حركة داعش وتطبيق التعاليم التوراتية (الحلقة الرابعة)

حركة داعش وتطبيق التعاليم التوراتية (الحلقة الرابعة):

من المستفيد الحقيقيً من تدمير داعش للآثار العراقيّة؟

محاولة في الإجابة مع خاتمة تفاؤل

د. حسين سرمك حسن

مدخل ضروري مُكرّر في بداية كل حلقة للضرورة :

حينما يُقتل شخص في حيّ من الأحياء بمدينة ما ، فإن الشرطة لا تقوم باعتقال كل سكّان المنطقة للتحقيق معهم . هذا غباء وإجراء غير علمي ولا عمليّ . هناك قاعدة جنائية بسيطة هي "البحث عن المستفيد" من الجريمة ؛ أي المستفيد من مقتل هذا الشخص . فمن المستفيد من نشاطات حركة داعش التدميرية ؟ من هي الدولة التي لم تتضرّر أبداً في الشرق الأوسط ؟ من هي الدولة التي تصب في مصلحتها كل نتائج السلوك التدميري والتخريبي الشامل والعنيف لحركة داعش في منطقة الشرق الأوسط ؟

والجواب هو إن هذا الطرف المُستفيد والوحيد هو الكيان الصهيوني اللقيط الذي لم يتضرّر أبداً من اي نشاط لحركة داعش .

ولمعرفة طبيعة الصلة بين المنفّذ والمستفيد ، يثور سؤال مكمّل : أين نجد جذور "طريقة" و "أسلوب" قتل ذلك الشخص ؟ إذا كان قتل ذلك الشخص قد تمّ بطريقة لا تمت لكل ميراث سكان الحيّ (المنطقة) في تصفية نزاعاتهم الشخصية وفي حل الخلافات والصراعات وتنفيذ الأفكار ، فعلينا أن نبحث عن "مصدر" هذه "الطريقة" وهذا "الأسلوب" .. أي مصدر الأفكار التي يحملها هذا المنفّذ الجديد في مكان آخر. فكل ما تقوم به داعش لا يمت بصلة على الإطلاق بكل تاريخ سكان (الحي) المنطقة وموروثهم الذي هو إسلامي في أكثريته . ولكن الفحص الدقيق والتأمّل التاريخي والفكري يكشف تطابقاً غريباً بين التعاليم التوراتية لليهود والتي تعتمدها الدولة الصهيونية وممارساتها منذ ثلاثينات القرن الماضي وحتى اليوم (وآخرها حرب غزة الأخيرة) وبين أفكار حركة داعش وسلوكياتها . لو راجعنا التوراة (وأؤكد هي ليست توراة الله عزّ وجل التي أُنزلت على موسى "ع" بل توراة كهّان القبائل اليهودية الهمجية المتوحّشة التي وُضعت بعد وفاة موسى وضياع توراته لأسباب نفسية تعويضية واسباب سياسية في السيطرة على شعوب المنطقة وطردها من أراضيها) لوجدت أنّها الأفكار الاساسية التي تنادي بها داعش ، ولا علاقة لها ابداً بالقرآن الكريم – دستور الإسلام – وفكر وسلوك نبيّه محمد "ص" الذي يحكم تفكير وسلوك سكان المنطقة . إنّ التشابه بل التطابق بين افكار داعش والتعاليم التوراتية تصل حدّ التلاقي في التفاصيل الجزئية . إن أفكار داعش ليست من إله محمّد ، بل من "يهوه" إله اليهود البدوي المتجهّم العنيف الذي لا يرحم . إله اليهود يأمر أنبياءه وعبّاده بأن يفنوا كل شيء .. نعم .. يفنوا كل شيء في المدينة التي يدخلونها . يحرقوا الزرع والضرع .. يسبوا النساء .. يذبحوا الأطفال .. يقطعوا رؤوس الرجال .. يبقروا بطون الحوامل .. يهدموا البيوت .. ويسلبوا الأموال . وتهديم المراقد مُتضمن في هذه التعاليم لأنها تحرّم كلّ تصوير وتجسيم وتمثيل بالرغم – وهذا من تناقضات التوراة – من أنها تعود في مواضع أخرى لتعلّم الإنسان أصول النحت والتصوير !! وهذه التناقضات عادية في التوراة فهي كتاب الأخطاء (في التوراة 20000 عشرون ألف خطأ !!!) ، وهي أيضاً كتاب السخافات والشعوذات والقتل والإغتيالات والزنا بالمحارم . وعلى ذكر الإغتيال فالتوراة هو الكتاب "السماوي" الوحيد الذي يدعو للإغتيال ويعرض النماذج التطبيقية له .. وعلى يد من ؟ على يد أنبياء كما سنرى ذلك في الحلقات المقبلة !!

