الشيخ محمد الحامد

الشيخ محمد الحامد

 

حسني أدهم جرار

 الشيخ الحامد.. شيخ حماة وعالمها.. علم بارز من أبرز علماء بلاد الشام.. كان داعية إلى الله بعلمه وعمله وسلوكه، وكان كلما ازداد علماً ازداد تواضعاً وورعاً وتقوى.. كان نموذجاً للإنسان المؤمن الصادق.. عميق الفهم، فتيّ العزم.. شغلته قضايا أمته، فعمل لها من أجل إقامة الأمة على منهج الإسلام.

حياته:

ولد الشيخ محمد محمود الحامد عام 1910م في مدينة حماة الهادئة الجميلة، التي تكللها المناظر الطبيعية الخلابة، وتلتف حولها البساتين ذات الظلال الكثيفة الوارفة، وتطل عليها النواعير كالأفلاك الدائرة، ويشقها النهر العظيم المسمّى بالعاصي.

وعاش في بيئة علم ودين وأدب.. فكان أبوه الشيخ محمود الحامد عالماً متصوفاً أديباً، وأمه من بيت اشتهر بالعلم والشعر، وخاله الشيخ سعيد الجابي من العلماء الأعلام، وجده لأمه الشيخ مصطفى الجابي عالم وشاعر، وأخوه بدر الدين شاعر كبير.. فنشأ منذ نعومة أظفاره ميالاً إلى التديّن والأدب، يألف المساجد ويحضر دروس العلماء، ومات أبوه وأمه وهو طفل صغير فعاش سنيّ طفولته يتيماً يتولى أمره أخوه بدر الدين، ولما شبّ اتجه إلى طلب العلم ودرس في مدرسة حماة الشرعية، ووجد فيها أمنيته وظهر تفوقه في الدروس، ونال شهادتها بدرجة ممتازة، ثم قصد حلب للدراسة في كليتها الشرعية عام 1928م وبقي فيها حتى عام 1935م ثم عاد إلى حماة وعمل مدرساً للتربية الإسلامية في ثانوية ابن رشد.

وفي عام 1938 توجّه إلى الجامعة الأزهرية بمصر، وبعد الدراسة فيها نال شهادة كلية الشريعة، والتحق بتخصص القضاء وحصل على شهادته بتفوق كبير عام 1944م وعُرض عليه أن ينتسب لأحد فروع التخصص العالي لينال شهادة الدكتوراه، ولكنه آثر العودة إلى وطنه ليقوم بنشر العلم والدعوة إلى الله تعالى، وكانت سورية آنذاك في حالة كفاح مرير ضد الاستعمار الفرنسي، فزاد ذلك من رغبته في العودة ليساهم في معركة الجهاد لتحرير الوطن.

وفي حماة أثبت الشيخ مكانته العلمية فجذب أنظار العلماء، وعمل خطيباً ومدرساً بجامع السلطان، فكان يُعلي من فوق المنبر صوت الحق، ويذكي بخطبه الحماسية جذوة الكفاح ويحرّض الناس على الجهاد، حتى كتب الله تعالى النصر للأمة، وتحررت من ربقة الاستعمار عام 1945م.

وكان للشيخ الحامد دور هام وأثر بارز في جميع الأحداث التي عاشتها الأمة، فقد بذل جهوداً صادقة لحلها.. وأبناء الشعب السوري يقدّرون له مواقفه الوطنية المشرفة ضد الاستعمار الخارجي وأمام الظلم والاستبداد الداخلي.

وظل الشيخ محمد الحامد يعمل في مختلف المجلات داعياً إلى الله.. مدرساً وواعظاً.. خطيباً ومرشداً، فاجتذب إليه النفوس وتعلقت به القلوب والتف حوله طلاب لا يفارقونه، تخلّقوا بأخلاقه، واقتبسوا من علمه، وساروا على منهاجه.. وصفه الشاعر عبد القادر حداد فقال:

غرسَ الهَديَ في النفوس فأعطى    أمة حرة وشعباً أبيا

وبقي الشيخ على هذا إلى أن اختاره الله إلى جواره يوم الاثنين الخامس من شهر أيار عام 1969م، وكان يوم وفاته يوماً مشهوداً خرج فيه آلاف الناس من أبناء سورية المجاهدة يشيّعون عالمهم الجليل باللوعة والدموع إلى مثواه الأخير.

