جمال الدين الأفغاني بين الحقيقة والافتراء

جمال الدين الأفغاني بين الحقيقة والافتراء

أ.د/ جابر قميحة

[email protected]

بدأ لويس عوض ينشر في إبريل سنة 1983 سلسلة من المقالات الأسبوعية في مجلة «التضامن» التي تصدر في لندن باللغة العربية تحت عنوان  "الإيراني الغامض في مصر: جمال الدين الأفغاني " شوه فيها تاريخ جمال الدين تشويها بشعا, فتولي عدد من مفكرينا العدول نقض ما قال بعدد كبير من المقالات, وعلي مدي ستة أشهر بدأت في أواخر أغسطس 1983.   واشتركتُ في هذا التصدي بمقالين: الأول بعنوان «قصور البحث وغياب المنهج» ونشر في الأهرام المصرية بتاريخ 5/9/1983. والثاني بعنوان «التزوير وأمانة الكلمة» ونشر بالأهرام في اليوم التالي. وهما المعروضان فيما يأتي :
(1) قصور البحث وغياب المنهج

ولد جمال الدين الأفغاني في قرية "أسد أباد" بالقرب من مدينةهمدان في غرب إيران، وليس في قرية أسعد أباد الأفغانية، ونشأ نشأة شيعية، وتلقي التعليم على أيدي الشيعة والبهائيين."لويس عوض : مجلة التضامن العدد الأول".        .  ومعروف أن الشيعة يؤمنون بالتقية أي كتمان الآراء والمعتقدات وإظهار الإنسان خلاف ما يبطن.. وقد نشأ الأفغاني في هذه التقاليد الشيعية التي جعلت منه إنسانًا مزدوج الشخصية بل ومتعددها، يفصل الكلام والتعاليم بحسب من يخاطبه وبحسب ظروف الزمان والمكان، حتى بدت تعاليمه وأقواله المأثورة ومواقفه وتحركاته جملة من المتناقضات التي يصعب نسبتها إلى رجل واحد . (التضامن العدد الثاني) .   ولم يكن الأفغاني متدينا بالمعنى المفهوم، ولكنه كان ينظر إلى الدين كمجرد دافع للجماهير الجاهلة لتحصيل الاستقلال السياسي أو بناء الإمبراطوريات (التضامن العدد الثالث).

وفي شبابه كان متفرنجا لا يعيش كالمسلمين، ولكن يعيش كالأوروبيين، وفيما يبدو لا يتبع دينا معينا (التضامن العدد الرابع).

وكان يجاهر بعصيان الدين أثناء إقامته في كابول ، فكان يفطر علنا في رمضان . (التضامن العدد السادس) .

 فلما جاء إلى مصر شدد عليه رياض باشا أن يهتم بشعائر الدين حتى تقبله بيئة الأزهر. (العدد السابق) .

وقد ظهر في مصر لا في صورة المفكر والسياسي فحسب، بل في صورة زعيم إرهابي يمكن أن ينظم الجمعيات السرية للاغتيال السياسي على غرار ما كان يفعله الفوضويون في أوروبا . (التضامن العدد الثامن).

**********

وبعد هذه الخطوط العريضة لبعض مفتريات لويس عوض ... أنبه القارئ  إلى أن عنوان البحث يبرز أمامنا ثلاث نقاط مهمة هي:

1- منطوق العنوان وهو "الإيراني الغامض في مصر" يعد حكما يقطع – من ناحية- بأن جمال الدين إيراني الجنيسة "مع أن الراجح -  كما سنرى - أنه أفغاني المولد" . وهذا العنوان  -  من ناحية أخرى -  يقطع بأن شخصيته غامضة ذات دروب خفية وخبايا، وذلك يعني أن ما كتبته عنه أقلام أخرى من صراحة وجرأة ووضوح وتدين ليس بشيء . والعنوان - بهذا المنطوق المثير -  يذكرنا بعناوين القصص والأفلام البوليسية المثيرة مثل " القاتل المجهول" و"الرجل الخفي".

