إليك ترتحل القلوب

رقية القضاة

{وأذّن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق}.

إنه الأمر الرباني الرحيم، يلقى إلى أبي الانبياء {إبراهيم عليه السلام }،وقد فرغ من بناء بيت الله الحرام [ببكة]، خير بقاع الأرض ،ورفع فيها قواعد اول بيت وضع للناس مباركا ،وجعله لهم  مثابة وامنا ،أن تشدّإليه الرحال ،في رحلة لايدرك معناها ولاتجلياتها ولا إشراقاتها ،إلّا من نالها وتفيأ ظلالها، وألقى في رحابها كل ما أنقض ظهره من الهموم والذنوب ،وطلب فيها معالي الدرجات ،وجميل العطايا ومزيد الحسنات.

إنها الرحلة التي تهفو إليها القلوب المتلهفة للّقاء المرجو بخيره المرجو، وعطاءه المرتقب ،وأنسه المبهج وبهاءه المنير، لتضيءأروقة النفوس التي أضناها الرحيل من ذنب إلى ذنب، واوجفتها محطات الغواية، حتى باتت على شفا اليأس، فانتشلتها شمس الرجاء ،ومدت إليها أشعتها الدفيئة ،وفتحت لهانوافذ الغفران على مصراعيها ،فسارعت تشد الرحال إلى أفق التوبة الرحيب ،متجاوزة كل عقبة كؤود تحاول ثنيها عن رحلتها ، وقد أملت بسعة العفو،و جميل الرفد ،وكرم المضيف.

 وتتوالى القرون بتقلباتهاعلى مكة المكرمة، وضيوف الرحمن جماعات ووحدانا يفدون إليها، عابدين طائفين ،وليشهدوا منافع لهم ومصالح ،لا تنال إلا فيها، وكيف لا؟ وهي مهوى القلوب ومحط الرحال ،ومبتغى القاصدين ووجهة العابدين، وتمر على البيت العتيق امم ،تتباين شرائعها ،وتختلف عقائدها ،ما بين موحد ومشرك، وما بين باغ عاد متجبر، ومابين مهتد مقتصد عادل ،وكلهم يحج البيت ويطوّف به ولكن هيهات هيهات ان يتماثل أو ان يقبل المعتقدان .

لقد وضع هذا البيت للتوحيد فلا يعبد فيه غير الله ،ورفعت قواعده ليسجد فيه الموحدون  له وحده سبحانه، فيرسل الأمين{محمد صلى الله عليه وسلم }بالهدى ودين الحق ، وتتوالى الاحداث مابين بعثته صلى الله عليه وسلم ، والرفض المكابر من قريش للدين الجديد ،الذي لا يتوائم مع جاهليةتلك الحقبة المظلمة من الزمان، ثم هجرته إلى المدينة المنورة ، ليقيم من هناك دولة الإسلام الخالدة ، ثم عودته فاتحا إلى مكة المكرمة ،ليرسي اجمل قواعد السماحة في تاريخ الأمم ،ولتبقى كلمته الحانية مثالا على عفو المقتدرين، وعدالة الحاكمين ،ورحمة الشريعة المحمدية ،[إذهبوا فأنتم الطلقاء]  ،ويامره  ربه سبحانه وامته بالحج إلى البيت الحرام ،ويكون الحج الركن الخامس من اركان الإسلام .

 ويؤذّن في المدينة أن رسول الله حاج هذا العام، وتتوافد الأرواح قبل الابدان ،وتبتهج النفوس التي طالما اشتاقت إلى رحاب الله ،وبصحبة نبيه الحبيب ،ويسير الركب  المشوق إلى بيت الله،  يقوده السراج المنير،  حداءه التلبية،وغذاءه التسبيح والذكر ،وخطاه أخف من النسيم  ،إن كاد ليحلّق طائرا ليحط في رحاب البيت العتيق، وتترقب العيون ما يفعله المصطفى صلى الله عليه وسلم، لكي يكون لهم هدى وسنة ومنهجا، فيستلم الحجر ويطوف بالبيت سبعا، ثم يخطو إلى مقام إبراهيم قائلا،{واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى}، فيصلي ركعتين ،ثم يتجه إلى المسعى بادئا بالصفا ،قائلا{نبدا بما بدأ به ربنا}،،{إن الصفا والمروة من شعائر الله}،فيسعى سبعة أشواط بينهما  ،في حالة من المسارعة إلى الرضى الرباني  المرجو والمأمول ،وياتي يوم عرفة وتتسابق الدموع إلى المآقي ،وتسجد الجباه المنيبة لربها، وقد اعترفت بذنبها ،وأقرت بالتقصير، وطمعت بالغفران ،ويظل الرجاء في القلوب حيا ،والدعاء موصولا، أن لا ينقضي هذا الموقف الكريم ،إلا وقد غمرت اهله الرحمة والمغفرة والقبول  ، يستذكرون قول نبيهم صلى الله عليه وسلم {لو علم اهل الجمع بمن حلّوا لاستبشروا بالفضل بعد المغفرة}وهاهي شمس عرفة تؤذن بالمغيب ،والحجيج يتجهون إلى المزدلفة ،في خطوات رسمها لهم ربهم، في حالة من التميز والسمو الروحي والوجدانين ليكون حجهم منظما ومشاعرهم موحدة وإفاضتهم جماعية جامعة ،خلف رسولهم الذي ارتضوه لهم قائدا وقدوة،

وتشرق شمس يوم الحج الأكبر، ومنى تعج بضيوفها الأحبه ،وقد تناقلوا آية البراءة والتمايز والمفاصلة، التي أنزلت على نبيهم[وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسوله]، فلا الالمعتقدين سواء، ولا الشرعين متوازيين ،ولا العبادتين متماثلتين، فلا يحق للباطل ان يشارك الحق مكان عبادته ،ولا يحق للرجس ان يجوس في البقاع المطهرة ،وتطالب الأمة المسلمة بالتميز والتفاعل والتعامل مع غيرها دون محاباة ولا مداراة ولا غموض ،فالكفر كفر والاسلام إسلام وشرع الله أحق بالإتباع. بكل

ويقف النبي صلى الله عليه وسلم خطيبا في المسلمين يوم النحر{أيها الناس أي يوم هذا قالوا يوم حرام قل فأي شهر هذا قالوا شهر حرام قل فأي بلد هذا قالوا البلد الحرام قال: فإن دماءكم واموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا  ألا هل بلغت  اللهم قد بلغت فليبلغ الشاهد الغائب لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض} منهج أقر للامة يوم الحج الأكبر أن لا تستحل حرمات الله وأن لا تألوا جهدا في تبليغ كلام الله وسنة رسوله لكي تبقى الامة وعلى مر الزمان تحتكم إلى شرع ربها الذي أقرللإنسانية شرعا يصب في مصلحة الإنسان كإنسان ،والمسلم كمسلم  ، لايقبل منه شرعا ولا دينا غيرالاسلام  ،بكل الرحمات المبثوثة في شريعته ،وبكل النقاء الواضح في عقيدته، وبكل الشمولية ،المتفهمة الميسرة العادلة في أحكامه، لتكون الآية التي تنزلت على نبينا الكريم في حجة الوداع،مشيدة بالشرع العظيم مؤكدة على أنه تمام النعمة  التي أكرمنا بها وغاية الكمال الذي يرتقي بلإنسان إلى منتهى الرضا بهذا الدين القويم[اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا] فيا ربنا لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك.