الدكتور مأمون جرّار

الدكتور مأمون فريز جرّار

 ( 1369 ه – ....) ( 1949م – ....)

حسني جرار

* تقديم

* حياته ودراسته

* حياته العملية

*نشاطه

* شعره

* نكبة فلسطين في شعره

* شعره الإسلامي والاجتماعي

* رأيه في الشعر والأدب

* آراء الأدباء والنقاد في شعره

* آثاره الأدبية

*قصائد مختارة من شعره

 تقديم

الدكتور مأمون جرار أديب التزم الإسلام عقيدة ومنهجاً وسلوكاً في الحياة .. له تجربة أصيلة في مجال الشعر والقصة .. وهو أحد الوجوه الأدبية والنقدية والفكرية في الساحة الأردنية والساحة العربية .. وهو يرأس المكتب الإقليمي لرابطة الأدب الإسلامي العالمية في الأردن منذ عدة سنوات .

 حياته ودراسته

على ربوة من رُبا فلسطين ، تطلُّ على سهول يانعة خضراء ، وفي بلدة – تقع بمنتصف المسافة بين مدينتي نابلس وجنين – عُرفت باسم صانور([1]) ولد الشاعر مأمون فريز محمود جرار عام 1949م .. ونشأ في أسرة محافظة متديّنة ، عرفت باستقامتها وتمسّكها بإسلامها . وبدأ تعليمه الابتدائي في مدرسة صانور ، وأتمّه وواصل دراسته الإعدادية والثانوية في مدينة جنين ، وتخرّج فيها عام النكبة الثانية 1967 ، وكان من المتفوقين في امتحان الشهادة الثانوية .

ولما اغتصب اليهود مدينة جنين وما تبقّى من أرض فلسطين ، اتجه شاعرنا إلى عمان لمواصلة تعليمه الجامعي ، والتحق بكلية الآداب بالجامعة الأردنية في بعثة دراسية من وزارة التربية والتعليم . وفي عام 1971 أتم دراسته الجامعية وحصل على الليسانس في اللغة العربية وآدابها ، وكان ترتيبه الأول في دفعته  ثم حصل على الدبلوم العالي في التربية عام 1973م . وفي عام 1977 ،  التحق بقسم الدراسات العليا بالجامعة الأردنية ، وحصل على ماجستير في اللغة العربية وآدابها عام 1980، وكان موضوع رسالته "أصداء الغزو المغولي في الشعر العربي" من القرن السابع إلى القرن التاسع للهجرة . وحصل على دكتوراة في منهج الأدب الإسلامي ، من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض عام 1987 ، وكان عنوان رسالة الدكتوراة: خصائص القصة الإسلامية .

 حياته العملية

عمل الدكتور مأمون بعد تخرجه من الجامعة الأردنية مدرّساً لمادة اللغة العربية في مدارس وزارة التربية والتعليم بالأردن لتسع سنوات من عام 1971-1980. ثم عمل مدرساً في مدارس الإمارات العربية المتحدة لمدة سنتين من عام 1980-1982. ثم توجّه إلى الرياض وعمل محاضراً ، ثم أستاذاً مساعداً في جامعة الملك سعود بكلية الآداب – قسم اللغة العربية ثماني سنوات من عام 1982-1990م.

وعاد إلى عمّان وعمل محاضراً غير متفرغ في كلية تأهيل المعلمين ، وكلية الدعوة وأصول الدين ، ثم عميداً لكلية الخوارزمي في بداية عام 1991 ، وأستاذاً مساعداً في جامعة عمان الأهلية . وعمل باحثاً متفرّغاً للتأليف في دار البشير لسنة واحدة من عام 1992-1993م . واستقرّ به المقام أستاذاً مساعداً في جامعة العلوم التطبيقية ابتداء من عام 1993 ، وما زال يعمل فيها حتى اليوم .. وفي أثناء عمله في جامعة العلوم التطبيقية قام بالأعمال الإدارية التالية : عمل رئيساً لقسم اللغة العربية في العام الدراسي 97/1998 ، ورئيساً لقسم اللغة العربية وقسم التربية والعلوم الاجتماعية في العام الدراسي 2000/2001 ، وعضواً للجنة البحث العلمي في العام 98/1999 ، وعضواً لمجلس الجامعة في العام 98/1999 ، وعضواً للجنة الكتاب السنوي في العام 94/1995م . وقام بأعمال إدارية وعلمية في جامعات ولجان أخرى منها : عضو نادي الشعر في جامعة الملك سعود بالرياض ، وعضو لجنة الجامعة الأردنية لإعداد معجم ألفاظ الحياة العامة في مجمع اللغة العربية الأردني 1998/2000 ، وعضو لجنة الإشراف على مراجعة الموسوعة الفلسطينية 1999/2001م .

وقام بتحكيم بحوث وكتب لجهات علمية ، منها : مجلة الدّارة السعودية ، ورابطة الأدب الإسلامي العالمية ، ومجلة إسلامية المعرفة – المعهد العالمي للفكر الإسلامي ، والجامعة الإسلامية العالمية – ماليزيا ، وجامعة الزرقاء الأهلية ، وجامعة النجاح بفلسطين .

 نشاطه

كان الدكتور مأمون – منذ صغره – من الشباب الذين لهم نشاط في مجالات كثيرة من مجالات العمل الإسلامي ، وخاصة المجال الأدبي والمجال التربوي .. فكان في مدينة جنين من أكثر الشباب نشاطاً . ومن الأنشطة التي قام بها ، عندما قام الداعية الإسلامي المعروف الدكتور يوسف القرضاوي عام 1966 بزيارة للضفة الغربية ، وقام بجولة ألقى فيها محاضرات في جنين ونابلس والقدس والخليل وغيرها ، رافقه الدكتور مأمون في تلك الجولة ، وألقى قصائد في تلك المحاضرات ، وكان وقتها مازال طالباً في المرحلة الثانوية من دراسته  .

وفي عمّان شارك في كثير من مجالات النشاط .. فكان في الجامعة الأردنية من أعضاء اللجنة القائمة على توجيه الشباب – في اتحاد الطلاب – توجيهاً إسلامياً  وكان يكتب في الصحف منذ عام 1964 ، وقد نشر العديد من المقالات الإسلامية والأدبية و الاجتماعية و التربوية في كثير من الصحف والمجلات الأردنية والعربية والإسلامية  وشارك في تقديم عدد من الأحاديث والندوات في الجامعات ، وفي الإذاعة الأردنية والقنوات الفضائية  العربية ، وشارك في كثير من المناسبات الإسلامية والوطنية التي أقيمت في الأردن وفي بلدان كثيرة من الوطن العربي والإسلامي .. كما شارك في كثير من المؤتمرات والندوات الأدبية والعلمية ، منها : الندوة العالمية للأدب الإسلامي في لكنو بالهند عام 1981 ، وندوة الأدب الإسلامي في الرياض التي أقيمت في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية عام 1985 ، والملتقى الدولي الأول للفن الإسلامي في قسنطينة بالجزائر عام 1990 ، والملتقى الدولي الأول للأدب الإسلامي في وجدة بالمغرب عام 1994م ، والملتقى الدولي الثاني للأدب الإسلامي في الدار البيضاء في المغرب عام 1998 وملتقى جامعة آل البيت الثقافي الثاني بالأردن عام 1998 ، ومؤتمر الأدب الإسلامي – الواقع والطموح – في جامعة الزرقاء بالأردن عام 1999 ، ومؤتمر الأدب في خدمة الدعوة في جامعة الأزهر بمصر عام 1999 ، والملتقى الأول للأديبات الإسلاميات بالقاهرة عام 1999 ، وندوة اللغة العربية متطلباً جامعياً بالجامعة الهاشمية ، عام 2001م ، والملتقى الدولي الرابع للأدب الإسلامي في فاس بالمغرب عام 2004م .

وللدكتور مأمون نشاط إعلامي متعدّد ومتميز ، ومن هذا النشاط :

1- كتابة زاوية أسبوعية في جريدة الدستور الأردنية بعنوان " بصائر " .

2- كتابة زاوية أسبوعية في جريدة اللواء الأردنية بعنوان " آفاق " .

3- المشاركة في برنامج " في ظلال الإيمان " في الإذاعة الأردنية .

4- إعداد وتقديم برنامج أسبوعي في الإذاعة الأردنية بعنوان " نظرات في آيات"  .

5- إعداد وتقديم برنامج بعنوان " تسبيحات كونية " لقناة الرسالة الفضائية .

6- تقديم برنامج " أحلى الأمسيات " في قناة الرسالة الفضائية خلال شهر رمضان المبارك لعام 1427ه .