2-يأتي نشر حلقات البحث بهذا العنوان المثير في وقت أصبح فيه لكلمة "الإيراني" انطباع سي ء  في نفس القارئ العربي وخصوصا المصري.. فهو لا يطرق سمعه الآن عن الثورة الإيرانية وزعيمها إلا ما يحزن ويؤلم ويثير الأسى والنقمة ، فما بالك إذا كان هذا الإيراني "إيرانيا غامضا" وكأني بهذا التوقيت الزمني يهدف إلى خلق لون من "اللقاء أو الربط النفسي" بين الحاضر والماضي القريب الذي عاشه جمال الدين الإيراني" وأن يقرأ العربي عن جمال الدين وطيف الخميني لا يفارق خاطره، وأن يتابع حركات جمال الدين وهو أسير الانطباعات التي تنقل كاهله عن الثورة الإيرانية ، كما ألحت عليها الحكومات والصحف العربية والمصرية.

3-أن مجلة التضامن دأبت على تصدير كل حلقة من حلقات البحث بعبارة "بحث جرئ عن جمال الدين الأفغاني" . وهو وصف يعكس إيحاء قويا بأن هذه الحلقات فيها خروج وتمرد على ما كتبه الكتاب، وعرفه الناس عن جمال الدين ، مع أن البحوث – خصوصًا الأكاديمي منها- لا توصف عادة بالجرأة أو الجبن، ولكنها توصف عادة بالموضوعية والتجرد أو بالهوى والتحيز.

وأعتقد أن القارئ يشهد بالبراعة والتوفيق للمجلة والكاتب في نطاق هذه الثلاثية التي ذكرتها: فمنطوق العنوان حكم جازم بالإدانة المسبقة على شخصية يعتقد أنها قمة من قمم الشرق فكرًا ودينًا وخلقًا.

وتوقيت النشر: أصاب المحز – كما يقولون- إذ جاء مع جو نفسي مهيأ لتقبل أي مذبحة فكرية- مهما كانت ضراوتها- لكل ما هو إيراني.

والوصف بالجرأة بعد ذلك يعضد من قيمة البحث –ويمنح البحث وصاحبه شهادة بالتجديد والتحرر الفكري.

ولكن دعك ن هذا العنوان ولننظر إلى طبيعة الأحكام التي "خلعها" الدكتور لويس – بكرم فياض- على جمال الدين الأفغاني . إنها - في إيجاز – تقف على طرف مناقض تماما لما كتبه علماء غربيون عرفوا بسعة الثقافة والقدرة على التعمق والتحليل والتمحيص من أمثال: رينان وبروان وجولدزيهر ولوثر ستودارد. ونكتفي بسطور قليلة مما قاله براون عنه "كان  جمال الدين فيلسوفا وكاتبا وخطيبا معًا.. وكان يرمي إلى تحرير هذه الدول (الشرقية) من النفوذ الأوروبي واستغلال الأوروبيين، والنهوض بها نهوضا ذاتيا من الداخل".

وحتى أرنست رينان الذي هاجم الإسلام في إحدى محاضراته بالسربون، وتصدى له جمال الدين ناقضا ما ذهب إليه في مقال نشره جمال الدين في الجريدة الباريسية Journal des Debats  . يقول رينان عن جمال الدين في رده على مقاله "تعرفت بالشيخ جمال الدين من شهرين ، فوقع في نفسي منه ما لم يقع إلا من القليلين، وأثر في تأثيرًا قويًا، وقد جري بيننا حديث عقدت من أجله النية على أن تكون علاقة العلم بالإسلام هي موضوع محاضراتي في السربون، والشيخ جمال الدين نفسه خير دليل يمكن أن نسوقه على تلك النظرية العظيمة التي طالما أعلناها وهي أن قيمة الأديان بقيمة من يعتنقها من الأجناس، وقد خيل إلى من حرية فكره ونبالة شيمة وصراحته –وأنا أتحدث إليه- أني اشهد ابن سينا أو ابن رشد..".