الحلقة الرابعة :

من (المستفيد) الحقيقي من تدمير داعش للآثار العراقية ؟

محاولة في الإجابة مع خاتمة تفاؤل

------------------------------------------------------

من المؤكّد أننا كعراقيين قد صُدمنا بقوة وعنف حدّ تقطيع القلب حين شاهدنا كيف تحطّم أيدي الإرهابيين الدواعش الأوغاد مجموعة من أهم كنوز العراق الحضارية والتاريخية المُرتبطة - بعمق - بملامح شخصيته ووحدو هوّيته ، وهي آثار وطننا الغالي التي كان يضمها المتحف العراقي في الموصل . ومن المؤكّد - أيضاً - أنّنا جميعاً قد عشنا واحداً من أصعب وأفظع المواقف على نفوسنا ، وأشدّها تمزيقاً للوجدان وعصفاً بالروح ، ونحن نشاهد كيف تدمّر كلاب داعش المسعورة آثار مدينة النمرود العراقية الآشورية العظيمة .

قلتُ في المدخل السابق أنّ حركة داعش الإرهابية تتفق مع تعاليم التوراة في أنّها تحرّم كل تصوير وتجسيم وتمثيل للأشخاص . وتتفق داعش في ذلك مع جذرها وراعيها "الوهابي" أيضاً الذي هو في الحقيقة مذهب يتفق مع التصوّرات التوراتية في الكثير من الأمور ليس هنا مجال تناولها . وتلتقي الحركات الثلاث : التوراتية والوهابية (الأعرابيّة) والداعشية في معقد واحد هو الثقافة البدوية وينيتها السيكولوجية .

ولكي لا نشتّت مسارات موضوعنا الخطير ، دعونا نتساءل : من هي الجهات (المستفيدة) من تدمير داعش لكل مكوّنات تراث المنطقة الحضاري واجتثاثه بصورة كاملة ؟

هناك أطراف كثيرة بطبيعة الحال ، وليس غريباً أن نقول – ونحن نتناول الأمور من منظور التحليل النفسي من دون تدويخ القارىء – إنّ من بين الجهات التي سوف تشعر بنوع من الإرتياح اللاشعوري هي الولايات المتحدة الأمريكية بسبب ما يمكن أن نسمّيه بـ "عقدة التاريخ" . فدولة عمرها (200) مئتي سنة وتأسست على العدوان والإستيلاء والطرد والمصادرة ، من المؤكّد أنّها سوف تشعر بنقص رهيب تجاه دولة عمرها آلاف السنين كما تجسّد ذلك آثارها المشخّصة . وقد أشار أحد الباحثين بحقّ إلى أنّ عمر الحضارة الأمريكية هو (ساعتان) بالقياس إلى الحضارة العراقية .