وللدكتور مأمون ارتباط بعدد من الهيئات والجمعيات : فهو عضو في رابطة الأدب الإسلامي العالمية ، ورئيس المكتب الإقليمي لرابطة الأدب الإسلامي العالمية في الأردن منذ عام 1995م ، وعضو مجلس أمناء رابطة الأدب الإسلامي العالمية منذ عام 1995م ، وعضو مجلس إدارة جمعية الدراسات والبحوث الإسلامية في عمّان منذ عام 2004م .

 شعره

الدكتور مأمون شاعر موهوب . قال الشعر منذ صباه ، شعره فيه متعة وفيه جمال ،  امتاز بالرقة والصفاء ، وجاء صادق الإحساس والتصوير ، نسج أكثره على منوال النظم العربي الأصيل ، ولكنه تأثر بالشعر الحديث ونسج على منواله ، ولم يخرج فيه عن الوزن الشعري .

كانت بدايته مع الشعر عام 1961 ، وكان ينشر إنتاجه في جريدة المنار والشهاب والمجتمع . وصدرت له أول مجموعة شعرية في عام 1969 بعنوان "القدس تصرخ" ، وصدرت مجموعة ثانية عام 1981 بعنوان "قصائد للفجر الآتي" ، وصدرت مجموعة ثالثة عام 1983 بعنوان "مشاهد من عالم القهر" . ثم اتجه للكتابة النثرية الأدبية ، التي تجلّت في عدد من الأعمال القصصية ، مثل : "صور ومواقف من حياة الصالحين" ، و "صور ومواقف من حياة الصالحات" ، و"من قصص النبي"،و"شخصيات قرآنية" .

توقف الدكتور مأمون عن الشعر سنوات . بل شُغل عنه ، وكان يراوده شعر لا يرتضيه ، ويستعصي عليه شعر يتطلّع إليه .. يقول في قصيدة بعنوان "شكوى من الشعر"([2]) :

يـا منبتَ الشعر ما للشِّعر iiيجفوني
كـم لـيـلـةٍ بتّ فيها حائراً iiقلقاً
عجبتُ يا صاحِ من شعرٍ يطاوعني



أسـعـى إلـيـه ولكن لا يُواتيني
اسـتـمطرُ الشعرَ أبياتاً iiفيعصيني
يوم  الرّخاء وحينَ البأس iiيعصيني

ثم بدأ شاعرنا ينظم بعض القصائد من حين لآخر . ولما اجتمعت لديه مجموعة جديدة ، أصدرها بعنوان "رسالة إلى الشهداء" ، ووعد بأن يتابع مسيرته الشعرية ، ويُخرج لنا مجموعات أخرى جديدة .

والدكتور مأمون شاعر مؤمن صادق انبثق شعره من واقع الحياة التي يعيشها..، فقد أحسّ نكبة أمته ودافع عن قضاياها ، وساهم بشعره في كثير من المناسبات الإسلامية ، وحمل آمال أمته وآلامها وتطلّع إلى استئناف حياة إسلامية تكون الطريق لتحرير وطنه المغتصب .. فجاء شعره تعبيراً عن خلجات نفسه وتصويراً لومضات مشاعره ، وصار لنا و احداً من الحداة لركب الإيمان السائر على درب الحق .

طرق في شعره معظم أغراض الشعر ، ونظمه في مجالات متعددة . نظمه في الدعوة إلى الإسلام ، وفي قضايا الأمة العربية والإسلامية ، وفي نكبة بيت المقدس وفلسطين ، وفي الجهاد والاستشهاد .. وله شعر في الرثاء وذكر الموت ، وشعر وطني ووجداني ، وشعر في الوصف .. وهو في جميع أشعاره ينبض بروح إسلامية .

 نكبة فلسطين في شعره

كان لفلسطين وطن الشاعر نصيب كبير من شعره ، وكان لضياع بيت المقدس ، وضياع ما تبقّى من فلسطين الكثير الكثير من شعره .. فشاعرنا ولد بعد نكبة 1948 بعام واحد ، وأنهى دراسته الثانوية عام النكبة الثانية 1967م .. وواكب أحداث القضية حدثاً حدثاً ، وعاش معها بأفكاره وأحاسيسه ، وكان لتلك الأحداث والنكبات أثر واضح في حياته الشعرية ..

فمن وحي الهزيمة القاسية التي منيت بها الأمة عام 1967 ، والتي ضاعت فيها البقية الباقية من فلسطين ، فكانت لقمة سائغة ليهود ، ليحكموا بعدها قبضتهم على فلسطين المسلمة كلها .. من وحي هذه الهزيمة المريرة التي فجّرت براكين الغضب في النفوس ، نجد شاعرنا الدكتور مأمون يستحث شعبنا المكبل ليفكّ قيوده ، ويحرّر إرادته من عوامل الخوف والذلّ والهوان ، فيقول في قصيدة بعنوان "أيها الشعب"([3]) :

أيـها  الشعب كيف ترضى iiبذلّ
أيها  الشعب أين روحك ضلّت ؟
أيـها  الشعب هل مرادك iiعيش
أين روح الجهاد يا شعب iiتسري




كيف  ترضى بأن تذلّ وترغم ii؟
أين تاهت ؟ وأين نارك تضرم ؟
فـيـه تـحيا كما البهائم تنعم ii؟
فـيـثور الأبطال ثورة ضيغم ii؟

وهو ينكر على أبناء شعبه الذين نزحوا من غربي النهر بعد هزيمة 1967 فكرّروا ما حدث في الهجرة الأولى عام 1948 ، ويحذرهم من مخاطر ذلك داعياً إياهم للثبات والجهاد ، والتأسي بأبطال الفتح الإسلامي كخالد وأبي عبيدة . وحتى يستثير حميتهم ويحفزهم للجهاد ، وعدم الركون إلى حياة الدّعة والهوان ، طلباً لسلامة الأبدان ، نراه يضرب لهم أمثلة من بعض الأحياء والجمادات التي أنفت الذل والقعود ، وأبت إلا حياة الحركة والحرية ، لتحقيق رسالتها ووجودها في الحياة ، فيقول :

كـيف تأبى الطيور عيشة iiذلّ
كـيف تأبى المياه طول iiسكون
كيف تأبى الرياح ، إلا iiهياجاً
أيـها  الشعب قم نجاهد iiنكافح




ثم نرضى ونحن يا شعب iiأعلم
ثم نرضى ونحن يا شعب أحكم
ثم نرضى السكون والليل مظلم
إنـمـا الخلد في الطريق فأقدم

ثم يضرب لشعبه المكلوم مثالاً لنضال شعب الجزائر الذي حصل على حريته واستقلاله بالدم والنار .. ولهذا فهو يحذر أبناء شعبه النازح من الانخداع والسير في طريق ما يسمى بالسلام والاستسلام ، بديلاً عن طريق الجهاد ، فيقول :

فـتية الحق في الجزائر iiثاروا
لـم يهابوا بأس العدو iiوساروا
ثـم نالوا الحقوق من بعد iiلأي
وضـح  الدرب ثورة iiونضال
لا  سـلام فـالسّلم مطلب iiذلّ





قدّموا النفس في المعارك iiوالدّم
في دروب للنصر والبغي يُهزم
وكـذا  اليوم إن أردت .. تقدّم
وفـداء لـلمجد .. والحق iiسلم
إن  أردنـاه فـهو موت iiمحتّم

ويستقر شاعرنا في عمان لمواصلة دراسته الجامعية ، ويشعر بما حلّ بشعبه من التشرّد والبعد عن الوطن ، فينظم قصيدة بعنوان "ماذا أقول" ، يقول فيها([4]) :

ماذا أقول ومن سيفقه قولتي

أسفي على صفٍ تمزّق شمله

والعرب سكرى في الصراع كأنما

الكلّ يقصد ذلّنا وهواننا

لو أن لي من قوّة في أمتي

لجعلتها بالدين أعظم أمة

لجعلتها نوراً يضيء على الملا

لكنها منكوبة بعصابة

طلاّب حُكمٍ لا رجال قيادة

وإذا صرخت فمن سيسمع صرختي

وغدا مثالاً قاتلاً .. للفرقة

لم يعلموا -أبداً- خيوط الخطة

أفغير ربّي منقذ من شدّة .. ؟

لجعلتها تسعى لنيل القمّة

تبدو على الدنيا بدين الرحمة

تبدو لِعَين الناظرين كشعلة

هم أسّ كلّ تهدّم أو نكبة

أطفال لهو .. لا أشاوس نهضة

وقد أدّى تكرار المصائب والمحن التي منيت بها أمتنا ، كنكبة فلسطين الأولى عام 1948 ، والنكبة الثانية عام 1967 ، وإقدام يهود على حرق المسجد الأقصى عام 1968 ، وما تلا ذلك من فتن ومحن .. أدى ذلك إلى تبلّد الأحاسيس ، وموت المشاعر، وشيوع حالة من اللامبالاة عند أبناء الأمة ، حتى لكأن المصائب التي انصبّت على رؤوسنا لا تعنينا ، وكأننا لسنا المستهدفين بها .. فنظم شاعرنا قصيدة بعنوان "الأمة المخدرة" بيّن فيها بألم واضح ، وتهكم مرير أن اللهو  والطرب هو ردّ الناس على ضياع الحقوق وتوالي النكبات ، حتى غدت حياتهم كالأنعام ، لا همّ لهم سوى الأكل والشرب واللهو ، فأضحت الأعصاب مخدّرة والمشاعر متبلّدة ميتة .. ويتساءل الشاعر بألم واستنكار عن سبب رضانا عن استباحة اليهود للأقصى وتدنيسهم لمسرى النبي r ، بينما ننخدع بسلم يرتبه لنا أعداؤنا ، لنقعد عن العمل لاسترداد وطننا بالجهاد والاستشهاد ، فيقول([5]) :

