الغيمة الباكية (10)

عبد الله عيسى السلامة

الغيمة الباكية

عبد الله عيسى السلامة

الفصل الثاني عشر

اللغز.. وسحب الصيف

انقضى الربيع بأيامه الجميلة، وأقبل الصيف، بشموسه اللاهبة، ورماله المحرقة، وأمسياته الباردة، وسحب العجاج التي تثيرها الرياح الحرة الطليقة، فوق جسد الأرض العاري، الذي خلع ثيابه الضافية الخضر، ولم يبق عليه إلا رقع شوكية صغيرة، باهتة الخضرة، أو باهتة الصفرة، منبتة هنا وهناك، تطاردها الجمال من وادٍ إلى آخر، ومن تلة إلى أخرى، ورقع عشبية ذاوية، جزت الأغنام نواصيها الطرية الخضر في الربيع، وعادت لتستأصل كل ما ظهر على وجه الأرض منها، من جذوع قاسية، ومن أوراق غليظة يابسة، زهدت فيها أيام خضرتها في فصل الرفاه، وعادت إليها لتقضمها في نهم، بعد أن وجدتها أشهى من الجوع، وأحلى من قرصاته المؤلمة المضنية، تحت سياط السموم الكاوية..

ولم تكن حال الرعاة أسعد من حال دوابهم، إلا في كونهم بشراً، يحظون بنعمة السيادة على هذه الدواب التعيسة، وتوجيهها إلى الأماكن التي يعتقدون أن في ارتيادها مصلحة لها، دون أن يكون لها حق إبداء الرأي في تقدير مصلحتها، أو اسداء النصح والمشورة في القضايا التي تمس حياتها مساً مباشراً.. فقد تخلت عن عقولها لمن هو أفهم منها، وأقدر على معرفة ما ينفعها أو يضرها.. وما شذ منها، شذ إلى الضربات الموجعة من عصا الراعي، أو إلى أمطار الحجارة من يديه القاسيتين، إن كان بعيداً عنه، فيعود إلى ممارسة الفهم الصحيح، وفقاً للمبدأ الذي قرره الراعي، ويلتحق بالقطيع المؤدب المذعن الذي يعرف سنن الحياة وقوانينها. إلا أن ذلك كله، لا يعفي أي فرد في القطيع من الذبح، في الوقت الذي يقدره رب القطيع، مهما بالغت الدواب في الفهم والتعقل.. أما حال السادة أصحاب القطعان، فأفضل بكثير من حال الرعاة، إذ يملكون حق توجيه الرعيان إلى ارتياد مناطق معينة، وتجنب مناطق أخرى.. وتوريد القطعان من مناهل معينة دون أخرى، والاختلاط برعاة معينين، والابتعاد عن رعاة آخرين، من قبائل أخرى.. كل ذلك ينفرد بتقديره صاحب القطيع، وهو قاعد في بيته، بين الظل والماء، والطعام الجيد أو المقبول، مما تجود به الماشية من لحم أو لبن أو زبد أو جبن.. أو مما يدور به باعة التمر والتين والعنب والزبيب، المتجولون في أنحاء البادية، يمتطون حميرهم، ويقودون جمالهم، التي يحمل كل منها صندوقين ضخمين من الخشب، مملوءين بلون واحد من حلويات البادية، أو بلونين، في كل صندوق لون..

ولم يكن الرعاة محرومين من هذه النعم، إنما كانوا ينالون حظوظهم منها في الفلاة، في غالب الأحيان، تحت سياط الشمس وسياط السموم، وفوق الرمال وبين العجاج.. وهذا أحد الفروق الأساسية بين الراعي ورب القطيع، وبين الأجير والمستأجر.. أما كرامة الراعي والأجير هنا، فلا ينالها عيب، ولا ترقى إليها مذمة.. بخلاف السيد نفسه، عندما يعمل أجيراً من طراز خاص، وهو في بيته بين الماء والظل، لخدمة نمط من الناس، من طراز لوفنتال أو شوفان.. أو سواهما.. وهذا بخلاف العبيد، الذين لا يشعرون بالكرامة أصلاً أمام سادتهم..

كان اسم العبد شوكان الوراد، سائس خيل هواش المنصور، قد أصبح مضغة في أفواه الكثيرين، من رجال قبيلة المداعيس ونسائها، ومن عبيدهم ونساء عبيدهم، ومن أجرائهم ورعاتهم.. وكان السبب البارز في انتشار اسمه بهذا الشكل، هو أن الكثيرين من الوجهاء والزعماء والمشايخ، باتوا يعتبرونه مضرب الأمثال في العبودية الصحيحة، من حيث الخضوع والطاعة والأدب، والإسراع في تلبية الأوامر، وعدم التدخل فيما لا يعنيه، وغير ذلك من مزايا، يعتبرها السادة جوهرية لا يمكن إغفالها، عندما يدور الحديث عن الفرق بين العبد الجيد والعبد الرديء، تحت بيوت الشعر التي لا يعرف العبيد كيف يبردون أجواءها لسادتهم تحت لهيب الحر..

وقد كان وجود شوكان، نقمة على العبيد في قبيلة المداعيس، إذ كلما أخطأ عبد أو قصر، أو حرن في موقف ما، تنصب على رأسه شتيمة من سيده، أو من أحد أفراد أسرة هذا السيد، كأن يقال له بعفوية وبساطة: لعنة الله عليك يا عبد السوء.. انظر إلى شوكان الوراد ما أطوعه وأحسن أخلاقه..! أو يقال له: أنا اشتري عبداً مثل شوكان بمئة عبد من أمثالك يا نذل.. لعنة الله على والديك، ما أيبس رأسك وما ألأم طبعك.. لا تعرف كيف تبرد بيتاً في الصيف، ولا كيف تدفئ بيتاً في الشتاء..

وكان العبيد يثرثرون بهذه الأمور في مجالسهم الخاصة، وفي لقاءاتهم وسهراتهم.. ويحدثون نساءهم، والنساء يثرثرن بمناسبة وبلا مناسبة، وبأساليب شتى، حول هذه القضايا، التي لا تشغلهن عن واجب.. بل حتى عندما تكون الأفواه ملأى بالطعام، فإن بعض الألسنة المتمرسة بالثرثرة، تستطيع أن تجد لديها مجالاً للكلام، وتحريك العبارات مع تحريك اللقم..

وكان كثير من العبيد، يشعرون بالذنب أو التقصير، أو الدونية، لأنهم ليسوا في مستوى شوكان الوراد.. كما أن كثيراً منهم، كان يرفض هذا المنطق، ويصب شتائمه ولعناته على الوراد، كأن يقول أحد العبيد مثلاً: لعنة الله على شوكان وعلى والديه.. وهل يجب على كل عبيد الدنيا أن يكونوا مثل الوراد..! أو يقول عبد آخر: وما السر الذي فيه مسبوع الأب، حتى سلب عقول المشايخ، فصاروا يروننا حميراً بجانبه..؟ أو يتمتم عبد لنفسه: لعنة الله على حظنا، ما أنحسه..! جاءنا رجل من آخر الدنيا، لا أحد يعرف قرعة أبيه من أية ملة.. فصار أعمامنا يرونه ذهباً، ويروننا فحماً إلى جانبه، بعد هذه الخدمة الطويلة التي خدمناهم إياها، نحن وآباؤنا وأجدادنا.. إن الجميل ضائع في هذه الدنيا..!

أما نساء العبيد، فكانت أحاديثهن أعمق، وجرأتهن في الاقتراب من النقاط الحرجة أكبر، إذ همست جوزة في أذن ريحانة باسمة: يقولون يا ريحانة، إن شوكان ما هو عبد..!

قال ريحانة باستغراب: وكيف عرفت هذا؟

قالت جوزة بابتسامة ذات إيحاء خاص: رأيت لك حالة الشيخة ظبية تتحسن، والابتسامة العذبة تعود إلى شفتيها الذابلتين من جديد..!

ضحكت العبدتان بمكر، وقالت ريحانة بلهجة يختلط فيها الجد بالمزح: خافي الله يا جوزة.

قالت جوزة بخبث ومكر: صدقيني يا ريحانة أن عمتي ظبية ما هي على حالتها التي كانت عليها في الشتاء.. ولقد لاحظت عليها مرات كثيرة، أنها كلما سمعت اسم شوكان، علت وجهها ابتسامة مشرقة، وسرحت عيناها السوداوان في خيال بعيد.. ثم عادت إلى إطراقها الحزين..

قالت ريحانة بابتسام وجدية: إن أوهامك يا جوزة كثيرة، وتتخيلين أشياء لا وجود لها.. فلو كانت عمتي ظبية مستعدة للزواج من عبد، لتزوجت بارع ابن زناد أخاك، الذي تعرفه وتعرف أباه، وأبوها يعرف جده وجد أبيه.. أما أن ترفض أخاك (بارع) لتتزوج رجلاً لا تعرف من أبوه، ولا إلى أية ملة ينتمي، فهذا بعيد عن عمتي ظبية، وعن عقلها الكبير ونفسها الأبية..

ولم يكن شوكان حديث وحدهم، بل كان اسمه يتردد كثيراً في مجالس المشايخ، وبأشكال متنوعة، وأساليب مختلفة..

قال غزوان مرة لأحد عبيده، بعد أن تأخر العبد في جلب الحطب لإشعال نار القهوة: يلعن الله أبا هذا الأنف الأفطس.. إن شوكان الوراد، يذهب ويعود في نصف هذه المدة، يا خامل يا رخو..

قال ظالم بن محسن المراس، وهو من وجهاء عشيرة البشارات: أراك تكثر يا أبا زهلول من ذكر العبد الغريب شوكان، وتمدحه كثيراً، وتذم عبيدك.. وأنا والله ما رأيت فيه هذه الخصال التي تميزه عن جنس العبيد.. فالرجل مطواع خدوم، نفسه مطبعة على العبودية، وما يختلف كثيراً عن أي عبد من عبيدك.. إضافة إلى أن شكله شكل عبيد، وهيئته هيئة عبيد.. وجهه أسمر، وشعره مفتل.. صحيح أن فتلة شعره ما هي مثل فتلة شعور العبيد، وليس في عينيه الصفرة الموجودة في عيون العبيد.. لكنه بشكل عام من جنس العبيد.. وملابسه القديمة، تدل على أنه لا يحس بكرامته، والمحافظة على حسن منظره بين الرجال..

قال غزوان  باسماً: لا يا ظالم لا.. ما هكذا تثمن الرجال.. واسمح لي أن أقول لك، إن أباك الذي سماك "ظالم" ما ظلمك بهذه التسمية..

ضحك غزوان وظالم وبعض الحاضرين، لهذه المداعبة اللطيفة.. وقال رجل من رجال العشيرة العاديين، إلا أنه كثير المال، اسمه عداي بن جارح، أريد أن أسألك يا أبا زهلول: هل عرفتم أصل هذ الرجل وفصله، ومن أي البلاد؟ أراه مسبوع الأب، مرة يتهيأ للسفر إلى نجد، ومرة يؤجل سفره.. ويقول إن أخاه مات من قريب.. والرجل الذي يموت له أخ، وهو في بلاد الغربة، ما يصبر كل هذا الصبر، إلا إذا كان عنده ما يمنعه من السفر، أو عنده أسرار خاصة ما يبوح بها أمام أحد..

قال رجل آخر كبير في السن، اسمه معروف بن كايد الهماس: وأيش الذي دفعه، ملعون أبو سيرته، إلى ترك مسلط بن سطام العليان؟

قال غزوان: وهل اشتراه مسلط بالمال يا ابن هماس؟ هو رجل بالغ الرشد، يعمل اليوم عندك، وغداً عندي، وبعد غد عند ابن مراس.. ويستقر في المكان الذي يعجبه المقام فيه.. صحيح أنه عبد، لكن عبيد اليوم يا ابن هماس، لا  يباعون ويشترون بالمال.. لكن يتطوعون للخدمة في المكان الذي يناسبهم، وتنشرح له صدورهم..

قال ابن سليطين، وهو كهل نحيف، ذو فراسة ومكر ونفاذ بصيرة: رأيت لك العبد يا أبا زهلول، صارت له صداقة قوية مع ابن أخيك منادي.. وما أدري كيف تنعقد مثل هذه الصداقة بين رجل تجاوز الخمسين، وغلام في سن ابنه.. ترى لو كان ابنك زهلول موجوداً في مضارب القبيلة، يعقد مثل هذه الصداقة مع رجل في سن أبيه..

قال غزوان ضاحكاً: والله ما أدري يا ابن سليطين.. لكن ظني أنه لن يختلف عن ابن عمه، فعقول الشباب في مثل هذه السن، تختلف عن عقولنا نحن الذين تجاوزنا سن الخمسين.. يضاف إلى هذا أن الرجل شوكان صاحب ألفة ومودة، ويخاطب الشباب حسب ما تهوى أنفسهم.. وأنا أظن أن ابني "زهلول" لو كان موجوداً، ورأى شوكان، وما فيه من خلق ودين، لصادره من عمه هواش، وأخذه إلى أخواله السلمانية، فهم يرتاحون لهذا النوع من الرجال، لأن جدهم سلمان الفارسي رحمه الله، كان من كرام الصحابة، وقال عنه الرسول:" سلمان منا آل البيت"، حسبما يذكر السلمانية، أخوال زهلول..

قال ابن سليطين: إن أهل البيت كثروا جداً في هذه الأيام يا أبا زهلول.. وما عدت تعرف المنسوب منهم، من المحسوب.. لكن على كل حال، نسب السلمانية نسب مشرف كريم، ويحق لزهلول، أن يفخر بأخواله الذين ينتمون إلى هذا الرجل العظيم سلمان، الله يرحمه ويرضى عنه..

وفي مجلس مرهج، قال رجل في الخامسة والخمسين، اسمه صويحي بن مطر النقاز: ترى يا أبا فداوي، هذا المحروق أبو صفحته، العبد الوراد شوكان.. من نسل أحرار أم من نسل عبيد؟

قال مرهج وهو يعبث بطرف جديلته: وما الذي دفعك إلى هذا السؤال يا صويحي؟

قال صويحي: أرى المنحوس لا هو حر ظاهر، ولا هو عبد خالص..

قال مرهج، بعد أن أزاح جدائله كلها إلى وراء ظهره، بدأت تظهر عليه سيماء الجد:

بعض العبيد يا صويحي عندهم بعض طباع الأحرار، وبعض الأحرار عندهم بعض طباع العبيد.. وهذا الرجل شوكان، عبد، لكن له بعض خصال الأحرار وطباعهم.. ولو لم يكن عبداً ابن عبيد، فما الذي يدفعه إلى ادعاء العبودية؟ وهل ترى في العبودية فخراً للرجل يا صويحي؟ إن بعض العبيد الذين يملكون أقل قدر من الكرامة، يدعون أنهم أحرار في الأصل، لكن جار عليهم الزمان، وجعلهم يسخرون أنفسهم عبيداً لفلان أو فلان، كيلا يموتوا من الجوع.. فما بالك بالحر ابن الحر..! هل يدعي العبودية وهو يعرف ما فيها من ذلة ومهانة!؟

قال صويحي: والله ما أدري يا أبا فداوي، لكن أرى أن الرجل ما هو نظيف.. لا بد أن يكون عنده سر يخفيه.. هيئته، وملامحه، وأخلاقه.. كلها تدل على ذلك.

قال مرهج: إن شاء الله يكون الرجل ما هو عبد يا صويحي.. والله إنه رجل كريم، ووجداننا ما يرضى لرجل من أمثاله أن يكون عبداً..

قال رجل في السبعين من عمره، اسمه حلال بن ساير المشنف:

أيش تقول يا صويحي؟ شوكان ما هو عبد؟ وأيش يدريك أنه ما هو عبد؟ علي الطلاق إنه عبد من سلالة عبيد.. وأنا أشهد على ذلك.. أنا يا صويحي زرت بلاد نجد من خمسين سنة، ورأيت فيها عائلة عبيد اسمها عائلة الوراد، وكانت تعمل عند الشيخ جرهود بن دالح الزويل، شيخ قبيلة الطنافير.. ومن أسماء رجالها، بالعلامة: مظعون، وطفيلان، ومرمر، وشريشب.. أنا رأيتهم بعيني هذي، التي سيأكلها الدود.. وقالوا إن أصولهم من اليمن..

قال صويحي ساخراً: لكن شوكان يا حلال، يقول إن أصول أجداده من أفريقية، من بلاد السودان والحبشة وتلك النواحي.. فكيف جعلتهم من اليمن؟

قال حلال بانفعال: يكذب شوكان والذي خلف شوكان.. أصولهم من اليمن، وأنا شاهد على ذلك.

قال صويحي: أنت تعرف أصل الرجل أكثر مما يعرفه هو؟

قال حلال بحدة: نعم.. أنا أصدق منه ومن أبيه..

قال صويحي: يا رجل كيف تكذبه، وهو رجل صالح كريم الطباع؟

قال حلال: أكذبه وأكذب جده.. وأكذب الذي يصدق كلامه..

قال صويحي بانفعال: اضبط لسانك يا حلال، وأعرف كيف تتكلم في مجالس الرجال.

