الشيخ عبد الرحمن حسن حَيَنَّكة

الشيخ عبد الرحمن حسن حَيَنَّكة

بقلم: محمد المجذوب

هو ابن المجاهد المعروف الشيخ حسن حينكة الشهير بالميداني نسبة إلى حي الميدان في دمشق ، ويرجع نسبه إلى قبيلة بني خالد من عرب حماة ..

كان ميلاده في العام 1927 أثناء غياب والده ، الذي كان يومئذ مع إخوانه المجاهدين لاجئاً إلى الأردن عقب توقف الثورة السورية ، ولما علم بولادته أطلق عليه اسم عبد الرحمن .

وكان بيته أول بيئة علمية فتح عليها عينيه ، إذ كان ذلك البيت مثابة لطلاب العلم الشرعي لا تكاد حلقاته تخلو منهم ليل نهار ، ولما أنشأ والده رحمه الله المعهد المعروف في دمشق باسم (التوجيه الإسلامي) التحق به وتابع دراسته النظامية حتى نهاية مراحلها ..

وفي ظلال ذلك البيت وهذا المعهد تتركز نشأته الخلقية والفكرية ، وتتحدد منطلقاته الأساسية في إطار الاتجاه الإسلامي الأصيل .

فمن ماضي والده المجاهد يتشرب روح المعاني الأولى لمهمة المسلم الحق ، الذي يوقن أن الإسلام هو نظام الحياة الراشدة السعيدة ، فلا فاصل فيه بين العلم والعمل ، ومن دأب هذا الوالد في نشر تلك المعاني عن طريق التربية الجامعة ، والخدمات الاجتماعية ، التي ينهض بها سواء عن طريق المعهد ، أو بوساطة (جمعية التوجيه الإسلامي) التي أسسها لرعاية طلابه وللقيام بالعديد من المهمات الخيرية والإنسانية ، تتكامل رؤيته إلى الحياة على أنها ميدان جهاد لترسيخ القيم التي يدعو إليها الإسلام ، ولإنشاء الروافد البشرية الصالحة لتحقيق رسالته الربانية ..

وباستكمال مراحله الدراسية في معهد والده تهيأ للتدريس فيه ، حيث أسندت إليه المواد العقلية والأدبية ، ومنها الفقه وأصوله والتوحيد ، واستعان في تدريس التوحيد بمادتي المنطق والفلسفة على منهاج السابقين ، وكان للأدب والبلاغة واللغة حظ غير قليل من عمله ..

على أنه لم يستنم إلى محصوله من العلم فآثر استئناف الرحلة في طلبه ، ورافق عدداً من طلاب والده إلى القاهرة ، وهناك التحق بالسنة الثالثة من كلية الشريعة بجامعة الأزهر، حتى إذا حصل على شهادة المرحلة ، مضى لإتمام الشوط فأضاف إليها شهادة العالمية مع تخصص التدريس .

ومن ثم عاد إلى دمشق ، وفي ملاك وزارة المعارف عمل مدرساً في الثانويات العامة والمعاهد الشرعية لمدة ست سنوات ، واستمر موظفاً ضمن هيئة التدريس حتى نهاية العام 1960 . ومن هناك انتقل إلى وزارة الأوقاف ، حيث أسندت إليه إدارة التعليم الشرعي ..

محاولات ومعاكسات :

وكان وجود الشيخ في هذا القسم من وزارة الأوقاف فرصة صالحة لإعطائه جرعة جديدة من النشاط الذي هو أحوج ما يكون إلى مثله ، بعد أن انصرفت جهود المسئولين عن التعليم إلى جانب المدني الصرف ، الذي لا يكاد يتصل بتعاليم الوحي إلا من بعيد ..

وقد بدأ بالجانب الإداري فرسم له هيكلاً ينطلق منه إلى التكامل ، ثم تلا ذلك بطائفة من المناهج والأنظمة العلمية لم تلبث أن أخذت سبيلها إلى التنفيذ ، وكانت الخطوة التالية مشروع قانون يضمن للتعليم الشرعي وضعاً كريماً يعدل نظيره المدني من حيث الملاك والحقوق وما غيها وكان جديراً بهذا التخطيط لو استكمل عناصره أن يرد للتعليم الإسلامي مكانته الطيبة ، وأن يجلو وجهه المشرق ، وبخاصة بعد أن استوفت مناهجه الجديدة كل ما يتطلبه من العلوم العصرية .. ولكن السلطات الحزبية لم تستطع على مشاهدة هذا التطور الصاعد ، ولا سيما بعد الذي ووجهت به من عناية غير متوقعة بالمدارس الشرعية ، وقيام ثانوياتها الخاصة بالإناث ، على مستوى المناطق والمحافظات ..

