الحوثيون والإصلاح والسلفيين في اليمن

محمد سرور الحريري

الحوثيون والإصلاح والسلفيين في اليمن

محمد سرور الحريري

بسم الله الرحمان الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ، أما بعد :-

للأسف الشديد والبالغ فقد قام وأقدم بعض الأشخاص والعناصر والأفراد من الحوثيين بمظاهرة في اليمن وسواءً (قلوا أو كثروا ) فليس هذا المهم وإنما المهم أنهم صدق عليهم حديث رسول الله بأنهم غثاء كغثاء السيل ، فلاخير فيهم ولابركة بهم وأغلبهم من المؤيدين لتنظيم وجماعة الحوثي في اليمن وبشكل ملحوظ فقد أقدموا على المخاطرة والبدء في مسيرة ومظاهرة راجلة وراكبة وماشية تدعوا للفتنة وللإنقسام وقد حصل ذلك خلال يوم الجمعة بتاريخ : 22-8- 2014 م - وللأسف الشديد فقد استجاب كثير من دعاة الفتن  لمثل هذه المظاهرات والمسيرات الداعية للفتنة ولترغيب الأمة والعالم في التشيع والإنجرار وراء الفكر الحوثي المنحرف المنتشر في اليمن بدعم إيراني بحت ولأغراض تشيعية واضحة ولنشر الفكر الشيعي في اليمن .

ويقول البعض بأن الحوثيين قد دخلوا في الشعب اليمني مدخلاً كبيراً وواسعاً وأصبح لهم إنتشار ونفوذ وهذا غير صحيح وخاصة مقابل التوسع الإسلامي الصحيح السني والمتمثل بحزب الرشاد السلفي والتجمع اليمني للإصلاح وأبناء وعلماء ومشائخ جامعة الإيمان وغيرهم ممن يمثلون المنهج الحق والقويم في نشر المنهج الإسلامي المعتدل في اليمن . إلا أنه مع ذلك فقد استجاب للأسف الشديد عدد من محبي الفتن في اليمن وأكثرهم من الحوثيين للمشاركة في مظاهرة ومسيرة تزعم وتدعي أنها تريد المطالبة بحقوق الشعب اليمني الفقير والبائس ولكن الحقيقة الخفية هي إستغلال الأوضاع في اليمن وإنتهاز الفرص وإشعال الفتن وبث المشكلات وإعادة اليمن إلى العصر الإمامي وإلى التخلف والجهل السابق والسائد والمنتشر بشكل واضح على مدى عشرات السنوات سابقاً .

إلا أنه بات واضحاً أن الحوثيين في اليمن أصبحوا يشكلون خطراً على اليمن بشكل خاص وعلى المناطق المجاورة لليمن كالسعودية ودول الخليج وسلطنة عمان وغيرها بشكل عام وذلك بهدف نشر الفكر الإيراني والتشيع المنحرف وبث السموم في الشعوب والمجتمعات الجاهلة والفقيرة وذلك عن طريقين اثنين واضحين وهما :-

1- استغلال فرصة جهل الشعوب والمجتمعات بخطر الفكر الإيراني والتشيع المذهبي والقيام بنشر الأفكار والكتب والمناهج والعقائد الشيعية الإثناعشرية التي تحرض على قتل المسلمين وتزيد الفتن في بلاد المسلمين وتزيد الحقد على أهل السنة وخاصة في اليمن بشكل خاص وفي دول الخليج بشكل عام .

2-انتهاز فرصة فقر وجوع وحاجة الشعب اليمني والمجتمعات والتجمعات والأحزاب في اليمن وكذلك في كثير من القرى خارج اليمن وفي الدول المجاورة والحدودية لليمن والقيام بتقديم إغراءات مادية ومالية كبيرة لهم وذلك بدعم من طرفين إثنين وهما :-

-أ- دعم خفي أحياناً وواضح وعلني أحياناً أخرى وذلك من قبل الرئيس السابق لليمن علي عبد الله صالح .

-ب- دعم خفي أحياناً وواضح وعلني أحياناً أخرى وذلك من طرف إيران لجماعة الحوثي في اليمن وذلك مقابل نشر الفكر الشيعي الإيراني والتوسع في المشروع الإيراني الإثناعشري وتكثير سواد الشيعة في العالم وإدخال وإقناع من هب ودب من الناس والشعوب والمجتمعات في المنهج الشيعي الإثناعشري الإيراني . 