قال حلال بغضب زائد: أنت تعلمني كيف أتكلم يا نذل؟

قال صويحي محتداً: أنا نذل يا عفن يا ابن العفون؟ والله لولا أنك شيخ هرم، والناس يعيرونني بك، يقولون: صويحي تمرجل على شايب خرفان، لكنت خليت هذا المحجان يأكل من ضلوعك.. وهز صويحي قضيباً أحمر من الطرفاء، صلباً معقوفاً من أحد طرفيه..

فهب حلال، وبيده قضيب من السنديان وهو يقول: أنا أبو جالة، وهب صويحي محجان بيده الطرفاء وهو يقول: أنا أخو مطرة.

وهجم كل منهما على الآخر، فنهض مرهج والحاضرون في ديوانه في تلك الساعة، وعددهم خمسة عشر رجلاً، وتدخلوا بين الرجلين فأبعدوا كلاً منهما عن الآخر، بعد أن كانت عصا كل منهما قد نالت من رأس صاحبه، فبدأ دمه يرشح على ثيابه.. وكان بعض أقارب الرجلين موجودين في المجلس، إلا أنهم لم يتدخلوا في المعركة، لما رأوه من ضحك مرهج وبعض الرجال الآخرين.. الذين لم يكونوا يصدقون نشوب مثل هذه المعركة، وبهذه السرعة، لهذا السبب التافه..

وجلس كل من الرجلين في مكانه، وهو يلهث ويهدد صاحبه، بأنه سيجدع أنفه بعد أن ينفرد به في العراء.

ومرهج وباقي الحاضرين، يضحكون من جهة، ويرثون لحال الرجلين من جهة أخرى.. ثم يتظاهرون بالجدية والأسف، ويلعنون ساعة الشيطان..

أما أتباع الشيخ عباس، فكانت لهم طرائق أخرى في الحديث عن شوكان، وكانت مواقفهم منه، تتباين أمزجتهم وأنماط تفكيرهم.. وكان مصدر معلوماتهم الأساسي عن شوكان وآرائه هو منادي، فضلاً عن أن كلاً منهم، كان قد التقى بشوكان مرات كثيرة، وفي ظروف متنوعة.. بين سهرة عادية، ولقاء عرضي، وحديث عابر.. وكل ذلك على أنهم أفراد من القبيلة، لا يعرفون عن شوكان وآرائه وأفكاره، إلا ما يعرفه سائر الناس، إذ لم يكن أحد منهم حريصاً على إشعار شوكان بأنه يعرف عنه أشياء خاصة، مما كان ينقله منادي، وذلك كيلا يعرف شوكان علاقتهم بجماعة مدلول، عن طريق الربط بين المعلومات والتحليل والاستنتاج..

كان سراح قائد المجموعة، يرى أن لدى الرجل أشياء كثيرة يمكن أن يقدمها للمجموعة، من نصائح واقتراحات.. بل ومن تعليمات مباشرة تتعلق بظروفهم الدقيقة وأساليب تحركهم، ضمن جملة التناقضات والأخطار التي تحيط بهم من كل جانب، ويضمر لشوكان احتراماًً كبيراً.. وإن كان يرى من جهة أخرى، أن ضعف إمكاناتهم، والحصار العنيف الذي يتعرضون له، وقلة أنصارهم في ساحة العمل، والتناقضات العجيبة التي يعج بها مجتمع البادية.. كل ذلك يشكل معادلة صعبة جداً، يصعب على شوكان أو غيره، أن يحلها بطريقة جيدة، أو حتى مقبولة.. ولا بد من قوة ربانية تمدهم بالعون والتأييد.. وهذا هو الأمل الكبير، الذي يجب أن تتعلق به قلوبهم بشكل دائم.. دون إهمال القوى المحدودة المتاحة أمامهم، مهما كانت ضئيلة..

وأما جلمود اللهاط، فكان مرة يقول: إذا كنا نحن أبناء العمل عاجزين عن تقدير ما ينفعنا وما يضرنا، وما يجب علينا عمله بشكل دقيق، فما الذي يمكن أن يقدمه لنا رجل غريب، لا يعرف شيئاً عن ظروفنا، ولا عن طبيعة عملنا.. ومرة أخرى يقول: لا يد من تطعيم أفكارنا بأفكار الآخرين، والإفادة من الطاقات الموجودة لدى كل من يهتم بالإسلام ويحرص على نصرته..

وأما الناطور والمكعون، فكان رأيهما قريباً من رأي سراح قائد المجموعة..

ولقد تدارست المجموعة فيما بينها، اقتراحاً قدمه منادي، يحث فيه المجموعة على الالتقاء بشوكان، بشكل جماعي، بالنسبة لعناصر القيادة الخمسة، لسماع آرائه ومقترحاته ونصائحه.. وكانت دراستهم منصبة حول الأسلوب المفضل لإتمام اللقاء؛ إذ ليس من المصلحة أمنياً، أن يلتقي بهم بصفتهم مجموعة قيادية لأتباع الشيخ المدلول، ولا حتى بصفتهم أعضاء في جماعة المدلول.. ولقد رأى سراح، أن أفضل أسلوب لهذا اللقاء، هو ترتيب سهرة عادية في بيت أحدهم، يلتقون فيها على أنهم أصدقاء، شباب، متقاربون في السن، يميلون إلى شيء من الدعابة والمرح والثرثرة بمختلف الشؤون المحيطة بهم، من شؤون القبيلة وغيرها.. ويحضر شوكان على أنه صديق لمنادي، ورجل صاحب خبرة ومعرفة في شؤون القبائل، وهو فوق ذلك مرح اجتماعي لبق، يحفظ كثيراً من سير العرب وطرائفهم وآثارهم..

وبعد الموازنة بين البيوت، لمعرفة أيها أفضل أمنياً، ولا يشكل للشاب حرجاً أمام أهله أو جيرانه.. اتفقوا على بيت منادي، برغم احتمال كونه مراقباً، من قبل بعض العبيد أو نسائهم، أو صبية القبيلة، أو ضعاف النفوس، ممن أغراهم لوفنتال بالذهب، لقاء معلومات زهيدة لا تكلفهم جهداً كبيراً.. وقد تم هذا الاختيار، لأنه حسب اجتهادهم أخف ضرراً من سواه، بعد أن عرفوا ظروف كل بيت، فضلاً عن وجود مرجحات أخرى، منها: أن شوكان يعمل في البيت ذاته، وليس غريباً أن يسهر فيه.. كما أن البيت هو بيت شيخ العشيرة، وهو مطروق كثيراً من قبل الزوار وذوي الحاجات.. يضاف إلى هذا كله، أنه ليس في البيت سوى والدة منادي وأخته، وهما تنامان باكراً، في ركن من البيت، بعيد عن الركن الذي سيسهرون فيه..أما والد منادي فيسهر في الديوان، حتى ساعة متأخرة من الليل عادة، وستكون سهرتهم قد انتهت قبل أن يأتي إلى بيته للنوم.

وتم اللقاء.. اللقاء غير المخطط له، حسبما حاولت المجموعة إيهام شوكان.. بدأت السهرة بعد صلاة العشاء.. وكانت بدايتها مفعمة بالطرائف والتعليقات، والأخبار اللطيفة.. ثم انتقل الحديث بالتدريج، إلى بعض الأمور الجادة.. قال سراح بقصد استدراج شوكان إلى الخوض في القضايا العميقة الهامة، من خلال العلاقات الظاهرة المكشوفة:

إن أشد ما يحيرني من أمر هؤلاء الروم، صفر الشوارب هو موضوع البواحيث، هؤلاء المناحيس، الذين أمضوا شهوراً طويلة في البادية، بحجة ما يسمونه بحوثاً علمية، وهم يتجولون في البوادي، بين منازل العشاير والقبائل، في الصيف والشتاء.. دون كلل أو ملل.. وكأنهم لا يحسون بحر أو برد، ولا جوع ولا تعب، ولا شوق إلى الأهل، ولا وحشة من الغربة.. إن أمرهم عجيب..

قال زلاف بن مخبور المكعون: ومع ذلك لا أحد يهتم بأمرهم من مشايخ القبيلة ووجهائها، ولا أحد يحاول أن يعرف حقيقة مهمتهم على وجه التحديد..

قال منادي: وهل وجهاء القبيلة أو مشايخها، هم المسؤولون وحدهم عن معرفة سر هذه الأفاعي السامة..؟! كل فرد في القبيلة مسؤول عن هذه المهمة.. فإن كان هناك خطر فهو يهددنا جميعاً..

قال اللهاط بشيء من الحدة: وهل أخذتك الحمية لأبيك وأعمامك يا منادي، فأردت أن ترفع عنهم المسؤولية، وتلقيها على عواتق الناس البسطاء، مع أن البواحيث، إنما دخلوا القبيلة أصلاً، بمعرفة عمك طراد، شيخ القبيلة، وأعمامك الآخرين وأبيك.. وهم ينتقلون بين دواوينكم، من ديوان إلى آخر، دون مانع أو رادع..؟!

قال منادي بهدوء، وهو يحس ببعض الحرج: أنا لم أحاول رفع المسؤولية عن أبي وأعمامي يا جلمود.. إنما أردت أن أحمل كل إنسان مسؤوليته من الزاوية التي هو فيها..

قال اللهاط بحدة: لا أحد مسؤول سوى أبيك وأعمامك..

نظر الأربعة الآخرون، بعضهم في وجوه بعض، وقد أحسوا بالحرج إزاء طريقة اللهاط في طرح المشكلات ومناقشتها.. وبدأ يساورهم الشك في احتمال نجاح لقائهم بشوكان؛ إذ الأصل فيما بينهم، أن يحصلوا على أكبر قدر من الفائدة، مما يمكن أن يقدمه لهم الرجل.. غير أنهم تظاهروا بشيء من عدم المبالاة، مصرين على إنجاز مهمتهم.. بينما أطرق شوكان، وعلى شفتيه ابتسامة باهتة..

قال سالم بن مهاجر الناطور: دعونا نسأل أخانا شوكان عما يعرف هؤلاء الخبثاء، وعما إذا كان قد التقى بأحد منها هنا في مضارب المداعيس، أو في منازل الصواهيد، حيث كان يعمل عند الشيخ مسلط..

قال شوكان بهدوء، وفي نفسه بعض الانقباض من أسلوب اللهاط: الحق أني التقيت بهؤلاء الرجال مرات عدة، سواء في ديوان الشيخ مسلط، أو هنا، في قبيلة المداعيس، لكن لقاءاتي بهم كانت عرضية، ليس فيها حوار أو مناقشة، وحكمي عليهم من هذه الناحية سيكون قاصراً.. أما تصوري العام عن مهمتهم، فقد لا يختلف كثيراً عن تصوركم، وهو أن هؤلاء القوم جاؤوا ليخدموا ملتهم وبلادهم، من خلال المعلومات التي يأخذونها عنا، والتي ستعينهم علينا، وتبصرهم بنقاط قوتنا وضعفنا، ليعرفوا كيف يعززون سيطرتهم على عقولنا ونفوسنا ويستثمرون طاقاتنا وخيرات بلادنا لمصلحتهم، على المدى البعيد بشكل خاص..

قال سراح: وهل هم أخطر على بلادنا من الجنود الذين يحتلون أرضنا، أم أن خطرهم متعادل في هذا المجال؟

قال شوكان: لكل منهم دوره ومهمته.. لكن دور الباحثين أخطر بكثير، مع أنهم لا يملكون دبابات ولا طائرات ولا بنادق.. والسبب في ذلك، هو أن عملهم يعتبر الأرضية الأساسية لعمل العسكر، فبحوثهم هذه، هي التي تمهد للعسكر السبيل لتعزيز السيطرة العسكرية والسياسية، وإطالتها إلى أقصى حد ممكن..

قال منادي: ما دام العسكر الآن موجودين ومهيمنين على البلاد، فما جدوى بحوث هؤلاء العلماء؟ أعني هل تساوي بحوثهم كل هذه الجهود المضنية التي يبذلونها؟

قال شوكان باسماً: هؤلاء الناس يا منادي يفكرون بطريقة مختلفة عن طرائق تفكيرنا.. إنهم يفكرون للمستقبل.. وسترى إن كتب الله لك عمراً، نتائج هذه البحوث الشيطانية.. إن الحرب الدائرة الآن بين الأوروبيين لن تدوم إلى الأبد.. ستنتهي كما انتهت الحرب الأولى التي سبقتها.. وستتغير موازين القوى كثيراً في العالم، على ضوء نتائج الحرب.. وسترى أن هذه البحوث، رصيد ممتاز من القوة، لأية جهة تستعملها.. وسترى أيضاً، عندما تتحرر بلادنا من الاحتلال السياسي والعسكري إن شاء الله، ويرحل لوفنتال وجنوده إلى غير رجعة.. كيف سيكون خلفاؤهم من بعدهم..

قال زلاف: وهل ستحتل بلادنا دولة أخرى بعد فرنسا؟

قال شوكان: لا يا أخي الكريم لا.. وإن كان هذه محتملاً على ضوء نتائج الحرب.. ونرجو الله ألا يكون.. لكن ما أردته هو أثر هذه البحوث والدراسات، في تمزيق بلادنا، وفي تعيين زعماء معروفين جيداً، ومضمونين جيداً.. على كل تلة زعيم، وعلى كل سهل زعيم، وفي كل واد زعيم.. وهؤلاء الزعماء، كل ذرة في أجسادهم معروفة مكشوفة.. وكل ذرة في نفسياتهم وعقلياتهم، مضاءة بضوء قوي ساطع.. وأروع ميزاتهم، هو أنهم يتحركون، كما تتحرك الخواتم في أيدي لابسيها.. وهذا كله نتيجة ماذا؟ نتيجة دراسات متعمقة مستقصية، للأرض وسكانها ونفسياتهم، وأهلية كل  منهم للزعامة..

قال سالم: وهل هؤلاء الزعماء من أبناء جلدتنا؟

قال شوكان متضاحكاً: من أبناء جلدتكم ولا فخر.. أما أنا فعبد ابن عبد، ولا أحلم أن يكون أحد من أبناء جلدتي زعيماً.. وهذه نعمة من نعم الله علي..

تضاحك شوكان، وتضاحك معه الآخرون، وقال منادي: ليت أحرار البادية كلهم في مثل دينك وعقلك وأخلاقك يا أخانا الكريم..

قال زلاف: وكيف تتصور ذلك يا شوكان؟

قال شوكان: الأمر بسيط.. الآن قبيلة المداعيس انقسمت إلى خمس عشاير مستقلة، فما المانع من أن تنقسم كل عشيرة إلى عشرة أفخاذ، كل فخذ يضم مئتي رجل أو ثلاثمئة أو أكثر.. وعلى كل فخذ زعيم يدور في فلك دولة من الدول..

ثم التفت شوكان إلى منادي وقال له باسماً: وأطمئنك يا منادي بأن أباك وأعمامك لن يكونوا من هؤلاء الزعماء..

قال منادي باسماً: ولم بشرتني بهذه البشارة؟

قال شوكان: لأن أهلك لديهم شيء من القيم النبيلة والأخلاق الفاضلة، بشكل عام، برغم قلة دينهم.. واعذرني على هذه الوقاحة..

قال منادي متضاحكاً: أما قلة الدين فلا يعتبرها أهلي نقيصة بحقهم، لأنهم يجاهرون بها، فلا داعي للاعتذار عنها.. لكن لم يحرص الأوروبيون على خلع المشايخ أصحاب القيم والأخلاق، وتنصيب مشايخ لا خلق لديهم ولا كرامة؟

قال شوكان: ما أظنك تجهل جواب هذا السؤال يا منادي.. فشيخ القبيلة الذي لا كرامة له، يسهل عليه أن يكون أذل منا نحن معشر العبيد، أمام أسياده الذين ينصبونه، فلا يعصي لهم أمراً مهما كان منحطاً، لأنه يملك نخوة الرجال وشهامة الأحرار.. ولا يهمه أن يستخدموه عبداً أو أجيراً، ما داموا يخلعون عليه لقب شيخ أو وجيه أو زعيم، ويلقون أمامه بين حين وآخر عظماً يتلهى به، من عظام شعبه الذي يذبحونه ويأكلون لحمه هم وأبناؤهم ونساؤهم.. فهل أبوك وأعمامك من هذا الطراز يا منادي؟

ابتسم منادي، وقال: لا أستطيع أن أطلق حكماً عاماً، ولكن الأكثرية منهم ليس كما ذكرت.

قال شوكان: إذن فليبحثوا لأنفسهم عن وظائف غير الوظائف الحالية.. لكن متى يكون ذلك؟ هذا علمه عند الله.

كانت ظبية وأمها قد استعدتا للنوم، عند قدوم الرجال.. ونامتا فعلاً حسبما هو ظاهر.. إلا أن واحدة منها فقط هي التي نامت، وهي الأم، التي كان تعب النهار قد أخذ منها كل مأخذ، فاستسلمت لنوم عميق.. أما ظبية، فكانت تراقب أمها.. وما إن رأتها غابت في عالم الأحلام، حتى تسللت من فراشها، واقتربت من الحجرة التي يسهر فيها الرجال، وجلست منزوية بهدوء وصمت، تسمع ما يدور من أحاديث.. وقد ترافق جلوسها قرب حجرة الرجال، مع بدء الحديث عن البواحيث.. فكان أكثر ما فيه مدعاة للألم والامتعاض بالنسبة لها.. إلا أنها كانت تشعر من ناحية أخرى، بإعجاب غامض، وفرح مجهول، إزاء ما تسمعه من أحاديث شوكان الرصينة، وما توحي به هذه الأحاديث، من رجاحة في العقل وعمق في التفكير، وخبرة في الحياة.. كانت تحس بأن أحاديث هذا الرجل، تنصب على عقلها ونفسها، انصباب الغيث على الأرض الظمأى.. فتنتعش مشاعرها، وتخضر وتزهر.. ولا تدري لذلك سبباً واضحاً.. ولم تكن جوزة مفترية على "عمتها"، أو متوهمة، حين ذكرت لريحانة بعض ملاحظاتها عن مشاعر ظبية تجاه شوكان.. إلا أن الذي كان يعوز جوزة، هو قدرتها على سبر المشاعر الغامضة المعقدة المتداخلة المتشعبة في أعماق ظبية.. هذه المشاعر التي لا تجد لها حتى صاحبتها تفسيراً مقنعاً.. ترى هل تحس ظبية بميل عاطفي تجاه شوكان؟ أم أن ما بداخلها تجاهه، هو نوع من الإعجاب بحكمته ورصانته واتزانه؟ أم أنها وجدت في الرجل وقار الأب وحنانه من ناحية، وصلاحيته لأن يكون هدفاً شرعياً لسهام عواطفها التي تتسلل من أعماقها بسرية وغموض باحثة عن هدف تصبيه، فلما رأت شوكان وجدت فيه ضالتها..؟ أم أن العبد الغريب الذي يشبه الأحرار، هو مجرد نافذة جديدة، تتسرب عبرها بعض العواطف المكبوتة، إلى هدف مجهول، دون أن يستقر شيء منها في طرف من أطراف النافذة، إلا ما كان من قبل التريث أو التباطؤ المحبب الكسول..؟ إنها لا تدري بالضبط حقيقة مشاعرها تجاه هذا العبد الشريد الذي هو في سن أبيها، والذي لا تعرف عن ماضيه شيئاً.. إلا أن الذي تدريه بشكل واضح، أنها تجد لديها ميلاً قوياً، لسماع حديثه، أو سماع الحديث عنه.. وهذا أهم سبب دفعها إلى ترك فراشها، والاقتراب من مجلس الرجال للسماع.. وربما كانت لديها أسباب أخرى، لا تصلح مجتمعة، لأن تدفعها إلى مثل هذا التسلل، والتنصت إلى أمور لا تعي أكثرها، وما تعيه منها، لا ترى فيه متعة تشدها إلى متابعة الإنصات، متخلية عن نومها، ومعرضة نفسها لانتقاد أمها، فيما لو أفاقت بشكل مفاجئ ورأتها في هذا الوضع، أو لنظرات أبيها العاتبة النافذة، فيما لو دخل فجأة ولاحظ ما تفعل..

قال جلمود اللهاط موجهاً كلامه إلى شوكان، ودون أن يكون لذلك سياق مناسب: ما رأي الأخ شوكان في أن يبايع الشيخ عباس المدلول؟

أطرق شوكان مبتسماً.. واحمرت وجوه الأربعة الآخرين من شدة الحرج، إلا أن اللهاط، اعتبر سؤاله عادياً، فيه مصلحة للإسلام والمسلمين، وظل ينتظر جوابه من شوكان..

تنحنح شوكان بهدوء، وقال: نحن كلنا أتباع الشيخ عباس المدلول يا أخي الكريم، سواء أبايعناه أم لم نبايعه.. والفرق بين المبايع وغيره، هو فرق شكلي قريب.. أما من حيث المبادئ العامة، والأفكار الأساسية، والأهداف البعيدة والغايات النبيلة السامية، فليس هناك فرق بين مبايع وغير مبايع.. بل اسمح لي أن أقول لك: إن مصيرنا جميعاً واحد، سواء منا المبايعون وغير المبايعين.. فالأعداء يمكرون بنا جميعاً دون تفرقة، ومخططاتهم الشيطانية موجهة ضدنا جميعاً، ضد ديننا وبلادنا وأشخاصنا وأجيالنا المقبلة.. وما يرفعه الشيخ عباس من شعارات، هو للمسلمين جميعاً دون استثناء.. وعلى هذا فيكفي أن أقول لك: إن حبي للشيخ الجليل واعتزازي به.. إلا أن لكل منا ظروفه، ونظرته الخاصة إلى الأمور، لا سيما ما يتعلق منها بأساليب العمل لمجابهة الكفرة ومن يخدمهم من أبناء ملتنا أو جلدتنا.. وعلى هذا، فإني أشد على يد كل عامل مخلص للإسلام، وأدعو له بالخير، لأن خيره، ينعكس في النتيجة على الأمة بأسرها.. وضرره لا سمح الله كذلك.

قال اللهاط متحمساً: ولكن البيعة واحدة لرجل واحد، تؤدي إلى بناء صف قوي متماسك، وتؤدي كذلك إلى تجميع الطاقات، وتوظيفها ضمن إطار عمل واحد، وفي هذا خير كبير.. فالفرقة ضعف، وتشتت طاقات المسلمين وإمكاناتهم، يجعلهم لقمة سائغة للأعداء، ويؤدي في النهاية لا سمح الله إلى ضعف الأمة وانهيارها وتلاشيها.. لذا لا  بد من البيعة.. ونبينا يقول:"من مات وليس في عنقه بيعة، مات ميتة الجاهلية".

ابتسم شوكان، وهو يحس بالحرج والأسف، وقال: أما أنا يا أخي الكريم، فقد أبديت لك وجهة نظري.. ولن أعيدها فأتعبك بسماعها مرة أخرى، وجزاك الله خيراً عن الإسلام والمسلمين.

قال اللهاط بإلحاح: ولكن ألا يمكن أن نعرف السبب في إحجامك عن البيعة؟

قال شوكان: السبب هو ما ذكرته لك في البداية، وهو أن لكل منا ظروفه ونظرته الخاصة إلى الأمور..

قال اللهاط: وما ظروفك التي تمنعك من البيعة؟

قال شوكان باسماً بهدوء: هل تعتقد أني ملزم شرعاً، بأن أسرد ظروفي أمام كل من يسألني عنها؟

قال اللهاط: لا.. ولكنا هنا نسألك بحكم الأخوة والمودة.

قال شوكان باسماً: يبدو أن حكم الأخوة والمودة، حسب مفهومك، أقسى من حكم الفرنسيين لسوريا والإنجليز للعراق.. فأولئك برغم احتلالهم للبلاد، لا يلزمون كل فرد من أبنائها بسرد ظروفه الشخصية وآرائه الخاصة حول كل قضية من القضايا.. فأين حكم الأخوة والمودة، من حكم أولئك الناس!؟ ضحك الأربعة الآخرون لهذا القياس اللطيف، وكان أكبر دافع لضحكهم هو شعورهم بأن هذا الطراز من الغلاظة، يحتاج إلى مثل هذا الطراز من المداعبة اللاذعة.. وقد انتابهم جميعاً، إحساس مشترك، بأن الرجل، زميلهم، قد أفسد عليهم، كل الاحتياطات التي اتخذوها، كيلا يشعروا شوكان بأن لهم علاقة بالشيخ المدلول.. ومع أنه كان أكثرهم حرصاً على هذه الاحتياطات، عند المناقشة التفصيلية للموضوع، فقد وجد نفسه مدفوعاً بقوة غامضة، إلى أن يطلب من شوكان، بصراحة، مبايعة المدلول.. وإذا كان هو، في كثير من الأحيان، لا يستطيع تفسير القوة الغامضة التي تدفعه إلى مواقف فجة من هذا القبيل، فإن زملاءه في العمل، فسروا هذه القوة ببساطة، بأنها حب الثرثرة والتعالم الأجوف على الآخرين.. إلا أنه لم يحس بالحرج أو الخجل، إزاء جواب شوكان الأخير، بل قال بلهجة متعالية متحدية: هذا هو منطق الانهزاميين في كل زمان ومكان.. وكانت عباراته هذه محرجة لزملائه ولشوكان بشكل كبير، فقال شوكان باسماً: سامحك الله..! ألا تعلم أني عبد..؟ وهل يرجى من عبد مثلي أن يكون صدامياً شجاعاً مثلك؟ وهل تتوقع أن يربيني العبد والدي، ابن العبد جدي، على غير الانهزامية والذل والهوان..!؟

أحس اللهاط بشيء من الخجل، إزاء حديث شوكان الأخير، وقال: أنا أعتذر إن كنت قد أسأت التعبير.. إلا أني ما أزال عند موقفي..

كان الجميع يشعرون بأن اللهاط عبء ثقيل عليهم، لا في هذه الجلسة وحدها، بل في عملهم كله، فإن غلاظته ليست من النوع الذي يسهل احتماله.. إلا أنهم يشعرون كذلك، بأنهم مقيدون بمبدأ "اختيار أخف الضررين وأهون الشرين" فاللهاط له عناصر تؤيده داخل جماعة المدلول، من أبناء عشيرته بشكل عام، ومن أقاربه الأدنين بشكل خاص.. واتخاذ موقف حاسم تجاهه، سيؤدي إلى خطر انشقاق جديد، أو انسلاخ عدد لا بأس به من أفراد الجماعة، والبدء بحملة تشويش ولغط وثرثرة، قد تؤدي إلى الإجهاز على البقية الباقية من أبناء الجماعة..

ومما خفف عن العناصر الأربعة الآخرين في هذه السهرة بعض آلامهم، إحساسهم بأنهم في سهرة عادية، يعبر كل منهم فيها، عن رأيه في أي موضوع كان، دون أن يكون بينهم ارتباط ظاهر، أمام الرجل الغريب.. إلا أن هذا الإحساس، لم يكن في الواقع إلا خدعة يخدعون بها أنفسهم. أما الرجل الغريب الذي أرادوا التمويه عليه، فقد كشف أمرهم، والحديث ما يزال في بداياته الأولى.. إذ أن نضاله ضد الإنجليز في بلاده، واللقاءات السرية التي كان يعقدها مع زملائه في الكفاح، وأساليب تعاملهم مع الآخرين، ممن لم ينضموا إليهم.. وغير ذلك من الأمور.. كل هذا، قد جعل الرجل أعمق ذكاء وخبرة، من أن تنطلي عليه مثل هذه الحيل، أو تفوته المعاني الأساسية والأهداف الكامنة وراء مثل هذه السهرات.. إلا أنه أسر حدسه لنفسه، وكتمه في داخله، وأظهر نفسه بمظهر المخدوع، الذي يمارس هؤلاء الشباب، أنواعاً بدائية من التمويه.. وما لام هؤلاء الفتية في نفسه، بل اعتبر عملهم مقبولاً من الناحية الأمنية.. ولو لم يكن حريصاً على إيهامهم، بأنه غافل مخدوع،  لشجعهم على هذا السلوك ونصحهم بتطويره، إلى ما هو أرقي، وأكثر حيطة وحذراً.

قال شوكان بلهجة هادئة عميقة: أنا أكرر شكري لك يا أخي الكريم، واختصر عليك الوقت والجهد، فأقول لك: إني إن بقيت على غير بيعة خير لي ولكم يا معشر الاخوة المبايعين.. والسبب في ذلك بسيط واضح، هو أنني رجل غريب مشرد، كثير الترحال، أتعرض لأخطار متنوعة.. وكل خطر أتعرض له، يسعرض من ورائي لأخطار لا يعلمها إلا الله..

وفضلاً عن ذلك، اسمح لي يا أخي الفاضل أن أقول لك أيضاً: إن الشيخ عباس جزاه الله خيراً عن الإسلام والمسلمين، قد علم أتباعه أن محاربة الكفار وأعوانهم الذين يحاربون الإسلام في بلاد السلام، واجبة على المسلمين.. أليس كذلك؟

قال اللهاط: بلى.

قال شوكان: فهل علمهم كيف يحاربون الأعداء؟

قال اللهاط: هذا الأمر لا يحتاج إلى تعليم.. فكل مسلم يحارب الكفار من خلال ظروفه وظروف بلاده، ومن خلال معرفته لعدوه، وترتيب الأعداء حسب خطورتهم..

قال شوكان: فهل تعرف أنت هذه الأمور كلها؟

بلع اللهاط ريقه، وقال بتردد: أعرف بعضاً منها.

قال شوكان: أرجو أن تذكر لي ما تعرفه عن موازين القوى داخل بادية الشام وحدها، ولا أقول سورية، ولا أقول الدول العربية، ولا الدول الأوروبية وتحالفاتها، ومصالحها في بلادنا..

قال اللهاط متردداً: الواقع أن خبرتي بالقبائل محدودة..

قال شوكان: أتستطيع أن تذكر شيئاً غيره؟

قال اللهاط، وعلى شفتيه ابتسامة خجل باهتة: الواقع أننا ما زلنا في أول الطريق.. وسنحاول في أقرب وقت، أن نعرف كل القوى الموجودة على الساحة..

قال شوكان باسماً: أرأيت يا أخي الكريم، أنك تنفح في نار لا تعرف، إذا اشتعلت، ماذا ستكون نتائجها، ولا ماذا تستطيع أن تستفيد منها، كما لا تعرف ما إذا كانت مناسبة لزمانها ومكانها، ولقدرتها على إحراق الناس الذين ستحرقهم بها..؟

خجل اللهاط، وسكت.. ثم تابع شوكان قائلاً: وهنا أستطيع بكل تواضع أن أزعم لك، بأني قادر على أن أفيدك بمالا  يستطيع الشيخ المدلول أن يقدمه لك، برغم تقديري العظيم لعلمه ومكانته.. فالحديث يقول: "اعملوا فكل ميسر لما خلق له"، فإن سألتني عن شيء من هذا، اتكلت على الله وأجبتك.

قال اللهاط: جزاك الله خيراً.. أما أنا فليس عندي أسئلة في هذا المجال.. ولعل غيري يحب أن يسأل..

ابتسم شوكان لهذا التناقض الغريب، لدى رجل يزعم أنه يخوض صراعاً مراً ضد أعداء دينه وبلاده، ولا يعرف شيئاً من القوى الموجودة في ساحة الصراع، ومع ذلك ليس لديه أسئلة حول الموضوع.

أما زملاؤه الآخرون، فرأوا أن جدوى إطالة السهرة أصبحت محدودة، والفائدة المرجوة ضئيلة.. ومجال المبادرات الفجة أمام اللهاط، ما يزال مفتوحاً، مما لا يستبعد معه، أن يثير لهم في كل لحظة مشكلة من نوع ما.. لذا أحسوا بالحاجة إلى إنهاء السهرة.. وقد وضع سراح في ذهنه، فكرة الاتصال المستمر مع شوكان بالأسلوب الذي إعتادوه خلال الأيام الماضية..

استأذن سراح من منادي، بصفته صاحب البيت، ونهض، فنهض معه الآخرون، فانصرف زملاء منادي الأربعة، وتأخر شوكان قليلاً، وقبل أن يخرج قال لمنادي وهو يبتسم ابتسامة مرة صفراء: أعانكم الله يا ابن أخي، وسدد خطاكم.. لكن أرجو أن تحفظ هذه الكلمات من عمك شوكان، وتتذكرها دائماً: هيهات أن تفلح أمة أو جماعة يشترك في قيادتها رجل مثل الهلاط.. وإذ أردت أن  تنتصر على أعدائك، فاضرع إلى الله، أن يكثر في صفوفهم من أمثال الهلاط، فإنك في هذه الحال، تنتصر عليهم بأيسر جهد وأقل تكلفة وأقصر وقت.. فأكثر من هذه الدعوة ما استطعت..

قال منادي باسماً: يا عم، إنه اللهاط وليس الهلاط..

قال شوكان: يا ابن أخي سبقني لساني، وكثيراً ما يسبقني إلى خير..

تضاحك الرجلان قليلاً، وانصرف شوكان..

أما ظبية، فكانت قد اندست في فراشها، منذ سمعت صوت سراح يستأذن بالانصراف.. وغرقت  في حلم مشوش عجيب من أحلام اليقظة..

الفصل الثالث عشر

وداع اللقلق

كان البيت الكبير في حمص، يعج بالحيوية والنشاط، والطرائف، والمداعبات الحلوة.. وكان اليوم، هو السادس عشر من تشرين الثاني، من عام ألف وتسعمئة واثنين وأربعين ميلادية.. وكان هذا آخر يوم يمضيه أعضاء بعثة الاستشراق في سورية.. وعليهم أن يسافروا في اليوم التالي إلى أوروبا، حيث مقر مكتب الاستشراق الذي يرتبطون به، ليعرضوا عليه نتائج رحلتهم الطويلة الشاقة، من بحوث ودراسات.

وكان لا بد لذلك من حفلة وداع، تليق بالمناسبة، وقد رأى الباحثون ضرورة الاقتصار على ثلاثة مودعين فقط، هم: لوفنتال، وشوفان، والمترجم حنا، الملقب باللقلق.. وكان ذلك، بغية الحصول على شيء من الحرية في المناقشة، أو تبادل الآراء، بين الباحثين والضابطين الكبيرين.. أما أمر اللقلق فيسير، ويمكن تلافيه عن طريق بعض التكليفات البعيدة، أو القريبة..