في غمار المحنة :

لذلك أسرعت السلطات الحزبية للوقوف بوجه هذا التطور الذي يتنافى مع تصوراتها ، التي برزت في اندفاعها الساحق لمحاربة كل ما يمت للإسلام بصلة ، فإذا الشيخ ينقل من التعليم الشرعي ويعاد إلى وزارة المعارف ليعزل في حجرة منها باسم (عضو بحوث) .. ثم لم يمض على وجوده في هذه الغرفة سوى عام واحد ـ 1966 ـ حتى صدرت القرارات المشهورة بتسريحه وتسريح والده وعمه وجملة من إخوانهم العاملين في معهد التوجيه الإسلامي ، ثم تعطيل جمعية التوجيه وسائر مؤسساتها التعليمية والتوجيهية والاجتماعية ، ومنعهم من أي نشاط إسلامي ، ولا سيما الخطابة المسجدية .

ولم تكتف السلطات الحزبية بذلك ، بل أتمت ضرباتها باعتقال المرحوم الشيخ حسن ـ الوالد ـ وأخيه وبعض أولاده وأعوانه ـ وصادرت أمواله ، واستولت على ممتلكات الجمعية بأسرها .. وكانت محنة غامرة ملئت أثناءها السجون بكبار العلماء والشباب من دعاة الإسلام ثم لم تنجل الغمة إلا في أعقاب الهزيمة التي حلت بدول المواجهة عام 1967 فكانت السبب في الإفراج عنهم .. وأعطتهم فرصة التحرك في حدود السعي لكسب الرزق .

إلى الرياض فمكة :

وشاء الله لحكمة يعلمها أن ينجو من الاعتقال الذي فرضته السلطة على أبيه وإخوانه بعد صدور الأمر بتسريحهم جميعاً ، على الرغم من الجهود التي بذلتها للقبض عليه ، وبذلك أتيحت له فرصة البحث عن ملاذ ينقذه من ذلك الجو الرهيب .. وقد تم له ما تمنى عن طريق التعاقد مع كلية الشريعة بالرياض ، وهي إحدى الكليات والمعاهد العلمية التي صارت أخيراً إلى جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ، وفيها قضى سنتين دراسيتين تحول بعدها إلى كلية الشريعة والدراسات الإسلامية في مكة المكرمة ، وهي التي أصبحت فيما بعد إحدى مؤسسات (جامعة أم القرى) ، وأخيراً استقر وضعه مدرساً في كلية الدعوة وأصول الدين ، إلى جانب بعض المواد في قسم الدراسات العليا والإشراف على بعض رسائل الماجستير والدكتوراه ..

في ميدان الإعلام :

وطبيعي أن يكون للصديق الكريم ، إلى جانب عمله في نطاق التدريس طوال هذه السنين ، مشاركات غير قليلة في خدمة الفكر والأدب ومختلف القضايا الإسلامية ..

وعن ذلك يحدثنا فضيلته فيذكر أنه شارك في عديد المؤتمرات والندوات العلمية والأدبية ويسمي منها (مؤتمر التعليم الإسلامي) و (مؤتمر الاقتصاد الإسلامي) و (مؤتمر رسالة المسجد) ثم (مؤتمر الأدب الإسلامي) في لكهنؤ و (ندوة الأدب الإسلامي) في المدينة المنورة .

وقد شهدنا معه بعض هذه المؤتمرات في مكة المكرمة والهند والمدينة المنورة ، واستمعنا إلى مناقشاته التي تنم عن تمكن عالم ورهافة أديب وشاعر ..وكان لفضيلته كذلك مشاركات يومية في الإذاعة السعودية استمرت عدد سنين ، ولا تزال أحاديثه الأسبوعية متصلة فيها حتى الآن ، وقد امتد نشاطه هذا إلى التلفاز فشارك في العديد من ندواته سواء في المملكة أو سواها من الأقطار العربية ..

هذا إلى الكثير من المقالات والقصائد التي يسهم بها في ميدان الصحافة ..

هوايته المفضلة :

وعن أحب الأعمال إليه يقول فضيلته : إنه يؤثر من الإنتاج ما يحمل العطاء الفكري المتجدد ، وأوثقه صلة بنفسه ذلك الذي يكلفه بحثاً وتتبعاً وتأملاً ، لأنه بطبيعته يسأم المكرر ، ويستهويه الجديد المبتكر.. ومن هنا كان نفوره من الأعمال الإدارية ، على الرغم من قدرته على ممارستها لأنها تقطعه عن سبيله العلمي وعن اتجاهه التعليمي ..

