"مالك بن نبي" .. رؤية جزائرية..

لا يمثل المفكر الكبير مالك بن نبي الجزائر وحدها لعلة ميلاده فيها، ولكنه يمثل الحضارة العربية والإسلامية بتاريخها العريض والممتد حتى في لحظتها الراهنة، وقد كان لاهتمامه بالحضارة شأن عظيم رأى فيه البعض أنه الامتداد الطبيعي للعلامة "ابن خلدون"، ولهذا فقد أخرجت عجلات المطابع في الشرق والغرب الكتب والدراسات التي ترصد كل مخرجاته الفكرية التي تعد علامة فارقة في التاريخ العربي والعالمي.

على الرغم من هذا فأهل الفكر والثقافة في بلده الجزائر من الذي يتابعون ما أبدع لهم رؤية خاصة بهم وبمفكرهم بن نبي يستطيع الباحث عنها أن يستخلصها من كتاباتهم ودراساتهم عنه، وحواره معهم؛ إذ يرى الدكتور بدران مسعود بن لحسن أستاذ مقارنة الأديان والذي خصص رسالتيه في الماجستير والدكتوراه عن المفكر الراحل مالك بن نبي، أن بن نبي هو مؤسس المنظور الحضاري للنهضة في العالم الإسلامي، وأن الإنسان عنده كان له الأولوية الكبرى، وأنه لم يكن مفكرا أيديولوجيًا، ولا كاتبًا مغرمًا بالتنظير، ولا داعية مهتمًا بتجميع الناس حول فكره، ولا سياسيًا يطالب بالحقوق، ولكنه عالم ومفكر وصاحب دعوة وفيلسوفًا واسع النظر ومهندس أفكار نادر الوجود، وصاحب مشروع تجديد حضاري لم يتم استغلاله بعد، وأن الجزائر لم تستفد منه مثلما لم تستفد منه أمته من حيث منظوره، ومنهجه، ومفاهيمه، والحلول التي اقترحها.

 ومن حسن الطالع أن أتحاور مع شاعرين كبيرين من ولاية تبسة التي انتقل إليها والد المفكر الكبير الذي كان يعمل موظفًا بالقضاء الإسلامي حيث تلقى فيها دراسته القرآنية والابتدائية بالمدرسة الفرنسية، أما الأول فهو الشاعر ياسين عرعار من مدينة الونزة، والثاني فهو الشاعر عادل سلطاني من مدينة بئر العاتر.

 وقد وجهت سؤالي الأول للشاعر ياسين عرعار:

ــ جادت قريحة الجزائر فأنجبت ذلك المفكر الفذ "مالك بن نبي" الذي تلقفه رئيس زعماء المشرق العربي وشعبه بالتقدير والترحاب، فبوصفكم من طليعة المثقفين العرب، هل ترى أن الجزائر ـ دولة المفكر الأم ـ استطاعت أن تستفيد من فكر هذا العبقري الفذ بخاصة؟ وهل استفاد منه العرب والمسلمون بعامة؟ وكيف نستفيد من عطاء هذا العبقري من وجهة نظركم؟

ــ أخي العزيز الأديب السيد إبراهيم أحمد، سؤالك يا صاحبي فيه نداء للعقول العربية المثقفة ورسالة سامية إلى الأنظمة العربية لكي تعيد النظر في قانون الحضارة الذي أهملته أو ربما كانت لبنته ضعيفة بسبب المفاهيم المغلوطة والصراع السلطوي والانسداد الفكري وغيرها من الأسباب التي جعلت الأمة العربية تعيش في فوضى وتبحث عن مخرج للخلاص من مشكلاتها العويصة.

 الباحث العالمي "مالك بن نبي" هذا المفكر الإسلامي الذي كان له الأثر الكبير في تجسيد صورة المجتمع الحضاري الإسلامي ، بعد دراسة عميقة لمشكلات الأمة انطلاقا من رؤية حضارية إسلامية متكاملة تعرض خلالها إلى المجتمع العربي حيث قدم عصارة فكره الفذ للعالم العربي خاصة وللإنسانية بمختلف جنسياتها وانتماءاتها عموما.

أخي العزيز الأديب السيد إبراهيم أحمد .. ضمن هذه الثلاثية الرائعة في سؤالكم .. سأتحدث قليلًا وبتواضع عن "مالك بن نبي" فهو فذ من أفذاذ العرب العلماء والمفكرين وفلاسفة العالم.