 الحركة الإسلامية في اليمن:

يقول بعض العلماء والكتاب والخبراء والفقهاء والصحفيين والمحللين ومن بينهم الدكتور علي محمد الصلابي قد يظن البعض أن مشاركة الحركة الإسلامية اليمنية في السلطة لم تبدأ إلا بعد الانتخابات النيابية التي جرت في 27أبريل 1993م، يبد أن الحقيقة هي أن الحركة بدأت تجربتها في المشاركة منذ وقت مبكر وعلى أصعدة متعددة وبأساليب متنوعة حسبما تتطلبه الظروف والمراحل، وإن كانت السنوات الأخيرة من عمر التجربة السياسية للحركة اليمنية تظهر مع قرار الحركة في المشاركة في انتخابات أبريل 1993م، ثم المشاركة في الحكومة حيث أظهرت ملامح الحركة السياسية قدرتها على خوض الصراع السياسي بمهارة فائقة وقدرة نادرة وتخطيط صحيح وإدارة رشيدة وتنظيم قوي.

لم يكن برنامج العمل السياسي للتجمع اليمنى للإصلاح إلا وليد مجهودات سبقت, وسنين من العمل والجهاد المتواصل، ظهرت رؤيته العقدية وصبغته الشرعية ومنظومته الفكرية والثقافية منذ اليوم الأول لاندلاع ثورة سبتمبر 1962م التي أطاحت بنظام الإمامية وجاءت بالنظام الجمهوري وأخذت هذه المنظومة تتطور مع الزمن حتى برزت في هيكلها الأخير للتجمع والإصلاح، ولقد ساعدت عوامل عدة في نمو الحركة السياسي والتنظيمي مع الامتداد الشعبي المتوازن, ومن أهم هذه العوامل:

1- بقاء اليمن الشمالي حرًا بعيدًا عن الاستعمار الأجنبي.

2- تأكيد النظام الجمهوري بعد قيامه على سيادة الشريعة الإسلامية وجعلها مصدر القوانين جميعًا.

3- وجود مجال رحب للعمل السياسي استفادت منه الحركة في تنمية قدراتها وتفجير طاقاتها وتوجيهها نحو تحقيق أهدافها. 

4- امتلاك الشعب للسلاح وبذلك حافظ على حريته؛ ولم تستطع الحكومات العلمانية أن تذله وتكبل حريته وتصادر حقوقه؛ ولذلك لم تتعرض الحركة الإسلامية بشكل جماعي ومنظم طوال فترة ما بعد الثورة إلى اليوم لأية محنة كبيرة أو إجراءات قمعية شديدة كالسجن أو النفي أو المطاردة أو غير ذلك ([1]).

 

5- ظهور المد الشيوعي في جنوب اليمن ووصول الحزب الماركسي إلى مقاليد الحكم في اليمن الجنوبي، مما جعل مصالح مشتركة بين الحكومات الشمالية والحركة الإسلامية مع ظهور قيادات فذة في الحركة استطاعت أن تستفيد من هذه المعادلة لمصلحة الإسلام في اليمن إلى غير ذلك من العوامل.

وكانت لجهود الجهاد التي قادها الشهيد محمد محمود الزبيري رصيد حي للحركة الإسلامية في اليمن, وتعتبر شخصيته من أبرز الشخصيات الوطنية التاريخية المعاصرة، وقد أجمعت كل القوى السياسية بعد استشهاده على إطلاق لقب «أبو الأحرار» عليه.

كان للحركة الإسلامية مشاركة سياسية قبل الوحدة، وشاركت بعدد من أعضائها في مجلس الشورى لعام 1971م وحرصت على أن تؤدي دورًا متميزًا، رغم قلة أعضائها، في مجال وضع التشريعات القانونية التي انبثقت جميعها من الشريعة الإسلامية ([2]).

واهتمت الحركة في اليمن بالجانب التعليمي والتربوي وأعطته اهتمامًا خاصًا، فساهمت في إعداد المناهج الدراسية لمختلف المراحل التعليمية، وكان حظ مناهج التربية الإسلامية وافرًا، حيث حشدت الحركة العشرات من العلماء البارزين - من المذهبين الزيدي والشافعي- لوضع هذه المناهج برؤية توحيدية جامعة تتجاوز التعصب المذهبي، إذ تم الاتفاق على أن تكون مناهج الفقه والحديث نابعة من الدليل الأصوب، دون التحيز والتعصب لأحد المذهبين المذكورين, وكان من فضل الله على أهل اليمن ثم بهذا الجهد المبارك أن نشأت الأجيال منذ ذلك الحين حتى اليوم برؤية فقهية موحدة تجاوزت فيها الحساسيات والصراعات الموروثة على مدار التاريخ وتجنبت البلاد مرارة الصراع المذهبي بهذا الفعل الرشيد.