الـحـق ضاع وضاعت أمة iiالعرب
نـحـيـا كما ترتع الأنعام في iiدعةٍ
كـأنـمـا نـحـن أعصاب iiمخدّرة
فـمـالنا  نرتضي أن يستباح iiحمى
ومـا  لـنـا نـرتضي سلماً iiيزينه





فـليس في الناس غير اللهو iiواللعب
ولا  يـزلـزلـنـا سيل من iiالنّوب
مـات الشعور بها من نشوة iiالطرب
مسرى الرسول ولا نهتز من iiغضب
من راح يشري تراب القدس بالذهب

ويمرّ العيد بشاعرنا عام 1969 ، ووطنه تعصف فيه النوائب ، فينظم قصيدة بعنوان "العيد الحزين" ، يقول فيها([6]) :

أنا لست أدري كم من الأعياد يمضي ياجنين

وأنا بعيد عنك .. يعروني لجنتك الحنين

سأظل أهفو للّقا .. هيهات تسليني السنين

العيد أقبل يا جنين .. وإنه العيد الحزين

ولما بدأت كتائب الإيمان تعدّ العدة للجهاد ، بعد نكبة 1967 ، وتدخل في عمليات فدائية جهادية ضد اليهود في فلسطين ، واكب الشعراء الإسلاميون هذا التحول الإيماني في مسيرة القضية الفلسطينية ، وأخذوا يرصدون هذه العمليات ، يصفون أبطالها ، ويمجدون جهادهم واستشهادهم لإعلاء كلمة الله ، وطرد الغاصبين من أرض فلسطين .. فنظم شاعرنا قصيدة على لسان فدائيّ ، وطّن نفسه على البذل والتضحية ، وانطلق يجاهد في سبيل الله شوقاً إلى لقياه وحنيناً إلى جنته .. ووجّه هذا المجاهد رسالة إلى أمّه المؤمنة ، تمنّى فيها عليها بألا تقابل استشهاده بالبكاء ، وألا تتحسّر عليه بالحزن ، وإنما تقابل ذلك بالفرحة تغمرها ، وبالزغاريد تنطلق من فمها ، ابتهاجاً بمكانة ابنها عند الله . وقال في قصيدته([7]) :

أُمّ  لا تـبـكـي إذا مِـتُّ iiعَلَيّا
أنـا  يـا أمّ إلـى الخُلْدِ iiطريقي
فـي  سـبـيل الله أقضي iiبطلاً
زغـردي أمّـاه إن مِـتُّ iiشهيداً
كـيف  أحيا و ديارُ القدس iiتبكي
وَيْحَ  نفسي إن تراخَتْ عن iiجهادٍ






وضَـعـي الـحِنّاء في كلتا iiيَديّا
مُـطـمئنّ النّفس مَرضيّاً iiرضيّا
وشـهـيـداً نـائـلاً خُلْداً iiعَلِيّا
بـاذلاً  روحـي ودنْـيايَ iiسَخِيّا
أسمعُ الأقصى وقد أضحى بكيّا ؟
عـن  كـفـاحٍ وترى فيها iiبَغيّا

ولما تخاذلت أمتنا عن تحرير الأقصى وفلسطين ، وأصبحت القضية في ملف النسيان .. وبدأت تبرز بين حين وآخر شنشنات للتآمر عليها . نظم شاعرنا قصيدة بعنوان : "رسالة إلى الوطن المنسيّ" ، قال فيها([8]) :

كُنتَ يا موطني فوق كلّ الشّفاه

نشيداً يحرّك فينا عروق الحياةْ

يفجّر شوقاً إلى لحظة الزّحف والانتصار

يعكّر صفوَ النعيم المزيّف

ينشر في مائنا والطعام "عُروق المَرارْ"

وكنّا نردّد في كلّ صبحٍ :

غداً سنعودْ !

نعود ليافا . نعود لحيفا

وعكّا وللناصرة

نعود إلى عسقلان .. نعودُ .. نعودْ .. !

وفي عام 1981 حينما تصدى شعب الكنانة لما يسمى "بمسيرة السلام" ومعاهدة الذلّ  التي فرضت عليه آنذاك ..  وزُجّ بخيرة أبناء الشعب في السجون والمعتقلات .. وعمّت الشارع العربي والإسلامي موجة من الاستياء والاستنكار ، وقاد تلك الموجة الكثير من الكتاب والأدباء والشعراء ، ونظم الدكتور مأمون قصيدة بعنوان "سلام شعب مصر" ، تحدّث فيها عن محنة الشعب في مصر ، وقال فيها([9]) :

طغى في مصر من خرَق الحدودا
لـتـسلمَ  مصرُ سالمت iiالأعادي
مـبـادرةٌ  . مفاوضة .. iiوصلح



وألـقـى فـوق معصمها iiالقيودا
وكـبّـلـت الـمدافع و iiالجنودا
غـدت فـي عصرنا حدثاً iiمجيدا

ولكن الشاعر لا ينسى أن في مصر شعباً أبياً يأبى الضيم ويرفض الهوان ، معتقداً بأن السلام مع الأعداء المحتلين ذلّ واستسلام ، فقال :

وكم  في مصرَ من حُرٍّ iiأبيّ
تمرّد  قال : لا فالصلح كفر
وتـربة مصر للأعداء iiنار
لنا في الحرب تاريخ iiطويل




لغير الله لا يرضى السجودا
لإسرائيل لن نرضى وجودا
ولـلأحباب  نملؤها iiورودا
مـنعنا البغي فيه أن iiيسودا

ولمّا صار جيش اليهود يغير على مخيمات اللاجئين في فلسطين كل يوم .. يقصفهم من الطائرات الحربية ، ويهدم المنازل على رؤوسهم بالجرافات والمجنزرات ، ويجرف المزروعات ويقتلع الأشجار .. وأمتنا تشاهد أشلاء الأطفال والنساء في الشوارع وبين الأنقاض ، بإحساس متبلد وشعور ميّت .. فنظم قصيدة في موسم الحج عام 1402ه/1982م ، بعنوان "ألم تهزّكم الأشلاء" ، ووجهها إلى الحجيج ، وقال فيها([10]) :

لـبّـيـك لـبّيك والأقصى iiينادينا
لـم  يتركوا فيه لا طفلاً ولا iiامرأة
كم صرخة خرجت والرّعب يكتمها
تـقـول : يا أمة ضاعت iiكرامتها
ألـم  تـهـزّكـم الأشـلاء iiثاوية
ألـم  تـزلزل رقاداً في iiضمائركم
فـما  حياة وأرض القدس iiضارعة
بـالـبيت طافوا وأمّوا طَيْبة iiفمتى
مـتـى  يثير لهيب الثأر في iiدمنا
مـتـى فـقد طال تشريد iiيطاردنا










وفـي الـمـخـيـم أشلاء iiتنادينا
إلا  وذاق مـن الـمـوت iiالأفانينا
شـقّـت  إلينا مدى الآفاق iiتدعونا
وسـيـق رضّـعها للموت iiغافينا
تحت الرّكام .. ألم تسلبكم الهونا ii؟
فـتـنهضوا  في سبيل الله iiسارينا
إلـى الـحـجيج وقد جاؤوا iiملبينا
نـراهـم في رحاب القدس iiداعينا
نـاراً تـهبّ على الدنيا براكينا ii؟
فـمـا  يـفـارقـنا إلا ويأتينا ii!!