 تذكرت أنني في معهد الأساتذة للغة العربية قسم السنة الأولى سنة 1991 كانت لنا دراسة حول مالك بن نبي في كتاب "مشكلة الثقافة" و كتاب "شروط النهضة"، وبصراحة غصنا وأبحرنا في فكر الرجل من خلال المادة المكتوبة ولا أخفي عنك أنني وجدت نفسي أتعامل مع مادة صعبة للغاية خاصة وأنها ذات منطلقات فلسفية قوية ومركزة، ورغم أن دراسة الكتابين دامت سنة كاملة إلا أنني وقفت على أن المفكر أسس للحضارة المعاصرة في إطار الفكر الإسلامي، وهو ينطلق من واقع المجتمع ليصل إلى البحث عن التغيير والتجديد على مستوى التفكير الإنساني في كيفية الرقي الإنساني الحضاري .. أسلوب "مالك بن نبي" يمتاز بالفلسفة العميقة والاستقراء الموضوعي لبنية المجتمع الإنساني.

ربما اختلفت المفاهيم حول معنى الحضارة والثقافة لدى الكثير من الباحثين، لكن "مالك بن نبي" لم يكتف بالتعريف منذ البداية، بل انطلق من إشكالية لبرهن عليها في بحثه، فمن خلال الكتاب يمكن للقارئ أن يصل إلى وضع المفهوم الذي أراد "مالك بن نبي" فهو لا يملي علينا بل يجعلنا نغوص معه في البحث والاستقراء إلى أن نقف على حقيقة التعريف وهذا تبعًا لمستوياتنا الثقافية والفكرية أثناء التحليل للمادة والفكر

جادت قريحة الجزائر بأعز أبنائها وهو المفكر العالمي الفيلسوف "مالك بن نبي" الذي وضع حجر الأساس لقيام الحضارة لا لقيام شعار دولة .. هذا المفكر الذي تلقف كل العالم فكره وفلسفته فصارت كل الجامعات في العالم تدرس فكر "مالك بن نبي" وتسعى جاهدة في الوصول إلى تحقيق نهضتها.

" الجزائر .. أم المفكر" وضعت فكر الرجل "مالك بن نبي" في مقدمة الكتب والأفكار وقدمت عصارة فكره للأجيال المتعاقبة عبر قنوات كثيرة مسموعة ومقروءة ولا يزال الباحثون يجتهدون في تحقيق رسالة الفيلسوف العالمي "مالك بن نبي".

 أقيمت العديد من الملتقيات الفكرية والثقافية حول فكر "مالك بن نبي" في الجزائر ولا تزال تقام وهذا دليل على أن الأم لن تتخلى عن عطاء ابنها المجاهد بالفكر والقلم، كما أن للدول العربية اهتمامات كبيرة بفكر "مالك بن نبي" خاصة المحافل الدولية التي أقامتها مصر ولا تزال تقيمها من أجل دراسة الفكر الحضاري للمفكر الموسوعي "مالك بن نبي" وهذا من خلال الملتقيات الفكرية التي حضرها كبار المهتمين والباحثين العالميين، وذاعت سمعته الفكرية في كل الدول العربية ليصير عنوانا بارزًا في المكتبات العربية واسمًا مميزًا في قائمة فلاسفة العالم لأن أفكار "مالك بن نبي" صارت على صفحات أكبر الباحثين والمهتمين بالإنسان ورقيه الحضاري.

ــ وسؤالي الثاني أوجهه للشاعرين معًا: هل ترى أن الجزائر ــ دولة المفكر الأم ــ استطاعت أن تستفيد من فكر هذا العبقري الفذ بخاصة؟ وهل استفاد منه العرب والمسلمون بعامة؟

ــ يجيب الشاعر ياسين عرعار، فيقول:

استفادت الجزائر من فكر الرجل المفكر "مالك بن نبي" خاصة وأنه جسد المجتمع الجزائري بين خلال كتابه "النجدة...الشعب الجزائري يباد" سنة 1957 وكتاب "آفاق جزائرية"سنة 1964. واستفادت أيضًا من كل كتبه في بناء مجتمع مسلم ينعم بالديمقراطية.

 ومع ذلك يبقى فكر الرجل أرقى بكثير لأن الواقع مهما نافس المثالية فلا يمكن أن يساويها، وتبقى النسبية هي الفاصل بين الواقع والمتخيل. أما عن الدول العربية الأخرى فأكيد أنها استفادت وإلا فلماذا تقام دراسات ضمن أكبر المحافل الدولية لمعانقة فكر الرجل ودراسة مشروعه الحضاري الإسلامي المتميز؟

تبقى حظوظ الاستفادة متفاوتة ونحن نلمس الكثير من التغيير البسيط أو محاولات التغيير لدى المثقفين .. خاصة وأن الصراع قائم بين الأنظمة الجائرة والفكر الإسلامي.

صديقي الأديب السيد إبراهيم أحمد ... الإشكالية أراها ــ من وجهة نظري ــ ثلاثية الأبعاد:

فالأولى؛ أن الأمة العربية "تقرأ شكلاً فقط" وتقف موقف المنبهر!