ولعل أكثر أعماله تصويراً لخصائصه مؤلفاته التي يلمس قارئها أثر الجهد المبذول في تضاعيفها تفكيراً أو تنسيقاً وإخراجاً ولا جرم أن في عنواناتها المختارة بدقة أوضح الدلائل على هذا الواقع .

عنوانات ودلالتها :

وإلى القارئ بعض هذه العنوانات :

1 ـ سورة الرعد : دراسة أدبية ولغوية وفكرية .

2 ـ التدبر الأمثل لكتاب الله عز وجل : تأملات .

3 ـ روائع من أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم : دراسات أدبية ولغوية وفكرية .

4 ـ الأمة الربانية الواحدة .

5 ـ مبادئ في الأدب والدعوة .

ومن سلسلة (أعداء الإسلام) التي أصدر منها حتى الآن :

1 ـ مكايد يهودية عبر التاريخ .

2 ـ صراع مع الملاحدة حتى العظم .

3 ـ أجنحة المكر الثلاثة : التبشير ـ الاستشراق ـ الاستعمار.

4 ـ غزو في الصميم .

5 ـ الكيد الأحمر.

6 ـ كواشف زيوف .

ونظرة مدققة إلى كل من هذه العنوانات تطل بك على أبعاد فكره ومدى اهتماماته . فهو يكتب في التفسير ولكنه لا يكتفي منه بعرض المضمون المعنوي ، بل يحاول إشراك القارئ بتذوقه للبيان القرآني ، الذي هو أحد جوانب الإعجاز الخالد في كتاب الله . وفي الكتاب الثاني يخاطب عقول طلبة العلم ليطل بها على دقائق النظم القرآني ، مما لا تتاح رؤيته للمتعجل ، الذي لا يستطيع صبر نفسه على التأمل العميق في لطائفه الباهرة ، ولا يعود فكره تتبع الروابط الخفية بين مفرداته وتراكيبه وآياته وسوره .. ولو هو فعل ذلك لظفر من المتعة الروحية والعقلية بما لا نهاية له من جديد الروائع ، ولهدي إلى الطريقة المثلى في التعامل مع كتاب الله .

وهكذا القول في الأحاديث المختارة من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم فهي لا تزيد على ثلاثة عشر حديثاً ولكنها تستغرق ما يقارب المائة والخمسين صفحة من القطع الوسط ، لأن الشيخ قد حاول أن يكشف لطلابه ما اتسع له الوقت المقرر من كنوز المعرفة ، التي ينطوي عليها كل واحد من هذه الروائع النبوية .

وليس بين هذه العنوانات واحد إلا وهو يحمل إيحاؤه المميز لمنهج المؤلف ورغبته الصحيحة في البحث والاستقصاء ، ليوفر ما استطاع من جميل العطاء ، ولكنه بذلك يؤكد لنا ما وصف به ميوله العلمية في بعض إجاباته ، إذ يقصرها على (العقليات والتحليلات والأدبيات..) ..

مع الكتاب والسنة :

وقبل أن أختم هذه الملاحظات حول بعض مؤلفاته أحب أن أقف قليلاً على كتابه في (العقيدة الإسلامية وأسسها) وهو باكورة مؤلفاته ، إذ كان بعضه مذكرات كتبها لمادة التوحيد في الثانويات الشرعية ، ثم أتمها في صورة كتاب أيام ألقت به السياسة في تلك الغرفة ـ أو الزاوية ـ باسم (عضو بحوث) ..

ومن إحدى إجاباته عن الاستطلاع يفهم أنه بدأ تدريس هذه المادة أول الأمر على طريقة المتكلمين ثم اتجه (لدراسة العقائد على منهج السلف غير ملتزم بآراء أشعرية أو ماتريدية خاصة ، بل بما تدل عليه آيات القرآن وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم الصحيحة الصريحة..) وهذا ما دفعه إلى إجراء بعض التعديلات على الكتاب في طبعته الثانية والثالثة .. وبخاصة في موضوع الصفات .. ولا ريب أن في ذلك التعديل دليلاً على التحرر من العصبية التي تفرض على كثير من أهل العلم ، حتى لا يجدوا غضاضة في مخالفة صحيح الحديث لمجرد أن بعض شيوخهم لم يأخذوا به !..

