حين  يخاف عاموس عوز

حين  يخاف عاموس عوز

جواد بولس

لم أفاجأ ممّا قاله الأديب المعروف عاموس عوز في كلمته التي ألقاها في السابع عشر من هذا الشهر، أمام من حضر المؤتمر السنوي الذي يقيمه معهد دراسات الأمن القومي في تل أبيب.

كثيرون من قادة إسرائيل وحكّامها يصلّون أن لا تصل أقواله إلى قطاعات اسرائيلية شعبية واسعة، لما قد تسببه من حرج لهؤلاء القادة، أو لأنّها ستؤدي إلى تفتيح عيون أرمدها ساسة خططوا كي يبقوا "بصيرين" يتقدمون قطعانًا من العميان.  

يعتبر عاموس عوز واحدًا من أهم الأدباء الذين يكتبون بالعبرية ويحظى بشهرة عالمية، ترجمت أعماله لعشرات اللغات الأجنبية بما فيها العربية. بعيدًا عن تقييمنا لأعماله الأدبية يعد عوز رمزًا من رموز الثقافة العبرية وأيقونة اسرائيلية هامة، لا سيما بما تعكسه حياته العائلية الشخصية وتماهيها مع كثير من فصول الرواية الإسرائيلية الحديثة والتاريخية.    

ثلاثون دقيقة تحدّث خلالها عوز عن مائة عام من صراع وحقد خلّف جداول دم لم تجف. في القاعة جمهور من "خبراء في الأمن" ومن "محترفي التشخيص والتمحيص والتنظير"، وهو بجرأة مثقف واع يكشف لهم عن عوراتهم، ويعلن أن الوقت قد حان وعلى إسرائيل أن  تتحرر من أحلامها السوداء، وإلّا سيكون ليلها أطول من ليل النابغة. يوجعهم حين يؤكد أن جيش إسرائيل لم ينتصر في معاركه، فالانتصار ليس بعدد القتلى والدبابات المدمرة، بل بتحقيق الأهداف السياسية، وتأمين الحياة والسلامة لأهلك. بثقة من يحب شعبه ويحب دولته، يذكّرهم بأنه كان من الأوائل الذين تنبأوا أن الاحتلال سيفسد إسرائيل والإسرائيليين. "إنني خائف ومتوجّس من المستقبل ومن سياسات الحكومة وإنني أخجل بها"، قالها وهو يغادر المنصة، وقد تركني أستذكر ذلك اليوم الصيفي الجميل، حين تعاهدت معه أن ندخل غرفةً لبضع دقائق ونوقع معًا صلحنا التاريخي، نحن الذين نعيش عليها وسنبقى لا مفر.  

كانت تجلس، وعلى يمينها يجلس صديق زوجها-  الكاتب عاموس عوز وزوجته، شعرها مصفف بعناية وعلى عنقها قلادة في وسطها حجر ناعس لا يصرخ، بدت هادئة ولطيفة، حين فاتحتنا معلنة أنها، لأول مرّة في حياتها، بدأت تشعر بخوف وتفكّر بجدّية في مستقبل أولادها في البلاد.

كنا خمسة أزواج، دعينا في ظهيرة سبت شرق أوسطي جميل، إلى بيت صديق ربطته مع زوج تلك السيّدة علاقات عمل تحوّلت مع السنين إلى صداقة عائلية متينة واحترام صادق. أنهينا طقوس التعارف الأولى، فكلّنا يعرف عن كلّنا، وجلسنا ننتظر دعوة أصحاب البيت، لتناول وجبة الغذاء.

كان عاموس عوز أوّل من علّق على تصريح صديقتنا، الذي وقع علينا كطلقة مسدس يعلن عن بدء سباق، وكفاتحة حدّدت مسارات الحديث وهويّته، بصوته العذب، وبثقة بحّار، وافقها على أن وضع البلاد مزعج، وأضاف حاسمًا أنّه سيكون أشد خطورةً إذا لم يتوقف التدهور الحاصل.