وهبّ علماء سورية وكتابها للمشاركة في وداع العالم الراحل، بين خطيب وشاعر، ومؤلف وكاتب، فأفردت له مجلة حضارة الإسلام عدداً خاصاً.. العدد الثالث من السنة العاشرة، تحدث فيه الكتّاب عن مآثر الفقيد.. وأخرج عنه الأستاذ عبد الحميد طهماز كتاباً كاملاً من سلسلة أعلام المسلمين.. ورثاه الشاعر الدكتور مأمون شقفة في قصيدة بعنوان: "سيد العصر" قال فيها:

هـو فـي نـزعه وفي iiسكرته
يـنفذ  الوعظ في القلوب iiفيحـ
نـفـحات  الإيمان تصدر iiعنه
كـل  مـا فـيه دعوة iiوصلاح
أجـمع  الناس أنه سيد iiالعصـ




ذو جـلال يـفيض من iiقسماته
ـييها، ولو كان غارقاً في سباته
فـتـطيب  الأجواء من iiزفراته
جـلّ مـن صـاغه على iiآياته
ـر  وأنّ الإسـلام فـي iiكلماته

شعره:

الشيخ محمد الحامد شاعر موهوب كان للوراثة والبيئة أثر كبير في تكوينه الشعري.. فكان جده لأمه الشيخ مصطفى الجابي شاعراً، وكان أخوه بدر الدين شاعراً فحلاً، اشتهر بقصائده الوطنية أيام كان الفرنسيون في سورية، وله قصيدة "الجلاء" المشهورة التي يقول فيها:

يوم الجلاء هو الدنيا وزهرتها    لنا ابتهاج وللباغين إرغام؟!

وقد كان للبيئة التي عاش فيها الشيخ الحامد أثر واضح في شعره، فقد أكسبته المناظر الطبيعية الجميلة في حماة حساً شعرياً وذوقاً سليماً صافياً، كما أن تغرّبه للدراسة في حلب ومصر كان حافزاً لقول الشعر وخاصة في الحنين.

أغراض شعره:

نظم الشيخ الحامد شعره في أغراض كثيرة.. نظمه في المديح وفي الاستغفار والتوسل والتصوف الرفيع، ونظمه في الوصف والحنين، ونظمه في الرثاء وفي الدعابة الأدبية.

أما المديح.. فله مدح في الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، ومدح لمشايخه وأصدقائه وإخوانه، ويتسم مدح الشيخ الحامد بالصدق، فهو لم يمدح لقاه منفعة أو تزلفاً ولكنه مدحٌ إسلامي صادق يدفعه الحب الكريم للمصطفى صلى الله عليه وسلم، والصداقة الخالصة للإخوة والأصحاب، والتلمذة البرّة للعلماء الأجلاء.

قال في قصيدته الحانية يمدح الرسول عليه السلام:

يـا  حـبـيـب الرحمن، يا iiصفـ
يـا ولـيّـي وسـيّـدي iiوإمـامي
لا  أبـي لا أخـي ولا صـدرُ أمي
بـلـغـوا شـأوكَ الـعـلـيّ iiببر



ـوة الخَلق ويا مُنيتي وراحة روحي
أنـت لـي خـيـرُ مُشفقٍ iiونصيح
لا  ولا ذو الإخـاء خِـدنُ iiالـروح
أو  وفـاءٍ أو فـي الحنان iiالصحيح

ونرى الصدق بالكلمة المعبرة والصورة الشفافة في قصيدته التي يصف فيها أشواقه للنبي صلى الله عليه وسلم فيقول:

خطراتُ  الهوى تروح iiوتغدو
وأخـو  الحب بالوفاء iiموافٍ
شوقه طائر إلى الحب ما للش
والـهوى ماليءُ الجوانح iiمنه



ولـقـلب  المحب حلّ iiوعقدُ
أمـره في الغرام صدق وعهدُ
ـوق  في مذهب المحبين iiحدُّ
إن  تـراخى وجدٌ تجدّد iiوَجْدُ

وقال في مدح إخوانه الذين عرفهم في مصر عام 1940م(1):

أحـبـائـي هـذا فؤادي iiلكم
لـقـد  فـعل الشوق بي iiفعله
تـركـت بمصر صحباً iiكراماً
رجـال لـهم في الثقى iiمأرب
هـم  القوم والإخوة iiالمسلمونا