- وبنفس الرؤية التوحيدية الجامعة ساهمت الحركة الإسلامية في تقنين أحكام الشريعة الإسلامية، وتميز في الفترة التي ترأس فيها القاضي عبد الكريم العرشي مجلس الشعب التأسيسي من 1978م إلى 1988م بالنشاط الدءوب والعمل الجاد حتى أطلق على هذه الفترة بالعصر الذهبي في هذا المجال، وأصبح القضاء في جميع اليمن ملتزمًا برؤية شرعية موحدة. وكان لهذا المسلك على المستويين التعليمي والتشريعي أثره الفعال والكبير في ترسيخ دعائم الوحدة الوطنية في اليمن.

 

- اهتمت الحركة بالجانب الثقافي والتوجيه للمجتمع اليمنى, واتجهت نحو العمل المؤسسي، وكان أبرز ثماره مكتب التوجيه والإرشاد، الذي صدر وفق قانون في عهد الرئيس الراحل إبراهيم الحمدى، وترأسه على التوالي كل من الشيخ عبد المجيد الزنداني والقاضي يحيي الفسيل، ونص القانون على أن يكون رئيس المكتب بدرجة وزير، ونائبه بدرجة نائب وزير، ووكيله بدرجة وكيل وزارة، وكان نشاط المكتب عظيمًا وأثره في الجانب الشعبي كبيرًا، حيث استطاع من خلال قوافل التوجيه والدعوة أن يتغلغل في وسط القبائل والقرى والمدن وطعم جهوده الجبارة بدعوة عدد من كبار مفكري العالم الإسلامي مثل الدكتور يوسف القرضاوى، والشيخ محمد الغزالي، والدكتور الترابي، والأستاذ يوسف العظم، والشيخ حسن أيوب، والدكتور الصواف، والدكتور أحمد العسال وعشرات غيرهم، نجح المكتب من خلال ذلك في أن يحدث وعيًا شعبيًا بقضايا الأمة الإسلامية، سواء كانت قضايا فكرية أو سياسية أو اجتماعية أو غير ذلك.

 

- واهتمت الحركة بتأسيس المعاهد العلمية، التي يدرس طلابها نفس مناهج التربية والتعليم مع زيادات مقدرة في المجال الشرعي واللغة العربية، بهدف تزويد الطلاب بقدر أكبر من تلك العلوم والمعارف، وقد بدأت المعاهد العلمية منذ قيام الثورة في عام 1962م كمعاهد أهلية، ثم أصبحت منذ أوائل السبعينيات تابعة لإدارة خاصة بها ضمن وزارة التربية والتعليم، ثم تطورت لتصبح تابعة لهيئة أعلى، لكن موازناتها ظلت ضمن موازنة وزارة التربية والتعليم، وفي عام 1980م صدر قانون من مجلس الشعب التأسيسي وموقع من قبل الرئيس على عبد الله صالح بتوحيدها ضمن جهاز واحد يسمى الهيئة العامة للمعاهد العلمية، بموازنة مستقلة وبجهاز فني مستقل، على أن يرأسها مسئول بدرجة وزير، ومنذ ذلك الوقت تناوب على رئاستها ثلاث من الشخصيات الإسلامية البارزة بدءًا بالقاضي يحيى الفسيل (1980- 1985) ثم الأستاذ أحمد عبد الله الحجري (1985- 1988م) ثم المهندس أحمد الآنسي (1988- 1990), ومنذ قيام الوحدة لم يعين لها رئيس حتى الآن؛ بل تتم إدارتها من قبل وكيل الهيئة والجهاز الفني، وذلك بسبب الخلاف السياسي على وجودها واستمرارها، إذ كان يصر الحزب الاشتراكي اليمنى على دمجها ضمن وزارة التربية والتعليم بينما يرفض التجمع اليمنى للإصلاح ذلك، ويقف المؤتمر الشعبي العام موقف الحياد بين الطرفين، وقد أعطت المعاهد العلمية في الجانب التربوي والتعليمي عطاًء كبيرًا، وتركت آثارًا طيبة على جمهور المواطنين، وتوسعت المعاهد العلمية لتجاوز خمسمائة معهد على مستوى الجمهورية يرتادها ما لايقل عن ثلاثمائة ألف طالب وطالبة.