كذلك جاء ما كتبه علماء شرقيون عدول من أمثال محمد عبده ورشيد رضا ومحمد باشا المخزومي وأحمد أمين وعبد الرحمن الرافعي والدكتور عثمان أمين والدكتور محمود قاسم، وكذلك سليم العنحوري الشامي المسيحي المهاجر الذي اتهم جمال بالإلحاد، ثم تبين له وجه الصواب فكتب معترفا بخطئه فيما رمي به الرجل العظيم، ولم تأخذه العزة بالإثم.

واعتقد أن أعدى أعداء جمال الدين  وأعداء الشرق الذين نقدوا جمال الدين، وشوهوا تاريخه لم يبلغوابعض ما بلغه الدكتور لويس في حلقات بحثه الأكاديمي من سلب جمال الدين كل محمدة من محامده، وقذفه بكل هذا الفيض الغامر من النقائص والمثالب، حتى يظن من يجهل تاريخ الرجل أنه كان "مسخا" في فكره ودينه وغاياته ووسائله.

ولا أدعي أن جمال الدين فوق النقد، فهو بشر يخطئ ويصيب، ويخفق وينجح، كما أن أقوال السابقين وشهاداتهم للرجل لا تلزم الباحث أن يتبع نفس النهج ، ويستقي من نفس المشرب، فمن حقه أن يرفض بعض ما قيل عن جمال الدين ، بل كل ما قيل عنه، وولكن ليس من حقه أن يحاول أن يفجع الأمة الإسلامية والفكر الإسلامي الناهض في شخصية كان لها أثرها البالغ العميق في البعث الفكري والنهوض السياسي والديني.

فعل الدكتور عوض  كل أولئك . ويبقى  من حقنا –وقد صدرنا مقالنا بأحكامه- أن نبحث عن ركائزه العلمية التي اعتمد عليها ، ومصادره التي استقي منها ، ومنهجه في التعامل مع المعطيات التاريخية التي أثرت في مجريات السياسة والفكر، وتفاعلت مع شخصية جمال الدين تأثرًا وتأثيرًا.

وحتى أكون أمينا مع نفسي وقارئي أعترف بأنه كان ثمة سؤال يلح على أثناء قراءتي مقالات الدكتور لويس وبعد انتهائي منها وهو: ما حكمنا على من يكتب تاريخ السيد المسيح عليه السلام –معتمدًا اعتمادًا كليا أو شبه كلي- على أقوال- الفريسيين واليهود "أبناء الأفاعي" و"خراف إسرائيل الضالة" كما كان يصفهم السيد المسيح عليه السلام؟!!

وما حكمنا على من يكتب تاريخ النبي محمد –عليه السلام- اعتمادًا على تصورات الكفرة من أمثال أبي جهل والمنافقين من أمثال عبد الله بن سلول ، واليهود من أمثال حيي بن الأخطب وكعب بن الأشرف" ؟.

اعتقد أن السؤال في غني عن جواب. وأعتقد أنه ما خطر لي أو ما فرض نفسه على إلا   لأنني  رأيت الدكتور لويس يجعل ركيزته الكبرى في بحثه الجرئ، "الوثائق ابريطانية".

وهو حينما يتحدث عن هذه الوثائق يتحدث عنها بتقدير وإجلال وثقة كاملة وبعبارات تجرى على النسق التالي " وقد أثبتت الوثائق البريطانية.." ، وأكدت الوثائق البريطانية" . وكان الدكتور لويس يجهل أن هذه الوثائق إنما هي وثائق الرجال الذين عاش الأفغاني يحارب إمبراطوريتهم في كل مكان يحل به. ويؤلب عليهم الشعوب ويلهب ضدهم المشاعر.

وما يقوله كبار المسئولين الإنجليز من أمثال السيرفرانك لا سيز قنصل إنجلترا العام في مصر عن جمال الدين من وصفه بالعمل على نشر مبادئ الفوضى، وما يقوله مراسل التايمز في رسالة يصف فيها الأفغاني بأنه "ذو ماض مريب" (التضامن العدد الأول)، كل هذه الأقوال لها عند الدكتور لويس احترامها وقدستها.