لم ننتظر طويلًا، انتقلنا وتحلّقنا طاولةً حُمّلت ما تيسّر من أطايب وشهيّات معلنة. ابتدأنا بشرب نخب صداقات تمنينا لها أن تدوم، وأيام عساها لا تجيء حبلى بالفواجع والقهر. أكملتُ ما كنت أقوله في حق المحكمة العليا الإسرائيلية، وكيف تبدو عليها علامات الضعف والهزيمة الوشيكة، فالسوس قريب من عودها، وقد أجهز على منظومات حكم أخرى.

 يجلس يسرائيل مقابلي، يسمعني وهو قابض حاجبيه، كمن يرفض تصديق ما يسمع وهو من أشهر المحامين في إسرائيل ومن رعيلهم الأول؛ في الخارج يحاول  النهار أن يتسلل بطيئًا إلى مجلسنا ليسرق حفنة من مخاوف ووجع، لم ننتبه أن ضوءه ودّعنا تاركًا ما يكفي لنرى حبّات ليمون ناهدة، تهتز على صدر شجرة فتيّة، وتنحني استعدادًا لساعة نومها في حديقة بيت صديقنا الرحبة.

أدلى كل من حضر بموقفه وبتجربته، استحضرنا مواضينا، فنفضنا من ثناياها غبارًا زائدًا ومزعجًا. نهرنا حواضرنا فسقط من عيوننا الخوف والشك، وتهامسنا كيف يا ترى سيكون الغيب.
 اكتشفنا إننا نحب أولادنا بنفس الطريقة والتنهيدة، وأننا نخاف عليهم من الريح ذاتها، ومن السكين ورائحة البارود.
بعد ساعات  أجمعوا على أن ما تقوم به حكوماتهم بحق الفلسطينيين حرام ومعيب، فاختلفنا وتناقشنا، واتفقنا أن الدمع وحده غير كاف، وأن المسألة في البدء كانت سياسية ولن تكون فقط إنسانية تحل بمراسيم رحمة وقوائم تصاريح. الاحتلال جريمة، استمراره دمار وإفساد، وكل موبقة تسوّغ باسم الدفاع عن أمن اسرائيل وسلامة سكانها، ستصبح سلوكًا مستساغًا يغزو أروقة حكمها ويملأ شوارعها قتلًا ورعبًا وضحايا.

كانت يدي اليمنى ترتفع وتهوي كيد منجّد، كنت أشرح لهم تفاصيل آخر اعتداء نفذته مجموعة من الصبية اليهود تنادى أعضاؤها، من خلال شاشات هواتفهم الذكية، واستجابوا لدعوة صاحبهم للخروج إلى حفلة اصطياد فتية عرب. في غضون دقائق انضم ثلاثون يافعًا وخرجوا كقطيع ذئاب جائعة فانقضوا على أول فتى عربي صادفوه، ولولا تدخل بعض المارة لتركوه جثة هامدةً. 

وقف عاموس عوز واعتذر منّا، فلقد كان مضطرًا أن يعود إلى بيته سائقًا وهو يفضل أن لا يسوق في الظلام، كان يقف ويدي بين يديه، عيناه تنظران مباشرة إلى عيني، في وجهه حكمة من يحب الحياة، وشعره غير مرتب ككبار الأدباء، وقال:"نحن متفقان، أوكد لك إننا لو دخلنا إلى غرفة واجتمعنا سنخرج بعد وقت قصير باتفاق موقع وحل لجميع القضايا، ولكن المأساة أننا لسنا أصحاب القرار وهذا ما يغيظني"، قالها وودعنا ورحل.

ينزل عن المنصة وصوت تصفيق القاعة يخفي وجهه الرجولي الخجول، أفكّر كيف يمكن أن يسمع العرب والإسرائيليون ما قاله عوز، وأشعر أنه ما زال مثلنا يخشى من مستقبل يعبث فيه ساسة فاسدون، ولأنه يعرف كما قال في تل أبيب ما قالته العرب، إن اليد الواحدة لا تستطيع أن تصفق، وأنا أعرف أنه حين يخاف عاموس عوز أخاف أنا كذلك.