 

واشتملت هيئة المعاهد على إدارة عامة لمدارس تحفيظ القرآن الكريم تتبعها أكثر من مائة مدرسة ويرتادها أكثر من ثمانين ألف طالب وطالبة، ورغم موقف الحزب الاشتراكي المهزوم من المعاهد العلمية ومدارس تحفيظ القرآن الكريم عندما كان في الحكم إلا أنه لم يستطع منع إقبال الناس عليها من المحافظات الجنوبية والشرقية التي كان يحكمها الحزب، ووجد الحزب نفسه مرغمًا على قبول فتح معاهد علمية ومدارس لتحفيظ القرآن الكريم في مختلف أرجاء تلك المحافظات الست.

 

- وفي المجال السياسي دخلت الحركة الإسلامية في لجنة الحوار الوطني التي شكلها على عبد الله صالح في عام 1980م والتي تكونت من خمسين شخصية يمنية، مثلت فيها معظم القوى السياسية بما في ذلك الحركة الإسلامية، واستمرت اللجنة لمدة عامين تقريبًا تدير حوارًا وطنيًا وشعبيًا موسعًا لوضع صيغة لمشروع ميثاق وطني يتم إقرارها من خلال مؤتمر شعبي عام بحيث يكون هذا الميثاق هو الدليل النظري والفكري للشعب اليمنى وقيادته، وخلال عامين من المداولة والتباحث، توصلت لجنة الحوار الوطني إلى صيغة لمشروع ميثاق غلب الطابع الإسلامي عليه، ثم عرضت هذه الصيغة شعبيًا من خلال استبيان أبدى فيه مئات الآلاف الذين شاركوا فيه رأيهم في الصيغة المقترحة، وطالبوا ببعض التعديلات التي صبت معظمها في الاتجاه الذي دفعت صوبه الحركة الإسلامية، فأعيدت الصياغة بموجب نتائج الاستبيان الشعبي، ثم قدمت إلى المؤتمر الشعبي العام الذي انعقد في 24أغسطس (آب) 1982م وأقر الصيغة النهائية للميثاق الوطني, وأقر المؤتمر كذلك استمرار المؤتمر الشعبي العام كصيغة للعمل السياسي وإطار يجمع القوى الوطنية ويشرف على تطبيق الميثاق الوطني عمليًا، وانتخب المؤتمر الرئيس على عبد الله صالح أمينًا عامًا له، كما انتخب لجنة دائمة (مركزية) من خمسين عضوًا، كان نصفهم تقريبًا من الإسلاميين، وقد انتخبت اللجنة الدائمة د.أحمد الأصبحى (إسلامي) أمينًا لسرها وعبد السلام العنسي (إسلامي) وعبد الحميد الحدي (قومي) مساعدين لأمين السر.

 

وساهم الإسلاميون فيما بعد على المستويين التنظيمي والفكري في ترسيخ قواعد المؤتمر الشعبي العام، الذي كان أول صيغة سياسية تعترف بالقوى السياسية عمليًا دون الإعلان عن وجودها بشكل رسمي ([3]).

 

 

هذه بعض الملامح الرئيسية في مشاركة الحركة الإسلامية في العمل السياسي على مستوى الدولة قبل تجربة الوحدة.

 

ب- تجربة ما بعد الوحدة:

إن تجربة الحركة الإسلامية فيما بعد الوحدة تختلف اختلافًا كبيرًا عن تجربة ما قبل الوحدة، وهو اختلاف يكمن سره في الانتقال من العمل السري إلى العمل العلني، وفي تحول النظام الحاكم في اليمن نحو الديمقراطية والتعددية.

لقد كان إنشاء التجمع اليمنى للإصلاح نقلة نوعية كبيرة لم يقتصر أثرها على الحركة الإسلامية وحدها؛ بل امتد ليشمل الساحة اليمنية بأسرها، فبروز حزب جديد يمتلك قاعدة شعبية عريضة مؤثرة وفاعلة جعل الخريطة السياسية اليمنية تنتقل إلى مرحلة من التوازن, ووجد الكثيرون ممن لا يرغبون في الانضمام إلى الحزبين الكبيرين (المؤتمر والاشتراكي) مجالاً لممارسة العمل السياسي ضمن الحزب الجديد، وكان الإصلاح هو حزب المعارضة الرئيس والمؤثر خلال سنوات الفترة الانتقالية من 22مايو 1990إلى 27أبريل 1993م.

