خواطر من الكون المجاور الخاطرة 63 ..حقيقة التقمص ( الجزء 2)

أول من تكلم عن التقمص - كما ذكرنا في المقالة السابقة - كان إمحوتب ، الحكيم الغامض الذي ظهر فجأة ووضع أسس عهد جديد للإنسانية بأكملها ثم إختفى فجأة ، وحسب إعتقاد علماء التاريخ بأن أمحوتب لم يترك أثر يعلم بها عن حقيقة شخصيته بشكل واضح ، ولكن من يستخدم علم لغة الرموز واﻷرقام يجد أن إمحوتب ترك معلومات كثيرة يعرفنا بها عن نفسه و تشرح كل شاردة وواردة في حياته.

ولكن مع اﻷسف فإن فقر المنهج العلمي الحديث روحيا جعل هذا المنهج عاجزا عن قراءة وفهم تللك المعلومات التي تركها لنا أمحوتب عبر الآثار التاريخية التي لا تزال صامدة تتحدى الزمن وتتحدى الظروف الطبيعية وجهل الشعوب التي حاولت مع الزمن تدمير هذه الآثار إما بسبب غيرتها من عظمة آثاره أو بسبب ظنها بأن هذه اﻵثار عبارة عن آثار لديانات وثنية لذلك وجب تدميرها.

حتى نفهم حقيقة التقمص والحكم عليها سواء كانت صحيحة أو مجرد خرافة، لا بد في البداية من فهم كيف ظهرت هذه الفكرة وهل أتت من أنبياء أوحى الله لهم بها ام أنها أتت من رجال لا نعلم عنهم شيئا.

إسم أمحوتب في اللغة المصرية القديمة يعني ( الذي جاء بسلام ) ، وكما تدل اﻹكتشافات اﻷثرية ان بلاد مصر والمنطقة حولها في عهده مرت بسبع سنوات جفاف ، حيث كان أمحوتب له الفضل الكبير في التنبؤ بها فأخذ إحتياطاته عن طريق تخزين المواد الغذائية فمرت سنوات الجفاف بدون أن يتأثر الشعب المصري بعواقبها الوخيمة. هذه الحادثة ذكرتها أيضا الكتب المقدسة في قصة يوسف عليه الصلاة والسلام ، كدليل عن مكان يوسف في تاريخ مصر القديمة. ولكن للأسف القراءة الببغائية للآيات المقدسة من قبل رجال الدين من ناحية حيث القراءة الببغائية لأرقام الكتب المقدسة تضع تاريخ ولادة يوسف (1564 ق،م ) أي بعد إختفاء إمحوتب بأكثر من الف عام ، ومن ناحية أخرى فإن رفض علماء التاريخ -وخاصة المصريون المتعصبون لقوميتهم - فكرة أن الشخص الذي صنع حضارة الأهرامات والتي تعتبر أم الحضارات العالمية ، بأنها من صنع شخص غير مصري أو من صنع اﻷنبياء ، هذا الرفض في ربط شخصية إمحوتب بيوسف جعل من قصة الحضارة المصرية مجموعة من الأحداث العشوائية وحولتها إلى رواية ليس لها بداية ولا حبكة ولا نهاية خالية من أي معنى وكأن الله ليس له أي علاقة في تطور أحداثها ، حتى قصة الخروج المذكورة في الكتب المقدسة والتي إنتصر فيها موسى عليه الصلاة والسلام ببساطته على جيش فرعون الذي كان من أقوى جيوش العالم في ذلك الوقت ، نجد أنها ليس لها أي مكان في تاريخ مصر القديمة. لذلك فإن غياب دور يوسف وكذلك دور موسى وهارون من تاريخ مصر القديمة كان من الطبيعي أن تتحول قصة تاريخ هذه البلاد إلى رواية فقيرة بالمعاني عاجزة في المساهمة في فهم فلسفة تطور اﻹنسانية.

إسم أم يوسف هي راحيل هذا اﻹسم يتألف من مقطعين ( راح - إيل) حيث المقطع اﻷول ( راح ) معناه كف اليد ، أم المقطع الثاني ( إيل ) في اللغة العبرية تعني الله ، إي أن معنى إسم راحيل هو كف الله ونجد أن إسم زوجها والد يوسف (يعقوب) له علاقة وثيقة بمعنى إسم زوجته حيث كلمة يعقوب تعني عقب أي القدم ، فأم يوسف (راحيل ) هي يد الله ، بينما والد يوسف ( يعقوب ) هو قدم الله . راحيل كانت رمز حواء أم البشرية التي قامت بتصحيح الخطأ التي إرتكبته في الجنة أي تابت عن خطيئتها ، أما يعقوب فقد أعطاه الله إسما آخر وهو إسرائيل (صراع الله ) .

للأسف معظم علماء الدين اﻹسلامي رغم أن الآية القرآنية تذكر ( مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا فبئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الظالمين ) فهم يرفضون اﻷخذ بالأحداث المذكورة في كتب التوراة ، لذلك يعتبرون أن حادثة صراع يعقوب مع الله المذكورة في الإصحاح 32 في سفر التكوين هو تحريف ونوع من الكفر ، رغم أن إسم يعقوب ( إسرائيل ) مذكور في القرآن الكريم ،ومعناه في اللغة العبرية ( صراع الله ) ، وقد سمي بهذا اﻹسم بعد صراع يعقوب مع الله كما هو مذكور في اﻹ صحاح 32 ( 24 فبقي يعقوب وحده وصارعه إنسان حتى طلوع الفجر. 25 ولما رأى أنه لا يقدر عليه ضرب حق فخذه. .......... 27 فقال له ما إسمك ، قال يعقوب. 28 فقال لا يدعى إسمك فيما بعد يعقوب بل إسرائيل. ﻷنك جاهدت مع الله والناس وقدرت....)

إذا تمعنا جيدا في معاني اﻵيات سنجد أن يعقوب عليه الصلاة والسلام لم يصارع الله كما يظن علماء الديانات الثلاث ، ولكنه دخل في صراع مع ذلك الجزء من روح الله الذي نفخه الله في آدم كما تذكر اﻵية ( وصارعه إنسان حتى طلوع الفجر ) .وكانت نتيجة هذا الصراع التعادل، أي أن يعقوب أصبح بنفس مكانة آدم أبو البشرية. فهذه الحادثة هي حادثة رمزية تدل على أن والد يوسف ( يعقوب ) وإمه ( راحيل ) في تلك الفترة الزمنية وصلا إلى مستوى من التطور الروحي (كف الله ) والجسدي ( قدم الله ) ، ما يعادل مستوى آدم وحواء ، لذلك كان ظهور إبنهما يوسف يشير إلى دخول اﻹنسانية في مرحلة ذات نوعية جديدة من التطور ، مختلفة نهائيا عن المراحل السابقة كما تذكر اﻵية القرآنية 100من سورة يوسف ( ورفع أبويه على العرش.... ) والمقصود هنا آدم وحواء وليس يعقوب وراحيل ﻷن راحيل توفيت مع ولادة إبنها الثاني بنيامين ، وقد أشار الله عز وجل عن هذه المرحلة الجديدة من التطور في اﻹصحاح 28 من سفر التكوين ( 12 ورأى - يعقوب - حلما وإذا سلم منصوبة على اﻷرض ورأسها يمث السماء. ...).

وإذا تمعنا في معنى القيم الرقمية لأرقام أضلاع قاعدة الهرم سنجد أن الرقم ( 125 ) هو القيمة الرقمية لعبارة ( ثمنية عشر ) في نظام البسيط للغة العربية حيث شكل هذا الرقم هو نفسه الذي يمثل خطوط كف اليد (Λا) .

أما الرقم 109 فهو القيمة الرقمية لعبارة ( يد الله ).