ولما هبّ شعب فلسطين في انتفاضة الأقصى ، وقدّم أبناؤه نموذجاً جديداً في الجهاد والعمليات الاستشهادية ، نظم شاعرنا عدداً من القصائد للشهداء والاستشهاديين ، وعبّر في قصيدة قصيرة بعنوان "توقيعان شعريان" عن جوهر أبناء فلسطين الذين لا يصيبهم اليأس ، فقال([11]) :

وقال :

ولما وقعت معركة جنين والمخيم "المشهورة" في نيسان من عام 2002م .. وقدّم فيها أبناء جنين والمخيم ملحمة وأسطورة في الجهاد والاستشهاد .. نظم الدكتور مأمون قصيدة بعنوان "جنين الشهيدة" ، أهداها إلى أبطال مخيم جنين .. وقدّم فيها تأكيداً لمعاني الشهادة ، ونقداً لاذعاً للواقع العربي ، حيث التفرّج على ذبح الأهل وهدم البيوت في جنين والمخيم .. فقال فيها([12]) :

لا بأسَ يا جنينْ

ملحمة تُضاف في ملاحم السنينْ

نقرأ فيها قسوة الجزّار إذْ

يُعْمِلُ في أعصابك السكينْ

لكنه لم يسمع الأنينْ

صبرتِ حتى الموت عن قولة (أخْ)

ولم تجئك نُصرة ابن العمّ

أو معونةٌ من أخْ

وأنت تذبحينْ

والأعينُ العمياءُ تبصر الجزّارَ والسّكينْ

 شعره الإسلامي والاجتماعي

والدكتور مأمون صاحب فكر إسلامي أصيل ، ولديه تصور إسلامي شامل  وشعره ينطلق من تصور إسلامي في نظرته إلى الكون والإنسان والحياة ، وفي نظرته إلى القضايا والأحداث . وهو يدعو في شعره إلى العودة للدين والاحتكام لشريعته ، والاقتداء بعلمائه وقادته الأطهار ، ومن ذلك قوله([13]) :

ما لم تقم للدين فينا دولة               ويسوسنا قوم من الأطهار

وهو ينعى على المسلمين تفرقهم في هذه الأيام .. فهم لم يتمسكوا بالدين ، ولم يسلكوا درب المعالي ، فخسروا الدين والدنيا ، ويقول في ذلك([14]) :

مـاذا  أقـول وفـي قلبي iiمواجعه
مـا أحسنوا الدين والدنيا وما سلكوا
أنـظـر  إلى دول الإسلام تلق iiبها
لـكـنـما  أملي في عصبة iiسلكت




والـمـسلمون  حيارى مثل iiقطعان
درب  المعالي وساروا درب iiعبدان
دمـاً  مـراقـاً .. وتحقيراً iiلإنسان
درب الهدى .. لم يرعها ليل طغيان

ولكن بارقة أمل دخلت نفسه عندما زار ندوة العلماء بلكنو في الهند ، وشارك في الندوة الأولى للأدب الإسلامي التي عقدت سنة 1981 ، وشاهد بعثاً للدين وتثبيتاً لأركانه ، فوجه تحية لندوة العلماء ، قال فيها([15]) :

فـي لـكـنو قلعة للدين iiشامخةٌ
أكرم بمن فيكِ من أهل التُّقى فلقد
لـمثل  هذا الذي في الهند نشهده



لاحـت محاسنها في خير عنوان
أدّوا  فـرائض كانت طيّ نسيان
ليعمل  الناس في مصر iiوسودان

وللدكتور مأمون شعر اجتماعي هادف ، يعكس في كثير من تجاربه الشخصية نظمه في عدد من الجوانب الاجتماعية والإنسانية . فله قصائد في الرثاء ، منها قصيدته التي بعنوان "كلّ شيء لانتهاء"([16]) ، نظمها عام 1973 ، عند وفاة الأستاذ حسن الهضيبي المرشد العام الثاني للإخوان المسلمين .. وفي هذه القصيدة وقفة مع الآلام التي يعانيها الداعية المسلم ، وفيها دعوة للصمود أمام هذه الآلام ، ودعوة إلى التفكير العميق في المصير الذي يمثله العنوان "كل شيء لانتهاء" .. وقد وجّه الشاعر قصيدته هذه إلى السائرين على درب الراحل الإمام حسن الهضيبي([17]) ، وقال فيها :

كلّ شيء لانتهاء !

هكذا كان من الله القضاء !

فاصبروا مهما يطل ليل البلاء !

كل شيء لانتهاء !

قف قليلاً ... !

أنت عبر الموكب الدامي شعاع أبدي !

يولد النور على جبهتك الخضراء في صبح ندي !

وحياة أنت تمتد .. وتمتد .. وتبقى كالغد !

دائماً تولد .. في كل انتفاضة قلب مهتد !!

لك يا حامل نور الله في الخلد بقاء !

والذي كان ستنساه إذا حان اللقاء !

فنعيم الخلد يفني .. كل ما يبني الشقاء !

كل شيء لانتهاء ....

هكذا كان من الله القضاء

فاصبروا مهما يطل ليل البلاء !

وللدكتور مأمون قصيدة ، نظمها في المدينة المنورة في 21 / 8 / 2000م ، يتمنى فيها أن يموت في المدينة المنورة وأن يُدفن فيها ، وهذه غاية المنى عنده .. والقصيدة فيها من الموعظة والتوجيه التربوي لشبابنا بما يذكّرهم بالموت ، ويشدّهم إلى طريق الاستقامة والتقوى ، والتمسّك بتعاليم الإسلام .. يقول فيها :

يـا  حـيـاةً بما نحبُّ iiضنينهْ
يـا لأنـوار طـيبة حين iiتبدو
طَيْبَةَ الطّيبِ هل تضمّين جسماً



مُـنْـيةُ العمر ميتةٌ في iiالمدينهْ
لِـمُـحـبٍّ ألـقى إليها iiحنينهْ
شـدّه  الشّوق منذ فارق iiطينهْ؟

وله قصائد فيها وقفات تأمّل .. منها قصيدة بعنوان "وقفة على الآثار" ، وقصيدة "الجمال في الكون" ، ومنها قصيدة بعنوان "خمسون" ، يرصد فيها ما حلّ به بعد خمسين عاماً من العمر ، حيث الشّيب ، وذهاب الطفولة والصّبا ، وكأنّ عمره رماد أو سراب .. لكنه يهفو إلى ما يتوّج هذا العمر الفاني ، وهذا الرماد والسراب ، بسفر ناجح إلى الآخرة ، حيث النور والفوز بمرضاة الله تعالى ، فيقول([18]) :

خمسون عاماً ذوت .. هل أفلتَ iiالعُمُرُ
خـمسونَ والأمنياتُ الخُضرُ قد نَسَلت
خمسون يا غمضةً للطّرفِ هل iiرَحَلَت
هـل  دار بي زمني في العمر iiدَوْرته
قـبضتُ  كفّي على عُمري فما حملت
قـد آنَ لـلـقـلب أن تُعلى iiمعارجه
يـا  بـاعثَ الشوق هيّجني إلى iiسفرٍ
أنِـرْ  بـمـشـكـاةِ قلبي للهدى iiفلقاً








والـشّـيبُ  في جنبات الشّعر iiينفجرُ
أوراقـهـا وذوى فـي البرعم iiالزّهرُ
عنّي الطفولةُ ؟ هل ولّى الصّبا النّضر
حـتـى  استَفَقْتُ وحولي تنعقُ iiالنُّذُر
إلا  رمـاداً فـلا فـحـمٌ ولا iiشـرَرُ
وآن  لـلـفـجر أن يزهى به iiالسّحَرُ
يـكـون فـي الـملأ الأعلى له iiخبر
بـه  البصيرةُ ،تُهدى iiالدربَ،والبصَرُ

وله قصيدة بعنوان "وقفة مع البحر" ، حاول فيها أن يعيد الاتصال بين الإنسان والطبيعة ، قال فيها([19]) :

أيها البحرُ أسمعُ في صمتِ ليلكَ تسبيحَ ربّي

هيبة الخلق فيكَ تنوّرَ قلبي

وإبداعُ ما فيك يطلقُ عقلي بتسبيح ربّي

آه يا بحرُ مِنْ أينَ ماؤكَ

مِنْ أينَ تعمُرُ أعماقِك الكائنات

ها هوَ الحوتُ .. ها سَمَكُ القرشِ .. ها كلُّ حجمٍ ولونٍ وشكل

آهِ يا بحرُ .. مَنْ أبدعَ الحُسنَ في هذه السّابحاتْ ؟

 رأيه في الشعر والأدب

الدكتور مأمون أديب إسلامي .. له رأي في الشعر والأدب ينطلق من منظور إسلامي .. فالشعر عنده رسالة ، وليس زخرف قول أو زينة كلام .. وإنما هو رسالة يريد إيصالها للمتلقين ..