بل إن الدكتور لويس يفتح صدره في سماحة وكرم لتقارير الجواسيس فيكتب (في العدد الأول من التضامن) بالحرف الواحد، : انظر إلى هذا التقرير الذي كتبه موظف في حكومة كابول سنة 1868 كان يعمل جاسوسا لحساب الإنجليز، والتقرير بعنوان سجل بأوصاف السيد الرومي في كابول (يقصد جمال الدين) يشتبه أن يكون عميلا روسيا يخدم في دوبارة (بلاط) كابول.

وتنتهي كل هذه التقارير والوثائق إلى أن الأفغاني كان "عميلا روسيا مأجورًا"، بل وأكثر من ذلك "كان عميلا مزدوجًا Double agent وهذا ما يرجحه الدكتور لويس عوض ويطمئن إليه) (التضامن العدد الرابع).

أما ما يقوله جمال الدين عن نفسه تعبيرًا عن فكره ومعتقده فهو مرفوض عند الدكتور لويس عوض.

أما شهادة  طلابه ومريديه ومعايشيه من أمثال محمد عبده ورشيد رضا والمخزومي فموضع شك كبير عند الدكتور لويس عوض . ونستكمل الحديث في السطور الآتية :

(2)التزوير.. وأمانة الكلمة

استعرضنا  ملامح الصورة الممسوخة التي رسمها الدكتور لويس تحدثنا عن الطبيعة العامة لأحكامه وكيف كانت في مجموعها متناقضة مع ما قاله غربيون وشرقيون أعمق فكرًا وأوسع ثقافة.

ورأينا كيف جعل الكاتب مصدره الأساسي تقارير الجواسيس ووثائق الحكومة البريطانية التي عاش الأفغاني حربا عليها في كل مكان يحل به. واليوم نرى مع قرائنا كيف تعامل الأستاذ الأكاديمي مع النصوص وأحداث التاريخ.

فلنسر مع هذا "الخط المنهجي" – إلى حين – ولننظر في نصوص الدكتور لويس ووثائقه ووقائعه، وسنكتشف أنه – فيما يستخلصه ويستنبطه من نتائج وأحكام –يحملها- لا أقول أكثر مما تحتمل فحسب- بل يحملها- في كثير من الأحيان- مالا يمكن أن تحتمله إطلاقا. ولنعايش بعض الأمثلة.

1- أغلب الأقوال شرقيها وغربيها- تؤكد أن جمال الدين أفغاني المولد سني المذهب- وأنه ولد في أسعد آباد وهي إحدى القرى التابعة لخطة كنر بالأفغان، ويرتقي نسبه إلى الحسين بن علي، وممن حقق ذلك بدقة واستفاضة: المؤرخ العظيم عبد الرحمن الرافعي في كتابه القيم جمال الدين.

ولكن بعض الإيرانيين يزعم أنه ولد في قرية "أسد أباد" الإيرانية وهو قول لا دليل على صحته، وإن كان هذا التنافس على نسبة جمال الدين يعد في ذاته شهادة بعظمة الرجل وعلو مكانته.

وجمال الدين نفسه قد حسم هذه القضية بما نقله عنه أقرب الناس إليه مثل محمد عبده وشكيب أرسلان وعبد القادر المغربي، فمن أقوال جمال الدين "ونظرت إلى الشرق وأهله فاستوقفتني الأفغان" وهي أول أرض مس جسمي ترابها، وقوله مرة أخرى ".. وقد اضطرت لترك بلادي الأفغان".

2- ويذهب الدكتور لويس إلى أنه كان يؤمن بالقضية ويظهر خلاف ما يبطن. مع أن التاريخ يقطع بأن حياة الأفغاني كلها كانت سلسلة متصلة الحلقات من الجرأة والشجاعة والصراحة.. وقد كلفه ذلك من جهده وصحته واستقراره الشيء الكثير..وكثيرا ما كانت شجاعته تتحول إلى حدة وهياج في مواجهة القادة والزعماء يقول عنه محمد عبده ".. وهو شجاع مقدام لا يهاب الموت كأنه لا يعرفه، إلا أنه حديد المزاج، وكثيرا ما هدمت الحدة: ما رفعته الفطنة؟.

وحينما كتب محمد عبده من مصر كتابا لجمال الدين وهو في الأستانة كتابا غفلا من الإمضاء " ويظهر أن ذلك كان خوفا من الرقابة" أرسل إليه يؤنبه على هذا التصرف قائلا "..تكتب ولا تمضي؟!!.. أمامك الموت ولا ينجيك الخوف، فكن فيلسوفا يرى العالم ألعوبة، ولا تكن صبيا هلوعًا".

وبسبب صراحته وجرأته "جرد" عليه شاه إيران ناصر الدين حملة من خمسمائة جندي ، وسحبوه مسلسلا في الحديد ، وألقوا به خارج البلاد وهو مريض في يوم جليدي شديد البرد، فأخذ يهيج مشاعر الناس على الشاه في كل بلد يحل به.. ولما استقربه المقام في الأستانة طلب منه السلطان عبد الحميد أن يكف عن مهاجمة الشاه، فقال جمال الدين " إني لأجلك قد عفوت عنه".

وكان يحدث السلطان وهو يلعب بحبات مسبحته ، فلما طلب منه بعض الحاشية أن يكف عن ذلك قال " إن السلطان يلعب بمستقبل الملايين من الأمة أفلا يحق لجمال الدين أن يلعب بسبحته كما يشاء؟؟".

ويطول بنا المقام لورحنا نعدد الشواهد والوقائع التي تنفي عن الرجل القول بالجبن والتقية وإظهار خلاف ما يبطن، فكم جابه الحكم في صراحة لا نظير لها، وخاصة بدعوته إلى الشورى والحكم النيابي، ومن هؤلاء الخديو توفيق وقيصر روسيا.

والغريب أن الدكتور لويس نفسه عاد فنقض ما ذهب إليه من القول بتقية الأفغاني حين يقول: "… وكان الأفغاني يتحرك بوضوح في مرحلته المصرية في سنة 1871 إلى سنة 1879  بين صفوف المجددين والديمقراطيين والدستوريين والعرابيين ودعاة مصر للمصريين..".

"… وفي سيرة الأفغاني لأ ديب إسحق : فأجرت له الحكومة الخديوية رزقا على أن يكون من المدرسين فجرت بينه وبين علماء الأزهر مناظرة أفضت إلى المنافرة، فانقطع إلى منزله ، وصار له فيه حلقة تدريس،"التضامن العدد 6"، فالموضوع، والمواجهة الصريحة لا يتفقان مع منطق التقية التي تعتمد على الثورية والمجاراة وإظهار خلاف الباطن.

3- ويذهب الدكتور لويس إلى أن جمال الدين طرد من المحفل الماسوني "التضامن العدد 14" . والثابت أن جمال الدين الأفغاني اشترك في المحفل الماسوني الإنجليزي مشدودًا على حد قوله بشعارهم الكبير الخطير: "حرية مساواة. إخاء…" وكان المحفل يضم أشراف الناس وكبراءهم.. وصدم جمال الدين حين رأى أن هذا الشعار لا وجود له في واقع هؤلاء الأعضاء ، بل لم يجد منهم إلا الجبن والسلبية والتزاحم على المناصب، فاستقال، وأنشأ محفلا آخر ، ونجح في تنظيمه حتى بلغ عدد أعضائه ثلاثمائة عضو، وكان يبغي من ذلك إيصال دعوته الإصلاحية إلى كبار الناس وعظمائهم.

4- ولم يكن الأفغاني يستحل لنفسه اتباع الوسائل الخسيسة في سبيل تحقيق غاياته النبيلة أو غير النبيلة، فيكفي للرد على ذلك ما جاء على لسان محمد عبده إذ قال: ماذا كان يضر السيد "الأفغاني" لو مهد لإصلاحه – وهو في الأستانة- بالسعي عند السلطان في عطاء أبي الهدي الصيادي خمسمائة جنيه ونيشانا لابنه أو لأخيه، فإذا رأي أبو الهدى أن السيد يخدمه فأما أن يواتيه وأما ألا يناوئه؟؟".