كان الوقت عصراً، والرجال الستة يجلسون في باحة الدار الواسعة، على كراسي، وبينهم طاولة فوقها بعض أطباق الفاكهة، وعدد من زجاجات الخمرة، ومجموعة من الكؤوس، وهم يقضمون الفاكهة ويشربون ويتنادمون..

كانت أخبار الحرب العالمية الثانية، تسير بشكل واضح، إلى أن هناك منعطفات كبيرة في مجرى الصراع الدائر منذ حوالي أربع سنوات.. وأن قوى الحلفاء، والدول الجديدة، التي دخلت الحرب إلى جانبها نتيجة لحماقات هتلر، قد بدأت تسجل انتصارات متعددة، على جبهات شتى..

وكان في أعماق كل من الرجال الستة الحاضرين، أفكار وخواطر، ونزعات وأشواق.. تبوح ببعضها ملامح الوجوه حيناً، ونظرات العيون حيناً، وحركات الألسنة عندما يطلقها السكر من أعنة العقول وكوابحها.. حيناً آخر.

لوفنتال يسر في صدره فرحاً جامحاً، للموافقة على مشروعه الضخم الطويل الأمد، فيما يتعلق بالبادية وزعاماتها، وعلاقاته المشحونة بالمكر والمناورة مع صديقه شوفان.. ويفكر بترتيب أولوياته لإنجاز مشروعه، الذي طلبت منه القيادة، أن يكون كل ما فيه منجزاً خلال عامين، مع تعليمات مشددة بضرورة المحافظة على الكياسة وحسن التصرف..

وشوفان يضحك في سره، لأنه استطاع أن ينجز الوعد الذي قطعه على نفسه، وتعهد به أمام قيادته، بأن يركز مجموعة من القوى الموالية لبريطانيا في بادية الشام، حتى يستفيد منها، في أي ظرف مناسب.. فقد استطاع شراء بعض الرجال المرشحين لأن يكونوا في يوم ما زعماء قبائل أو عشاير، أو وجهاء من ذوي الشأن والنفوذ وتوجيه القرارات.

وملا قطيط، رئيس البعثة، في جعبته مجموعة من أسماء الشباب واليافعين، الذين رشحهم كل من لوفنتال وشوفان، على انفراد، ليتولى مكتب الاستشراق، بالتعاون مع "الجبهات المختصة" عملية تدريسهم في جامعات أوروبا، على أيدي مختصين مهرة، ليعودوا إلى بلادهم أذكياء مثقفين، يعرفون ماذا يراد منهم بالضبط، ولديهم من الحكمة والمرونة، ما يساعدهم على تنفيذ كل ما يطلب منهم، دون تردد أو تذمر.. والمستقبل العظيم مفتوح أمام كل من يثبت جدارة، في مجال "الفهم" والقدرة على الملاينة والمسايرة.. ولقد تقيد ملا قطيط وصاحباه، بتعليمات مكتب الاستشراق، التي تحضهم على الإفادة من كل القوى الأوروبية الموجودة على الساحة، دون الدخول في قضايا الصراع السياسي، التي تنشأ بين الأطراف، المتقاتلة أو المتحالفة.. وبناءً على هذا، فقد قبل قطيط، الترشيحات التي قدمها له كل من الضابطين، دون أن يفكر فيما إذا كان المرشح سيكون عميلاً لفرنسا أو لبريطانيا.. فمكتب الاستشراق أب للجميع.. وقد لاحظ قطيط، حرص كل ضابط، على كتمان أسماء مرشحيه.. دون أن يبدي اكتراثاً لهذا الأمر، سوى التقيد بعملية الكتمان.

أما كردوش ولوصان، فكل منهما يشعر بأنه أدى واجباً أضخم بكثير مما كان متوقعاً، دون التعرض لأية مشكلات جدية تعيق مهمته.. وكان قطيط طبعاً شريكاً لهما في هذا الشعور..

وأما اللقلق ففي أعماقه عدد من التساؤلات.. وحزمة من المشاعر.. فمن تساؤلاته: كيف سيحصل على راتب جيد، كالذي يدفعه له الباحثون، بعد أن انتهت مهمتهم؟ وهل سيرفع اسمه إلى مكتب الاستشراق، على أنه عامل مخلص نشيط، فيستفيد من هذه التزكية مستقبلاً، مالياً أو سياسياً أو اجتماعياً؟ ومتى ستأتي بعثة أخرى يعمل معها، ويقدم له خدماته..

ومن مشاعره: الحزن على فراق أصدقائه، والفرح من جهة أخرى، لإحساسه بأنهم راضون عنه.. والأمل الغامض في زيارة أوروبا، والتعرف على بعض مواطن صنع القرار فيها، من دوائر سياسية، أو مكاتب علمية مرتبطة بها.. ليعرض خدماته، عسى أن يكون أحد المرشحين لدور مهم في قابل الأيام.. صحيح أنه لا يحمل سوى شهادة إعدادية، إلا أن حملة هذه الشهادة في بلاده قلائل، فضلاً عن إمكانية تحسين وضعه العلمي.. يضاف إلى هذا كله، أنه ليس كل مواطن من أبناء هذه البلاد، موثوقاً به من قبل مكتب الاستشراق، والمؤسسات التي تدعمه.. وبناءً على هذه الحيثيات كلها، يجب أن يكون له شأن ما لا يستطيع تحديده بالضبط الآن..

قال شوفان، وهو يفتل أحد شاربيه ويأخذ رشفة من كأسه، باسماً: إن هذا اليوم عجيب، جمع العظمة والتعاسة معاً.. العظمة في إنجاز أعزائنا الباحثين لمهماتهم الجسام بنجاح كبير.. والتعاسة، لفراق الأصدقاء الأحبة، الذين أمضينا معهم أياماً سعيدة جميلة لا تنسى.. فليحاول كل منا أن يصف هذا اليوم، وصفاً يبقى خالداً على مر الأيام..

قال لوفنتال، وهو يمسح شاربيه من أثر رشفة الخمر، بيده اليمنى، ويمسح يده بغطاء الطاولة المشمع: أما أنا فأصفه ببساطة، بأنه يوم رحل فيه العلم وبقي فيه الحديد..

قال شوفان: تقصد رحل العلم النافع الساطع، وبقي الحديد المدمر المخيف الأحمق..!

قال اللقلق: أنا أظن الكولونيل لوفنتال يقصد رحيل الأقلام والأوراق، وبقاء البنادق والدبابات.

ضحك الحاضرون لهذا الاستنتاج اللطيف.. وقال ملا قطيط، محاولاً إشعار اللقلق بجدية استنتاجه، كيلا يحس بالخجل، إذا لاحظ أن الآخرين يسخرون منه:

الواقع يا عزيزي حنا، أن الذي قصده الكولونيل لوفنتال، هو ما استنتجته بالضبط، مع بعض الفوارق الطفيفة في التعبير..

قال كردوش: أتريد يا عزيزي قطيط، أن تؤكد فكرة رحيل الضعف وثبات القوة؟

قال قطيط باسماً: بل أريد أن أؤكد على وجود نوعين من الكتابة: الكتابة بالحبر الأزرق، أو الأسود، وهي التي نمارسها نحن بأقلامنا المتواضعة، والكتابة بالحبر الأحمر، وهي التي يمارسها إخواننا العسكر بقذائف الدبابات والبنادق.. ولقد ثبتت جدوى الكتابة الثانية، فترسخت أقدامها في هذه البلاد.. بينما كانت جدوى الكتابة الأولى، محدودة وعرضية ومؤقتة.. وقد تحقق المبدأ الذي طرحه بعض العلماء: "البقاء للأصلح".

قال لوصان مازحاً: صدقت يا عزيزي قطيط.. علينا أن نتواضع أمام إخواننا العسكر، فنقر مبدأ "البقاء للأقوى"، وما داموا هم الأقوى، فهم الأصلح بالضرورة.. حسب مفهوم سكان البادية هنا، في أقل تقدير..

قال كردوش مؤيداً كلام لوصان: هذا صحيح يا لوصان.. ودليله هو أن الكولونيل لوفنتال مثلاً، حيث حل تذبح له الذبائح، وتقدم له واجبات الطاعة والاحترام.. أما نحن فنصيبنا دائماً هو الإهمال، وعدم الاكتراث بنها سواء أغبنا أم حضرنا.. بل كثيراً ما نكون مادة لتندر البداة وسخريتهم..

قال لوفنتال متضاحكاً: ما أروع هذا المقياس يا عزيزي لوصان في تمييز الصالح من الفاسد..! إذا كان مزاج البدو هو معيارنا في تقدير معاني الصلاح والفساد، فعلينا أن نلملم أوراقنا، وندخل في سرداب عميق، مما خلفه لنا أجدادنا في العصر الحجري..

قال شوفان: بل علينا أن نحدد، بلا تواضع أو مجاملة، معنى القوة ومعنى الصلاح.. فإذا كانت عصا الراعي القاسية، أقوى في نظر القطيع، من وصفة الطبيب البيطري، فعلينا أن نعترف نحن بني البشر، بأن هذا المبدأ لا يناسبنا.. وذلك لأننا، لا نملك موهبة انعدام العقل..

قال كردوش: أرانا بدأنا بالفلسفة وانتهينا بالبيطرة..

قال شوفان: وعلى مت تقع مسؤولية ذلك يا عزيزي كردوش؟ على العسكر أم على العلماء؟

قال كردوش: على الجميع.. وأنا أخو نجمة..

قال قطيط باسماً: إن الانتخاء عند البدو.. فن قائم بذاته يا عزيزي كردوش، لا يصلح لكل زمان ومكان..

قال كردوش: إررر؟؟ أنا راعي الكحيلة.. أنت تعلمني يا قطيط متى يجب أن أنتخي؟

قال لوصان: علينا أن نعود إلى أصل الاقتراح الذي عرضه الكولونيل شوفان، فمن أحب أن يقول كلاماً مجدياً وبليغاً حول هذا اليوم، فليفعل.. وإلا سنجد نساء البادية جميعاً أصبحن أخوات لصديقنا كردوش..

قال قطيط: فهل تحب أن تقول شيئاً يا  لوصان؟

قال لوصان: أحب أن أقول: إن هناك أملاً غامضاً يداعب خيالي، لا أستطيع تحديد أبعاده بالضبط.. وبحسبي أن أقول، إن هذا اليوم له ما بعده، وعلينا جميعاً أن نحفظ تاريخه عن ظهر قلب..

قال شوفان: أضم صوتي إلى صوتك يا لوصان.. وأضيف: إن أقنعة الحديد المخيفة، قد أدت دورها، لكنها صدئت وتآكلت، وعلينا أن نتعلم كيف نصنع أقنعة جديدة، بهيجة براقة زاهية.. وهذا بالضبط، ما يجعلني أعتقد بأن جنازير الدبابات، ليست أثقل في الميزان دائماً من الأوراق المشحونة علماً.. بل أستطيع القول، بأن العصر القادم، سيكون عصر الكتابة بالحبر الأزرق البهيج، ثم الأسود القاتم.. ثم الأحمر عند الضرورة..

قال كردوش: إذا كان لا بد من التفلسف ليلة الرحيل، فدعونا نتفلسف على طريقة البدو..

قال قطيط: لقد عرفنا أنك أخو نجمة، وراعي الكحيلة.. فماذا لديك بعد..؟

قال كردوش: لدي أشياء كثيرة، يا عزيزي قطيط.

قال قطيط: مثل ماذا؟

قال كردوش: أولاً: يجب أن نعرف ما الذي ستفعله فلسفة المداعيس بأصحابها، من مشايخ وعامة وعبيد.

   قال لوصان: دع هذا الأمر لغيرك يا مستر كردوش يا ثخين العظام.. أما ترى هذه الأنجم اللامعة على أكتاف الضباط، تخطف الأبصار تحت شمس الصحراء الساطعة..؟! أتريد أن تحمل المداعيس إلى بلادك، وتنزلهم في قبرك يا رجل؟ أم أنك تحنّ إلى شوارب طراد، وجدايل مرهج، وغليون مسعود!

ضحك الحاضرون، وقال كردوش: بل أحنّ إلى عصا توينان، يا مسيو لوصان.

انفجر الجميع بالضحك حين تذكروا محاورة لوصان وتوينان.. و قال كردوش: حسن.. هذه (أولاً) قد صادرتموها مني لحساب إخواننا العسكر.. فهل تحبون سماع (ثانياً)؟

قال لوفنتال: تفضل..

قال كردوش بشيء من الجدية: إن مشكلة الفتاة المسكينة بنت هوّاش، تشكل هاجساً دائماً لي.. ولا أقول هاجساً علمياً، بل هاجساً إنسانياً.. وعلينا جميعاً أن نهتم بأمرها، إذا كنا نعتبر أنفسنا رسل حضارة، أو رسل علم، أو رسل إنسانية.. أو حتى رسل تسلط وقهر.

قال لوصان: وهل جدّ جديد بشأن مشكلتها سوى مطاردة الغيوم؟

قال كردوش: وأية غيوم هذه؟ لقد كانت المسكينة تطارد غيوم الشتاء كما تعلم.. أما الآن فهي تلهث لهاث المحموم، باحثة عن أية غيمة في السماء.. مهما كان نوعها.. لتتمكن من إفراغ شحنتها العاطفية الهائلة المكبوتة، عبر الدموع السخينة التي تذرفها..

قال لوصان جاداً: يبدو أن مشكلة المسكينة تتعقد باستمرار.. فارتباط دموعها بالغيوم بهذا الشكل العنيف، سيسبب لها في المستقبل آلاماً لا تطاق، إن لم تعالج معالجة نفسية جيدة.. لقد انطبق عليها مبدأ المنعكس الشرطي، الذي قال به بافلوف: الغيم يعني غوث السماء ورحمتها.. والرحمة تستدر الدموع.. ومع الاعتياد، يصبح الغيم وحده يستدر الدموع، ولو لم يحمل غوثاً ولا رحمة.. وهذا يعني أن المسكينة بحاجة إلى مصنع لإنتاج الغيوم، تتحكم هي وحدها بإدارته وتشغيله حسب حاجتها إلى البكاء.. ولما كان هذا غير ممكن، لأن الغيم من صنع الله وحده، فمعنى ذلك أننا يجب أن ننقل مشكلتها إلى علماء النفس المختصين في أوروبا، علهم يتمكنون من معالجة هذه الظاهرة الشاذة.

قال قطيط: ربما كانت شاذة هنا في بادية الشام.. أما في أوروبا فهي أمر عادي جداً، إذا قيست إلى الأمراض النفسية المنتشرة هناك.

قال شوفان: يبدو أنها حتى هنا ليست شاذة، إلا من حيث النسبة.. فارتباط البدوي بالغيم، ارتباط صميمي وأصيل، وموغل في أعماق نفسه ووجدانه، وذلك لأن الغيم مظهر من مظاهر رحمة السماء، كما ذكر الصديق لوصان قبل قليل.. وحالة ظبية فيما يبدو، قد امتزج فيها الحسّ البدوي الجماعي المرتبط بالغيم بقوة هائلة، بالحسّ الفردي الخاص، المتعلق بمشكلتها الشخصية، وهي العجز عن التوفيق بين المثل النظرية والسلوك العملي، الذي يدفها إلى الالتجاء إلى السماء بعد أن يئست من قوى الأرض.. فهي مدفوعة إلى مطاردة الغيوم، بقوة هذين الإحساسين المتداخلين في أعماقها.. ويبدو أن الفصل بينهما شبه مستحيل، لأن الحسّ الجماعي جزء أصيل من تكوينها النفسي البدوي، لا يمكن أن تتخلى عنه، والحس الفردي مرتبط هنا بعمق إحساسها بمأساتها الشخصية، وهما متداخلان بشكل غامض عجيب في أعماق نفسها.. ولو كان أحدهما عرضياً سحطياً لأمكن معالجته من خلال التأثيرات اليومية المباشرة الموجهة نحو عقلها وعواطفها.. إلا أن الأمر أعمق من ذلك فيما يبدو.. وأعتذر عن هذه الفذلكة أمام السادة العلماء المختصين، فقضايا النفس، برغم عمقها وتشعبها، تظل عامة، قابلة لإبداء الآراء المختلفة، من المختصين وغيرهم، ويمكن فيها القياس، لأن جبلة النفس البشرية واحدة، وإن اختلفن الظروف والبيئات، فلكل منا نفس، ويستطيع من خلال الحالات التي تمر بها نفسه أو تعانيها، أن يقيس كثيراً من حالات النفوس الأخرى، إلا ما كان أمراضاً نفسية غريبة، أو عقداً نفسية شاذة.. فهذه وتلك تحتاجان إلى مختصين من طراز صديقنا العزيز مسيو لوصان.

قال لوصان مازحاً: أشكرك على كل حال.. وأرجو أن تعتذر من مستر كردوش (أبو طباع) لأنك نسيت وظيفته، مع أن البدو جعلوها دمغة ثابتة بجانب اسمه الشريف..

قال قطيط باسماً: أرجو أن تتواضع يا عزيزي كردوش، وتتخلى عن زظيفتك هذه مؤقتاً..