اﻹنسانية في بداية ولادتها ظهرت في القارة اﻷفريقية وهذه القارة تمثل منطقة الشيطان لذلك نجد شكلها يعبر عن هذه الفكرة فشكلها مشابه شكل رأس إنسان له قرن كما هو في شكل رأس الشيطان ،وهذه المرحلة من تاريخ اﻹنسانية تمثل التطور المادي للإنسانية في المرحلة الجينية ، الله عز وجل أرسل في البداية إبراهيم عليه الصلاة والسلام إلى مصر في فترة ما قبل التاريخ، فحاول إبراهيم وضع المبادئ اﻷولى للكتابة والبناء ولكنه لم يستطع السيطرة على روح المجتمع المصري ليحوله إلى مجتمع حضاري حيث رأى أن حاكم مصر قد ضم زوجته سارة إلى نسائه ، ولكن الله ساعد إبراهيم في التحرر من قيود حاكم مصر ليأخذ زوجته وقومه ويرحل منها ، ثم بعد ذلك أرسل الله النبي يوسف عليه الصلاة والسلام إلى مصر ليقوم بما لم يستطع إبراهيم فعله، حيث إستطاع يوسف أن يصل إلى منصب وزير الملك إي الحاكم الفعلي لشؤون الدولة وليفعل ما يشاء هناك ، ومع إستلام يوسف ( أمحوتب ) جميع أمور الدولة قام بإنشاء أو حضارة في تاريخ اﻹنسانية لتكون أم الحضارات ،ولتعلن هذه الحضارة دخول اﻹنسانية بمرحلة جديدة من التطور (عصر الأهرامات ) تختلف عما سبق حيث كانت المجتمعات اﻹنسانية تعيش في حالة همجية دون قوانين .

المصريون من أتباع تعاليم يوسف (إمحوتب ) الذين عاشوا في فترة عصر اﻹهرامات ، بعد وفاتهم ولدوا من جديد بعد فترات زمنية مختلفة ، في مناطق أخرى من العالم وهناك قاموا بنشر تعاليم يوسف وكأنها أفكار قد حصلوا عليها بمجهودهم الخاص ، لذلك نجد إعتناق معظم شعوب العالم القديم فكرة التقمص ، وأكبر دليل على صحة هذه الفكرة هو وجود الأهرامات في معظم مناطق العالم ، فهذه الفكرة لم تنتقل بشكل مادي أي عن طريق إنتقال الخبر من إنسان ﻹنسان ومن بلد إلى بلد ولكن إنتقال الخبر حدث عن طريق روحي من خلال ولادة الروح من جديد في مكان بعيد ، فكيف يمكن تعليل بناء الأهرامات الموجودة في مكسيكو في القارة اﻷمريكية المنعزلة بشكل كامل عن العالم القديم ، فأن نقول بأن الأهرامات هي من صنع سكان الفضاء كما يحاول بعض الملحدون وغيرهم إثباته ، هذا الرأي هو رأي إنسان أعمى روحيا يبحث عن أسهل الطرق في كشف عجزه في البحث والتنقيب لتفسير ما يجري حوله.

بعد سنوات عديدة من وفاة يوسف عليه الصلاة والسلام ،بدأت فكرة التقمص في مصر تتحول إلى معنى مادي فأصبح إعتقاد الناس أن روح الميت ستعود إلى جسده نفسه الموجود في القبر، فراح الكهنة في مصر وحاولوا إستخدام عملية التحنيط لضمان عدم فساد الجثة ، ومع مرور الزمن ونسيان الشعب المصري لتعاليم إمحوتب (يوسف) ، بدأت مراسيم الوفاة تشغل فكر المصريين منذ ولادتهم ، وخاصة اﻷغنياء منهم ، فكان أهم عمل يقومون به لمستقبلهم هو تجميع تكاليف تزيين القبر والتحنيط ، فحسب ظنهم أنه كلما كانت التكاليف عالية جدا كلما إستطاعوا ضمان العودة إلى الحياة ثانية بعد الوفاة. وشيء فشيء وصلت اﻷمور إلى مرحلة جعلت فراعنة مصر يرسلون جيوشهم ﻹحتلال البلدان المجاورة لإستغلال خيراتها وأهلها ، فلم يعد أحد يهمه اﻷعمال الصالحة واﻷخلاق الحميدة التي كانت الشرط اﻷول في تحقيق مقدرة الروح في العودة إلى الحياة ثانية ، بل صب إهتمام الجميع على العيش برخاء كامل من خلال تحقيق رغبات وشهوات الكائن السفلي وفي الوقت نفسه على تأمين ضمان العودة إلى الحياة بعد الوفاة عن طريق بناء المعابد والقبور الفخمة.

