دروس في فقه الجهاد والقيادة الراشدة 15

دروس في فقه الجهاد والقيادة الراشدة

خطة جهادية مذهلة (15)

د. فوّاز القاسم / سوريا

بعد أن قُمعت الردّة وأُخمدت نار الفتنة في جزيرة العرب كما ذكرنا ، أراد الخليفة الراشد أبو بكر الصدّيق ( رض ) أن يستثمر الزخم الجهادي المتدفّق للعرب ، والروح المعنوية العالية للمسلمين ، فأصدر قراره التاريخيّ الرائع  ( الفتوحات الإسلامية ) وفتح له باب التطوّع ، وبدأ بالعراق ، فأوعز إلى قائده المبدع خالد بن الوليد  (رض ) _ وكان قد فرغ لتوّه من القضاء على المرتدّين ، وعلى رأسهم مسيلمة الكذّاب في اليمامة _ أن يدخل العراق من جنوبه الشرقي ، كما كتب إلى عِياض بن غنم ، وهو قائد آخر يلاحق فلول المرتدّين في منطقة الحجاز ، وأمره أن يدخل العراق من شماله الغربي ، بحيث يطبقان على غربيّ نهر الفرات بفكّي كمّاشة  وأمرهما أن يلتقيا في الحيرة ، وأيهما سبق إليها فيكون هو الأمير .. !!!

ترى .. أين تعلّم أبو بكر الصدّيق ( رض ) فنون الستراتيجية والحرب حتى يضع مثل هذه الخطة الرائعة .!!؟

يقول العسكريون : الخطة البسيطة الواضحة هي أهم عنصر في نجاح القائد .!!

فما أبسطها ، وما أوضحها وما أروعها من خطة … !

إنها خطة ذات مرحلتين ، في المرحلة الأولى : يتم الإطباق على غربي نهر الفرات وتطهيرها من القوات الفارسيّة ، وهي منطقة قريبة من صحراء العرب ، ولهم خبرة كبيرة فيها ، فإذا نجحت الخطة ، فيتم الإنتقال إلى المرحلة الثانية :

وهي الوثوب إلى المدائن من قاعدة ارتكاز متقدّمة في ( الحيرة ) بعد أن يتأمن ظهر المسلمين وجنباتهم ...

أما إذا لم تنجح الخطة ، فيلوذ العرب بصحرائهم القريبة ، فهم بها أعرف ، وعدوّهم بها أجهل ، حتى يتم الإعداد لخطّة جديدة ، ووثبة متجددة … وهكذا …

وهو الذي أسميناه عدم التشبث في الأرض ، وهو من روح وجوهر حرب القلّة ضد الكثرة ، أو ما يسمى بحرب العصابات 

وتحرّك الأسطورة خالد ( رض ) على رأس ثمانية عشر ألف مجاهد لتطبيق الخطة المرسومة ، فدخل العراق في شهر محرّم سنة اثنتي عشرة للهجرة ، الموافق لشهر نيسان من سنة (633 م ) مبتدئاً بثغر العراق الجنوبي ( الأُبلّة ) التي كانت أشهر ميناء على شط العرب ، والتي تبعد عن موضع البصرة الحالية ( التي لم تكن موجودة ) حوالي أربعة فراسخ ( 22 كم ).

وقبل أن يصلها ، كتب خالد ( رض ) إلى أميرها من العجم واسمه هرمز :

( بسم الله الرحمن الرحيم ، أما بعد ، فأسلم تسلم ، واعتقد لنفسك ولقومك الذمّة وأقرر بالجزية ، وإلا فلا تلومنَّ إلا نفسك ، فقد جئتك بقوم يحبّون الموت كما تحبّون الحياة .!!! )  الطبري ( 4/5)

ولما وصلت الرسالة إلى هرمز استشاط غضباً ، وجمع قوّاته وقيّدهم بالسلاسل كي لا يفرّوا ( ولذلك سميت الموقعة بذات السلاسل ) ..!!!

نزل خالد وعبّأ قوّاته قبالة الفرس ، وحرّضهم على الجهاد في سبيل الله ، ولكنّ هرمز كان يحيك خيوط مؤامرة خسيسة ، فخرج بين الصفين ، وطلب المبارزة ، ونادى : ( رجل برجل … أين خالد .!؟ )

وكان قد عهد إلى فرسانه بالغدر ، وتواطؤوا على ذلك …!!!

وتلقّاه خالد ( رض ) ، فاختلفا ضربتين ، ثم لم يمهله خالد ، فهجم عليه واحتضنه . وهنا غدرت حامية الفرس المكلّفة بذلك ، فهجمت على خالد وهو مشتبك مع هرمز وأحاطوا بهما من كل جانب حتى اختفيا بينهم ، ولكنّ ذلك لم يشغل خالداً عن قتل هرمز ، فقتله وألقى بجثّته تحت أقدام الخيل .!!!

ولما رأى القعقاع بن عمرو التميمي ( رض ) البطل العربيّ المعروف ، غدر الفرس  قاد المسلمين ، وأنشب القتال ، وهجم على الفرس حتى كشفهم عن قائده خالد ( رض ) فوجده يقاتلهم وحده قتال الأبطال ، وهنا بدأ الرعب يدبُّ في صفوف العجم ، وانهارت معنويّاتهم ، فركب المسلمون أكتافهم حتى هزموهم شرّ هزيمة …

وكانت هذه فاتحة انتصارات المسلمين على العجم ، مما أعطتهم زخماً جهادياً عالياً  وروحاً قتالية متوثّبة ، وكانت فأل خير لجميع انتصاراتهم اللاحقة …