وهو يرى أن الشعر العربي الأصيل هو الشعر العمودي المنظوم ، أما الشعر الحرّ فهو لون مستحدث من ألوان الشعر العربي يناسب إيقاع العصر الحديث وطبيعته .. ويرى أن أحد اللونين لا ينفي الآخر ، وإن كان يعتقد أن البقاء للشعر العمودي الموزون المقفى الذي عرفه العرب قديماً ، ويبقى الحكم على الشعر للقرّاء أو النقاد الذين ينظرون إليه من زوايا متعدّدة ومختلفة .

والأدب الإسلامي عنده : هو الأدب الذي ينطلق صاحبه أو منتجه من تصور الإسلام للإنسان والحياة والوجود ، ويؤمن أن شعره وأدبه هو بعض عمله الذي يحاسب عليه ، لذا لابد للأديب أن يسخّر موهبته لتحقيق العبودية لله ، التي هي سبب وجود الإنسان ، متمشياً في ذلك مع قول الرسول r : (إنّ من البيان لسحرا ، وإن من الشعر لحكمة) .. فلا بد من مراعاة جانب السحر الذي يعبر عنه بالصياغة الفنية التي تأخذ بالألباب ، والالتزام بالقواعد الفنية في الأدب ليتميز عن الكلام العادي والتأليف الفكري ..

وهو يرى أن للشعر دوراً في المعركة ضد الباطل ، وللكلمة المنثورة دور .. وأنّ الأدب بحدّ ذاته ليس هدفاً ، بل وسيلة للتعبير عن فكر الإنسان .. ولابد من أدائه بطريقة تضفي الحياة على الجمادات ، وتجسّم الأفكار وتبعث المشاعر وتحرّك الخيال .

 آراء الأدباء والنقاد في شعره

الأولى : للكاتبة الأردنية وفيقة العجلوني ، التي كتبت مقالاً إثر صدور ديوان الشاعر "مشاهد من عالم القهر" عام 1983 ، ونشرته في جريدة الرأي الأردنية وقالت فيه([20]) : "يعتبر مأمون فريز جرار من الأصوات الشعرية الملتزمة التي تسخّر البيان للإيمان ، وتنتضي التعبير سلاحاً في المعركة ، ومنذ مطلع الستينات إلى الآن لم يغادر مأمون دائرته العقدية ، بل ازداد شعره لصوقاً بروح أمته ، ولواذاً بقيمها ، وصدوراً عنها فكان مثالاً للأديب الملتزم الذي لا يتخذ الكلمة لهواً وتزجية فراغ .

ونحن مع ديوانه الجديد هذا في حضرة من هذا كله ، إن لم نقل إن شاعرنا قد أضاف نفساً جديداً هو نفس التحدّي والمواجهة على نحو ما نقرأ في مطلع القصيدة الأولى فيه حيث يقول([21]) :

أشرق في عتمة هذا الليل المُظلم

واهتف : إني مسلمْ

أشرق في هذا الزمن المتخم بالأحزانْ

والموت المجّانيّ وأغلال السجّانْ

والمسخ الإجباري لتكوين الإنسان

زمن الإحصاء لطيف الفكر ووسوسة الشيطانْ

زمن الجاسوس اللاهث خلفك في كل مكانْ

أشرق في عتمة هذا الليل المظلمْ

واهتف : إني مسلمْ

ومما قالته : "ولعل مما يجدر الانتباه إليه أن وضوح أفكار الشاعر والتزامه المبدئي لم يحولا دون أن يكون بيانه متصفاً بالجمال ، غنياً بالصور ، حافلاً بالبلاغة" . ومما جاء في ختام المقال : "وبعد ، فأحسب أن مما نخلص إليه بعد هذه الوقفة العجلى هو ضرورة توجيه أنظار نقادنا ودارسينا إلى شعر مأمون فريز جرار الذي أعرف له أعمالاً أدبية لم تعط حقها من العناية ، مع أنها تفوق كثيراً في المبنى والمعنى ما نراه موضع درس وتأمل لدى كثير من هؤلاء النقاد ، فإذا كان بعض صغار الشعراء ممن لا يقيمون العربية ، ولا يضبطون الوزن يقدّمون في صحافتنا أحسن تقديم ، فما بالنا إذن بمثل هذا الشاعر المتمكن وأضرابه ؟!" .

الثانية : للأديب الشاعر الأستاذ حكمت صالح ، الذي أشار في كتابه "نحو آفاق شعر إسلامي معاصر" إلى مجموعة من الشعراء ذوي الإبداع الفني في الشعر الإسلامي المعاصر ، فقال([22]) : "فمنذ مطلع النصف الثاني من القرن العشرين بدأت تلوح في الأفق ملامح حركة شعرية شابّة تصدر عن روح إسلامية ، ورؤية إيمانية غير أننا نجد في معطيات هذه الحركة الكثير مما نجده لدى أي تجربة أو محاولة جديدة لم تستو على سوقها بعد . ومع ذلك ثمة إرهاصات تلتمع في قصيدة هذا الشاعر أو ذاك تمنحنا أملاً بأن شعراً إسلامياً أصيلاً قد بدأ يثبت خطواته في مساحة الإبداع الفني الحديث ، ولا ننسى أن نلمح هنا – لا على سبيل الإحصاء – إلى هاشم الرفاعي ، ومحمود حسن إسماعيل ، ومحمد غزيل ، ومحمد الحسناوي ، وعمر بهاء الدين الأميري ، وعبد القادر حداد ، ووليد الأعظمي ، ومأمون فريز جرار" .

الثالثة : للدكتور أحمد بسام ساعي ، الذي تحدث في كتابه "الواقعية الإسلامية في الأدب والنقد" عن الشعراء الإسلاميين الذين حاولوا تطوير البناء العروضي في القصيدة التي اتخذت الشكل الجديد ، فقال([23]) : "وتكاد هذه المحاولات تقتصر على أعمال محدودة لشعراء إسلاميين أو لشعراء وضعوا بعض الأعمال الإسلامية ، وعلى رأس هؤلاء : نازك الملائكة ، ومحمود حسن إسماعيل ، ومحمد المجذوب ، ومحمد الحسناوي ، وعصام الغزالي ، وعبد الله عيسى السلامة ، ومأمون فريز جرار ، وشريف قاسم ، ومحمد العيد الخطراوي ، ومحمد هاشم رشيد" .. ووقف الدكتور أحمد بسام على تحليل قصيدة (على باب غرناطة) للشاعر مأمون جرار ، ونشرها في إحدى الجرائد ، وقال فيها كلاماً طيباً .

الرابعة : للكاتب محسن عبود ، الذي قدّم قراءة في ديوان "رسالة إلى الشهداء" ، نشرها في جريدة اللواء، وقال فيها([24]) : "مجموعة شعرية رابعة وقدرة لافتة على "الإدهاش" ومضامين سامية في إطار الالتزام ، وتنويع في الشكل الشعري : نصوص عمودية وأخرى على شعر التفعيلة أو "الشعر الحر" .. ومع هذا فالمجموعة تضمنت على تنويع موضوعي خصب : الشهداء ، القضية الفلسطينية ، قضايا عربية، الطبيعة ، الأصدقاء ، الشعر وغير ذلك ، ولكن تنضوي جميعها  تحت الإطار الإسلامي أو الإطار الملتزم" ..

وبعد أن تحدّث عن عدد من قصائد المجموعة وذكر أنها أدّت رسالتها ، قال : "فإن هذه المجموعة أدت رسالتها الإسلامية والإنسانية ، كما أدت رسالتها الفنية ، فالفن رسالة أيضاً ليس فقط بما يتضمن من معان سامية وإنما كذلك بما يشتمل عليه من أبعاد مؤثرة تخاطب النفوس وتثير العواطف وتصنع الرؤى الجميلة والصور المدهشة ، مما يخلق لذة ونشوة يحتاجهما المتلقي . والمجموعة وإن اشتملت على مقاطع عادية مباشرة – اقتضتها دواعي الرسالة – فإنها اشتملت كذلك على نصوص رائعة عكست قدرة الدكتور جرار الشعرية ، على الرغم من إشارته التنبيهية التواضعية إلى أنه لا يدّعي أنه شاعر محترف" .

 آثاره الأدبية

2- قصائد للفجر الآتي (ديوان شعر) – مكتبة الأقصى ، عمّان 1981 .

3- مشاهد من عالم القهر (ديوان شعر) – دار البشير ، عمّان 1983 .

4- رسالة إلى الشهداء (ديوان شعر) – دار الأعلام ، عمّان 2003 .

5- أصداء الغزو المغولي في الشعر العربي – مكتبة الأقصى ، عمان 1983 .

6- الغزو المغولي أحداث وأشعار – دار البشير ، عمان 1984 .

7- الاتجاه الإسلامي في الشعر الفلسطيني الحديث – دار البشير ، عمان 1984 .