لكن الطرف الذي لا بدّ أنّه كان (المستفيد) الأكبر هو الكيان الصهيوني اللقيط . هناك حساب يمكن أن نسمّيه (الثأر) التاريخي من حضارة العراق ، حضارة أذاقت اليهود الأمرّين مرّتين : مرّة على يدي الملك الآشوري العظيم سرجون الثاني ، وثانية على يدي الملك البابلي العظيم (نبوخذ نصر) . ولا يتردد قادة الصهاينة في الإعلان عن حقدهم على حضارة الرافدين ورغبتهم في تحطيمها . إنّ هذا الإحتقان النفسي الرهيب يتأجج ويغلي بفعل التثقيف التوراتي اليومي الذي يذكّر بتلكما الحالتين الهائلتين من الانكسار النفسي التاريخي .

في حساب الفائدة الأوّل حقّقت حركة داعش الإرهابية جانباً مهماً من ( الثأر ) الصهيوني التوراتي المزمن .

أمّا الحساب الثاني الذي يهمّني أن أؤكد عليه - وبقوّة - فهو حساب عام مع الموروث الحضاري العراقي السوري المصري الذي يقف كواحد من أهم الحواجز في وجه تحقيق الحلم الصهيوني في قبول الكيان اللقيط كدولة (يهوديّة) خالصة .

فهذا الكيان يسعى منذ عقود لإلغاء واجتثاث وتدمير كلّ الشواهد الحضارية القديمة التي تُذكّر البشر على هذه الأرض (في الشرق الأوسط تحديداً) بأنّ التوراة والتراث اليهودي قد بُني على أساس السطو الصارخ والسرقة الفاضحة للأساطير العراقية السومرية والمصرية الفرعونية والسورية القديمة ، وإعادة إنتاجها وفق مشغل البداوة اليهودية ، واحتقانها النفسي ، وإحباطاتها التاريخية المستديمة المعروفة ، لتقديمها في صورة تراث "جديد" ولكنّه "مشوّه" . كل وثائق المتحف العراقي ورقمه وتماثيله ومقتنياته تذكّر بـ " الأصل " الذي تمّ السطو عليه ، وهو التراث السومري والبابلي والآشوري ، وتشويهه من قبل الكهنة اليهود بعد اطلاعهم عليه في السبيين العراقيين العظيمين ، ليقوموا بتشويهه بخبث وفق محدّدات بنيتهم النفسية اللاشعورية ، ولكن تحت رقابة شعورية ماكرة لتحقيق هدف الإنسراب في بنية المنطقة التي ترفضها .

ويهمني هنا أن أشير إلى ظاهرة خطيرة سقط في مصيدتها الكثير من الباحثين - العرب عموماً والعراقيين خصوصاً - ، وقد عالجت هذه الظاهرة / المصيدة في مخطوطة كتابي (ليلة تسليم جلجامش لليهود) الذي سوف يصدر بعد وفاة الكاتب بإذن الله كما كان الراحل الدكتور علي الوردي يكتب في ذيل مؤلفاته . هذه المصيدة هي مصيدة (التناص) التي يهوّس بها الكثير من الباحثين في مجال الأسطورة ليقدموا – من دون قصد أو بقصد – خدمة كبرى للآلة الصهيونية في سعيها العارم لتنظيف المنطقة من كل الحواجز الفكريّة والعمليّة ممثلة بالوثائق والآثار التي تذكّر بعملية السطو من ناحية ، وتسهم في خلق الحاجز النفسي في وجه تقبّل أطروحة (الدولة اليهوديّة) من ناحية ثانية مكمّلة . فحين ننظّف عقل المواطن العربي من (تحاملاته) الحضارية المتصلّبة ، ونقنعه بأنّ التوراة ما هو إلّا "امتداد طبيعي" لفكر المنطقة منذ آلاف السنين ممثلا بموروثها الاسطوري العظيم ومخزونها الفكري الذهبي ، فإنّ مشروع الدولة اليهودية يصبح قابلاً للتحقّق مع شرط آخر أساسي ومكمّل ، وهو أن تتحوّل الكيانات السياسية في المنطقة العربية الحاضنة من دول مدنيّة منفتحة إلى دول دينية منغلقة ، هذه دولة شيعية ..وتلك دولة سنّية .. وثالثة دولة مسيحية .. فماذا سنحتاج ؟ بالتأكيد سوف نحتاج لدولة يهوديّة .. وهكذا .

