البداية، وتم القبض عليه، وتعرَّف عليه أحد الخونة، وجاء الكمندتور داود باتشي متصرف درنة ليتعرف عليه، ونقل المختار سريعا إلى ميناء سوسة محاطًا بعدد كبير من الضباط والجنود الإيطاليين، ومن ثم نقل فورًا إلى بنغازي عن طريق البحر.

   قدم الإيطاليون المختار لمحاكمة عسكرية صورية في بنغازي حكمت عليه بالإعدام شنقا، فنفذ فيه الحكم -أمام آلاف الليبيين- صباح يوم 16 سبتمبر/أيلول 1931.

   سجل التاريخ كلماته الأخيرة قبيل إعدامه عندما قال للضابط الإيطالي الذي كان يحقق معه: “نحن لا نستسلم.. ننتصر أو نموت، وهذه ليست النهاية، بل سيكون عليكم أن تحاربوا الجيل القادم والأجيال التي تليه، أما أنا فإن عمري سيكون أطول من عمر شانقي”.

أسد الصحراء:

   وُثقت قصة كفاح المختار في فيلم شهير للمخرج السوري مصطفى العقاد بعنوان “أسد الصحراء”، أنتج سنة 1981 وأدى فيه الممثل أنتوني كوين دور عمر المختار.

   تأسست جامعة باسمه في ليبيا عام 1961، ومنذ عام 1971 ظهر وجه المختار على الورقة النقدية الليبية من فئة العشرة دنانير، كما أطلق اسمه على بعض الطرق والشوارع والمساجد في عدد من دول العالم خاصة الدول العربية.

    وفي سبتمبر/أيلول 2008، انحنى رئيس الوزراء الإيطالي وقتها سيلفيو برلسكوني أمام محمد نجل عمر المختار معتذرا عن فظائع بلاده بحق الشعب الليبي، وقورنت صورة انحنائه ذلك بصورة التقِطت لعمر المختار مكبلا بالأغلال قـُبيل إعدامه.

   واستلهم الليبيون في ثورة 17 فبراير/شباط 2011 -وفي الذكرى المائة للاحتلال الإيطالي- تجربة عمر المختار الجهادية، فأطلقوا اسمه على جماعات مشاركة في المظاهرات الشعبية، ثم على ألوية عسكرية قاتلت كتائب العقيد الراحل معمر القذافي، كما ضمّنوا عَلمَه الأسود ذا النجمة والهلال في علم الدولة بعد نجاح الثورة.

 شخصية المجاهد الشهيد عمر المختار في الشعر الإسلامي المعاصر:

    إن شخصية المجاهد الشهيد عمر المختار شخصية آسرة؛ لذا وقع الكثير من الناس في حبها، وتناولها العديد من الشعراء بالمديح والرثاء ..

عمـــر المختار:

      ولقد كتب الشاعر الشيخ حسين الاحلافي قصيدة عنـــدما نشرت صورة الشهيد عمر المختار، وهو مكبل بالحـديد ليدفع إلى الجلاد بقرية " سلوق "، وقد ظهر الجنود الطليان فرحين بهذا الصيد الثمين...

يا للوقــاحة صـوروك مكبـــّلا واستحقـروك وأنـت أعظـم شـانا

وقفوا إزائــك مظهــرين سرورهم فـي موقـف يستجلـــب الأحــزانا

أمنــوا يمينـــك وهي موثقــة ولـو طلقـت يمينك وامتطيت حصانا

ورأوا سلاحك مصلتــا لتأخـروا وتهيّبــوك وغـادروا الميـــــدانا

كالليث تسحــب في حديــدك بينهم ولأنـت أثبــت في اللقـاء جنانا

كم مــرة زحفـــوا عليـــك بجحفل يكســــو الجبال ويمـلأ الوديــانا

فـفللــت جيشهــــم العظيــم بقـــوة جبــــّارة لا تعرف الإذعانا

يا عصبـة الطليـان مهـــلا إننا عـرب كــرام لـن تضيـع دمانا

لن تستريحـــوا بثأرنــا أبدا ولن ننـسى وإن طال الزمـــان حمانا

     وهذه قصيدة أخرى كتبها الشاعر السوري سليمان العيسى يمدح الشهيد عمر المختار في مهرجان بنغازي لاتحاد المؤرخين العرب عام 1979م، فيقول:

دمك الطريق، وما يزال بعيدا** علق برمحك فجرنا الموعودا

دمك الطريق ولو حملنا وهجه** أغنى وأرهب عدة وعديدا

دمك الطريق فما تقول قصيدة ** أنت الذي نسج الخلود قصيدا

اضرب بحافر مهرك النير الذي ** ما زال في أعماقنا مشدودا

   ويؤكد الشاعر بأن الشهيد أعاد لرمال الصحراء العربية اشراقها ومجدها العريق ..

شيخ الرمال يهزهن عروبة ** وعقيدة تسع الوجود وجودا

    ويؤكد بأن جهاد المختار أحيا الأمة، وفتح باب الشهادة والخلود على مصراعيه:

جئت القبور ونحن في أعماقها ** فأريتها المتحدي الصنديدا

وفتحت باب الخالدين فمن يشأ ** صنع الحياة مقاتلا وشهيدا

انزل على المختار في شهقاته ** واحمل بقية نزعه تصعيدا

انزل على دمه ستعرف مرة ** درب الخلاص الأحمر المنشودا

شيخ الشهداء عمر المختار:

  ولقد حظي الشهيد عمر المختار باحترام الجميع من عرب وعجم، ومن مسلمين ومسيحيين، فهذه مرثية للشاعر خليل مطران ( لبنان) يقول فيها:

أبيت،والسيفُ يعلوا الرأس ،تسليمــا وجُدتَ بالروح ِ جودَ الحُر إنْ ضيما

تذكر العرب والأحداث منسية ماكان، إذا ملكوا الدنيا، لهم خيما

لله يا عمر المختار حكمته في أن تلاقي ما لاقيت مظلوما

إن يقتلوك فما أن عجلوا أجلا قد كان ، مذ كنت ، مقدوراً ومحتوما

هل يملك الحي ، لو دانت له أمم لأمر ربك تأخيراً وتقديما

لكنها عظة للشرق أوسعها مصابه بك في الإخلاد تجسيما

لعله مستفيق بعد هجعته أو مستقبل من الخسف الذي سيما

أجدر برزئك لم تحذر عواقبه أن يفجع العرب تخصيصاً

وأن يؤجج ناراً في حميتهم وأن يرد فرند الصبر مثلوما

هيهات نوفيك، والأقوال عدتنا حقاً ونوفي الصناديد المقاحيما

من الألي صبروا الصبرالجميل وقد ذاقوا الكريهين : تقتيلاً وتكليما

لعل أشقاهم الباقي على أسف وعلى أرواحهم من قر مرحوما

قد أثموكم وكم من مثلة نزلت بالأبرياء وبالأبرار تأثيما

وإنما ذنبكم ذنب الألى جعلوا صدق الهوى للحمى ديناً وتعليما

أمضوا رفاقاً كراماً حسبكم عوضاً فخر عزيز على الخطاب إن ريما

قد سرتم في سبيل الخير سيرتكم محققين رجاء خيل موهوما

لا حاكما دون ما أوحت ضمائركم تراقبون ولا ترعون محكوما

يحطم العظم منكم دون بغيتكم فما تهون ويأبى العزم تحطيما

ليس الإرادة إلا من يكون على رأى ومن يتناهى فيه تصميما

ما السجن؟ حين يذاد الخسف عن وطن بعاره باء في الأوطان موصوما

يغني من الشمس في أعماق ظلته يرق من الأمل الموموق إن شيما

عدن على طيبها لو شيب كوثرها بظل باغ لعاد الورد مسموما

ما الموت ؟ أن تك منجاة البلاد به من غاصب وانتصاب الشعب مهضوما

هذا هو العيش والقسط العظيم به من خالد الفخر فوق العمر تقويما

إن الفداء لأغلى ما حمدت له أخرى وإن كان في أولا مذموما

وما أعتدال زمان لا يقوَمه بنوه بالصبر والإقدام تقويما

يا سادة أطلعت مصر بهم شهبا والليل خيم بالأحداث تخيما

فما ونوا للحمى عن واجب وبنوا للمجدفيه طرافاً كان مهدوما

أعزة إن بدا من فضلهم أثر فكم لهم من جميل ظلمكتوما

وللفدى كالندى حال مترهة في حكمها ينفس المجهول معلوما

شاركتم الجار في خطب ألم به وما أدخرتم لشيخ العرب تكريما

كذا تكافئ مصر العاملين بما يعدد الأماني تمجيداً وتعظيماً

أكرم بها وهي تحني الرأس هاتفة تحية أيها القتلى وتسليماً

    رحـم الله أسد الصحراء عمر المختار ، الذي دوخ الطليان طيلة عشرين سنة ، وهذا جزء من قصيدة للشاعر التونسي محمود أبو رقيبة، ولم أعثر على بقية القصيدة وامل ممن عنده بقيتها أن يزودنا بها .

يقول الشاعر محمود ابو رقيبة:

مضى عمر المختار لله رافلا ً

بثوب ِ نقي حيكَ من خالص الطهر ِ

مضى عمر المختار لله بعدما

قضى الواجب الأسمى بأعلى ذري الفخر ِ

مضى عمر المختار لله هانئا ً

سعيدا ً شهيدا وانطوت صفحة العمر ِ

مخلفة ً للعالمين مآ ثرا ً

هي الغرر البيضاء في جبهة الدهر 

    رحم الله شيخ المجاهدين عمر المختار ، الذي أصبح قدوة للثوار في كل مكان، واليكم قصيدة الشاعر المبدع ( محمود عماد ) حيث يقول:

طرْ بالخيال أذا عصتـك الاضلُـعُ

واشخص الى حيث الاسنة ُ تشرعُ

واذا سمعت من القنلبا قصفَهـا

فاسأل رسولَ الموتِ عمـا يصنـعُ

واحذر هبوط السهل إن رمالـه

لججُ ُ هنـاك مـن المـا تتدفـع

رسبت بها الاشـلاءُ كـل مشـوه

بادي الاشاجع او صريعُ ُ ينـزع

وسَمَ ارصاص جُسُمهـم بعبـارة ٍ

فصحى ترددها هنـاك الاصقـع

شيبٌ تميل على العصى وفيتـة ٌ

شعث الوجـوه ونسـوة تتوجـع

نفسـي لغانيـةٍ تحـدّر دمعهـا

جزعا على إلف دهـاه المصـرعُ

تبكي ولكن هل يُلبـي صوتهـا

ألا المثقـفُ والحسـام المشـرعُ

واللأمُ تنـدبُ طفلهـا فيجيبهـا

شيـخ ٌ طريـحٌ فراشـهِ يتفـجـع

يمضي الفقيد وقومه من بعـده

عيـن ٌ مسهـدة ٌ وقلـبٌ مُوَجـع

في ساحة الآجال صِيـدٌ عـوِّدوا

سفك الدماءِ وأسدغـاب ٍجـوع

يتخطفون من الجُسوم ِ نفوسهـا

جشعا ً وتختطفُ الجسومَ الأضبـع

قد غركم نسم البحـار فدونكـم

وهجَ القفار إن استطعتم فازمعوا

هـي موتـة ٌ جبليـة ُ لا فسحـة ُ

بحرية ٌ وطبـولُ حـرب ٍ تقـرعُ

لا تسمعون سوى مقالـةِ مُرهـفٍ

يقظ الجنان ِ وما يقول المدفـع

فخذوا أفانين الوغى عن عصبة ٍ

قد أتقنوا رميَ القلوبِ وابدعوا

وتعلموا معنى الحـروب فإنهـا

ليسـت إغـارة مجـرم يتـوقـع

(روما) تعزُّ عليكـم إن رُوِّعـتْ

وكذا ( طرابلس ) اعز ُ وأمنع

رثاء عمر المختار:

    كما كتب الشاعر: أحمد شوقي أروع قصيدة في رثاء الشهيد البطل عمر المختار، فقال:

رَكَزوا رُفاتَكَ في الرِمالِ لِواءَ

يَستَنهِضُ الوادي صَباحَ مَساءَ

يا وَيحَهُم نَصَبوا مَناراً مِن دَمٍ

توحي إِلى جيلِ الغَدِ البَغضاءَ

ما ضَرَّ لَو جَعَلوا العَلاقَةَ في غَدٍ

بَينَ الشُعوبِ مَوَدَّةً وَإِخاءَ

جُرحٌ يَصيحُ عَلى المَدى وَضَحِيَّةٌ

تَتَلَمَّسُ الحُرِّيَةَ الحَمراءَ

    لقد صنع الأعداء من جثمان الشهيد منارة تحرض الأجيال على الثورة، لقد أصبح الشهيد قدوة للمجاهدين:

يا أَيُّها السَيفُ المُجَرَّدُ بِالفَلا

يَكسو السُيوفَ عَلى الزَمانِ مَضاءَ

تِلكَ الصَحاري غِمدُ كُلِّ مُهَنَّدٍ

أَبلى فَأَحسَنَ في العَدُوِّ بَلاءَ

وَقُبورُ مَوتى مِن شَبابِ أُمَيَّةٍ

وَكُهولِهِم لَم يَبرَحوا أَحياءَ

لَو لاذَ بِالجَوزاءِ مِنهُم مَعقِلٌ

دَخَلوا عَلى أَبراجِها الجَوزاءَ

فَتَحوا الشَمالَ سُهولَهُ وَجِبالَهُ

وَتَوَغَّلوا فَاِستَعمَروا الخَضراءَ

وَبَنَوا حَضارَتَهُم فَطاوَلَ رُكنُها

دارَ السَلامِ وَجِلَّقَ الشَمّاءَ

خُيِّرتَ فَاِختَرتَ المَبيتَ عَلى الطَوى

لَم تَبنِ جاهاً أَو تَلُمَّ ثَراءَ

إِنَّ البُطولَةَ أَن تَموتَ مِن الظَما

لَيسَ البُطولَةُ أَن تَعُبَّ الماءَ

إِفريقيا مَهدُ الأُسودِ وَلَحدُها

ضَجَّت عَلَيكَ أَراجِلاً وَنِساءَ

وَالمُسلِمونَ عَلى اِختِلافِ دِيارِهِم

لا يَملُكونَ مَعَ المُصابِ عَزاءَ

وَالجاهِلِيَّةُ مِن وَراءِ قُبورِهِم

يَبكونَ زيدَ الخَيلِ وَالفَلحاءَ

في ذِمَّةِ اللَهِ الكَريمِ وَحِفظِهِ

جَسَدٌ بِبُرقَةَ وُسِّدَ الصَحراءَ

لَم تُبقِ مِنهُ رَحى الوَقائِعِ أَعظُماً

تَبلى وَلَم تُبقِ الرِماحُ دِماءَ

كَرُفاتِ نَسرٍ أَو بَقِيَّةِ ضَيغَمٍ

باتا وَراءَ السافِياتِ هَباءَ

بَطَلُ البَداوَةِ لَم يَكُن يَغزو عَلى

تَنَكٍ وَلَم يَكُ يَركَبُ الأَجواءَ

لَكِن أَخو خَيلٍ حَمى صَهَواتِها

وَأَدارَ مِن أَعرافِها الهَيجاءَ

لَبّى قَضاءَ الأَرضِ أَمسِ بِمُهجَةٍ

لَم تَخشَ إِلّا لِلسَماءِ قَضاءَ

وافاهُ مَرفوعَ الجَبينِ كَأَنَّهُ

سُقراطُ جَرَّ إِلى القُضاةِ رِداءَ

شَيخٌ تَمالَكَ سِنَّهُ لَم يَنفَجِر

كَالطِفلِ مِن خَوفِ العِقابِ بُكاءَ

وَأَخو أُمورٍ عاشَ في سَرّائِها

فَتَغَيَّرَت فَتَوَقَّعَ الضَرّاءَ

الأُسدُ تَزأَرُ في الحَديدِ وَلَن تَرى

في السِجنِ ضِرغاماً بَكى اِستِخذاءَ

وَأَتى الأَسيرُ يَجُرُّ ثِقلَ حَديدِهِ

أَسَدٌ يُجَرِّرُ حَيَّةً رَقطاءَ

لقد كبل الشهيد بالحديد فلم يتعب ولكن الذي أتعبه مرور الأعوام وكبر السن ..

عَضَّت بِساقَيهِ القُيودُ فَلَم يَنُؤ

وَمَشَت بِهَيكَلِهِ السُنونَ فَناءَ

تِسعونَ لَو رَكِبَت مَناكِبَ شاهِقٍ

لَتَرَجَّلَت هَضَباتُهُ إِعياءَ

خَفِيَت عَنِ القاضي وَفاتَ نَصيبُها

مِن رِفقِ جُندٍ قادَةً نُبَلاءَ

وَالسُنُّ تَعصِفُ كُلَّ قَلبِ مُهَذَّبٍ

عَرَفَ الجُدودَ وَأَدرَكَ الآباءَ

دَفَعوا إِلى الجَلّادِ أَغلَبَ ماجِداً

يَأسو الجِراحَ وَيُعَتِقُ الأُسَراءَ

وَيُشاطِرُ الأَقرانَ ذُخرَ سِلاحِهِ

وَيَصُفُّ حَولَ خِوانِهِ الأَعداءَ

وَتَخَيَّروا الحَبلَ المَهينَ مَنِيَّةً

لِلَّيثِ يَلفِظُ حَولَهُ الحَوباءَ

حَرَموا المَماتَ عَلى الصَوارِمِ وَالقَنا

مَن كانَ يُعطي الطَعنَةَ النَجلاءَ

إِنّي رَأَيتُ يَدَ الحَضارَةِ أولِعَت

بِالحَقِّ هَدماً تارَةً وَبِناءَ

شَرَعَت حُقوقَ الناسِ في أَوطانِهِم

إِلّا أُباةَ الضَيمِ وَالضُعَفاءَ

ويناجي الشاعر الإسلامي الكبير شوقي الشعب ويطلب منه الفهم، ثم الوعي والثورة ضد الطغاة ..

يا أَيُّها الشَعبُ القَريبُ أَسامِعٌ

فَأَصوغُ في عُمَرَ الشَهيدِ رِثاءَ

أَم أَلجَمَت فاكَ الخُطوبُ وَحَرَّمَت

أُذنَيكَ حينَ تُخاطَبُ الإِصغاءَ

ذَهَبَ الزَعيمُ وَأَنتَ باقٍ خالِدٌ

فَاِنقُد رِجالَكَ وَاِختَرِ الزُعَماءَ

وَأَرِح شُيوخَكَ مِن تَكاليفِ الوَغى

وَاِحمِل عَلى فِتيانِكَ الأَعباءَ

   رحم الله الشهيد عمر المختار رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا.

مصادر الترجمة:

١_ الموسوعة التاريخية الحرة.

٢_ موقع الجزيرة نت.

٣_ ديوان خليل مطران.

٤_ ديوان أحمد شوقي.

٥_ ديوان سليمان العيسى.

٦_ مواقع إلكترونية أخرى.

وسوم: العدد 1073