قال كردوش: إذا كان هناك أمر هام، فسأضطر إلى التواضع.. وإلا فإني أحتفظ بحقي في إثبات الذات، في هذا المعترك الذي لست من أهله..

ضحك الحاضرون لهذه الدعابة، وقال قطيط: الواقع أن استعدادنا للرحيل في الأيام الأخيرة، جعلنا نكاد ننقطع عن الأخبار اليومية في البادية والمشكلات الفردية أو الخاصة.. لذا فإن معلوماتنا الأخيرة عن ظبية وغيرها محدودة جداً.. وأود أن أسأل أصدقاءنا العسكر، باعتبار مدد المعلومات لا ينقطع عنهم، عن سبب الأزمة الأخيرة لبنت هواش، بعد أن كانت ظروفها قد تحسنت، خلال شهور طويلة مضت.

قال لوفنتال جاداً: ما أظن الأمر يا عزيزي كوتيت يحتاج إلى معلومات غزيرة.. هناك أمر عرضي بسيط سبب للفتاة أزمة جديدة.. وهو أنها وجدت في نفسها رغبة ملحّة في الزواج من سائس الخيل، العبد شوكان الوارّاد، وأخبرت أمها بذلك، وأمها أخبرت والدها، ففكر ملياً، ودرس الأمر بجدية، ووافق على هذا الزواج، آملاً أن يحل مشكلة ابنته، ويريحها من أزمتها النفسية المزمنة.. كما أن شقيق الفتاة قد وافق على هذا المشروع، إشفاقاً على أخته من ناحية، وإكراماً لخاطر العبد الذي ارتبط معه بصداقة قوية من ناحية أخرى.

وسكت لوفنتال ليأخذ جرعة خمر من كأسه.. فسأله قطيط: وأين المشكلة إذن؟

قال لوفنتال: المشكلة عند العبد نفسه.. لقد رفض الزواج من الفتاة.

فتح الجميع أفواههم دهشة، إذ لم يكن أحد منهم متوقعاً هذه المفاجأة الغريبة.. عبد في الخمسين من عمره، غريب شريد، سائس خيل بائس.. يرفض الزواج من فتاة رائعة الجمال، ناضجة العقل، كريمة الخلق والحسب.. ويرفض أن يكون صهراً لشيخ عشيرة السواعير.. هذه مفاجأة عجيبة حقاً.. لابد أن في الأمر سراً..

قال لوصان متعجباً: يبدو أن في الأمر سراً ما.. أو أن هذه إحدى مفارقات البوادي، التي لن نتمكن من إحصائها، أو الإحاطة بها، لو بقينا نتجول فوق رمال الصحراء قرناً كاملاً من الزمان.. ولكن يصرف النظر مبدئياً عن السر الذي دفع العبد إلى رفض الزواج من الفتاة، ما الذي حصل لها بعد ذلك مباشرة؟

قال لوفنتال: حسب المعلومات التي وردتنا من مصادر مقربة جداً من أسرة هواش، أن الفتاة، أصيبت بحالة من الذهول الغريب، وكادت تفقد عقلها في بداية الأمر لولا أن العبد أبدى لطيفاً وحكمة في تقديم اعتذاره الذي نقل للفتاة فسرّى عنها قليلاً، وخفف من حالة الذهول الشديد.. ومع ذلك، فإن هذا الإحباط الجديد، أضيف بكل ثقله، إلى رصيد الفتاة من الإحباطات السابقة، فعمّق إحساسها بمأساتها، وزاد من حاجتها للبكاء، فانطلقت تبحث عن غيمة في السماء أية غيمة، كي تبثها همومها وآلامها بصمت خاشع، علّ الغيم ترقّ لحالها، فتذرف بعض الدموع التي توهم الفتاة بأن هناك قوة تحسّ بآلامها وترحمها، فيفجر هذا الوهم، نهر الدموع المتجمد في أعماقها، فيبدأ الماء المالح ينهمر من عينيها مبللاً وجهها وثيابها، وهي مستغرقة في حالة يرثى لها من الضراعة والخشوع، بين يدي هذه القوة الكريمة الحانية.

قال قطيط: ألم يصلكم من مصادركم المقربة من أسرة هواش، الخبيرة بأحوال الفتاة ونفسيتها ومزاجها، معلومات عن الدافع الذي دفعها إلى طلب الزواج من العبد، بعد أن كانت قد رفضت من قبل الزواج من عبد مثله، ومن حر نسيب ذي خلق ودين؟

قال لوفنتال: المعلومات التي وصلتنا، تعزو السبب إلى ما يتمتع به العبد من أخلاق كريمة، ومن عقل ناضج، كما تشير إلى وجود طباع كثيرة من طباع الأحرار لديه، مما يحتمل معه ألا يكون عبداً في حقيقته، وإنما يتخذ من دعوى العبودية رداء يستر به سراً خاصاً لديه لا يبوح به لأحد.

انتفض شوفان كالملسوع وهبّ من مكانه، إلا أنه انتبه إلى وضعه فجأة، فوضع يده على فمه، وبدأ يسعل سعالاً مفتعلاً، موحياً إلى من حوله، أن سبب وقوفه المفاجئ، هو نوبة السعال، التي داهمته بلا سابق إنذار.. وبعد انتهاء نوبة السعال، قال بصوت خفيض جاد، يبدو أن برد الخريف، قد سرى في أجسادنا دون أن ننتبه.. وعلى كل حال، يطل الخريف هنا ألطف من خريف بلادنا.. ثم جلس، وبدأ يحتسي الخمرة بهدوء، ويصغي بانتباه شديد إلى كل كلمة تقال عن شوكان الوارد.

قال قطيط: وهل رأيتم هذا السبب مقنعاً، بعد تجارب الخطبة التي مرت بها الفتاة؟ ألم يكن حامد بن مسلط مثلاً، يحمل المزايا التي يحملها العبد؟ فلم رفضت ذاك وقبلت هذا، بل خطبته هي بنفسها..؟!

قال لوفنتال: الواقع أن هذا السؤال يطرح نفسه بقوة.. ونحن بصفتنا مسؤولين عن أمن هذه المنطقة، وحريصين بالتالي على معرفة كل خفاياها وأسرارها، كنا جادين في محاولة التعرف على كل ما يجري في بيت هواش خاصة، لعلاقة ابنه بمدلول، وعلاقة ابنته السابقة بمدلول كذلك، ولذا كانت تأتينا معلومات دقيقة ومفصلة ومستمرة عن كل صغيرة وكبيرة في بيت هواش.. إلا أن مصادر معلوماتنا لا تجيد سوى نقل الأخبار.. أما تحليل النفسيات، وسبر أعماق الأشخاص، فهذا من اختصاصنا نحن، نمارسه على ضوء المعلومات المتجمعة لدينا، من خلال عمليات الربط والاستنتاج.. وعلى هذا، فلابد لنا من اللجوء مرة أخرى، إلى صديقنا لوصان، ليقدم لنا استنتاجه، أو توقعه لما يمكن أن يكون سبباً حقيقياً وجاداً، لطلب الفتاة الزواج من العبد شوكان..فما رأيك يا عزيزي لوصان؟

قال لوصان بعد فترة صمت وتفكير: أؤيدك يا كولونيل لوفنتال، في أن السبب الظاهر ليس هو السبب الحقيقي في طلب الزواج من العبد.. وحتى لو كان سبباً حقيقياً، فليس هو السبب الوحيد الكافي.. وإنما هناك أسباب نفسية عميقة كامنة في وجدان الفتاة دفعتها وهي الحيية الخجول، في بيئة يدوية ذات تقاليد عريقة صارمة، إلى أن تطلب الزواج بنفسها من سائس الخيل المشرد، العبد شوكان الورّاد.. أما أهم هذه الأسباب النفسية في تقديري، حسب المعلومات الواردة عن الموضوع، هو أن الفتاة أرادت وبشكل غامض نسبياً، أن تضرب عصافير كثيرة بحجر واحد.. ومن ذلك مثلاً، حرصها على التخلص من أزمتها النفسية المزمنة.. ثم رغبتها في أن تظهر أمام نفسها بمظهر الصادقة مع نفسها المخلصة لمبادئها، إذ بزواجها بالعبد تحل لديها مشكلة الإحساس بالتناقض بين المثل النظرية والتطبيق العملي.. يضاف إلى هذا كله، حدسها المبني على استقراءات شتى، بأن شوكان ليس عبداً، وهذا مفتاح أساسي من مفاتيح حل المعضلة، إذ هو المفتاح الأول الذي تستطيع أن تخدع به نفسها.. فكون شوكان ليس عبداً في حدسها وتكهنها، يجعلها تظل محافظة على إحساسها الداخلي بالرفعة، وعلى نزعة السيادة الكامنة في أعماقها.. وكونه عبداً في الظاهر، يحقق لها عملية التوافق مع الذات، أي مطابقة السلوك العملي للمبادئ النظرية المثالية.. وهذا التصور الباطني المركب، لحرية شوكان الموهومة، ولعبوديته الظاهرة، هو، كما أشرت، المفتاح الأول للقضية برمتها، إذ يحفظ للفتاة إحساسها العميق بالسيادة، ورغبتها في التخلص من المفارقة بين المبادئ والسلوك.. ولو قبل العبد الزواج منها، لعاشت فترة من السعادة الرائعة والرضى عن الذات، تعوضها عن كل ما مر بها من مآسٍ وإحباطات.

قال لوفنتال بفرح ظاهر: هذا تحليل رائع يا عزيزي لوصان، وأظنك لو كنت موغلاً في أعماق نفسية الفتاة، لما استطعت أن تحللها أفضل من هذا التحليل.

قال لوصان باسماً: هذا بفضل مصادر معلوماتكم المقرّبة.

قال لوفنتال: لقد انطبق عليّ وعليك القول المأثور: ربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه.

قال قطيط: وهل عُرف العذر الذي اعتذر به شوكان عن الزواج بالفتاة؟

قال لوفنتال: وهنا، حسب مصادر معلوماتنا أيضاً، ذُكر لنا أن شوكان اعتذر بعدد من الأعذار، منها: عبوديته التي تأبى عليه الزواج من "عمته" الشيخة الطيبة، مهما كانت الأسباب، ومنها أنه غريب مشرد لا يستقر في مكان، ولا يستطيع نقل أسرة معه من مكان إلى آخر، ومنها أن الفتاة في عمر ابنته، فهي في بدايات شبابها، وهو جاوز الخمسين.

قال قطيط: وهل هذه الأسباب مقنعة في نظركم؟

قال لوفنتال: هي مقنعة من زوايا، وغير مقنعة من زوايا أخرى..

فإذا أخذناها حسب ظواهرها، بدت مقنعة.. إلا أن الأمر يختلف إذا نظرنا إليها من زوايا أخرى، إذ ما الذي يدفع العبد إلى الترحال الدائم، ما دامت فرصة الاستقرار قد أتيحت له بشكل مناسب، في بيت هواش زعيم العشيرة، الذي سيكون صهراً له، ومن خاصة أهله، إذا تزوج ابنته؟ وهنا تنتفي حجة الترحال الدائم.. ثم ما المانع في أن يتزوج العبد حرة، ما دامت العبودية قضية رمزية ليس لها من الواقع إلا أصولها التاريخية.. فالعبد الآن يشعر بملكيته لأحد، أو بخضوع إرادته لأحد.. وهنا تنتفي كذلك حجة العبودية، ثم ما المانع من أن يتزوج رجل في الخمسين فتاة في بداية العشرينات ما دام هذا الأمر شائعاً في كل أنحاء الدنيا، ولاسيما هنا في بادية الشام، حيث يتزوج ابن السبعين أو ابن الثمانين أحياناً، فتاة في العشرين أو دون ذلك، وهذه الحجة الثالثة قد انتفت أيضاً.. يضاف إلى هذا كله، رغبة الفتاة ورغبة أهلها في زواجها من العبد.. مما يبعد عنه عذاب الضمير، لو أحس يوماً ما بأنه حتى على الفتاة أو على أهلها سادة العشيرة.. وهذا كله على افتراض أن الرجل عبد، ليس لديه سر يخفيه.. أما إن كان غير ذلك، فالأمر مختلف، ولا يعرف سبب رفض الزواج، إلا بمعرفة السر المكتوم.

قال اللقلق متزلفاً: لو علم البدو أنكم تهتمون بأمورهم كل هذا الاهتمام، وتمضون الساعات الطوال من أوقاتكم الثمينة، في مناقشة قضايا تتعلق بعبيدهم ونسائهم، لحملوكم على راحات أيديهم.

أحدث تعلق اللقلق موجة صغيرة من الاستياء والانقباض بين الحاضرين..

فقال قطيط مبتسماً بفتور: أشكر الأخ حنّا على الاهتمام بأوقاتنا الثمينة.. إلا أني أرجو ألا يتصور الصديق العزيز، أننا نضيع أوقاتنا، في مناقشة أمور من هذا القبيل.. فهذه ظواهر جدية جديرة بالاهتمام والدراسة، وهي متعلقة بصميم عملنا هنا في البادية.. إذ كيف تُدرس الظواهر العامة، إذا لم يهتم الباحث بالأحداث الصغيرة والمواقف العرضية والمشكلات الشخصية.. فيجمعها ويؤلف بينها، ثم يقوم بعمليات التحليل والاستنتاج ووضع القواعد العامة.. سواء في مجال الدراسات النفسية أو الاجتماعية أو غيرها..؟!

قال كردوش معقباً: ثم من قال لصديقنا حنّا، إننا نضيع أوقاتنا أو نمضيها بأمور بسيطة.. ألا يرانا جالسين نحتسي الويسكي والكونياك والشمبانيا.. ونقضم الموز والتفاح.. بلا هم ولا غم.. فيم يجب أن نتحدث، إن لم نتحدث بهذه المشكلات البدوية الطريفة والمؤثرة في آن واحد..؟!

قال لوصان بمرح: هل تعلم يا عزيزي حنا، أن أمي ستظل تبكي شهراً كاملاً، لو سردت على مسامعها قصة ظبية المسكينة..؟!

قال قطيط معقباً: إلا أنها لن تجد مشقة كبيرة في البكاء.. فالغيوم في بلادنا كثيرة وداكنة.

قال كردوش مازحاً: ولعلها ستعود إلى عصمة أبيك، بعد أن مضى على طلاقهما أكثر من عشرين عاماً.

قال قطيط: نحن في بلادنا يا صديقي حنا، نهتم كثيراً بمثل هذه الأمور، التي قلما تجد في بلادكم من يكترث بها.. فمشكلة كمشكلة ظبية هذه، كفيلة بأن تشغل الصحف والمجلات الاجتماعية، وعلماء النفس وعلماء الاجتماع، أسابيع طويلة.

قال لوصان: وقد تجعل منها بعض الأحزاب المعارضة قضية سياسية، ناجمة عن جهل الحكومة، أو تخبطها، أو عدم اكتراثها بالجوانب الإنسانية لدى الشعب، فتتخذ منها ذريعة لإسقاط الحكومة.

قال كردوش: أما حكومات بلادكم هنا يا عزيزي حنا، فهي محصنة ضد الإسقاط.. إذ بمجرد جلوس الحاكم على الكرسي، يكتب لنفسه سند تمليك به، ويُشهد على ذلك شاهدي عدل، من وزرائه أو نوابه، أو رجال إعلامه، فيشهدان له، بالعدل والإنصاف، أن هذا الكرسي وصل إليه بالوراثة، عن طريق سلسلة طويلة من الآباء والأجداد، قد يوصلها بعضهم إلى آدم، وقد يتواضع بعضهم فيكتفي بالوقوف عند نوح.

قال لوصان: إن الموضوعية تقتضي الإنصاف يا عزيزي كردوش.. وبناء على ذلك يجب ألا نعمم ظاهرة سند الملكية هذه على كل الحكام، إذ أن بعض الحكام، يمتنعون عن كتابة سندات الملكية، مكتفين بمبدأ الحيازة، استناداً إلى القاعدة القانونية التي تقول: "إن حيازة المنقول سند ملكيته: ولما كان الكرسي منقولاً يمكن تحريكه ونقله من مكان إلى آخر، فإن هذه القاعدة تنطبق عليه.. ومن لا يصدق فليسأل علماء القانون.

قال قطيط متسائلاً: وإذا وجد في الشعب رجال لا يحترمون رأي علماء القانون؟

قال لوصان: لن يوجد مثل هؤلاء الأشخاص في الشعب.. فالشعب كله حر واع شريف، يفهم القانون ويحترمه.. وأي استفتاء شعبي، سيوضح هذه الحقيقة الدامغة بشكل لا لبس فيه ولا غموض.. فإن وجد في كل مليون شخص، إنسان واحد لا يقر بملكية الحاكم للكرسي، فلابد أن هذا الشخص، ليس من الشعب، ولا علاقة له به أصلاً، ولدى البحث عن حقيقته، سوف يتبين بجلاء أنه مندس في صفوف الشعب، لخدمة قوى خارجية متآمرة على الشعب.. وعلى هذا فلابد من استئصاله، لتطهير صفوف الشعب النبيل، من الخونة والعملاء والمتآمرين.