عندما وصلت اﻷمور إلى هذاا المستوى من اﻹنحطاط الروحي، أرسل الله موسى و هارون عليهما الصلاة والسلام ، لتحرير المؤمنين أتباع تعاليم أمحوتب ( يوسف ) من قيود فرعون. لذلك مع خروج قوم موسى من مصر ولدت معهم أول ديانة سماوية وهي الديانة اليهودية ، وأهم تعليماتها كانت عدم وجود حياة بعد الوفاة. هكذا بدأت الديانة اليهودية ، بشكل معاكس تماما لما كان يؤمن به الشعب المصري، فحسب تعاليم هذه الديانة كل إنسان يقوم بأعمال صالحة فنتيجة أعماله هذه سيراها أبنائه وأحفاده وقومه في المستقبل ، أما هو فسيموت دون أن يكافئ بشيء.

معظم شعوب العالم في تلك الفترة كانت تؤمن بيوم الحساب أو التقمص إلا الديانة اليهودية ، التي ظهرت في القرن الرابع عشر قبل الميلاد . فالمؤمن اليهودي وجب عليه أن يضحي ويشقى وينفذ جميع تعاليم دينه بدون أي مكافأة ، مكافأته هي فقط ان أحفاده سيكونون برعاية الله عز وجل.

بهذه الحكمة اﻹلهية ظهرت ﻷول مرة في تاريخ اﻹنسانية فكرة التضحية بالنفس من أجل اﻵخرين وبدون إي مكآفأة مقابل هذه التضحية ، هذا العطاء المطلق بدون أي مقابل شخصي كصفة سامية لا توجد سوى في طبيعة التكوين الروحي للأم ، فهي الوحيدة التي يمكن أن تضحي بنفسها من أجل إنقاذ طفلها دون أن تحسب أي حساب يتعلق بما ستكسبه هي من هذه التضحية. هذه الصفة كانت مرحلة من مراحل تطور الروح التي سيمر بها اﻹنسان ليصل إلى الصفاء الروحي والكمال .

أما الحكمة اﻹلهية في دفع اليهود باﻹيمان بعدم وجود حياة ( لا جنة ولا جهنم ) بعد الوفاة ، فهو دفع المؤمن اليهودي إلى عدم إعطاء أي أهمية ليوم الوفاة وصب كل إهتمامه في تأمين مستقبل سعيد ﻷبنائه وأحفاده وقومه بأكمله ، قد يعتقد المسلمون والمسيحيون بأن هذه الفكرة تعارض تعاليم الديانتين المسيحية واﻹسلام ، اللتان تتكلمان عن يوم الحساب وعن الجنة وعن الجهنم ، ولكن من يتمعن في معناها الروحي يجد أن هذا اﻹعتقاد له معنى آخر ويعني أن المؤمن لا يموت حتى يعود إلى الحياة ثانية. وأن الموت ليس إلا عبارة إستراحة كما يحصل أثناء النوم.

في عام 587 قبل الميلاد بعد إستيلاء ملك بابل على بلاد اليهود ودمار هيكل سليمان ، بدأ اليهود يفقدون إيمانهم ، فحاول بعض الكهنة منهم إعادة فكرة يوم الحساب والجنة والنار إلى الديانة اليهودية ، وذلك لتشجع اليهودي على التمسك بإيمانه وتحمل المشقة والعذاب على إعتبار أن صبره وعذابه لن يذهب هباء ولكن الله سيكافئه عليه بدخوله الجنة.

مع ظهور الديانة المسيحية أخذت فكرة وجود يوم الحساب تقوى في نفوس المسيحية واليهود ، حيث نجد كتب العهد الجديد تذكر أن كل 1000 عام تتحرر روح السوء وتبدأ بالسيطرة على نفوس المؤمنين ، إذا تمعنا جيدا هذه الفكرة نجد أنها تحوي في داخلها معنى التقمص رغم أن معظم الطوائف المسيحية لا تؤمن بالتقمص ، ولكن إنجيل متَّى لمح على فكرة التقمص ،حيث نجد يسوع يقول ( إن إيليا سيأتي ويصلح كل شيء. بيد أني أقول لكم إن إيليا قد أتى ولم يعرفوه).

في اﻹسلام أيضا هناك آيات عديدة تحمل في معناها فكرة التقمص ولكن من بعيد وليس بشكل واضح ، وسبب عدم ظهور فكرة التقمص بشكل واضح في الديانات السماوية ليتقبلها الجميع هو التأكيد على المعنى الروحي للتقمص وهو أن المؤمن لا يموت حتى يعود ثانية إلى الظهور ، فحسب منطق هذه الديانات والتي تنظر إلى اﻹنسان كروح ، الموت بالنسبة لها هي عبارة عن إستراحة كما يحدث في النوم ، لذلك لا داعي أن تذكر هذه الديانات فكرة التقمص بشكل واضح تماما.