8- خصائص القصة الإسلامية – دار المنارة ، جدة 1988 .

9- شخصيات قرآنية – دار البشير ، عمان 1992 .

10- من قصص النبي r - دار البشير ، عمان 1992 .

11- نظرات إسلامية في الأدب والحياة – المكتب الإسلامي ، بيروت 1993 .

12- صور ومواقف من حياة الصالحين (عشرة أجزاء) – دار البشير ، عمان 1995 .

13- صور ومواقف من حياة الصالحات (جزءان) – دار البشير ، عمان 1997 .

14- فنون النثر العربي القديم – جامعة القدس المفتوحة ، عمان .

15- اللغة العربية – للطالب الجامعي (مشترك) ، عمان 1995 .

16- دراسات في اللغة والنحو والأدب (مشترك) ، عمان 1997 .

17- المكتبة العربية والثقافة المكتبية (مشترك) ، عمان 1997 .

18- في رحاب اللغة العربية (مشترك) ، عمان 1999 .

قصائد مختارة من شعره

منذ قديم الزمان ، ومدينة القدس تتصف بصفات لم تنلها مدينة أخرى على وجه هذه المعمورة . فهي مدينة الأقصى ، وأرض الإسراء والمعراج ، وقبلة المسلمين الأولى . مدينة سجد على ثراها الطاهر أنبياء الهدى ، وملائكة الرحمن .. مدينة حباها الله الخير ، ومتّعها بالبركة ، وجعلها أرض المنشر والمحشر . مدينة ، الجنة تحنّ شوقاً إليها ، بل إنها بقعة من بقاع الجنة ، فعن أنس بن مالك قال : "إن الجنة تحنّ شوقاً إلى بيت المقدس ، وصخرة بيت المقدس من جنة الفردوس ، وهي صُرّة الأرض" . وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : من أراد أن ينظر إلى بقعة من بقع الجنة ، فلينظر إلى بيت المقدس" .. مدينة ارتبطت بالجهاد والرباط ، وبالفداء والاستشهاد .. مدينة أكرمها الله  وجعل القائم فيها كالمجاهد في سبيل الله..

هذه المدينة المقدسة التي كانت مهوى القلوب المؤمنة ، ومعقل الأجداد الفاتحين ، وقعلة الرباط الأولى . تغيّرت عليها الأحوال ، وألمّت بها النائبات ، وأصبحت ترزح في الاحتلال وتحيا حياة الذل .. وأخذت تستغيث شباب الأمة الإسلامية وتنتظر نجدتهم وتترقب الخلاص من قيود الاحتلال ..

ففي عام 1967 ، وقعت القدس أسيرة في يد يهود ، وخيّم الحزن على مآذن الأقصى ، وعاث اليهود في حرمه الفساد .. وبدأت محاولات لهدمه ، تارة بالحفر تحته ، وتارة بمحاولة حرقه ، والاعتداء على المصلين في رحابه ..

ولذكر القدس والأقصى صدى في نفس المسلم .. ولذلك نرى الشعراء الإسلاميين يكثرون من الحديث عنهما ، والتعبير عن مأساتهما .. يرددون صرخة القدس وصوت الأقصى ، وينادون إلى الجهاد والاستشهاد ..

وهذه القصيدة نظمها الدكتور مأمون عندما وقعت النكبة الثانية عام 1967 ، ووقعت مدينة القدس بأيدي يهود .. يستصرخ فيها أمته العربية والإسلامية لإنقاذ الأقصى من براثن الأعداء .. ويذكرهم بعزة المسلمين في ماضيهم ، ويدعوهم للعودة إلى منهج الإسلام والتمسك بتعاليمه ، وتربية الأبناء على العزة والجهاد ، لتعود لنا القدس وفلسطين ..

لقد كان موضوع "القدس" غرضاً رئيسياً في شعر الدكتور مأمون ، وقد أفرد لها ديواناً بعنوان "القدس تصرخ" .. وما زالت القدس تشكّل هاجساً له ، لا يستطيع مقاومته ، فهو يذكّر بقضيتها كلّما ألمّت بها حادثة أو حلّت بها مصيبة .. ومن ذلك نراه يقول في قصيدة عام 1983م :

صـرخـة  فـي أرضنا ممتدّة
لـم تـزلْ فـي أفـقـنا دامية
حـرقـوا  الـمسجد َأنشدنا iiله
ربّـمـا  يُـهدمُ ، هذه iiصرخةٌ
هـذه  الـقـدس فـمن iiينقذها





جلجلت في القدس يوم الاحتلالِ
دعـوةً للموتِ في ساح النضالِ
وفـديـنـاه بـأشـعارٍ iiغوالِ
ربّـمـا يُـهدمُ في سودِ iiاللّيالي
إنّ  أرض القدس ميدانُ المعالي

مـالـي أراكـم ذاهـلين iiسكارى
مـالـي أراكـم قائمين على الخنا
مـالـي أراكـم تـركضون iiلهُوَّة
يـا قـوم أبـكـتني مصائب iiأمة
يـا قـومنا قد ذاب قلبي من iiأسىً
مما  أصاب الشعب في مهد iiالهدى
عـجباً  أذل الناس تغصب أرضنا
في المسجد الأقصى تدار iiرؤوسهم
وهـنـاك في حرم الخليل iiتحلقوا
قـولـوا بـربـي كيف يهدأ iiبالنا
والـقدس  تصرخ أنقذوني iiفالعدى
ها  هم بنو صهيون داسوا iiحرمتي
يـا قـوم كـم من نكبة مرت iiولم
لـم  نـلـق بـالاً لـلنذير iiوإنما
سـرنـا عـلى درب الغواية iiأمة
هـل  نحن أحفاد النبيّ iiالمصطفى
قـبـسـاً يـنـير لكل سارٍ حائر
أم نـحـن أحـفاد لماركس iiنقتفي
أم  مـن أبـي جـهل مشينا دربه
يـا  قـومـنا كل المبادي iiكُشِّفت
لـم يـبـقَ إلا مـبـدأ نرجو iiبه
لـم يـبـقَ إلا ديـننا .. iiإسلامنا
إسـلامـنـا بـالأمـس أنشأ iiأُمة
فـغـدت  بـفضل الله أعظم iiأمة
وإذا اتـخـذنـا ديـنـنا iiمنهاجنا
يـشـرون  دنـيـاهم بأكرم ميتة
وإذاً تـعـود الـدار أكـرم iiعودة



























مـالـي أراكـم تائهين حيارى ii؟
مـتـقـلّـبين  به دجى ونهارا ii؟
خلف السراب .. ألا ترون منارا ؟
لاقـت  سـفـينةُ ركبها iiإعصارا
وتـخـافـتـت  دقـاته استنكارا
لـمـا  غـدا قومي هناك iiأسارى
وتـعـيـث في حرماتنا iiاستهتارا
ويـدنـسـون  رحـابه استحقارا
رقـصـاً  . وشقوا عنده iiالأستارا
والـقـدس خـلَّـفْنا عليها iiالعارا
رامـوا  بـإسـراء الـنبي iiدمارا
جـعلوا  الغواية .. والفساد iiشعارا
نـوعـظ  بـها إذ تحمل iiالإنذارا
سـرنـا نـطـاوع مجرماً iiجبّارا
بـلهاء  .. ماتت نفسها iiاستصغارا
أحـفـاد  مـن رفع اللواء iiوسارا
ضـل الـطـريق وخبَّط الأغبارا
آثــاره ونــردد iiالأفــكـارا
مـتـمـرديـن على الهدى iiكفارا
تـسـتـقـبل  الروبِلّ iiوالدولارا
أن  نـبـلـغ الآمـال iiوالأوطارا
يـمـحو  الفساد وينسف iiالأوكارا
كـانـت تـعـيش مذلة iiوصغارا
كـانـت  لـكـل الحائرين iiمنارا
فـبـه  نـربّـي صـفوة iiأبرارا
حـتـى يـنـالوا الخلد iiوالأنهارا
ونـعـود نـرفع في الديار iiالغارا

 قصائد مختارة من شعره

الشهيد هو من آمن بالله تعالى ، وقاتل لإعلاء كلمة الله ، وقُتل في سبيل الله

والاستشهادي هو من آمن بالله تعالى ، واستشعر حلاوة الإيمان في قلبه ، وقدّم نفسه لحياة أسمى من حياته التي يعيش .. فلا عجب أن يخترق تحصينات العدو ، ويقوم بعملية استشهادية موجعة تؤلم العدو وتهز كيانه .

والاستشهادي صاحب عقيدة ، خلص إيمانه من كل شائبة ، وتحررت نفسه من كل خوف ، ووطّن نفسه على البذل والتضحية ، وثبت على طريق الجهاد ، لا يهادن ولا يساوم .. انطلق يجاهد في سبيل الله شوقاً إلى لقياه وحنيناً إلى جنّته .

