(وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ، وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ. إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)

وجيز التفسير:

وما بعد الاستثناء في الآيات محفوظ ومقدر، ومقدر أمر أصحابه.

والأوصاف المذكورة في سياق الذم، لا تخص الشعراء وحدهم، بوصفهم شعراء، وإنما تعم كل الهائمين على وجوههم في ميادين القول، لا وجهة ولا هدف ولا آخيّة ولا خطام.

وقوله تعالى (فِي كُلِّ وَادٍ) المقصود به، والله أعلم، وديان القول، وميادينه، فمن فخر طاغ، أو مدح بباطل، أو هجاء باستطالة على أعراض الناس، أو غزل يمعن في أزيز الفواحش، هؤلاء الشعراء الذين ذمهم الله تعالى، وذم كل من كان على شاكلتهم، من الهائمين  على وجهوهم في وديان تهلك..

ييتقلبون على المنكر من القول وبطنه، بين ضروب المعاصي والآثام، وكذا يمعنون في فضاءات التحريض على الفتنة، والحطب في نارها.

وقوله تعالى (يَهِيمُونَ)

فالهُيام في الأصل داء يصيب الابل، فمهما شربت لا تروى..

ثم نقل إلى الانسان، فأطلق على العاشق بأن به داء الهيام، وأصبح علما للمرأة، يؤكد أن حليلها يظل كالهائم بها. ثم جاء في قوله تعالى هنا، بمعنى أن هؤلاء الشعراء المذمومين، القوالين والجوالين على قوارع القول والسوشيال ميديا، يظلون يدورون بلا هدف ولا قصد ولا غاية، يتعلقون بكل ما، وكل من يمر بهم ولو عفوا، بالانتقاص والتجريح، والنيل في كل ما يتاح من وديان القول..

خليّون من القصد ومن الهم ومن الارادة ومن الغاية. تقول عنهم العامة "من كل عرس قرص" ولا يهمهم أن يخرقوا النّحيّ لكل يغمسوا اصبعهم بما ينسكب من سمنه أو زيته..

هؤلاء والوصف ينطبق على أكثر من الشعراء من خطيب وكاتب وباحث ومؤلف كلهم في مدارات الدعوى يدورون، ولقد كان بئيسا على أمتنا العصر الذي اختلط فيه أصحاب الدعوى بأصحاب الدعوة.

لندرك الفرق بين الداعية والدعي.

وأنهم يقولون ما لا يفعلون!! وكم سمعنا أقواما بيننا ينادون: يا خيل الله اركبي..

حتى دارت رحاها على المرأة والطفل والغارّ والغافل، والذي لا يجد القناعة لديه فيما يدعو إليه هؤلاء، وبيرقعونه ببراقع الاسلام والإيمان..

وظلوا هم على ثنيات دروب الفتنة يرتجزون، أو ينظمونها على بحور الطويل والبسيط، والوافر والسريع والمنسرح..

لا تسرحي يا نياق عن بلدي

أنعامنا في عكاظ مســـــــــرحها

*مدير مركز الشرق العربي للدراسات الحضارية والاستراتيجية

وسوم: العدد 1036