وهذي عيوني وهذي دموعي!!
ومـا من مجيب وما من سميع
لهم  طار شوقي وشتّ iiولوعي
تـلوح  عليهم سمات iiالخشوع
حكوا في الربوع زهور iiالربيع

وقال في صديقه الشيخ الجليل أحمد الحصري شيخ معرة النعمان:

حُـييتِ  يا أرض المعرّة
فـيكِ  الحياة وفي iiحماك
مـنـكِ  الذي هو iiساكن
إن  غاب عني غبتُ iiعن
أو كـان عندي كان بيتي
حـبّـيـه قـد ملأ iiالفؤا





فـيـك  الكرامة iiوالمبرّة
الـروح تسرح في iiمسرّة
فـي القلب إمساء iiوبكرة
أُنـسي، ولاقتني المضرة
فـوق دارات iiالـمـجرّة
د فصرت من أشباه عذرة

وأما الاستغفار فله فيه مجموعة من الأشعار، منها قوله:

يـا أرحمَ الرحماء مالي iiحيلة
أنا قد أسأتُ وأنت ربّ iiغافر
يـا سيدي يا من إليه iiشكايتي
أدرك بـلطفك نادماً ذا iiحسرةٍ
مـا للضعيف إذا ألمّتْ iiكربة
يا ربّ نفّس عن عُبَيْدِك كربة





إلا  الـرجـوعُ إليك يا iiربّاه
غـوثـاه مما قد عرا، iiغوثاه
أوّاه  مـمـا نـابـني، iiأوّاه
مـسـتـغفراً  مما جنته iiيداه
إلا  الــدُّعـا: الله يـا الله!
وأرحْـه  مـما قد عنا iiودهاه

وله في التوسل مثل قصيدته التي قالها في مصر عام 1939م والتي يصف فيها غربته وهمّه، يجعل من ذلك سبباً للدخول في التوسل، فيقول:

ضاقت الأرض بالغريب الكئيب
غـرقـت نـفـسـه بلجة iiهمّ
كـلـمـا لاح بـارق iiبـرجاء
وتـوالت  سود المصائب iiتجلى
قـد تـوّجـهت بالنبي إلى iiالله
يـا  حـبـيب الإله دائي iiعياء
ربّ إنـي إليك محض iiافتقاري
واجـب  دعوتي وحقق iiرجائي







فـتـولّـى وصفوه في iiالنحيب
وعـلاه من فوقُ موج iiالكروب
عـرض الـحظ عابساً iiبقطوب
بـعـصيب يجيء إثر iiعصيب
وبـالمصطفى حصول iiالرغيب
حـار فـيه فكري وعزّ iiطبيبي
فـاعـذنـي من لوعة التخييب
وارحـمَنْ  غربة النئيِّ iiالغريب

(1) كان للشيخ الحامد علاقة أخوّة ومودة مع عدد كبير من الإخوان في مصر، وفي مقدمتهم الشيخان الجليلان عبد المعز عبد الستار، وعبد البديع صقر، وكان بينه وبينهما زيارات كثيرة.

وله في التصوف والغزل الرمزي، ومنه ما قاله في مصر عام 1939م بعد اتصاله بالشيخ أبي النصر، حيث قال في مقطوعة:

لعمرك  ما المحبّ أخا امتناع     إذا  ناداه من يهوى أطاعه

حبيب  الروح إما شاء  أمراً    رآه  المدنف  المضني متاعه

لدى هذا الحبيب دمي وروحي    في ويلاه إن شاء الإضاعة!!

وقال في قطعة أخرى:

يتحرّق الشوق في فؤادي    ونار حبي لها  لهيب

وقد أضرّ الهوى بروحي   وأنت يا سيدي الطبيب

ألا حنان على غريب؟!    تالله،  ولهانكم  غريب

ولو  رحمتم  بكاه  يوماً   لزال بأس وزار طيب

وأما الوصف والحنين.. فقد قال فيهما مقطوعات نابضة بالحياة، تدل على انشغاله الدائم بذكر أحبته وأهله ودياره، فكان رحمه الله يصف الديار ومنازل الأحباب ومعاهد الصبا، ويصف حنينه إليها وغالباً ما بدأت قصائده ومقطوعاته بالوصف.. لقد وصف مدينة حماة وجمالها الطبيعي، ووصف أنطاكية ومصايف دمشق كالزبداني وبلودان، ووصف حلب التي درس فيها، وعندما ذهب إلى مصر وصف قناطرها الخيرية، ووصف أصدقاءه فيها، أما حنينه فإن النغمة الصافية الرقيقة فيها، تظهر في حنينه إلى حماة، ثم حنينه إلى حلب بعد أن غادرها، وحنينه إلى أيامه في الأزهر.