إنه فدائي صلب المراس ، يتصف بالرجولة ، يأنف الذلّ ، ولا يقيم على ضيم . يقدّم روحه فداء لعقيدته ، ودمه دفاعاً عن وطنه ، لا يهدأ له بال ، ولا يستقرّ على حال حتى يتحرر وطنه ، وترتفع فوقه راية الإسلام .

ولهذا فإن الشهادة مطلب عزيز ، وهدف نبيل ، وشرف رفيع في الدنيا ومفخرة عالية في الآخرة .. من أكرمه الله بها غنم ، ومن آثرها على غيرها فقد ذهب بعزّ الدنيا ونعيم الآخرة .. الحرص عليها خُلُق ربّاني وموقف بطولي ، يذكي حماسة المجاهدين ، ويستنهض همم المتثاقلين إلى الأرض اللاهثين وراء الشهوات .

ومنذ قامت دولة الإيمان في مدينة رسول الله حرص الإسلام على تربية أبنائه على الجهاد  وحبّب إليهم طلب الشهادة دفاعاً عن العقيدة .. وغرس في نفوسهم أن سيّد الشهداء حمزة ورجلاً قام إلى إمام جائر فنهاه فقتله .. وعلّمهم أن الشهيد حيّ يرزق يعيش في كنف الله عزّ وجلّ .. فغدت الشهادة أمنية كل شاب مسلم عرف حقيقة الإسلام ..

وفي عصرنا الحديث أدركت الحركة الإسلامية هذه المعاني فغرستها في نفوس الشباب ، ونشّأتهم عليها منذ الطفولة ، وربّتهم على الإيمان ، فأصبح هتافهم المحبّب : "الله غايتنا ، والرسول قائدنا ، والقرآن دستورنا ، والجهاد سبيلنا ، والموت في سبيل الله أسمى أمانينا" .. فكانت هذه المعاني الشّعلة التي أنارت القلوب ، والقبس الذي حرّك النفوس ، والإيمان الذي دفع الشباب إلى الجهاد والاستشهاد ..

إلى هؤلاء الشباب الذين أذلّوا الأعداء بعملياتهم الاستشهادية ، ووقفوا على بوابة التاريخ شامخين ، ليدخلوا الجنة من باب لا يُفتح لسواهم .. نظم شاعرنا الدكتور مأمون هذه القصيدة عام 2002م ..

وكما كان موضوع "القدس" غرضاً رئيسياً في شعر الدكتور مأمون فإن موضوع "الشهادة" هو أيضاً غرض رئيسي في شعره .. ففي هذا الموضوع ، نجد له قصائد عدة .. فمجموعته الشعرية الرابعة بعنوان "رسالةإلى الشهداء" وهو عنوان القصيدة الأولى في المجموعة ، تشتمل على قصائد أخرى عن الشهادة وعن فلسطين .. يقول في قصيدته الأولى من المجموعة :

لولا الشهداءُ لكان الكون بحار ظلامْ

ظلماتٌ تغشاها ظلماتٌ

من شهوات الحرص على الفاني

والغوص وراء التافه

والركض وراء سراب

فالحياة بكل صورها ونعيمها وألوانها وشهواتها أضغاث أحلام .. والشهيد وحده من عرف كيف يصحو ويبعث الحياة :

ليس جنوناً طلب الموت لنيل الجنة

ليس هباء جعل الجسد الفاني للأرض سمادا

يعد بموسم خير في أيام الجدْب ..

بعام فيه يُغاث الناس بنصر

يا زيت القنديل تهاوت للموت ذُبالتُه

فتعود إليه حياةْ

يا أعقلَ من كلّ العقلاء

وتتكرّر في قصائده بعض المعاني عن دور الشهيد في الحياة ، وعن أنه الحي والآخرون الموتى ، لأنه عرف الحقيقة فتقدّم للشهادة صانعاً الحياة ، وفائزاً بالجنة.

Gأبيات القصيدة ([26])  S  

(1)

واقفٌ أنت على بوابة التاريخ فادخلْ

بابَ عزّ لم يُفتّح لسواكْ

شامخٌ أنت عصيُّ العزمِ

تمتدُّ رؤى الأمة في أفق مداكْ

(2)

ظنّكَ الواهم فرّاراً

فكرّت قبضةُ المجدِ

تخطُّ الذلّ في وجهِ عِداكْ

(3)

أيها السائر في العتمة بدراً

يقبسُ السارون من وهْج سناكْ

(4)

أملُ الحاضر أنتَ اليومَ

والمستقبلُ الموعودُ

تأويلُ رؤاك

(5)

أنتَ في بوابة الأمجادِ بدرٌ

فتقدّمْ

صُمَّ سمعاً عن نداء

جاء من خلفكَ رخواً

وتقدّمْ ...

لا تَلفَّتْ نحو صوتِ الحذرِ الموبوءِ بالعجزِ

ينادي من هناكْ

مِنْ وحولٍ علقت فيها عبيدُ الوهْمِ

نادوا بالهلاكْ

(6)

أنتَ حيٌّ ... وهمُ ألموتى

وإن أبحرتَ في الأفق شظايا

تتجلّى لعبيد الطين ...

من أعْلى علاكْ

(7)

إنّها بوابة الخلدِ

فأقدمْ

اضغط الزّر

وكَبّرْ

افتح الشّريانَ شلاّلاً من المجدِ

ورُشَّ الأرض

كنْ بستانَ وردٍ

فيه فيضٌ من شَذاكْ

(8)

كنْ سمادَ الأرض

ينبت من شقوق الصخر جيلٌ

يحمل الروح على الكفّ

وعيناهُ على الخلدِ

يحطُّ الخطوَ في إثر خُطاكْ

 قصائد مختارة من شعره

كانت لفتة رائعة من الحركة الإسلامية في الأردن عندما دعت إلى إقامة احتفال بمناسبة مئوية الإمام المجدد حسن البنا في قاعة الأرينا بجامعة عمان الأهلية ، في الفترة ( 16 – 18 / 11 / 2006 ) .. وقد حضر الاحتفال نخبة من العلماء والأدباء من الدول العربية والإسلامية وبخاصة من مصر وسورية ولبنان والعراق والجزيرة العربية .. أما في الأردن فقد أمّت قاعة الاحتفال جماهير غفيرة على مدى ثلاثة أيام ( مدة الاحتفال ) ...

وهذا الاحتفال .. كان أقلّ الواجب نحو إمام كان نموذجاً ربّانياً من النماذج النادرة التي عرفها تاريخ الإسلام الطويل ... وكان أحد الدعاة الأبرار والمصلحين الأطهار ، الذين عرفتهم أمة الإسلام ، فصححوا مسيرتها ، وقادوها إلى الهدى ، وطبعوها بطابع الحق ، وأرسوا لها دعائم دعوة تميزت بمنهج الوسطية والاعتدال ..

عاش حسن البنا اثنين وأربعين عاماً ، وتألّق وهو لمّا يبلغ الثلاثين من عمره ، وحمل رسالته إلى العالمين بشجاعة المؤمن ، وبراعة القائد ، وحكمة المجاهد ، وصدق الدّاعية ، فلم يلبث أن استمع له الناس ، واجتمعت حوله القلوب .. فأقضّ مضاجع المستعمرين ، وتكالبت القوى الحاقدة كلها على الخلاص منه ، ذلك أن الصوت الذي كان يتحدّث به هو صوت الحق ، والكلمة التي كان يقولها هي الكلمة التي يخشاها الاستعمار ، وهي الخطر الذي كان حريصاً على أن يحجبه عن المسلمين، حتى يظلّوا في قبضة نفوذه ، وحتى لا يفهموا دينهم الفهم الصحيح ، فيحرّروا أرضهم ويستعيدوا عزتهم ..

وكان للدكتور مأمون مشاركة في هذا الاحتفال ، فقد نظم قصيدة بعنوان " في مئوية الإمام المجدّد حسن البنا " .. ولمّا استمعت إليها الجماهير المشاركة ، لاقت استحساناً كبيراً ..

أبيات القصيدة

الـخـالـدون مـع الـسماء iiسماءُ
يمضي الزمان وهم شهودٌ في الورى
هـم  لـلـقـلـوب منائر iiوضّاءة
رسـل  مـضـوا فـيه بهدي iiنبوّة
فـي كـل عـصـر كوكب متلألئ
يـا بـاعث الإيمان في زمن iiطغت
جـدّدت أمـر الدين في هذا iiالزمان
حـسـن وبـالإحسان عمرك iiعامر
نـوراً أتـيـت ولـلـظلام iiمعاقل
لا هـمـة تـعـلـو بهم نحو العلا
أسـرى  هـوان ، والهوى iiميزانهم
فـحـمـلـت همّ الدين ترجو iiبعثه
وجـعـلـت عـنوان الأخوة iiواحة
لـلـه درك فـي حـيـاتـك عبرة
أعْجَزْتَ  من جاراك في سبل iiالهدى
مـئة  مضت وطوى الزمان iiزمانها
ومـضى  الزمان وما طواك iiمضيّه
هـذي (الـرسـائل) للمسيرة iiمنهج
وإذا الـخـطـا تـاهت وتاه iiدليلها
درب  الـشـهـادة قد دعاك iiفجزته
قـتلوك، واعتقلوا الدموع، iiوسلسلوا
قـرعـوا الكؤوس وأترعوها iiنشوة
نـفـضـوا  أيـاديهم وقرّت iiأنفس
قـتـلوك  ، ما قتلوك ، لكن iiأوقدت
قـتلوك  وانفلق الصباح على المدى
فـي كـل ركـن لـلأخـوة iiشعبة
مـا  يـنـقمون من الدعاة ؟ iiأحبُّهم
هـم أنـبـتـوا فيهم بذور iiتطرف
واسـتـكـبروا وتجبروا iiوتفرعنوا
كـم فـي الـسجون شواهد iiمكتومة
يـا  قـائـد الشهداء ما زال iiالمدى
لا وحـدة بـنـيـت ولا وطن علا
شِـيَـعاً  غدا صف الدعاة فأين iiمن
يـا حـامـلـي الإسلام كونوا أهله
وشـفـاء أمـراض الـورى iiلكنما
ضـاقـت  عـقولهم فضاق iiسبيلهم
مُـدّوا  الـجـسور فلستُم حزباً iiفلا
فـي  صـفّ بيت الله سوّوا iiصفّكم
أنـتـم  طـلـيـعة نهضة منشودة
والـوعـد  وعـد رسـولنا بخلافة
والـفـجـر آتٍ لا يـكـذب iiنوره









































فـي أفـقـهـم تـتـلألأ الأضواء
مـثـل الـرّواسـي ما لهنّ iiمضاء
والـدرب مـن أنـوارهـم iiوضّاء
والـصـالحون على خطاهم iiجاؤوا
يُـجـلـى  الـظلام بنوره iiويُضاء
فـيـه  الـعـقول وعمّت iiالأهواء
فـصـحَّ وصـفـك أنـك iiالـبنّاء
فـالـدرب  طـيـب والمدى iiأنداء
والـمـسـلمون على الدروب iiغثاء
فـهـم  عـبـيـد مـطامع iiوإماء
وديـارهـم مـن فـرقـة iiأشـلاء
فـي  أمـة هـي لـلخلاص iiرجاء
يـأوي إلـى أفـيـائـها iiالصُّلحاء
عـمـر  قـصير ، والحصاد iiنماء
وامـتـد فـي خـطـواته iiالإعياء
مـذْ  لاح نـجـم قـد عـلاه iiبهاء
فـالـذكـر بـعـد الموت فيه iiبقاء
ومـن (الوصايا) في الدروب iiضياء
فـضـيـاء  فـكـرك للمتاه iiجلاء
وتـتـابـعـت  من بعدك iiالشهداء
الأحـزان  ، واحـتمل الشهيد نساء
لـمـا اسـتـطارت بالرّدى الأنباء
مـنـهـم فـهـذي الطعنة iiالنجلاء
مـن  وهـج جـرحك شعلة iiشهباء
وتـرددت  فـي الـعـالم iiالأصداء
وبـكـل أرض لـلـدعـاة iiلـواء
لـهـداهـم  أم أنـهـم iiشـرفـاء
لـمـا  اسـتحلّوا عرضهم وأساؤوا
وتـنـمـردوا وتـوهموا ما iiشاؤوا
أخـفـى  بـشـاعة وجهها iiالرقباء
وطـنـاً تـغـشـي وجهه iiالظلماء
وتـحـكـمـت  بمصيرنا iiالأعداء
عـيـن الـدعـاة محجة بيضاء ii؟
فـالـديـن درب هـدايـة iiوعلاءُ
بـعض الدُّعاة – وسامحوني – iiداء
والـديـن  مـمـا يـهرفون iiبراء
تـأسـركُـم  الـحـزبـية العمياء
بـجـمـاعـة  لـلـمسلمين سواء
فـي  بـعـثـهـا لـلعالمين iiشفاء
لـلـعـدل فـيـهـا رايـة iiعلياء
إلا الـذي فـي نـاظـريـه iiعماء

           

المصادر والمراجع

1-ديوان : "رسالة إلى الشهداء" .

2-ديوان  : "القدس تصرخ" .

3-ديوان : "قصائد للفجر الآتي" .

4-ديوان : " مشاهد من عالم القهر" .

5-فيض القدير ، شرح الجامع الصغير .

6-شعراء الدعوة الإسلامية في العصر الحديث ، ج3 .

7-كتاب الواقعية النقدية في الأدب والنقد .

8-نحو آفاق شعر إسلامي معاصر .

9-المشكاة المغربية – العدد 29 .

10- جريدة اللواء الأردنية في 1/10/2003 .

11- مقابلة مع الدكتور مأمون في 10 / 3 / 2006 .

 ([1]) قرية صانور تقع في محافظة جنين بفلسطين .. اشتهرت بقلعتها الحصينة التي لعبت دوراً هاماً في تاريخ جبل نابلس في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر .. ففي عام 1798م استنجدت بها قلعة عكا ضد الغزو الصليبي القادم من فرنسا بقيادة نابليون ، فقادت جموع جبل النار ، وحاصرت الفرنسيين في أحراش عزّون وأحرقتها عليهم ، وحاربتهم في مرج ابن عامر ، وقامت بمطاردة فلولهم من أرض فلسطين .

([2]) ديوان : "رسالة إلى الشهداء" ، ص54 .

([3]) ديوان : "قصائد للفجر الآتي" ، ص74 .

([4]) شعراء الدعوة الإسلامية ، ج3 ، ص80 .

([5]) ديوان "قصائد للفجر الآتي" ، ص118 .

([6]) ديوان "القدس تصرخ" ، ص30 .

([7]) ديوان "قصائد للفجر الآتي" ، ص60 .

([8]) ديوان "مشاهد من عالم القهر" ، ص33 .

([9]) ديوان "مشاهد من عالم القهر" ، ص43-44 .

([10]) ديوان "رسالة إلى الشهداء" ، ص60 .

([11]) ديوان "رسالة إلى الشهداء" ، ص13 .

([12]) ديوان "رسالة إلى الشهداء" ، ص10 .

([13]) ديوان "مشاهد من عالم القهر" ، ص73 .

([14]) ديوان "مشاهد من عالم القهر" ، ص41 .

([15]) ديوان "مشاهد من عالم القهر" ، ص38 .

([16]) شعراء الدعوة الإسلامية في العصر الحديث ، ج3 ، ص83 .

([17]) اختير الأستاذ حسن الهضيبي رحمه الله ، مرشداً عاماً للإخوان المسلمين عام 1951م ، خلفاً للإمام الشهيد حسن البنا ، وأظهر كفاءة  نادرة ورجولة فائقة قلّما يجود بها التاريخ الإسلامي . اعتقلته السلطات المصرية عام 1954 لنقده الاتفاقية المصرية البريطانية ، وصدر الحكم عليه بالإعدام ، وخفف إلى الأشغال الشاقة المؤبدة ..

والأستاذ الهضيبي من أفذاذ القادة الذين عرفهم تاريخ الإسلام الحديث ، قد صنعه الله على عينه ، وأعدّه منذ الحداثة لأمر أراده ، فحفلت مراحل حياته بإشراقات ومواقف تعتبر من  أنفس الدروس التي ينشأ عليها الرجال ويهتدي بها الدعاة ، ولكنها مطوية عن أكثر الناس لما امتاز به صاحبها من التواضع وإيثار الصمت  والتجرد الذي يسمو به عن أن يتلقى الجزاء إلا من الله .

([18]) ديوان "رسالة إلى الشهداء" ، ص49 .

([19]) ديوان "رسالة إلى الشهداء" ، ص38 .

([20]) المشكاة المغربية – العدد 29 ، ص174 .

([21]) ديوان "مشاهد من عالم القهر" ، ص5 .

([22]) نحو آفاق شعر إسلامي معاصر ، ص17 .

([23]) كتاب الواقعية الإسلامية في الأدب والنقد ، ص95 .

([24]) جريدة اللواء الأردنية ، في 1/10/2003 ، ص33 .

([25] ) ديوان " القدس تصرخ " ، ص5 .

([26]) ديوان رسالة إلى الشهداء ، ص7 .