"إصلاحات" بحاجة لإصلاحات!

السياسات المنضبطة هي التي تسير وفقاً لإطار قانونيّ، ولا يمكن للزعيم، أو الزعماء، أو من يشتركون فيها التصرف وفقاً لأهوائهم، أو رغباتهم الشخصيّة، بل هنالك قوانين ضابطة تحكم أفعالهم وتصريحاتهم، وحتّى ممتلكاتهم الخاصّة.

في العراق اليوم هنالك حكومة (بغض النظر عن شرعيّتها) يفترض أن تكون (بموجب الدستور) الأداة التنفيذيّة للسياسات الداخليّة والخارجيّة. وعليه، لا يحقّ لأيّ طرف غير مخوّل من الحكومة أن يتصرّف وفقاً لرغباته، حتّى لو كانت تصرّفاته تحت مظلّة "تصحيح الأخطاء، أو تغيير المنكر".

باب الإصلاح لا يمكن أن يكون مُشرعاً لكلّ من يمتلك القوّة غير الرسميّة؛ لأنّ من يريد "الإصلاح" انطلاقاً من القوّة التي يمتلكها سيفتح أبواباً للخراب والدمار والضياع، لأنّها ليست ضمن إطار الدولة والقانون، بل هي (في الغالب) تصبّ في قوالب المصالح الخاصّة والحزبيّة، حتّى لو كانت بشعارات "إصلاحيّة".

من المؤكّد أنّنا جميعاً نعمل لتحصيل الغايات النبيلة، وتحجيم غير النبيلة منها، ويفترض أن يظهر دور الحكومة (وبتنسيق رسميّ وشعبيّ) في تطبيق الآليّات الداعمة لبلوغ تلك الغايات، وإلا فالبلاد (أيّ بلاد) ستذهب للفوضى!

ما جرى خلال الأيّام الماضية في بعض المدن الجنوبيّة، من قيام جماهير الزعيم الدينيّ مقتدى الصدر بأعمال "إصلاحيّة" على طريقتهم الخاصّة، فيه الكثير من الرسائل (وربّما الألغاز) التي تكشف حقيقة السيادة والحكم القائم في العراق.

الصدر أصدر تعليماته لأنصاره "بضرورة الاحتجاج والاعتصام أمام المراكز التجاريّة والعقارات التي يمتلكها المنتفعون والفاسدون"، وذكر من بينهم عواد العوادي، وكاظم العيساوي، وغيرهما، وذلك بعد أن قيل إنّ هنالك انشقاقات، أو خلافات داخل التيّار الصدري، أو ربّما "إصلاحات"!

الجماهير الصدرية هجمت على ممتلكات هؤلاء وأحرقت أسواقهم التجاريّة، وربّما حتّى منازل بعضهم الشخصيّة!

"إصلاحات" بعد منتصف ليلة الأربعاء الماضي أسفرت عن مقتل أربعة أشخاص، وإصابة ‏17 آخرين بمحافظة النجف الجنوبيّة، فيما وقفت حكومة المحافظة وأجهزتها الأمنية عاجزة تماماً أمام هذه "الفوضى الإصلاحيّة"!

ولم يتوقّف الأمر عند هذا الحدّ، بل طوّق العشرات من المتظاهرين الغاضبين منزل النائب السابق عواد العوادي في محافظة بابل، والنائب عادل الزركاني في محافظة واسط!

فهل هذه أساليب للإصلاح، أم للتخريب؟ وما موقف حكومة بغداد منها؟

يفترض بالتيّار الصدري أن يقدّم كافّة الفاسدين للقضاء في محافظاتهم، وحينها يكون القضاء هو الحكم، ويمكن للتيّار (بما يمتلك من أدلة ضدّهم) أن يكون عوناً للعدالة على الفاسدين بطريقة حضاريّة، وهذا ما لم يقع!

عموماً (ربّما) هنالك من يقول إنّها "إصلاحات داخليّة في إطار التيّار الصدري"!

وهذا الكلام يمكن قبوله فيما لو كانت تلك "الإصلاحات" داخل التيّار عبر قرارات لم تخرج للشارع، أمّا حينما نجد انعكاسات هذه القرارات، أو "الإصلاحات" في الشارع، وبهذه الطرق غير المدنيّة، فهذا ليس من الإصلاح بشيء؛ لأنّه نشر للفوضى وإجهاض لمفهوم الدولة، ومؤكِّد بأنّ التيّار غير ناظر لوجود حكومة رغم مشاركته الفاعلة فيها، بل ويتصرف وفقاً لما يريده دون الأخذ بالاعتبار وجود مساحة قانونيّة رسميّة يمكنها حسم الأمور، ولو بمتابعة مباشرة من التيّار!

كيف يمكن تصوّر بناء دولة، مع وجود مثل هذه الأفعال غير المنضبطة وغير المتوافقة مع أبجديّات البناء الصحيح للدول؟

محاولة كلّ فرد، أو حزب، أو تيّار تصحيح الأخطاء، أو إجراء "الإصلاحات" عبر ما يمتلكون من قوّة ومال ورجال يُعدّ انتكاسة كبرى لمفهوم توزيع السلطات، ونقطة انحدار للبلاد بزاوية حادّة نحو الهاوية؛ لأنّها "إصلاحات" تُبطل أدوار الحكومة والقضاء، ولهذا يفترض أن تتمّ تلك المعالجات عبر السبل الرسميّة والقانونيّة!

خلاصة القول إنّ كلامنا ليس دفاعاً عن الحكومة وإنّما لإثبات درجة الفوضى في منظومة الحكم القائمة، وبالذات مع الأنباء التي تسرّبت ليلة الجمعة أنّ اللجنة الثلاثيّة في التيّار الصدري برّأت "العوادي والعيساوي وغيرهما" من تهم الفساد!

ولا نعلم إلى أين ستقودنا هذه السياسات المتناحرة، أو غير المنضبطة، ومنْ يتحمل مسؤوليّة الأرواح والدماء التي سفكت في هذه "الإصلاحات"؟

وسوم: العدد 826