قال كردوش: أما مشكلة مثل مشكلة ظبية المسكينة، فلا تحظى باهتمام أحد، لأنها مشكلة فردية عادية تافهة، لا يجوز أن تشغل الحاكم عن مهماته الجسام، المتعلقة أولاً وأخيراً، بحفظ أمن الكرسي، الذي أقرّ الشعب بلا استثناء، وبتصويت حر نزيه، بملكية الحاكم له، ولابد من قطع دابر العابثين، الذين تسوّل لهم نفوسهم الدنيئة العبث بأمن هذا الكرسي.

قال قطيط: وللعدل والإنصاف نقول: إن لدى الشعب في بلادكم يا عزيزي حنا، وعياً عميقاً بمصالح الأمة، وإيثاراً نبيلاً، للمصلحة العامة، على حساب المصالح الفردية.. ودليل ذلك ظاهر واضح، فالحاكم الذي انتخبته الأمة بأسرها صار رمزاً لها، بل صار ضميرها الحي، بل صار هو الأمة نفسها، لذا فإن كل مشكلة فردية تذوب، ويجب أن تذوب، في مصلحة مجموع الأمة، الذي يمثله الحاكم.. وبالتالي يجب أن يذوب كل فرد في الأمة، في شخص الحاكم الذي يعتبر هو مجموع الأمة.. لذا، فكل من يستعصي على الذوبان في شخص الحاكم، الذي هو رمز الأمة ومجموعها وضميرها الحي، يعتبر مارقاً، مجرماً، خائناً، لابد من بتره.. سواء أكان فرداً أو حزباً أو محافظة، أو إقليماً، أو شعباً.. فالحق حق، والضلال ضلال، ولابد لسيادة القانون من أن تعم الجميع.. ولقد أثبت شعبكم الأبي الغيور على مصلحته، وعياً كاملاً لهذه الحقائق القانونية الناصعة، فما عاد هذا الشعب يبالي بنفسه ولا بأي فرد من أفراده، أو مؤسسة من مؤسساته، ما دام ضميره الحي، ورمزه العظيم، بخير وراحة وهناء.

قال لوصان: وللعدل والإنصاف أيضاً نقول: إن شعبكم الأبي، ليس هو السباق إلى التضحية بمصلحته الهزيلة أمام مصلحة الحاكم العظيمة، بل لقد كان لنا معشر الأوروبيين ولا فخر، الفضل في تعزيز هذا المبدأ السامي وتثبيت دعائمه النبيلة.. وإذا كان التواضع مطلوباً منا في هذا المجال، فإن هذا لا يعني أن نقلل من فضل أصحاب الفضل، ونسبة المكرمات إلى أهلها.. فلقد مرّ على شعوبنا الأوروبية رموز، وضمائر، لا تقل عظمة عن رموز بلادكم وضمائرها، وتاريخنا كله، قديمه وحديثه، شاهد على ذلك.. وهذا هو هتلر في ألمانيا، وموسوليني في إيطاليا.. شاهدان عدلان على صحة هذه الحقيقة التاريخية الساطعة.

قال كردوش: ولا شك أن هذين الضميرين، هتلر وموسوليني، هما أنظف في الضمائر في كلا البلدين، أو، أقلها قذارة، في أقل تقدير، ومن لا يصدق، فليسأل أي فرد من رجال مخابرات هتلر، الذين يدعون "الغستابو"، فسوف يأتيه دليل كافٍ مخبر، لا يحتاج معه، إلى المزيد من الدراسة والتمحيص..

قال قطيط: وحديثنا هنا عن رموز بلادكم وضمائرها، يا عزيزي حنا، إنما ينصب على الضمائر الحالية، والرموز الراهنة، ولا ندري ما الذي ستأتي به الأيام..

قال لوصان: ومن حسن حظكم، أن في بلادكم بعض قوات الدول الأوروبية، التي تساعد شعوبكم في انتقاء ضمائرها ورموزها.. ولسنا نعلم، ما الذي يحصل غداً، بعد نهاية الحرب، فيما لو تحررت بلادكم، بموجب معاهدات بين دولكم والدول الصديقة التي تسعى إلى تمدينكم.. ترى هل ستنمكن من مساعدتكم بشكل واضح ومباشر، في انتقاء ضمائركم الحية، أم سنضطر إلى صياغتها في بلادنا، وإرسالها إليكم جاهزة، لا تكلفكم تعباً ولا نصباَ..!؟

قال شوفان باسماً: لكن لا بد من مراعاة الحقيقة التاريخية الدامغة، وهي أن ضمير الأمة، يجب أن يتجسد في رجل من رجالها، أو امرأة من نسائها.. وعلى هذا، فلا بد من أن يكون الرجل الذي نصوغ فيه ضمير الأمة، واحداً من رجال الأمة ذاتها.. فالعرب هنا يقولون: "أهل مكة أدرى بشعابها".

قال لوفنتال: هذا صحيح.. وهو يلقي مسؤولية مباشرة على عاتق كل دولة متمدنة، في وجوب صياغة الضمير المناسب، للدولة المتخلفة الواقعة تحت سيادتها.. وإلا تداخلت الضمائر، وكثرت الرموز في كل دولة، وفي هذا ما فيه، من فساد العلاقات الدولية عامة، وفساد العلاقات المحلية داخل الدولة المتخلفة ذاتها، بشكل خاص..

كان اللقلق فارغاً فاه، يتابع هذه الأحاديث بدهشة وتعجب، دون أن يدري ما يقول، ودون أن تكون له القدرة على تمييز ما فيها من جد أو هزل، بشكل واضح دقيق..

وفجأة أمره ملا قطيط، بالنزول إلى السوق، لشراء بعض الحاجيات، لطعام العشاء.. فنهض فرحاً بهذا التكليف، الذي يثبت من خلاله قدرته على تلبية الأوامر، ليضاف هذا إلى رصيده الذي ادخره في نفوس القوم وعقولهم، احتياطاً لما تأتي به الأيام..

بعد أن خرج حنا من البيت، قال شوفان، موجهاً كلامه إلى قطيط: إلى أي حد تثقون بهذا اللقلق الأعجف؟

قال قطيط: إلى حد كبير..

قال شوفان: لقد علمتنا تجارب حروبنا الكثيرة مع أبناء هذه البلاد، ألا نحسن الظن كثيراً بأي فرد من أفرادها، إلا ما كان ولاؤه مضموناً تماماً بالنسبة لنا، أو كانت مصلحته مرتبطة بنا ارتباطاً وثيقاً، يدفعه إلى التضحية بنزعته الوطنية، وارتباطه بأرضه، في سبيل المحافظة على هذه المصلحة.

قال لوفنتال: هذا صحيح.. ولقد أثبت عدد من الشواذ، الذين ظننا اتحادهم معنا في الملة، سيدفعهم إلى التعاون معنا، ضد أبناء بلادهم.. أثبتوا أنهم ليسوا أهلاً للثقة، وأن ارتباطهم بملتهم ضعيف واهٍ، لا يصلح أن يعول عليه سياسي بارع، أو محارب ذكي..

قال قطيط باسماً: وكم نسبة هؤلاء الشواذ إلى مجموع العناصر المؤهلة للثقة؟

قال لوفنتال: لا أستطيع تحديد نسبة، إلا أنني أستطيع أن أذكر نماذج متعددة، على مدى القرون الأربعة عشر الماضية، منذ ظهر الإسلام في الحجاز، وحتى الآن.. ومن هذه النماذج، على سبيل المثال، الأقباط الذين تعاونوا مع المسلمين ضد الرومان في مصر، وبعض العناصر التي تعاونت مع المسلمين ضدنا، في الحروب الصليبية..

قال قطيط: ومع ذلك، فإن الموضوعية العلمية، تقتضي منا دائماً تحديد نسب دقيقة أو تقريبية، لنتمكن من بناء مواقف سليمة، وإلا ضعنا في متاهة التعميمات السلبية أو الإيجابية، وفقدنا القدرة على النظر السليم، في القضايا الهامة التي تحتاج إلى دقة وضبط وتحديد.. وإذا كان الشذوذ موجوداً في كل زمان ومكان، ولا تخلو منه أمة أو شعب، فإن القاعدة العامة، لدى الأمم جميعاً أن الشاذ لا يقاس عليه.. ويظل الارتباط بالملة، ولو من الزاوية العاطفية، أقوى من الارتباط بالأرض.. كما يظل حافزاً مستمراً، لأبناء الملة يدفعهم إلى التعاون مع أبناء ملتهم، ضد من يعتبرونهم كفرة أو هراطقة أو وثنيين.. أو يدفعهم إلى الحياد في أقل تقدير، إذا تساوت في العنف النزعتان، الملية والوطنية، دون أن يملك الفرد قدرة على ترجيح إحداهما على الأخرى.. أما مثال الأقباط الذي ذكرته، فلا يقف دليلاً في هذا الصدد، لأن الأقباط هربوا من ظلم الرومان الذي لا يحتمل، إلى ما كانوا يسمونه عدالة المسلمين حينئذ.. هذه العدالة التي سمحت لهم بالمحافظة على ديانتهم خلال أربعة عشر قرناً من الزمان.. حتى يومنا هذا.. والهرب من الظلم إلى العدل، لا يعد انحرافاً عن الملة أو خيانة لها، أو تعاوناً مع الكفرة ضد المؤمنين.. لأن الإيمان الحق يدعو إلى العدل الذي يحفظ حياة الناس ورزقهم وأمنهم، فإذا انتفى العدل، وفقد الناس مقومات حياتهم الأساسية، فأي فضل يبقى للمؤمن، أو مدعي الإيمان، على الناس المعذبين، سواء أكانوا من أبناء ملته أو أبناء الملل الأخرى..؟ كما أن الأقباط يا عزيزي لم يكونوا مواطنين في دولة الرومان، بل كانوا تابعين مستعبدين، يعاملون معاملة العبيد والخدم، وقد هربوا من احتلال ظالم، إلى احتلال عادل، فأي لوم عليهم في هذا؟

قال كردوش: أضم صوتي إلى صوتك يا عزيزي قطيط في كل ما ذكرت.. فليس من طبائع الشعوب أن تفضل الظلم على العدل، بذريعة أن الظالم ابن الملة، والعادل كافر، إذا كانت المقايسة بين ظلم مطلق وعدل مطلق، أو بين ظلم فادح وعدل واضح.. أما المقايسة بين ظلمين نسبيين، وعدلين نسبيين، فهذه تخضع لأمور أخرى، منها سعة العقل، وتنوع الثقافة وعمقها، فضلاً عن قوة الإيمان وضعفه.. وغير ذلك، مما لا يدخل في هذا الإطار..

قال لوصان: وأنا أؤيد ما ذكره الصديقان العزيزان، وأقول: إن المؤمن لا يتعاون مع الكفار عادة، إلا لأسباب خاصة جداً، كشذوذ في نفسه أو تفكيره، أو قهر شديد يقع عليه من أبناء ملته، أو اجتماع مصلحة قوية مع رقة دين شديدة.. أو غير ذلك.. وحتى المؤمن الجاهل الذي لا يعرف من دينه شيئاً، يتعصب للمؤمنين، لأنهم في نظره مؤمنون، ويكره الكافرين لأنهم كافرون، دون أن يعرف أحياناً، أي معنى من معاني الكفر والإيمان.. وهذه تجربتي مع توينان، التي حدثتكم عنها من قبل، تعطي دليلاً قوياً على صحة ما أقول..

نظر شوفان إلى لوفنتال مبتسماً، وقال: أرأيت يا عزيزي، كيف ينحاز العلم بعضه إلى بعض؟

قال قطيط: من منطلق ديموقراطيتنا الراسخة، أطلب أن نجري تصويتاً على صحة ما ذكرناه نحن الثلاثة..

ضحك الجميع، وقال شوفان: أحسنت في طريقة استخدامك للديموقراطية يا صديقي كوتيت..

قال لوفنتال: وأنا أطلب بعدم إدخال الجيش في لعبة الديموقراطية، وتركه درعاً يحمي سياج الوطن، وفق أنظمته وقوانينه الخاصة.. ولا فككته الديموقراطية وأفسدته، أو اضطر إلى سحقها وإفسادها..

تضاحك الجميع مرة أخرى، وقال لوفنتال، موجهاً كلامه إلى شوفان: حسن يا عزيزي شوفان، لم تتعب رأسك في البحث عن صدق ولاء اللقلق، ما دام المعنيون بأمره قد منحوه شهادة في صدق الولاء وحسن السلوك؟ ولا سيما أن كرهه للبدو واحتقاره لهم يشكلان وحدهما صمامات أمان ممتازة.

قال شوفان: ولكنهم ذاهبون.. ونحن باقون، وسيبقى معنا، وإن كان فيه شر فسينصب على رؤوسنا..

قال لوفنتال: أنسيت فكرتك التي طرحتها في البداية، عن رحيل العلم وبقاء الحديد..

ضحك الخمسة، وقال لوصان مخاطباً قطيط: يبدو يا عزيزي قطيط أن العسكريتاريا ستمارس دوراً ممتازاً في غياب أقلامنا وأوراقنا..

قال كردوش: أما اللقلق الوفي، فلن يناله سوء من العسكريتاريا، ما دام قد نجا طوال هذه الفترة، من بأس البدوتاريا..

ضحك الجميع مرة أخرى، وقرع باب البيت.. فقام لوصان ليفتح، فإذا هو اللقلق يحمل الأغراض التي طلب منه شراؤها.. كان المساء قد حل، وأنسام الخريف ازدادت حدة وبرودة.. فدخل الجميع إلى المطبخ وباشروا بإعداد الطعام.. وبعد تناول الطعام والفاكهة والخمر، نظر بعضهم في ساعته، فإذا هي قد جاوزت العاشرة ليلاً، دون أن يشعروا بمضي الوقت، لما هم فيه من لهو ودعابة ومرح، واستعادة ذكريات لطيفة، عن الفترة التي أمضاها البواحيث في البادية..

طلب الضابطان الإذن بالانصراف، وودعا الباحثين بالعناق والقبلات وخرجا..

أما اللقلق، فكان عليه أن يمضي ليلته في البيت، لأنه لا بيت له في المدينة، ويصعب عليه السفر إلى أهله ليلاً..

وظل الباحثون واللقلق، يسمرون ويثرثرون حتى جاوزت الساعة الحادية عشرة ليلاً.. فقام كردوش إلى فراشه، وبدأ يصيح على زملائه واحداً واحداً بلهجة بدوية: هيه.. يا خواجة زوكريت كوتيت، يا ملآ قطيط، يا رومي، يا باحوث، يا ملعون الوالدين.. إلى النوم يا وِلْدي إلأى النوم.. عساك ما تفيق.. وأنت.. يا لوصان يا زمام، يا مسيو نوبار لوسوان، يا مسبوع الأب.. نجوم السما كلها غابت، وما ظل منها إلا الجدي والميزان وبنات نعش.. يا مثبور.. يا رومي يا ابن الرومي.. عظمك أزرق، من يوم ما ولدتك أمك.. تعال إلى النوم، وإلا عليّ ما عليّ، سأخلي وحوش الفلا تشبع من لحم أكتافك، الذي ربيته على صينية كراد المنصور، ومسلط السطام، وعريفج بن دلوان.. يا قوم..! وأنت يا حنّاوي، يا لقلق، يا درجمان، يا مملوص الرقبة.. أيش تنتظر يا فاين الحظ، ما تجيء تندس بفراشك الدافئ، وتريح عيونك التي تلمع مثل عيون السلوقي الجوعان.. قم يا مبطون.. قم.

كان الثلاثة يصغون إلى طرائف كردوش البدوية ويضحكون.. وحين اندس كل منهم في فراشه، قال لوصان: واللع يا مستر جورج كاردوج، يا كردوش يا ثخين العظام، يا "أبو طباع" لولا مخافتي من ملامة فقيه البادية ملآ قطيط، لكنت أريتك نجوم الظهر، يا رومي يا منحوس يا مقصوف العمر..

قال كردوش: ارَرْرْ.. أنا أبو طاسة..

وقال لوصان: هم م م.. أنا أبو إبريق.

ضحك الجميع وخيم عليهم الصمت واستسلموا لنوم عميق.. بينما كان شوفان في بيت آخر يتقلب في فراشه، ويتلوى كالصلّ الطعين، بعد لأن سأل لوفنتال في الطريق عن العبد شوكان، ومدى جديته في الاستقرار في بيت هواش.. فأجابه لوفنتال، بأن شوكان سافر منذ ثلاثة أيام إلى جهة مجهولة، ويقال إنه رحل إلى أهله في نجد.. وما كان ألم شوفان وقلقه وأسفه، إلا لعجزه عن اتخاذ قرار باختطاف شوكان، أو اغتياله، أو التنسيق مع لوفنتال لكشف حقيقة أمره، هذه الحقيقة التي سلطت عليها جلسة الوداع ضوءاً ساطعاً، بعد تلك المعلومات الضئيلة الغامضة، التي كان شوفان يتلقاها عن عملائه عن العبد، وهو في بيت هواش.. وكان أكثر ما يحنق الضابط الإنجليزي، أنه كان يشعر خلال الفترة الماضية، التي كان يراقب فيها العبد، أنه شبه مقيّد، إلا أنه كان قادراً على فعل شيء تجاه العبد، لكنه لم يفعل، انتظاراً للفرصة المناسبة، التي ضاعت منه الآن.. وربما إلى الأبد.