والثانية؛ أنها ربما تحسن القراءة وقد تخطئ حين التطبيق!

والثالثة؛ ربما هي عاجزة تمامًا عن الفهم وعن كيفية التطبيق والتغيير!

والخلاصة هي: "ما الفائدة من القراءة والاعتراف بالفكر دون التطبيق وحسن التغيير؟"

ولكن تبقى الإشكالية مطروحة والصراع قائمًا، لأن العالم العربي يعيش صراعًا داخليًا قبل أن يكون صراعًا مع أعدائنا الحاقدين..

 وبالتالي نستنتج أن مشكلة النهضة والثقافة وغيرها من المشكلات التي تعرض لها "مالك بن نبي" هي مشكلة الفكر الإنساني المتخلف التي أدت إلى الصراعات الخاطئة والوحدة العربية المشتتة!

يجيب الشاعر عادل سلطاني، فيقول:

ما من شك أن المفكر مالك بن نبي فيلسوف الفكر والحضارة قد قدم لأمته الإسلامية الشيء الكثير وللإنسانية جمعاء مَعينًا فكريا فلسفيا بمنظور إسلامي حديث ، فشاكلة هذا الموسوعي العالمي دون مبالغة مزيفة مخادعة للوعي بالواقع والوعي بالممكن لن تتكرر فكان مجددًا نهضويًا حديثا فقه ظاهرة "النحن" المتخلفة الرازحة تحت نير التبعية والتخلف، حيث عالج مفكرنا العملاق الكثير من القضايا الشائكة التي ارتهنتنا في الفضائين المكاني والزماني وعكست تخلفنا وتبعيتنا القاتلة من خلال مقولات راقية افتكت الخلود الفكري بجدارة واقتدار، فلم ينفك هذا العبقري بأفكاره الخالدة الحضارية على غرار "الأفكار القاتلة والميتة" و"القابلية للاستعمار" و"الفكرة الأفرو أسيوية" وغيرها من الأفكار النهضوية الراقية التي تزخر بها مؤلفاته التي انكبت على دراسة وتشريح واقعنا المتخلف بموضوعية علمية عالية.

 أين قام بتشريح داء الأمة ووهنها معتمدًا على مقاربات إبستيمولوجية فيلسوفة عالمة عاقلة واعية تصلح بامتياز لتبقى حدثا استشرافيا منهجيا يتوخى العلمية الدقيقة؟ فكان بحق طبيب المجتمع المريض في تشخيصه الدقيق لمواطن الداء ليعطي بعد هذه الدقة التشخيصية العلاج الناجع الملائم للظروف المحيطة بهذا الجسد الاجتماعي المنهك المأزوم، فكانت"الظاهرة القرانية" و "شروط النهضة" وبقية كتبه شاهدة على العصر، حيث لم نستفد من نظرياته الفكرية ولا العلمية المختلفة حيث كان ميلاد مؤسسة مالك بن نبي في وطنه الجزائر حدثًا جمعويًا ميتا حيث تمت عرقلة هذا المشروع الذي أسيل فيه حبر كثير على صفحات جريدة الشروق الجزائرية.

 ولست هنا بصدد تكرار ما قالته هذه الصحيفة وإنما أريد أن ألفت الانتباه إلى محاصرة فكره في حياته في وطنه ثم بعد رحيله عن الحياة الدنيا في وطنه الذي لم يكرمه إلا بالعقوق فنحن حقيقة كجزائريين دولة وشعبًا عاقون لفكر هذا العملاق الرائد النهضوي المجدد، حيث كان ولايزال فكر هذا الرجل يذرع الآفاق أين خصص له جناح سمي باسمه في الدولة العبرية التي تعنى بمخابر الفكر والبحث وتقصي طرق التطور والتقدم حين اعتنت بفكره لتسلط مزيدًا من القهر على أمة هذا الرجل العاقة لهذا النهج التنويري التفكيكي الحديث، وقامت الدولة التركية بتطبيق فكره على مستويات "سوسيو/اقتصادية" فكان التطور حليفها والدولة الإيرانية أيضا كما الدولة الماليزية وغيرها فكانت هذه الاهتمامات بتطبيق فكر هذا الموسوعي المحاصر في عقر داره تدل على مؤشرات سلوكية نهضوية تحاول أن تنتشل هذه الدول من وهدات الفقر والتخلف والتبعية فمتى سنستفيق نحن الجزائريون من غفلتنا وعقوقنا على المستويين الرسمي والشعبي لنرد لهذا الرجل دينه الفكري بتطبيق مشاريعه التنموية الشاملة على جميع الأصعدة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والدينية لنواكب سيرورة وصيرورة التطور والعصرنة الصحيحة والتقدم التحديثي السليم في إطار مقدَّراتنا الطبيعية والاجتماعية والبيئية وغيرها؟