ولكن ما كان للسيد الأفغاني أن يسلك مثل هذه الخطة حتى لو حققت من النفع العام الكثير والكثير.

ولما دس له أبو الهدى الصيادي عند السلطان قال له عبد الله النديم ليتك ذكرت للسلطان دسائسه وضرره، فغضب جمال الدين وقال "أعوذ بالله أن أكون من المنافقين، أو أن أفعل ما أنكره على الغير، أو أن أكون همازًا مشاء بنميم".

فالغاية عنده لا تبرر الوسيلة، والنفس الكبيرة لا تستشرف إلا الغايات  العلية ، ولا تتبع إليها إلا الوسائل الشريفة النبيلة.

5- وهل كان جمال الدين متعصبا دينيا.. داعيا إلى التعصب الديني في مرحلة " العروة الوثقى" التي عاشها في باريس؟ "التضامن العدد19".

إن واقع العروة الوثقى يفند هذا الادعاء.. فمما كتبه في إحدى مقالاته بالعروة الوثقى "… لا يظن أحد من الناس أن جريدتنا هذه بتخصيصها المسلمين بالذكر أحيانًا، ومدافعتها عن حقوقهم –تقصد الشقاق بينهم وبين من يجاورهم في أوطانهم ويتفق معهم في مصالح بلادهم، ويشاركهم في المنافع من أجيال اطويلة فليس هذا من شأننا ولا مما ندعو إليه، ولا مما يبيحه ديننا…".

فمن أين جاءت تهمة التعصب التي خلعها  لويس على الأفغاني في مرحلة العروة الوثقى؟ أعتقد أنها جاءت من إلحاح الأفغاني –بعد أن رأى ما رأى من انكسار الثورة العرابية والاضطهاد الواقع على المسلمين من حكامهم ومن المستعمرين –على ضرورة التجمع في دولة واحدة أو دول متوحدة في شكل كومونولث  إسلامي مع التمسك بدينهم والالتفاف حول كتابهم والاعتزاز بالعصبية الدينية "وهي غير التعصب المقيت الذي يقوم على الشقاق والتطاحن بين أصحاب الديانات المختلفة، والذي تبرأ منه جمال الدين على صفحات العروة الوثقى.

وتاريخ جمال الدين يشهد أن من تلاميذه النجباء وأصدقائه المخلصين كثيرا من غير المسلمين مثل أديب إسحق المسيحي الدمشقي، ويعقوب صنوع اليهودي، وقد شجع الأول على إنشاء جريدتي مصر والتجارة، وكان جمال الدين يكتب فيهما بنفسه، وشجع الثاني على إنشاء مجلته الهزلية "أبو نضارة".

لقد عاش جمال الدين لفكره وعقيدته.. ولم يتعيش بفكره وعقيدته... عاش عمره يضرب في أنحاء الأرض ينثر بذور الإصلاح، ويلهب المشاعر وينتصر للعقل في وضوح دون مواربة، ولو تنازل عن قطعة من كرامته.. ولو باع ضميره ولو للحظة واحدة لوجد آلافا يغلونه الثمن.. بل كم من أمراء وحكام كانوا على استعداد أن يشتروا سكوته.. مجرد سكوته بثروات طائلة.. ولكنه آثر عذاب الجهاد.. وجوع الليالي ومفارقة الأوطان عن الاستكانة الدعة وسلام الأذلاء.. فعاش فقيرًا.. وقضي فقيرًا… وظل قبره تائها مطموسًا بين القبور بلا معالم تدل على صاحبه.. إلى أن جاء أمريكي – صديق للعرب- فتبني القبر وبناه ، وأظهر ما انطمس من معالمه وصواه.. ولن يضير جمال الدين أن تتطاول عليه ألسنة وأقلام.. فالبقاء للأصلح.. للأصلح دائمً