إن أمر شوفان غريب هذه الأيام.. تجاه العبد خاصة.. إنه لم يألف من نفسه من قبل، مثل هذا العجز والخور والتردد، والإحجام عن اتخاذ المبادرات الجريئة.. كما أن قدرته على استخدام الجواسيس والمخبرين النشيطين الأذكياء، ليست على ما يرام.. وإلا كيف قطع عنه مخبروه، مدد المعلومات منذ أسبوع، حتى سبب له ذلك ضياع الفرصة، للتصرف المناسب.. قاتل الله ضبع فيشي.. حين يشعر المرء أنه يمارس دور اللص في بلاد لا يملك فيها شيئاً، فعليه أن يتوقع في كل لحظة إخفاق مساعيه، ولو كان أحكم رجل وأشجع رجل على وجه الأرض.

الفصل الرابع عشر

البيارق

17/تشرين الثاني/1944

بسم الله الرحمن الرحيم

عزيزي شوكان.. أيها الحر الأبيّ.. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

وبعد.. فإني أضرع إلى العليّ القدير، أن يحفظك ويرعاك.. وأن يبقيك ذخراً للإسلام والمسلمين، وأن يكثر من أمثالك في كل بلد، يرتفع فيه النداء الخالد، الله أكبر، إذ لا خير في أمة تخلو من أمثالك أيها الشهم المغوار..

أخي العزيز، وعمي الجليل: اسمح لي أن أسرد بين يديك، أهم الأخبار المتعلقة بقبيلتنا البائسة المنكودة، منذ تركتها حتى الآن.. أي خلال مدة سنتين تقريباً.. ولقد كنت متلهفاً إلى معرفة عنوانك، حتى وردتني رسالتك الكريمة أول أمس، فردّت إليّ الروح، ودلتني على أخي الحبيب، الذي لا ملجأ لي بعد الله سواه، أبثه همومي وأحزاني، وألتمس عنده الأنس والعزاء والسلوى..

أخي الحبيب: إن قبيلتنا الآن، قبيلة المداعيس التي كنت تعرفها، خمس قبائل مستقلة لا يربط بين إحداها والأخرى إلا الفساد، والعمالة للأجنبي، والتنافس المحموم في أعمال البغي والظلم والشر والطغيان، ومحاربة الإسلام والمسلمين على كل صعيد.

كانت العشاير الخمس التي تعرفها، تنتمي إلى قبيلة واحدة، ولها بيرق واحد تنشره أثناء الحروب فوق رؤوس أبنائها المقاتلين. أما الآن فلها خمسة بيارق، لكل بيرق لون مستقل وشكل متميز.. خمسة بيارق، بين أبيض وأحمر وأسود وأزرق وأخضر.. وكل بيرق يرمز بقوة إلى حقيقة دامية، وهي أن كل عشيرة من العشاير الخمس، مستقلة بأرضها وشعبها وإبلها وأغنامها، وخيلها وعبيدها.. وأخبث من هذا كله، مستقلة بعقليات أبنائها ونفسياتهم وأمزجتهم وطموحاتهم ونظرتهم إلى الحياة وما فيها من أشياء ومواقف وعلاقات.

وقد تسألني: ما السرؤ في هذا كله؟ فأجيبك ببساطة: إن السر يكمن في نظرتك المستقبلية وحدسك الصائب، وبصرك الثاقب، حين كنت تحدثني قبل ما يزيد على عامين، عن أشياء ستحصل وتغييرات كبيرة ستجري.. وكنت أستغرب ذلك، وأتخوف منه، إلا أني لم أكن أستطيع الجزم بأنه سيقع حتماً، لأن نظري القاصر لم يكن يجاوز رأس أنفي.

لقد أطيح بالإخوة الخمسة الذين كانوا يتزعمون قبيلة المداعيس.. أطيح بهم في مدد متقاربة، يشكل مجموعها سنة ونصفاً أو أقل قليلاً..

عمي طراد المنصور، نحّي عن زعامة الهبّادة، وحل محله رجل في الخامسة والثلاثين من عمره، اسمه: هدّاد بن عَيطة، وهو مجرم لص قاطع طريق، استطاع من خلال السلب والنهب والسرقة، وجمع المال الحرام، أن يكون ثروة طائلة، ويجمع قطعاناً من الخيل والإبل والغنم.. وأكياساً كثيرة من الذهب، فترك ما كان فيه من سطو وإجرام، وصار وجيهاً من وجهاء العشيرة.. وقد أغراه المجرم الفرنسي لوفنتال، بمنصب المشيخة، واشترى له ضمائر عدد من وجهاء العشيرة، فالتفوا حوله، وأعلنوا تنصيبه شيخاً على العشيرة، على أن يكونوا هم أعضاء في مجلس اختراعه لهم لوفنتال، وسماه: "مجلس قيادة القبيلة" إذ بمجرد الإطاحة بطراد، خلع على العشيرة اسم القبيلة.. فصار لها استقلال قبلي كامل.. ولقد حاول بعض رجال العشيرة، الاحتجاج على هذا التصرف الشائن، واستعد بعضهم للقتال، إلا أن لوفنتال استدعاهم وهددهم بالقتل، بحجة التحريض على الشغب والفتنة، والإخلال بالأمن العام، فسكتوا راغمين، وسافر عمي طراد وأسرته إلى المزرعة البعيدة التي يملكها صهره، ويعمل فيها ابنه صالح، واستقر به المقام هناك.

ولست أدري ما إذا كنت قد التقيت بهداد بن عيطة، عندما كنت في منازلنا.. إنه أسمر نحيف متوسط الطول، يلوح في محياه وعينيه الشر والخبث والخديعة.. ولقد سمّي ابن عيطة، لأن أباه مات في فترة طفولته، فربته أمه عيطة، على موائد المحسنين، حتى صار شاباً، فبدأ سيرته الإجرامية، حتى صار زعيماً لقبيلة الهبادة.. وقد نسب الناس اسم أبيه المرحوم، فما عاد يعرف إلا باسم أمه الفوضوية الغبية البائسة.

وأما عمي مرهج، فأطيح به بعد شهور قليلة، من تنحية عمي طراد، بطريقة مشابهة، وحل محله قراد بن فحَيجان، وهو نذل سفيه، وضيع النفس، كان أبوه قد سخّر نفسه مخبراً للقوات الفرنسية، منذ دخلت بلادنا، وكانت فرنسا تغدق عليه المال، حتى صار ذا ثروة ووجاهة، وحين كبر أولاده، وقراد واحد منهم، ربطهم بما ربط به نفسه.. فصاروا كلهم مخبرين، يتلصصون على الناس، ويتسمعون أخبارهم، ثم يوصلونها أولاً بأول إلى الضابط الفرنسي الذي ارتبطوا به.. وحين بلغ قراد الثانية والثلاثين، كان ذا مال وصولة في العشيرة، بدعم الضباط الذين سبقوا لوفنتال حين فكر بنتحية مرهج أفضل رجل مؤهل لزعامة عشيرة الخفايا، التي أطلق عليها اسم قبيلة كذلك.. وصار للشيخ قراد مجلس كمجلس هدّاد بن عيطة.. أما عمي مرهج، فقد انتحى بنفسه جانباً، وباع بيته المسوبع، واشترى بيتاً بثلاثة أعمدة "مثولت" وبدأ يهتم بنفسه وبأسرته وإبله وأغنامه، كأي فرد عادي في العشيرة، التي صار اسمها قبيلة كما ذكرت لك.

وأما عشيرة البشارات، فهي كما تعلم عشيرة هادئة نسبياً، يكثر فيها الرجال العقلاء والصالحون، ولم يكن من السهل على لوفنتال أن ينصّب عليها شيخاً ماجناً أو سفيهاً، بدلاً من عمي غزوان.. لذا لجأ إلى أسلوب آخر، فاستدعى عمي غزوان إلى مقره، وتظاهر بإكرامه، فقدم له طعاماً فيه سم بطيء التأثير.. ولم تمض شهور قليلة حتى مات غزوان، وعرض لوفنتال على وجهاء العشيرة استدعاء ابنه زهلول من مزرعة صهر طراد، ليحل محل أبيه، فرحب الوجهاء بذلك، واستدعي زهلول، الذي فسد دينه وخلقه في الغربة، بتخطيط من لوفنتال وعملائه في تلك البلاد.. ونصب شيخاً على القبيلة الجديدة، البشارات.. وصار يتظاهر بالتدين والخلق الحميد، ليعزز مكانته في نفوس أبناء القبيلة، ويشير باستمرار إلى أخواله الذين ينتمون إلى سلمان الفارسي رحمه الله، الذي قال عنه نبينا الكريم "سلمان منا آل البيت".. إلا أن الرجل فاسق مارق، يستبيح المحرمات كلها، من خمر وزنا وميسر في خلواته المريبة مع نظرائه من سفهاء البادية، أو سفهاء فرنسا، وغيرها من دول الكفر.. ولقد سمعت أن له علاقة سرية وطيدة مع شوفان، قد لا يعلم بها لوفنتال، أو يعلم بها إلا أنه لا يملك خياراً آخر، فالعشيرة التي أصبحت قبيلة، تلتف حول زهلول، وتغض النظر عن سفاهاته، لمقام أبيه العاقل المتزن المرحوم غزوان من ناحية، ومقام أخواله السلمانية من ناحية أخرى..

وأما مسعود، وآنف أن أدعوه عمي، فقد أبقاه لوفنتال فترة، ثم استدعاه إلى مدينة حمص للتباحث في بعض القضايا الهامة، وبعد خروجه من مقر لوفنتال، كانت سيارة تنتظره على بعد أمتار قليلة من المقر، فانطلقت مسرعة باتجاهه، ودهسته، فأصبحت جثته خليطة رهيبة من اللحم والعظم والدم.. وأعلن لوفنتال أسفه على فقد هذا الشيخ العظيم، نتيجة حادث سير أرعن.. ونقلت جثته إلى المشرحة لإجراء الفحص الطبي الشرعي عليها، ولا ندري ما إذا كان قد بقي منها شيء صالح للدفن، أم تلاشت تحت مشارط الأطباء والجراحين.. ويبدو أن لوفنتال كان راغباً في إبقاء مسعود على رأس القبيلة الجديدة، المطامير، لفساده ومحاربته للدين.. إلا أن شدة فساد مسعود، وعنفه في محاربة الدين، بشكل سافر علني، لم يكونا من النوع الذي يمكن احتماله.. فبادر لوفنتال إلى التخلص منه بهذه الطريقة، ورشح لوجهاء المطامير، كراع بن وزنة.. وهو رجل في الأربعين من عمره، ثرثار منحط، نسب إلى أمه دون أبيه، لأن أباه حين كان شاباً، نزل إلى إحدى المدن، فرأى فتاة فقيرة في إحدى الشوارع البائسة، عمرها حوالي ستة عشر عاماً، فتعرف عليها وأغراها ببعض الدراهم، وأقام معها علاقة محرمة.. ثم عرض عليها أن تنتقل معه إلى قبيلته، فيتزوجها، فأعلمته أنها يهودية، ثم اتفق معها، على أن تعتنق الإسلام ويتزوجها، واستشارت أمها وأباها الفقيرين، فوافقا على ذلك، فأتى بها إلى القبيلة وتزوجها، واشتهر أمره في القبيلة، فصار يعرف بزوج وزنة اليهودية.. وحين ولد له غلام، أسماه "كراع"، وصار الغلام ينسب إلى أمه "كراع بن وزنة".. وحين شب الغلام، نصحته أمه بالتعاون مع "الحكومة" كي يعيش، ويصير له عز وجاه.. فصار مخبراً للضباط الفرنسيين الذين تعاقبوا على إدارة البادية.. وقد نصب كراع شيخاً لقبيلة المطامير.. عفار بن مسعود، أسوة بزهلول بن غزوان، إلا أن ابن مسعود، كان أشد من أبيه مجاهرة بالزندقة والضلال ومحاربة الإسلام، فخشي الضابط الفرنسي من ردود الأفعال داخل القبيلة، واستغلال شوفان لمثل هذا الظرف، وتعميق علاقته ببعض وجهاء القبيلة، الذين يمكن أن يتعاملوا معه سراً.. فيخسر لوفنتال من ابن مسعود أكثر مما يربح.. إلا أن لوفنتال.. وضع "عفار" في مجلس القبيلة، ليستفيد من نفسيته الشريرة في حرب الإسلام، دون أن يكون الوجه الأول في القبيلة.

أما السواعير، يا عزيزي شوكان، القبيلة التي أمضيت فيها قرابة عامين، فقد صار زعيمها رجل تافه جبان، اسمه "مدعثر بن طايع القشران"، وقد نصب مدعثر هذا، بطريقة مشابهة للطريقة التي نصب فيها شيخ الهبادة الجديد وشيخ الحفايا.. ونحي والدي كما نحي طراد ومرهج.. وعين لمدعثر مجلس قبيلة كذلك، يضم مجموعة من الوجهاء.

ومدعثر هذا، رجل شديد الجبن، وكان أبوه كذلك من قبله.. وبعد تنصيبه شيخاً، بدأ بعض الرجال الطاعنين في السن يتهامسون حول أصله، وذكر بعضهم أنه صليبي، كان جد أبيه يعمل بيطاراً لخيل القبيلة، وحين مات، ترك وراءه مالاً كثيراً، كان قد جمعه من مهنته، فاشترى أهله بالمال إبلاً وخيلاً وأغناماً، وصاروا من أبناء البادية، ونسبوا أنفسهم إلى عشيرة السواعير، وكان جد مدعثر، هو الحلقة التي نسي عندها النسب الصليبي، وبدأ نسب السواعير.. ومع الزمن نسي النسب الأول، ولا سيما أن الأجيال اللاحقة، لا تعرف عنه شيئاً.. وظل منسياً، حتى صار مدعثر زعيماً فبدأ المسنون يستعيدون ذكرياتهم عن أصله ومنبته..

ولقد كان والدي حدثني عن مدعثر منذ مدة ليست باليسيرة، إذ كان لوفنتال هدده بالتنحية عن زعامة العشيرة، ولمح له بتنصيب مدعثر بدلاً منه.. إلا أن والدي لم  يكن في حينها قد حمل الأمر على محمل الجد، لما يعرفه من تفاهة مدعثر وجبنه وهوان شأنه، ولم يعتبره منافساً له، ولا يصلح لأن يكون موضع اهتمام من قبله.. إلا أن والدي لم يذكر لي في حينها، ولا عندما طلبت منه معلومات عمن تسلل من صليب إلى داخل القبيلة.. لم يذكر لي أن مدعثر وآباءه ينتمون إلى صليب، وذلك لعدم علمه بهذا الأمر.. إلا أنه تذكر الآن، أن والده منصور المطلق، رحمه الله تناول مثل هذا الموضوع في أحاديثه مع رجال القبيلة ذات يوم، وذكر بعضهم مجموعة من الأسر الصليبية التي اتخذت لنفسها نسب قبيلة المداعيس، ومن هذه الأسر، أسرة طايع القشران.. وكان هذا الحديث في ديوان منصور المطلق، عندما كان والدي غلاماً يافعاً بين العاشرة والثانية عشرة من عمره فيما يذكر..

أما والدي يا عمي العزيز، فقد اتخذ موقفاً كموقف عمي مرهج، إذ انتحى بنفسه وأسرته جانباً، وبدأ يهتم بإبله وخيله ومواشيه كأي فرد في القبيلة، كما باع بيته المسوبع الذي تعرفه، واشترى بيتاً بثلاثة أعمدة "مثولث"، إلا أن الصدمات الكثيرة قد أثرت في صحته، فأصابه مرض مزمن ألزمه بيته، وقلل من حركته كثيراً.. صحيح أنه ليس طريح الفراش، إلا أنه لا يكاد يفارق البيت إلا للضرورات والأمور الطارئة الهامة.. ولم يعد حريصاً حتى على ارتياد الديوان لشرب القهوة، ما دام مدعثر هو شيخ القبيلة، إذ بدأ يصنع قهوته بنفسه داخل بيته، بمساعدتي حيناً، وبمساعدة والدتي حيناً آخر، ويشربها، مستغنياً عن قهوة مدعثر بن طايع القشران..

عزيزي شوكان: هذا سرد موجز قدمته لك عن أوضاع القبائل التي تفرعت عن قبيلة المداعيس.. لكن هناك أمراً طريفاً، أحب أن أذكره لك، هو أن لوفنتال، اقترح على المشايخ الجدد، تشكيل مجلس أعلى سماه لهم: المجلس الأعلى لقبيلة المداعيس.. وذلك ذراً للرماد في العيون من ناحية، ومن ناحية أخرى ليحكم على قبضته على القبائل الجديدة برمتها، عن طريق تقاطع المعلومات والأخبار.. فكل زعيم من الزعماء الجدد، مكلف أن يقدم معلومات تفصيلية عن كل جلسة يعقدها مجلس القبيلة.. وعل هذا، فأي شيخ يخفي بعض المعلومات، أو يقصر في نقل بعضها، سيكون أمره مكشوفاً للكولونيل، من خلال المعلومات التي يقدمها الآخرون.. لذا فإن الجميع يتسابقون إلى تقديم أكبر قدر من المعلومات، وأكثرها دقة وتفصيلاً.. هذا فضلاً عن إحباط أي طرح يمكن أن يطرحه أحد الزعماء، مما فيه مصلحة عليا للقبيلة، وليس فيه مصلحة مؤكدة لفرنسا، وذلك بتوجيه الأوامر إلى هذا الزعيم أو ذاك لمعارضة الطرح أو تمييعه..

