اصبروا وصابروا

اصبروا وصابروا

الأستاذ عمر التلمساني – رحمه الله -

ما أعظم هذا التوجيه الربانى ــ اصبروا وصابروا ـ  الذى يحمل فى حياته الكثير من المعانى التى تعين على مواصلة السير إلى الله عز وجل وما أحوجنا الى الله ونحن نعيش أجواء غلبت عليها المادية والشهوات وساد فيه الظلم والإيذاء للمصلحين وبات فيها الاسلام غريبا كما بدأ غريبا فطوبى للغرباء.

* ولقد أمرنا الله عز وجل بالصبر} يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ { } وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ   { والصبر من الزم الامور فى طريق محبة الله وهواثبات للمحبة وصحتها فاعظم الناس محبة لله اشدهم صبرا ولهذا وصف الله تعالى بالصبر خاصة اولياءه واحبابه } إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً {صبرٌُ مبعثه محبة الله والتقرب اليه لا لاظهار قوة النفس والاستحماد إلى الخلق فصبر العبد بربه لا بنفسه فهوالمعين والمصبر

* والصبر هوحبس النفس عن المكروه  والصبر الجميل هوالذى لا شكوى فيه ولا معه والشكوى لا تنافى الصبر } قَالَ إِنَّمَا أَشْكُوبَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ {

} وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِي الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} وإنما ينافى الصبر شكوى الله لا الشكوى الى الله  كما يقول الشاعر:

واذا  غرتك  بلية  فاصبر لها          صبر  الكريم  فانه  بك  اعلم

واذا شكوت الى ابن ادم انما           تشكوالرحيم الى الذى لا يرحم

* والصبر من الايمان بمنزلة الرأس من الجسد فاذا قطع الراس ذهب الجسد كله والصبر يجعل النفس وقفا على اوامره ومحابه وهومن اعظم الدرجات واصعبها على العبد فالمسير من النفس الى الله صعب شديد ويحتاج الى اصحاب العزائم والهمم العالية وكما قيل ::}الصبر لله غناء وبالله تعالى بقاء وفى الله بلاء ومع الله وفاء وعن الله جفاء والصبر على الطلب عنوان الظفر وفى المحن عنوان الفرج{

* والصبر يكون على طاعة الله وعن معصية وعلى امتحان الله وما احوجنا ونحن نحمل هذه الرسالة العظيمة ونحن نسعى لتمكين دين الله فى الارض ان نتزود بالصبر الذى يعيببا على فعل الطاعات والتى تقربنا الى الله عز وجل وتجنبنا المعاصى والاثام التى بها يتأخر النصر والتمكين فان كنا نريد عزة لهذا الدين ولهذه الامة فلابد ان نتحلى بخلق الصبر حتى نكون نماذج مشرفة ومعبرة لما ندعواليه من مبادئ وقيم واخلاق سامية جاء بها اسلامنا الحفيف وتحققت فى سلفنا الصالح على مدار التاريخ }} أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمْ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ }

* والصبر على الطاعة يحتاج الى دوام الطاعة والاخلاص فيها ووقوفها على مقتضى العلم كما ان الخوف من يوم الوعيد يحمل المرء على الصبر عن المعاصى والاثام والبعد عنها اما الصبر فى المحن على اذى الظالمين وعند النوازل والبلاء يستلزم عدة امور اساسية منها:

اولا: ملاحظة حسن الجزاء وعظيم الثواب على صبره وثباته وعلى قدر اهل العزم تاتى العزائم }ولمن صبر وغفر ان ذلك لمن عزم الامور{ ومعرفة ان النعيم لا يدرك بالنعيم وعلى قدر التعب يكون الراحة كما قال النبى صلى الله عليه وسلم }ان عظم الجزاء مع عظم البلاء{ وحلاوة اجر الشدة تنسنا شدتها.

ثانيا: انتظار الفرج ومطالعته وترقبه يخفف حمل المشقة وتبعات الطريق وما يتعرض له من ابتلاءات ومحن.

ثالثا: تهوين البلية بامرين هما :

1-     بأن نعدد نعم الله وإن البلاء لقطرة من بحر.

2-     تذكر سوالف النعم التى أنعم الله به علينا فيما مضى.      

* وأختبار الله تعالى لعباده تارة بالمسار ليشكروا وتارة بالمضار ليصبروا }عجبا لأمر المؤمن فإن أمره كله خير وليس لأحد إلا المؤمن فإن اصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن اصابته ضراء صبر فكان خير له { فصارت المنحة والمحنة جميعا بلاء فالمحنة مقتضية للصبر والمنحة مقتضية للشكر والقيام بحقوق الصبر يسر من القيام بحقوق الشكر فصارت المنحة أعظم البلاءين ولذا قال عمر رضى الله عنه } بلينا بالضراء فصبرنا وبلينا بالسراء فلم نصبر{ ويقول شيخ الاسلام ابن تيمية:} من تمام نعمة الله على عباده المؤمينين ان ينزل بهم من الشدة والضر ما يلجئهم الى توحيده فيدعونه مخلصين له الدين ويرجونه ولا يرجون احدا سواه فتتعلق قلوبهم به لا بغيره{  والجنة حفت بالمكاره والنار حفت بالشهوات والعبد الصالح يجرب بالبلاء ولا ينال ما يريد الا بترك ما يشتهى ولن يبلغ ما يؤمل الا بالصبر على ما يكره والعبد لا يدرى الخير اين

 } اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ { ويقول سيدنا عمر رضى الله عنه }لا آبالى على أى حال أصبحت على ما أحب أم على ما أكره ذلك لأنى لا أدرى الخير فيما أحب أوفيما أكره{

* وللصبر ثمار عظيمة الاصل منها :

اولا: الثناء على أهله:} الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ{ }وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ{

ثانيا: محبة الله لهم :} وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ {

ثالثا: معية الله لهم } وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ { رابعا: عظيم الجزاء والثواب} وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ }{ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا....}{ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ }{ وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ }{ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوخَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ {

خامسا: تدبر الايات والعمل بها} إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ {

سادسا: الفوز بالجنة والنجاة من المكروه } سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ {

سابعا: المكانة العظيمة } وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا {

احبة القلوب ....

اصبروا بنفوسكم على طاعة الله وصابروا بقلوبكم على البلوى فى الله  أصبروا على النعماء وصابروا على الباساء وأصبروا على السراء والضراء تدخلون الجنة بسلام وهذا يتطلب منا عدة امور منها:

اولا: ان نصبر على ان نتعلم امور ديننا الحفيف.

ثانيا: أن نصبر على ان نعمل بما علمنا من امور ديننا.

ثالثا: أن نصبر على ان ندعوا بما علمنا وعملنا.

رابعا: أن نصبر على اذى الناس ونحن ندعوهم بما عملنا وعلمنا. 

* أن طريقنا يحتاج إلى صبر ساعة حتى نحقق الأمال العظام والأهداف السامية والصبر يحتاج إلى رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه كما يحتاج الى أصحاب الهمم والعزائم العالية... فهل صبرنا واجتهدنا حتى نكون من الصابرين فى الباساء والضراء وحين الباس..... فهل أدينا ما علينا حتى نكون أمناء وأوفياء لما عاهدنا الله عليه.

} ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ{

 فليكن هذا شعارنا الذى نعيش به ونعمل به وندعوإليه.

والله المستعان