قال يصف شوقه إلى حماة بعدما غادرها إلى حلب عام 1928م لطلب العلم:

آهـا  عـلـى وادي حما
آهـا  عـلـى تلك iiالربو
الـنـهـر  يخترق iiالريا
دولابـه يـبـكي iiويسقي
يـا مـن بـقـلبي iiوُدّهم
لا  تـقـطـعـوني iiإنني





ة إذا نـسـيم الصبح iiهبّا
ع وأهـلـهـا بُعداً iiوقربا
ض وقد جرى حلواً وعذبا
الـدمـع فـاكـهـة iiوأبّا
وبـحـقـهم لم أجنِ iiذنبا
قـد كـنت والله iiالمحبّا!!

وقال أيضاً:

يـرحـم  الله عـهدنا يوم iiكنّا
كنت حول العاصي وبين جنان
مـا ألـدّ الـمـقام بين iiربوع


إذ  رشـفنا من الكؤوس iiزلالا
ألـبـسـتـها  يد الإله iiجمالا
قد  حباها الجمال ربي iiتعالى!!

وله في مصايف دمشق هذه الأبيات:

إن  رُمت تنظر جنّة الدنيا iiففي
وإذا أردت مـحاسناً قد iiجمعت
فهي الخريدة تزدهي في iiحسنها


مغنى دمشق يُسرّ طرف الناظر
فاشرع إلى بحر الجمال الزاخر
وتـتـيه إذ تجلى بوجه iiزاهر

وقال في وصف القناطر الخيرية بمصر:

خرجنا  بكرة نبغي القناطر     وقد علقت ببهجتها الخواطر

أنسنا في الخمائل واغتبطنا     وقد نعمت بها منّا النواظر

ووصف صاحبه في هذه النزهة فقال:

وكـان مرافقي خير iiالندامى
أخـو  فضل وذو نبلٍ iiسليلٍ

يشارك في حديثي أو يشاطر
لأمـجـاد لـهم تتلى iiالمآثر

وأما الرثاء.. فإن للشيخ الحامد فيه قصائد تخلو من مبالغات الشعراء المعروفة، فهو يذكر الفقيد بما كان عليه في الحياة، ثم يستخلص العبرة من الموت، موشحاً ذلك بحكمة الله عز وجل، والتسليم بقضائه والرضا الكامل به.. ومن هذا قوله:

رضـيـنا  بما قد خطه قلم iiالقضا
عـزاء قلوبٍ ناضجاتٍ من iiالأسى

ولولا الرضا ضاقت بنا سعة الفضا
لـفقدك، إن العيش كالبرق iiأومضا

ومن رثائه قصيدته التي رثى بها أخاه الشاعر بدر الدين الحامد عام 1961م، والتي قال فيها:

يـا  لـها ليلة كوتني iiبناري
غاب  فيها بدر فطال iiسهادي
لهف نفسي عليه أمسى وحيداً


طـالـعـتني بأسوأ iiالأخبار
وتوارى  أنسي وشبّ iiأواري
ولـقـد  كـان نزهة السمّار

وأما الدعابة الأدبية.. فقد اجتمع عند الشيخ الحامد العلم الوافر، والجدّ، والبحث الدقيق.. إلى الروح الزكية، والفكاهة البارعة، والحس اللطيف، ومن النادر أن تجتمع هذه الصفات، ولكنها اجتمعت في شيخنا الكريم..

ومن الدعابات اللطيفة التي اشتهر بها، قصيدته التي قاله في مصر عام 1940م عن الفول.. وقد حظيت هذه القصيدة بشهرة كبيرة بين طلاب الأزهر في ذلك الوقت، ففي مصر التقى ظرف الشيخ ولطفه مع ظرف أبناء مصر ولطفهم وحبّهم للدعابة، حتى اشتهر بينهم، ولما كانت أكثر نكاتهم تتصل بالقول –طعام عامتهم الرئيسي- نظم الحامد هذه القصيدة وقال فيها:

ألا يـا مـحبّ الفول أصغ iiلقولتي
يـسـيل  لعابي إن شممتُ iiعبيره
وعـيـنـي قرّت مُدّ رأتني iiمُقبلاً
ألا  يـا محبّ الفول! خُذني iiمُربيّاً
فـفـولٌ فؤولٌ فاحترس من تشاؤم
وإنـك إن تـأكـلـه كلّ iiصبيحة





فقد  عاد هذا الفول موضع iiفتنتي!!
ويـخذلُني صبري وتضعُفُ iiقوتي
عـلـيـه بـقـلب صادق iiوبهمّةِ
وكـن سامعاً قولي مُجلاً iiنصيحتي
فـإن اسـمه يقضي بحسن iiالمظنّةِ
ترَ الخيرَ سَحّاً في الضحى والعشيّة

وبعد هذه النماذج البسيطة التي أوردناها من شعر الشيخ الحامد نرى أنه شعر سهل يجري مجرى الطبع، يروق في السمع، ويطرب له الفؤاد، لأنه خرج عن معاناة حقيقية، وصدق في العاطفة والتعبير، ودافع شعوري فيّاض مع شاعرية عذبة متدفقة.

وهذا الشعر الجميل من المؤسف أن شيئاً كثيراً منه قد ضاع، فلم يكن للشيخ –رحمه الله- عناية بجمعه، وكل ما بقي له من شعر، متفرق في مفكراته ما بين عام 1928 – 1941م، وما يحتفظ به الأصحاب الذين كان يراسلهم.. زد على هذا أن شيخنا انقطع عن الشعر فترة وحاول أن يدفع عن نفسه القريض، ولكن ما ركّب فيه من ميل شعري كان يغلب عليه، فيعود للنظم في المناسبات كما في رثاء أخيه بدر الدين الحامد، أو في المراسلات التي تكون بين الأصحاب.

والحقيقة أن انشغاله بالعلم، وعمله المتواصل في الدعوة إلى الإسلام لم يدع له فرصة لاعتناء بالشعر.. ولو تسنّى لموهبته الشعرية أن تأخذ طريقها الطبيعي لرأينا شاعراً فحلاً وشعراً أكثر عذوبة وجمالاً.

آثاره الأدبية:

الشيخ محمد الحامد علم من أعلام الفكر الإسلامي الأفذاذ الذين اشتهروا بأصالة التفكير وعمق التدبّر على مر العصور، وبذلوا قصارى جهدهم لخدمة دينهم والتعريف بحقيقته، ونفي ما علق به من مفاهيم خاطئة وشبهات مشككة.

وكان مدرسة في العلم والتحقيق، يسهر الليالي وينفق الساعات الطوال في تمحيص الحقائق الدينية,, ألّف كتباً ورسائل كثيرة تداولتها أيدي الناس، ورأى الناس فيها علماً غزيراً وإطلاعاً واسعاً، ودقة في تحري الأحكام ونزاهة في كل ما يكتب أو يقول:

أما إنتاجه الشعري فقد ضاع منه الكثير وما بقي منه هو:

1 – ديوان مطبوع سنة 1928م جمع فيه شعره الذي قاله في شبابه.

2 – مجموعة شعرية في مجلة حضارة الإسلام – العدد الثالث، السنة العاشرة.

مصادر الدراسة:

1 – كتاب "العلامة المجاهد الشيخ محمد الحامد" للأستاذ عبد الحميد طهماز.

2 – مجلة حضارة الإسلام – العدد الثالث، السنة العاشرة.

مختارات من شعره:

(1) في مدح الرسول عليه السلام: قصيدة تتسم بالصدق، وتفيض بالوجد.. فيها الكلمة المعبّرة، والصورة الشفافة، قالها في مدح الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، وقد تليت القصيدة نيابة عن الشيخ محمد الحامد أمام الروضة الشريفة في المدينة المنورة.

