الشهيد حسني عابو

أبا سيد.. سلام الله ورحمته وبركاته عليك.. سلام الله عليك في جوار ربك.. سلام الله عليك مع رسول الله، سلام الله عليك مع إخوانك سيد ومروان ووليد، سلام الله عليك يا من شغفك حب سيد وهو يقول.. (إسلام أو لا إسلام.. إسلام فسلام، أو لا إسلام... فكفاح..)!!

فصرختَ في وجه حافظ أسد عشية الإعدام قائلاً.. (يجب أن تعلم يا حافظ أسد! أن المجاهدين صمموا على الموت في سبيل الله، ووطنوا أنفسهم على القتال، فإما نصر من الله، أو يحدث الله أمراً يخرجنا فيه من هذا الوضع).

من أي الأبواب ندخل عالم الشهادة الذي سبقتنا إليه؟؟ وكيف لنا أن نوفيك حقك.. غرسة من غراس مروان، وقائداً لقافلة المجاهدين...!!

رحمك الله.. ورحم شبابك.. وشباب إخوانك معك، لقد نزلتم من القلب منزلة، لو لم يكن حب الله ورسوله لكم أعظم منها لما نلتم ما تمنيتم على يد (أبي رغال) سورية وأخيه المجرم الماجن رفعت، ولكأني بأم سيد تحمل حبة الغراس التي هي منك وإليك.. تلعن مع كل الأيامى واليتامى والمظلومين الحركة التصحيحية التي جاءت بالنصيرية في أكفان زمرة البعث.

هو ذا حبيبنا الشهيد حسني بن محمود عابو، أمه عزيزة، ولد في حلب سنة 1950م تزوج ابنة الشيخ الجليل طاهر خير الله، وأنجب منها عدة أولاد أكبرهم (سيد)، انتسب لجماعة الإخوان المسلمين وعمره أربعة عشر عاماً.

عاش في كنف والده الثري، وترعرع في حديقة أسرة عريقة، وما إن تزوج حتى أعد له والده كل أسباب الهناءة والعيش الكريم، وأمده بما يحتاج إليه من أموال ليعمل في أي حرفة يختار، لكنه آثر أن يتابع دراسته، فبعد أن حصل على الشهادة الثانوية، ذهب إلى فرنسا وتعلم اللغة الفرنسية إذ بقي هناك سنة واحدة، ثم عاد وشق طريقاً آخر، فنال إجازة في الآداب (قسم التاريخ) ولم يكتف بذلك بل أسهم في أعمال تجارية كثيرة، وشارك في عدة مشروعات إلى أن التحق بالخدمة الإلزامية.

أبيض اللون، شعره أسود، معتدل القامة، قوي البنية، نبراته واضحة، صامت، يأنف الضحك والمزاح، ولا تراه إلا في شغل شاغل بأمور الدعوة واستقصاء أخبار المسلمين.. جواد مضياف، يألفه الناس ويألف الناس، نشيط في دعوة الآخرين للتنظيم، وهو ذو قدرة على القيادة مبكرة.

بايع على طاعة الله والاقتداء برسوله والعمل ما وسعه الجهد عندما انتسب لجماعة الإخوان المسلمين عام (1964) والتقى الشيخ مروان حديد بعد أحداث حماة مباشرة من العام نفسه، ودار بينهما الحديث عن الإسلام وأوضاع المسلمين وضرورة الثورة الإسلامية، وأعجب بمروان منذ اللقاء الأول، فصار يتردد عليه في حماة، ودعاه لزيارته في حلب، وتوثقت بينهما عُرا الأخوة أكثر فأكثر، وتفاقم الوضع في سورية عقب أحداث الدستور عام 1973م، وكان لشهيدنا مروان وقفة الشرف والبطولة في وجه الإعلان عن الكفر في أول صورة ظهرت للدستور اضطرت السلطة بعدها إلى تعديله، وشعر مروان بحقد السلطة ومحاولتها الغدر به وببعض إخوانه فتوارى عن الأنظار لكن الشهيد حسني التقاه وكانت بيعة ثانية!

جعل الشهيد حسني من نفسه النواة الأولى للمجاهدين في حلب، فأخذ يتحرك في الطريق الجهادي منذ عام (1975م) وكان قد تدرب في معسكر للإخوان المسلمين في عام (1969م) وأسهم في عمليات فدائية ضمن مجموعة كبيرة من الإخوان.

واستطاع في عام (1975م) تشكيل مجموعات قتالية، الأولى بقيادته، والثانية بقيادة زهير زقلوطة، والثالثة بقيادة مجاهد آخر، وفي عام (1976م) اتصل بالشهيد الدكتور عبد الستار الزعيم (أبي حسين) رئيس التنظيم الجهادي بعد استشهاد الشيخ مروان حديد.

التحق بالخدمة الإلزامية عام 1977م فسلم قيادة التنظيم في حلب للشهيد زهير زقلوطة وأقام هو في دمشق.

وتخلص الشعب السوري المسلم من عناصر في غاية الفساد والانحراف، وإثر حملة السلطة على صفوف الإخوان في سورية اتخذت الحركة الجهادية طابعاً جديداً هو مقاومة غدر السلطة، ومهاجمة مراكزها في كل مكان، وطاردت السلطة المجاهدين في بيوتهم وأماكن عملهم، وأغرت المواطنين بأمور مادية، وحاولت تشويه الحقائق، فلم يزدد الوضع إلا تفاقم، وكرس شهيدنا جهده في تلك المرحلة الصعبة للجهاد، فاستقر في مدينة حلب، وأشرف على التنظيم ستة أشهر من خلال تجواله في المساجد، وزيارته إخوانه المجاهدين في منازلهم، إلى أن دوهم في أحد البيوت، وكانت معركة مع قوات الأمن وسرايا الدفاع. استشهد نتيجتها الأخ عماد حبيب واعتقل الأخ حسني وهو مريض بالحمى.

قابل الأخ حسني رجال الأمن بأعصاب متينة، وأظهر كفاءة عالية لدى التحقيق معه، وأثلج قلوب الجماهير المؤمنة، فأدلى بحديثه، وودع إخوانه وأهله، ووجهه يطفح بالنور، وعبر بكلماته عن شخصية هادئة.. ولما قدم للمحاكمة (الهزيلة) سأله (خصمه الحكم) بعد استعراض بعض الأعمال البطولية التي أشرف على تنفيذها:

هل أنت نادم على ما قمت به؟

فأجاب الشهيد: لا.. لست بنادم! (متوشحاً سيف الحق أمام السلطان الجائر).

حاول حافظ أسد أن يستجدي عطف المجاهدين لئلا ينهار الصنم الطاغوتي، فقابل بعض (عناصره) الأخ الشهيد حسني عدة مرات لاسيما ليلة الإعدام، فكان يأبى الخضوع بأي شكل من الأشكال!

وإزاء هذا التحدي لم يكن من رفعت أسد إلا أن اقتحم الزنزانة على (أبي سيد) وأطلق عليه الرصاص، لتصعد روحه إلى بارئها، فطوبى له وحسن مآب، وهنيئاً له ولإخوانه بشائر النصر وعظيم المنزلة، يزفها إليهم كتاب الله عز وجل.

(ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ، ولا نصب، ولا مخمصة في سبيل الله، ولا يطؤون موطئاً يغيظ الكفار، ولا ينالون من عدو نيلاً إلا كتب لهم به عمل صالح، إن الله لا يضيع أجر المحسنين، ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون وادياً إلا كتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون).

"صدق الله العظيم"

وسوم: العدد 676