لقد كان المشايخ السابقون لا يحتاجون إلى مجلس قبيلة، أو مجلس قبائل، وذلك لأنهم أسرة واحدة، مصيرها واحد، وهدفها واحد، برغم الخلافات المزمنة أو العرضية بين المشايخ.. فالقبيلة وحدة مترابطة، بقوة الواقع، لا بقوة المجالس الشكلية الهشة.. وحتى مسعود برغم فساده وضلاله، لم يخطر بباله، أن يخلع على المطامير اسم قبيلة، بل ظل يعتبرها جزءاً من قبيلة المداعيس.. وهناك أمر آخر يا عزيزي شوكان سأذكره لك، بهذه المناسبة، وهو أن المجلس الأعلى لقبيلة المداعيس، الذي اجتمع مرات قليلة، أثبت لجميع أبناء القبيلة، أنه مجلس لغط وثرثرة وادعاءات فارغة.. وأهم ما فيه، هو التنافس بين الزعماء على الأحقية في ادعاء السيادة على القبيلة.. فكل زعيم من هؤلاء، يدعي أن وضع القبيلة "المداعيس" سيء، مفكك، منهار.. وأن القبيلة بوضعها الحالي لا تستطيع الوقوف في وجه أية قبيلة أخرى معادية.. إلا أن كل زعيم منهم كذلك، يدعي أن قبيلته الخاصة التي يتزعمها ويقودها، تعيش في خير وهناء، رزقها وافر، وصحة أبنائها ممتازة، وأعلاف دوابها تملأ المستودعات، وتستطيع وحدها الوقوف في وجه أي اعتداء، من أية قبيلة كانت، وذلك أن قبيلته، بقيادته الحكيمة، وبشجاعته النادرة، قد بلغت أوج قوتها، وازدهارها.. ولا ينسى أي زعيم من هؤلاء، عندما يتحدث أن يتحدث باسم قبيلة المداعيس كلها، بصفته رمزها الخالد، وضميرها الحي، وقبيلته الصغيرة التي يقودها، إنما هي القلب النابض لقبيلة المداعيس كلها.. وإذا كان هو في منتهى الحكمة والشجاعة، وقبلته الصغيرة هي القلب النابض للمداعيس، ووضع القبيلة الكبيرة مفكك منهار، فهذا يعني ببساطة وكما تلاحظ يا عمي العزيز، أن كلاً منهم يعتبر نفسه المرشح الأول والمؤهل الأول، لزعامة المداعيس بأسرها.. فإذا أرادت العودة إلى سابق وحدتها، فلن يصلح لقيادتها سواه.. وإذا كان كل منهم يردد هذا الكلام بنصه، فيمكنك أن تتوقع متى تعود المداعيس إلى وحدتها المفقودة المنشودة..!

عزيزي شوكان: ما أظنك ستتهمني بالتجني على المشايخ الجدد، لأنهم انتزعوا السيادة أو الزعامة من أبي وأعمامي.. فأنت تعرفني جيداً، وتعلم، فيما أحسب، أني لست من هذا الطراز.. كما تعلم رأيي في أبي وأعمامي من منطلق إسلامي، مع احترامي للجميع، ما عدا مسعود.. إنما هو واقع أصفه لك باختصار، عله يساعدك في رؤية الصورة بشكل مناسب، وإن لم يكن دقيقاً تماماً، لخلوه من التفصيلات والعناصر الجزئية.. ولا أعتبر نفسي مبالغاً، إذا قلت: إنك الرجل المؤهل الوحيد، بين الناس الذين عرفتهم، القادر على تشخيص مثل هذه الأمراض ومعالجتها.. فلعل الله يهيء لك فرصة، لدراسة هذا الواقع الأليم بعناية، ورسم تصور معقول، للخروج من هذه الدوامة الرهيبة، دوامة الذل والتعفن والضياع..

أما أتباع مدلول يا صديقي، فهم كما ذكرت لي مرة عن النيران التي تشعل بلا موقد، والنيران التي تشعل في مواقد غير صالحة.. فقد استدعيت المجموعة التي تسمي نفسها معتدلة، إلى السجون والتحقيقات، وعلى فترات غير متباعدة.. هذا يحقق معه ويخلى سبيله، وذاك يعتقل شهراً أو شهرين، والثالث يعذب ويضرب ويهان، لأنه لا يعترف على الناس العاملين معه.. وهكذا دواليك.. وقد اعتقلت أنا من الجملة مرات عدة، مرة أسبوعاً، ومرة شهوراً، مرة أربعة أشهر، ومرة أسبوعين.. وما زلت مهدداً بالاعتقال بين لحظة وأخرى، وكلما نمت في فراشي، توقعت أني لن أرى نور الصباح، إلا في سجن أو نظارة أو قبو أو زنزانة..

كما اعتقل الأربعة الآخرون الذين سهرت معهم ذات ليلة في بيتي، وتلقيت بحلم وكرم، بعض العبارات الجارحة من اللهاط، الذي سبقك لسانك فسميته الهلاط.. أقول: اعتقلوا على فترات متفاوتة، وكل منهم دخل السجن، أو حقق معه مرات متعددة.. وأعنف اعتقال قاسيناه، كان سبب حادثة قتل وقعت ضد أحد المخبرين، الذين سخرهم لوفنتال للتجسس على أتباع الشيخ المدلول، إذ توقع لوفتنال وعناصره، أن جماعة المدلول، هي التي نفذت عملية الاغتيال، فحدثت اعتقالات بالجملة، ومورس علينا تعذيب شديد.. حتى تبين للسلطة فيما بعد، أن لا علاقة لنا نحن الفئة المعتدلة بهذا الأمر، ولا نؤمن أصلاً بهذا الأسلوب.. إلا أنها لم تكد تخلي سراح بعضنا، حتى وضعت يدها على معلومات جديدة، تفيد بأن هناك عناصر متحمسة للقتال من جماعة المدلول، وهذه العناصر التي نفذت الاغتيال، فاعتقلت بعض هذه العناصر، واعترف المعتقلون تحت التعذيب بفعلتهم، إلا أنهم اعترفوا كذلك بعلاقتهم السابقة معنا، ولا سيما أن بعضهم ما يزال يعمل داخل صفنا دون أن نعلم شيئاً عن ارتباطه بالفئات المتحمسة للقتال، فوقعنا في حرج شديد؛ إذ لا علاقة لنا بالموضوع، وفي الوقت ذاته بعض عناصرنا مشترك في المجابهة المسلحة دون علمنا.. وترتب علينا السعي لإفهام السلطة بهذا الوضع المتشابك، إلا أن السلطة لم تكن مستعدة لمثل هذا الفهم بسهولة.. وأخذ كل منا نصيبه من العذاب القاسي، ثم أخلي سبيلنا بعد تهديدات وإنذارات، وغير ذلك.. إلا أن العناصر المتحمسة للقتال، المسلحة، ما تزال تؤمن بهذا الأسلوب، ولعلها تعد الآن لأعمال مشابهة لتلك العملية، ولا يعلم إلا الله، كيف ستكون النتائج.

وبهذه المناسبة، أخي العزيز، أكاد أسمع الآن كلماتك الرصينة الرائعة ترن في أذني وتملأ كياني كله: "إن مئة رجل يعرفون ما يريدون، ويشربون الأمن كما يشربون الماء، ويستنشقونه كما يشتنشقون الهواء.. خير من مئة ألف رجل، لا يعرفون ما يريدون.. أولا يعرفون كيف يفهمون أمنهم، وكيف يحافظون عليه.." ولا أكتمك أني بدأت أستنتج بعد رحيلك على ضوء كلماتك الرائعة، أن لك باعاً طويلاً في الصراع ضد الكفرة، وممارسة جدية، تكونت من خلالها هذه التجارب التي كنت تصوغها حكماً بليغة، وتسكبها في مسامعي بلطف وأناة.. إلا أني لم أكن مؤهلاً، وما زلت غير مؤهل، لتحديد الكيفية التي مارست بها تجاربك أو تحديد زمانها أو مكانها.. كما أن حكمتك الرائعة عن الهلاط، ما تزال تفعل فعلها في نفسي وعقلي، فاستعيدها مرات ومرات، لأصل إلى كيفية تساعدني على وضعها موضع التطبيق: "هيهات أن تفلح أمة أو جماعة يشترك في قيادتها رجل مثل الهلاط".. ولن أنسى كذلك قولتك الحكيمة:" يا ابن أخي.. إذا لاعبت فاعرف من تلاعب، وإذا قاتلت فاعرف من تقاتل.. فإذا لم تعرف من تلاعب غلبت، وإذا لم تعرف من تقاتل قتلت.."

ثم ماذا أسرد لك يا أخي العزيز من مآسينا وأخبارنا الدامية..؟! لقد سافر عدد من شباب القبيلة ويافعيها إلى أوروبا.. قال بعضهم قبل سفرهم، وقال أهلهم: إن سفرهم إنما هو بقصد الدراسة وطلب العلم.. وقد اعترف أهلهم، بأن هذا السفر إنما تم بمساعي أعضاء البعثة العلمية، الذين كنا نسميهم البواحيث.. كما أن بعض الأهلين، اعترفوا بفضل لوفنتال في تأمين فرص الدراسة لأبنائهم، وبعضهم الآخر اعترف بفضل شوفان في هذا المجال.. ولست أدري، والله يا عم، لم يسبغ علينا هؤلاء الأجانب فضلهم بهذا الشكل الرائع النبيل!؟ ترى هل يمهدون لصناعة زعامات جديدة متعلمة، تقود القبائل، بدلاً من الزعامات الأمية الجاهلة التي نصبوها تحت ضغط المصالح الآنية والضرورات الملحة، ليتخلصوا من الرجال القدماء، ذوي النخوة، والخلق والكرامة؟ ربما.

عمي الكريم الفاضل: قد تسألني لمَ لم أكتب إليك هذه الرسالة، في اليوم التالي لتلقي رسالتك، إن لم يكن في اليوم ذاته؟ فأقول لك: إنني استلمت الرسالة في وقت متأخر من اليوم الأول، في أول المساء تقريباً.. وكنت مشغولاً جداً، فلم أتمكن من الكتابة في ذلك اليوم.. أما اليوم التالي فقد انتابتني فيه حالة غريبة من الاكتئاب وانقباض النفس، دون أن أجد لذلك تفسيراً مقنعاً أو مقبولاً.. ومع أني لست من أصحاب الحدس والتخمين، ولا من ذوي التشاؤم أو التطير، فإني شعرت بأن لذلك اليوم، ليس فيه يمن ولا بركة..؟ لست أدري.. ولقد أعددت القلم والورق للكتابة، وهممت مرات عدة بأن أكتب، إلا أنني لم أستطع، لما انتابني من الكآبة، والقلق، والحزن الغامض المجهول، الذي أحسست أنه كان يتسرب إلى أعماق نفسي من بطن الغيب.. وأرجو الله أن يجيرنا ويجير المسلمين مع شر ذلك اليوم..

عمي العزيز شوكان: حين أتذكر مداعباتك اللطيفة لي، أشعر بعمق الهوة بيننا وبين الواقع الذي نعيش فيه، ونتصدى لتغييره إلى الأفضل والأجمل.. وذلك حين كنت تقول لي مازحاً: "يا منادي.. يا ابن أخي.. ماذا تنادي؟ ومن تنادي..؟ ألم تسمع يا ابن أخي قول الشاعر: لقد أسمعت لو ناديت حياً، ولكن لا حياة لمن تنادي"؟ فإلى متى يا منادي ستظل منادي..؟ أقول يا صديقي، إن كلامك هذا، كان يشعرني بعمق الهوة، وبضخامة العبء، وبضياع الصوت والصدى معاً في قرارة وادٍ سحيق.. وما زلت أشعر بهذا كله حتى الآن.. إلا أنني حين أتذكر كلماتك الأخرى الجادة الرصينة، التي تحفزني على العمل والمثابرة، ينتابني إحساس، بأن لدي قوة هائلة، ليس في العالم قوة فوقها إلا قوة الله عز وجل.. كما أنني حين أنظر إلى الشباب اليافعين، والأطفال الذين يتفتحون كأزهار الربيع، وأتطلع إلى الضياع الذي ينتظرهم فوق رمال البادية، أحس بضخامة العبء، وضخامة المسؤولية، وضخامة الجريمة، إن نحن فرطنا بهذه الطاقات، وتسببنا في ضياع هذه العقول والنفوس، في هذا التيه القاتل، الذي لا يعرف فيه أحد مورداً ولا مصدراً..

إن لي أخوة ثلاثة من أبي، وكلهم متزوجون ولهم أطفال، وغلمان يافعون.. وهؤلاء الأطفال، يشكلون وحدهم، فيما لو وجدوا الرعاية الكافية فصيلة مقاتلة من فصائل الإسلام.. فأين الظروف المواتية التي تساعدنا على تربيتهم وإعدادهم.. وإذا كان آباؤهم قد نشأوا نشأة قوة ورجولة منذ بداية شبابهم، واستقلوا عن أبيهم وتزوجوا وابتعدوا عنه نسبياً.. فإن هؤلاء الآباء أنفسهم ليسوا مؤهلين لتربية أبنائهم التربية الصحيحة الخالية من ضلالات البادية وقيمها الفاسدة..

وكذلك أطفال أعمامي، وأطفال أبنائهم المتزوجين المستقلين عنهم.. من سيربيهم؟ ومن سيصنع منهم جيلاً نافعاً؟ وكيف؟ إنهم يحتاجون وحدهم إلى شيخ مثل عباس المدلول، إلا أنه مدلول من نوع خاص.. فأين هو؟ وبالمناسبة أخي العزيز، إذا كان الشيخ المدلول قد علمني الإسلام، فأنت قد بنيت لي أبعاد المساحة التي يصارع فيها الإسلام أعداءه، دفاعاً عن وجوده واستمراره.. وهذا فضل لك، لا أنساه ما حييت..

عمي شوكان: لقد ذكرت لك بعض أخباري وأخبار أسرتي.. وأكمل لك الآن ما بقي منها مما يمكن أن تسأل عنه أو تهتم به.. فأقول: إنني بخير ولله الحمد.. ووالدي مريض كما ذكرت لك.. ووالدتي نجدية بخير، لولا ما تعاني منه من قلق دائم بشأن ظبية شفاها الله.. أما ظبية نفسها، فقد تركت أخبارها إلى النهاية، لاعتقادي بأن مأساتها هي مأساة البادية عامة.. وأن هذه الفتاة، هي الرمز الحسي الحي، المعبر عن شقاء البادية وشقاء إنسانها، وعن كل ما على رمال الصحراء، من تعسات ومآس وتناقضات.. كما أنها في اعتقادي أيضاً، رمز حي، لتطلعات إنسان البادية الضائع المنكود، إلى غد مشرق جميل.. إلى رحمة سماوية غامرة.. إلى خير عميم يغمر البادية وما حولها، وإلى مغفرة ربانية تطهر قلوب الناس وأرواحهم وعقولهم، حتى يعودوا أطهر من ماء السماء وأنقى..

إن ظبية يا أخي العزيز، تحسنت قليلاً في الخريف الذي غادرتنا فيه، ثم داهمتها غيوم الشتاء الكثيفة، فبدأت دموعها تسح مع دموع الغيوم.. ثم عادت في بداية الربيع فتحسنت قليلاً، ومر عليها الصيف والخريف وهي في تحسن مستمر.. إلا أن نهاية هذا الخريف، كانت موسماً جديداً لدموعها، فقد تلبدت في السماء غيوم كثيفة، ذكرت الفتاة بموسمها البكائي، فعادت إلى ما كانت عليه من تلهف لمراقبة الغيوم.. وقد ذكر لنا بعض العقلاء من ذوي الفكر والنظر والتجربة، أن الفتاة اعتادت على شيء اسمه موسم البكاء الشتوي.. وستظل كذلك، حتى يمن الله عليها أو على أهلها، أو على قبيلتها عامة، بظروف جديدة أجمل وأبهى.. وهكذا يا عمي العزيز.. ستظل ظبية تبكي، وسيظل منادي ينادي.. منادي ينادي على أهل الأرض، وظبية تبكي طالبة مدد السماء.. فأيهما ينتظر أن يتم أولاً؟ استجابة سكان الأرض لصوت منادي، أم استجابة قوة السماء لدموع ظبية..؟ وكلاهما بيد الله وحده.

عمي شوكان: هؤلاء نحن في باديتنا.. فكيف أنت في بواديك ومدنك وقراك وأريافك.. في ليلك ونهارك.. في صيفك وشتائك؟ أخبرني برسالة كلما أمكنك ذلك.. فإن شوقي إلى سائلك، مثل شوق ظبية إلى غيوم السماء..

تحياتي لك.. واسلم لأخيك

انتهت