في مدح الرسول عليه السلام(1):

يا حبيب الرحمن، يا صفوة iiالخلـ
يـا ولـيّـي وسـيـدي iiوإمامي
لا  أبـي لا أخـي ولا صدر أمي
بـلـغـوا شـاوَكَ الـعـليّ iiببر
يـا  بـنفسي لِقاً ولو طرفَ iiعينٍ
فـنـعـيـمُ الـلـقاءِ فيه iiحياتي
حـبّ  هـذا الـنبي سرُّ iiانقيادي
والـمـحـبـون طـائرون iiقلوباً
مـلـكَ  الـحبُّ أمرهم iiفاستكانوا
ويـخـافـون  أن يـكون انفكاكٌ
حـبذا  العيشُ والرضا عيشُ iiقومٍ
وعـلـيك  الصلاةُ ممسىً iiومغدىً
وعلى الآل والصحاب وأهل الحـ












ـلـق ويـا مُنيتي وراحة iiروحي
أنـت لـي خـيرُ مُشفقٍ iiونصيح
لا  ولا ذو الإخـاء خِـدْن iiالروح
أو  وفـاءٍ أو في الحنان iiالصحيح
وبـأهـلـي!  وكـلّ غالٍ iiربيح
وهـنـائـي وفيه تُشفى iiجروحي
وأخـو  الـحُبّ ما به من iiجُموح
وبـبـاب  الحبيب كم من iiطريح
لـهـواه أسـرى إسـار iiمُـريح
أو  بَـراحٌ يُـريـح مـن iiتبريح
فـي  غـرام كم فيه من iiمستريح
تـتـوالـى  مـع السلام الرجيح
ـب والـمـدح بـالبيان iiالفصيح

مختارات من شعره:

(2) في رثاء بدر الدين الحامد: قصيدة قالها عام 1961م يرثي أخاه بدر الدين الحامد "شاعر العاصي" ويذكر فيها رعايته له بعد وفاة أبيه، ويرجو له الخير والرحمة في الدار الآخرة.

وفي هذه القصيدة نرى رثاء صادق اللوعة، وتحسراً على الفقيد، ولكنه تحسّر معترف بقضاء الله، موقن به، لا يشكو ولا يعتب، وإنما هي زفرات بثها أبياتاً من الشعر تنفّس عنه كربه، في إطار التسليم بقضاء الله سبحانه، والرضا الكامل به.

في رثاء بدر الدين الحامد(2)

يـا لـهـا لـيـلة كوتني iiبناري
غـاب فـيـها بدرٌ فطال iiسهادي
سَـكـن  الرمسَ صامتاً بعد iiشدو
لـهْـفَ نفسي عليه أمسى iiوحيداً
يـمـلأ  الـقـوم حـكمة iiوبياناً
ولـه صـرخةٌ إذا الخصمُ iiأزرى
كـنـتُ  في حجره صغيراً iiيتيماً
حـاطـنـي مـن حـنانه بإطار
ولـقـد كـان ذا جَـنـان iiرفيق
مـالـه  لـلأذى اعـتمادٌ وما iiكا
أمِّـلِ الـخيرَ والرضا، أنت iiعبدٌ
عـالـقُ السرّ بالرسول أمين iiالله
سـيـدَ الـرسـل، وافدٌ قد iiأتاكم
وشـفـاعـاتـكـم  حديثاً iiوقِدماً
ربّ  فـارحم بدراً وعاملْ iiبلطف
واجـعـلـنه في جنة الخلد iiجذلا
صلّ مولاي ما رضيتَ على حبّـ
وعـلـى الآل مـا تـرتل iiوحيّ

















طـالـعـتـني  بأسوأ iiالأخبار!!
وتـوارى أُنـسـي وشبَّ iiأواري
وحُـداءٍ حُـلـو كـسجع iiالهَزار
ولـقـد  كـان نـزهـة iiالسُّمار
ونـظـيـمـاً من طيّب iiالأشعار
بـكـريـم  الأبـطال iiوالأحرار
فـرعـانـي  رعـايـة iiالأبرار
وبـه انـجـابَ غـيهب iiالأكدار
بـسـوائـي وتـلك حالُ iiالخيار
ن  لـقـلـبِ الرحيم من أضرار
مـؤمـنٌ  بـالـعلي ذي iiالأقدار
ذي  الـفـضـل أحـمد iiالمختار
يـرتـجـي منكم كريمَ iiالجوار!!
لـجـلـيـل  الأخطاء iiوالأوزار
مـنـك  عبداً أفضى لدار iiالقرار
نَ فـأنـتَ الـعـفـوّ أكرمُ iiجار
ـك  نـور الأنوار شمس iiالفخار
وتـلاهُ الـعـبـاد فـي الأسحار

         

الهوامش:

(1) حضارة الإسلام – العدد الثالث – السنة العاشرة – ص 80

(2) حضارة الإسلام – العدد الثالث – السنة العاشرة – ص 90