وعليه ، فيمكننا القول بعيداً عن الإنفعال الأهوج والتحليلات السطحية إنّ الكيان الصهيوني اللقيط هو (المستفيد) الأكبر من تدمير وحرق المتحف العراقي بعد الإحتلال الأمريكي البغيض وبمباركته في عام 2003 ، ومن تدمير المتاحف والآثار العراقية الذي يقوم به كلاب داعش الآن . أضف إلى ذلك حقيقة أخرى لا تقل خطورة وتتمثل في أنّ تدمير تراث المنطقة الحضاري العظيم يسهم بقوّة في إلغاء شخصيّة شعوبها ومسخ هويتها ، وهذا هو المفتاح الذي تتحقّق من خلاله أهداف العولمة الأمريكية في هجمتها الشرسة .

خاتمة متفائلة :

---------------

بالرغم من الألم القاسي والتمزّق الهائل وتقطيع القلب والوجدان الذي نشعر به ، جميعاً ، فإنّ علينا أن لا نيأس أبداً ، وأن تكون ثقتنا بأنفسنا وتاريخنا وشعبنا راسخة وثابتة لا تتزحزح . أقدّم في الختام لمحتين بسيطتين علّهما تسهمان في ترصين إرادتنا وتسليح عزيمتنا في وجه هذا المخطط الأمريكي الصهيوني الداعشي الأعرابي برغم الألم المُمزّق والخسارات الفاجعة :

1- كنتُ قبل أن أشاهد مشاهد التخريب الوحشي لآثارنا على التلفاز قد أنجزت قبل دقائق دراسة عن "الإعجاز في شعر "فدعة" الشاعرة العراقية " ، ووقفت فيها أمام قولها :

ياعِلِّتي مِنْ كُبُر (  نُفّرْ )

و تِشْكِي الزُغُر وتريد تكبرْ

تتحدّث "فدعة" العراقيّة ، وهي الشاعرة العامّية الأمّية ، عن "نفر – نيبور " السومرية العظيمة في القرن الثامن عشر ، في حين بدأت التنقيبات في منطقة نفر عن طريق بعثة أجنبية في عام 1899 م !!!!!!!!!!!!

2- يعتبر تمثال الثور المُجنّح أوّل تمثال يتضمن حركة (سريالية) باهرة ، فهو الثور الوحيد في تاريخ البشرية الذي يمتلك خمسة أرجل !!!!!!!

إنسان عظيم مبدع خالق مثل الإنسان العراقي .... لن يموت ..

قد يتحطّم لكنه لن يُهزم .

ملاحظة واستنتاج قد يكون غير دقيق :

--------------------------------------

أبسط شخص عسكري أو ممن خدموا في الجيش يعرف أن من المُحرّم إفشاء موعد الهجوم على العدو ، وأنّ المباغتة عامل حاسم في تحقيق النصر . الجنرال الأمريكي الذي أعلن في الفضائيات موعد الهجوم ، هل أعطى الإشارة – قد يكون دون أن يدري - للإستعجال في خطوات كان من الممكن لإرهابيي داعش أن يقوموا بها قبل أشهر (مثل الهجمات المتكررة على مجاهدي الحشد الشعبي الأبطال ، وتدمير الآثار ، وحرق المكتبات ، وإعدام الكفاءات .. وغيرها) ؟ هل سنشهد تصرفات أكثر تدميرا وأساليب عسكرية أكثر فتكاً كلّما حصر الأعداء وقلّما جاء محصور بخير ؟ وهل كان الوقت السابق ضرورياً لتمويه الآثار مثلاً ؟ استنتاجات واحتمالات قد لا تكون دقيقة ، لكنّهم هم الذين جعلونا نؤمن بنظرية المؤامرة (بالقوّة) .. ولهذا حديث آخر .