 عسانا نغادر عنق زجاجة القهر والتخلف نحو التنمية الشمولية البناءة الهادفة لنخرج من إسار الأفكار الميتة الموروثة من الجانب السلبي السيء المرضي في ثقافتنا والقاتلة المكتسبة من الجانب السيء في الثقافة الغربية أين تم استدماج هذه الأخيرة لتعزز الموروث القاتل "الذي كان فكرًا مملوءًا بالحياة في فترة الإنسان الموحدي "ليصبح بعد ذلك" فكرًا ميتا يجول في ذواتنا مابعد الموحدية" يمتص الفكر القاتل الغربي المرضي لنبقى نحن في إسار دورته الروتينية القاتلة..

ــ وأوجه سؤالي للشاعر الكبير ياسين عرعار: كيف نستفيد من عطاء هذا العبقري من وجهة نظركم؟

ــ صديقي العزيز الأديب الكبير السيد إبراهيم أحمد، نستفيد من عطاء هذا العبقري بإعادة قراءة كتبه مرات ومرات و نحاول قدر الإمكان التطبيق الفعلي للفكر الرائد ، وفي كل مرحلة نستقرئ أنفسنا أمام مرايا كتب وفكر "مالك بن نبي" .. هذا العملاق الذي احتفل العالم بترجمة أفكاره وكتبه إلى لغات عديدة ..قصد الاستفادة الحقيقية في بناء الحضارة .

 لن أطيل لأنني أجد نفس عاجزًا عن التعبير أمام ضخامة فكر الفيلسوف العربي "مالك بن نبي" .. فمن أراد الحضارة واستعادة المجد والموروث الحضاري الذي ضاع منذ قرون فلا بد أن يقرأ مؤلفات وكتب "مالك بن نبي" ليعرف شروط النهضة الحقيقية وأسس الحضارة الإنسانية الراقية:

 "الظاهرة القرآنية" (1946)، "شروط النهضة" (1948)، "وجهة العالم الإسلامي" (1954)، "الفكرة الإفريقية الآسيوية" (1956)، "النجدة...الشعب الجزائري يباد" (1957)، "مشكلة الثقافة" (1958)، "فكرة كومنولث إسلامي" (1958)، "الصراع الفكري في البلاد المستعمَرة" (1959)، "حديث في البناء الجديد" (1960)، "تأملات" (1961)، "في مهبِّ المعركة" (1962)، "آفاق جزائرية" (1964)، "إنتاج المستشرقين" (1968)، "الإسلام والديمقراطية" (1968)، "مذكرات شاهد للقرن (1970)، "مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي" (1970)، "المسلم في عالم الاقتصاد" (1972)، "بين الرشاد والتيه" (1972)، "دور المسلم ورسالته في الثلث الأخير من القرن العشرين" (1972)، وغيرها من الكتب والمقالات التي تركها الكاتب الفيلسوف "مالك بن نبي" .

بالأمس فقط ــ أخي الكريم الأديب السيد إبراهيم أحمد ــ زرت مدينة (تبسة) الواقعة على بُعد 70كم من مدينتي، فمررت أمام بيت الفيلسوف المفكر "مالك بن نبي" لحظة تجوالي بالمدينة، فاستوقفني المسكن القديم المهجور الذي كان يسكن فيه، إنه مسكن تاريخي لا يزال يشرق بعظمة المفكر "مالك بن نبي" رغم هشاشة المبنى.

 انتهت إجابة الشاعر ياسين عرعار، وفي النهاية أقول أنه مابين جهل الأبناء من ورثة المفكرين والأعلام، وإهمال الدولة للتصدي لشراء بيوتاتهم من عوائلهم يضيع تراث تاريخي وفكري هائل، يُحرم منه الأجيال المتعاقبة من أبناء العروبة والإسلام.. وهذا قاسم مشترك بين كل الورثة والدول العربية والإسلامية اللهم إلا من رحم ربي، على عكس ما يحف به الغرب من هالات التبجيل والجلال حول بيوت أعلامه ونوابغه بتحويلها إلى متاحف، لينكشف لنا الفارق الحضاري الحادث في جدار الحضارة العربية التي تتماسك بالكاد، والمدنية الغربية التي تستقوي ببعضها.. كما تعكس اضطراب الرؤية الجزائرية نحو المفكر والفيلسوف الكبير "مالك بن نبي"، وهي الرؤية التي تتقاسمها جميع الدول العربية تجاه أبنائها المبرزين من عدم الاستفادة القصوى من نتاجهم الفكري بشكل عام.

وسوم: العدد 735