وهناك آيات قرآنية عديدة تحمل في داخلها فكرة التقمص ولكن للأسف معظم علماء الدين اﻹسلامي يحاولون تفسيرها بعيدا عن فكرة التقمص فقط من أجل أن يظهروا أن الدين اﻹسلامي يختلف نهائيا عن الديانات الشرقية. ومن هذه اﻵيات نذكر منها :

-اﻵية 28 من سورة البقرة (كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون )

-اﻵية 55 من سورة طه ( ومنها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى )

- اﻵية 11 من سورة غافر ( فقالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى الخروج من سبيل )

-اﻵية 6 من سورة الزمر ( .... يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا بعد خلق في ظلمات ثلاث. .... )

وغيرها. ..

من يتمعن في سلوك اﻹنسانية وطريقة تطورها يجد هناك أشياء كثيرة لا يمكن أن تفسر هذا التطور المستمر نحو اﻷرقى و ظهور الحضارات بشكل متتالي ، إلا عن طريق التقمص وإنتقال اﻷفكار عبر الروح إلى زمن جديد.

حياة بني آدم خارج الجنة تشبه تماما المدرسة حيث في نهاية كل عام يقدم الطالب إمتحاناته ، فإذا نجح إنتقل إلى الصف الأعلى أما إذا رسب فإنه يطرد من المدرسة. هكذا هي حياة اﻹنسان أيضا ، فعند وفاته يحاسب على جميع أعماله فكل عمل صالح قام به له علامة محددة ، فإذا كانت علاماته عالية جدا ، الله يكافئه عليها فيولد بصحة وشكل سليم في عائلة طيبة محترمة غنية روحيا وماديا فينمو الطفل في بيئة سعيدة تأمن له كل أسباب النجاح في الحياة وهذه الحياة الجديدة السعيدة هي جنة هذا اﻹنسان كمكافأة له لأعماله الصالحة التي قام بها في حياته الماضية ، أما إذا كان اﻹنسان أعماله السيئة أكثر من من أعماله الصالحة ، عندها قد يولد بصحة ضعيفة أو شكل قبيح في بيئة فقيرة قذرة أهله لا يهتمون به كثيرا ، فيجد نفسه منذ صغره يكافح ويعاني ليؤمن لقمة عيشه ، فظروفه القاسية هذه هي جزاء له على ما فعله من أعمال سيئة تجاه اﻵخرين في حياته السابقة ،أما إذا كان اﻹنسان فاسق ولم يعمل أي عمل صالح في حياته ، فعندها روحه بعد وفاته لا تستطيع أن تجد رحم إمرأة يليق بها فيولد في رحم أنثى حيوان مناسبة لمستواه الروحي ﻷنه في حياته السابقة عاش كحيوان بدون أي صفة إنسانية.

كل عمل له علامة يوم الحساب وكل علامة هي صفة ، لذلك لكل إنسان له ملايين الصفات الي سيحملها عند ولادته من جديد ، كما تقول اﻵية القرآنية 65 من سورة يس ( اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون )، وكذلك اﻵية القرآنية 22 من سورة فصلت ( وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون ).

ولكن لكي لا يحدث تفرقة عنصرية فيرى كل شخص ولد في بيئة غنية ذات مستوى معيشة عالية ، بأنه أرقى من اﻵخرين الفقراء، لذلك الحكمة اﻹلهية دوما تختار أشخاص صالحين وتضعهم في منطقة فقيرة ليلعبوا دورا في تحسين أوضاع هؤلاء الفقراء ، لذلك تذكر الديانات السماوية أنه لا فرق بين اﻷبيض واﻷسود وبين الفقير والغني والجميل والقبيح إلا بالتقوى ، فطالما أن الله عز وجل سمح للإنسان أن يولد كإنسان ثانية فهذا يعني أنه قد أخذ جزاءه ، وأصبحت مكانته عند الله في هذه الحياة الجديدة تتوقف على أعماله في هذه الحياة فقط ، لذلك على كل إنسان مؤمن مساعدة الفقراء والمساكين ليستطيعوا أن يبدأو حياة صالحة جديدة.

وسوم: العدد 646