الإسلام هو البديل :

وانتقلنا إلى استطلاع رأيه في مستقبل الإسلام على ضوء الوقائع المتعلقة به والحملات المركزة في تشويه صورته ، والإساءة إلى سمعة دعاته فكان جوابه :

 إن الإسلام هو قاعدة الحضارة التي ستخلف حضارة الغرب الراهنة ، بعد أن أخفقت هذه في ميدان السلوك الإنساني ، على الرغم من تقدمها الباهر في نطاق استخدام المادة .. ومن هناك يأتي التوكيد على أن البديل الوحيد لتلك الحضارة المفلسفة هو العودة إلى الدين ، وقد أثبتت التجارب البشرية أن الدين المؤهل لمهمة الاستخلاف ، والجامع بين المادية والإنسانية هو الإسلام ، ولا عجب فإن الدين عند الله هو الإسلام ..

أما بشأن موقف الإعلام المفسد من حملة الدعوة الإسلامية فهو يرى أنه موقف المهزوم ، الذي لم يبق لديه من سلاح يواجه به الخصم سوى المفتريات ، التي يحاول بها صرف العامة عما لدى ذلك الخصم من الحقائق . وهي محاولة يتضح إخفاقها يوماً بعد يوم ، وستنتهي إلى نفس المصير الذي انتهت إليه محاولات المفترين السابقين .

رؤى غير متفائلة :

وهنا يأخذ الشيخ في بسط أفكاره عن أصناف الدعاة فلا يكاد يلمح بينهم الجماعة التي يريد ، وكأنه بذلك يسوغ عزلته عن المشاركة في أي من الأنشطة الجماعية ، التي يموج بها العالم الإسلامي في مختلف أقطاره ، وهو موقف لا يكاد يجد من يقره عليه غير أولئك الذين ضعفت كواهلهم عن المشاركة في تحمل المسئوليات العامة ، وليس هو منهم ولله الحمد ..

والحديث عن مستقبل الإسلام ودعاة الإسلام لا بد أن يخلص بنا إلى الكلام عن أثر الأستاذ الجامعي في تكوين الجيل الإسلامي الصالح للإسهام في بناء المستقبل . وفيلا هذا الصدد يقول فضيلته: إن مردود النظم الجامعية في هذا الميدان دون ما يتوقع بكثير .. لأن القيود التي تثقل هذه النظم لا تسمح للمدرس الجامعي مهما جد وأخلص أن يتحرك في محاولة الإصلاح إلا في نطاق محدود ..

وفي رأيه أن العمل الوظيفي المأجور يظل محدود الأثر لدى المتلقين ، فهو قد يعطي علماً بيد انه لا ينشئ النماذج المنشودة . ذلك لأن الجيل الناشئ في أوساط الجامعات ومعاهد التعليم المنظورة مؤلف من أخلاط غير متناسقة ولا منسجمة فالنتيجة أن يكون جيلاً غير موحد الاتجاه ..

مع الأدب الإسلامي :

أما وقد شارفنا نهاية الاستطلاع فليكن في أخرياته هذا السؤال :

الدعوة إلى الأدب الإسلامي أخذت سبيلها إلى التركيز والتثبيت ، فكيف تنظرون إلى حاضرها ومستقبلها ؟!..

ويجيب الأستاذ الأديب الشاعر قائلاً : هذه الدعوات ظفرت ببعض الاهتمام من ذوي التخصص الأدبي وحاضرها ماثل بين الاندفاع العاطفي ومحاولات التأصيل إلى جانب عقبات تواجهها من أنانيات وخصوم .

أما مستقبلها فمتوقف على توافر الموهوبين الذين يكتبون أدباً إسلامياً .. وهو أدب لا تكفي فيه العاطفة ، ولا يصلح له المتحمسون غير الموهوبين .. وعلى أنصار الأدب الإسلامي الحق من ذوي الأصالة أن يعملوا على إبراز أعمال أولي المواهب من المعنيين بالأدب الإسلامي أو أدب الدعوة في إنصاف برئ من الأنانيات الفردية و (التكتلية..)!

ونحن نثبت تعبيره الأخير دون أن نتبين مراده منه ، إلا أن يكون ذا صلة بموقف الآنف ممن يسميهم (المتصدين للدعوة) .. وهو موقف لا يخلو من بعض حرارة النقد التي من شأنها إحداث الاهتزاز في بعض أفكاره ..

وأخيراً :

وكان بودنا أن نختم هذا العرض بنماذج من شعر الأستاذ الممثل لخصائصه الفنية ذات التذوق البلاغي الرفيع ، ولكن الذي تفضل به علينا من مطبوعاته الشعرية لا يعدو أن يكون لوناً من الشعر التعليمي ذي الطابع الموضوعي ، وهو في رأينا غير الشعر الوجداني المنطلق من أعماق المشاعر الذاتية .. ولعل الصديق الكريم يتحفنا ببعض ما يمثل هذا الجانب الخاص من حياته الوجدانية ، فنجعله خاتمة المطاف .. والله الموفق والمستعان .