 

وبرز دور الإصلاح وتأثيره في المعارضة أثناء فترة الاستفتاء على مشروع دستور دولة الوحدة التي استمرت ثلاثة أشهر، من فبراير إلى مايو 1991م، حيث كان الإصلاح يرى وجوب إجراء بعض التعديلات على الدستور قبل الاستفتاء عليه بسبب كثرة التناقضات التي اشتمل عليها، ناهيك عن الغموض الذي اكتنف الكثير من مواده، حيث كان هذا الدستور قد وضع من قبل لجنة مشتركة من شطري اليمن في الفترة ما بين مارس 1979م إلى ديسمبر 1981م، أي حينما كان المعسكر الشيوعي في أوج قوته، مما أدى إلى أن يتجه النظامان حينها إلى صيغ توفيقية وتلفيقية لتجاوز خلافاتهما، وهكذا أصبحت هوية النظام السياسي غامضة، فلا يوجد مثلاً نص صريح على التعددية، وكذلك الأمر بالنسبة لهوية الاقتصاد فلا هو إسلامي ولا هو اشتراكي ولا هو رأسمالي، ولم ينص الدستور على الفصل بين السلطات، ولا على التداول السلمي للسلطة.

 

انتقد الإسلاميون الدستور بسبب الثغرات الكثيرة ولم يرضوا اعتبار الشريعة الإسلامية المصدر الرئيس للتشريع؛ بل طالبوا بأن يكون المصدر الوحيد للتشريع، لذلك قرر الإصلاح أن يقود معارضة شعبية واسعة للدستور، وقد اصطف وراءه ما يزيد على عشرين حزبًا من مختلف الاتجاهات الإسلامية والقومية والليبرالية. وبدأت حملة المعارضة بالمحاضرات والندوات والملصقات والمهرجانات الجماهيرية، فيما اتفق أكثر من أربعمائة من كبار علماء الشريعة في اليمن على توقيع وثيقة تطالب السلطة بتعديل الدستور قبل الاستفتاء عليه، وفي ذات الوقت بدأ الإصلاح بجمع توقيعات المواطنين المطالبين بتعديل الدستور، حتى تجاوزت هذه التوقيعات مليونا ونصف المليون توقيع من مختلف مناطق البلاد.

 

بلغت الحملة ذروتها بالمسيرة المليونية التي قادها الإصلاح داخل العاصمة، وشارك فيها مواطنون من مختلف أنحاء البلاد اتجهوا إلى مقر رئاسة الجمهورية مطالبين بالتعديل، فأصدر مجلس الرئاسة الحاكم بيانًا سياسيًا ضمنه أهم مطالب الإصلاح، ومنها:-

 

1- الالتزام بأن الشريعة الإسلامية هي المصدر الوحيد للتشريع وبطلان أي قانون يخالفها.

2-إعادة الحقوق والأملاك التي أممها النظام الشيوعي في عدن إلى أصحابها.

3- الالتزام بالنظام الديمقراطي القائم على أساس التعددية الحزبية والتداول السلمي للسلطة.

4- الالتزام بتعديل الدستور إثر أول انعقاد لمجلس النواب المنتخب بعد نهاية الفترة الانتقالية، فرحب الإصلاح وأحزاب المعارضة المتحالفة معه بالبيان، وطالبوا بجعله جزءًا من الدستور والاستفتاء عليه حتى يكتسب قوة دستورية وقانونية، ولما لم تستجب السلطة لهذا المطلب أصدر علماء الشريعة فتوى بوجوب مقاطعة الاستفتاء على الدستور، وهذا ما تم فعلاً فبدا الاستفتاء هزيلاً بضعف الإقبال الشعبي عليه يومي 16، 17مايو 1991م.

 

ومن خلال موقعه في المعارضة ساهم الإصلاح بفاعلية في صياغة أهم القوانين التي صدرت في الفترة الانتقالية، مثل قانون الأحزاب والتنظيمات السياسية، وقانون الصحافة، وقانون تنظيم حمل السلاح، وقانون الإدارة المحلية، والقوانين الاقتصادية، وقانون الانتخابات ([4]).

 

رأي التجمع اليمنى للإصلاح أن استمرار الأوضاع كما هي عليه، حيث يحتكر الحزبان الحاكمان (المؤتمر والاشتراكي) حق إدارة شئون البلاد والعباد، سيدفع البلاد نحو الانهيار الشامل، ولذلك فإن دخول الإصلاح كشريك في السلطة من شأنه أن يحقق نوعًا من التوازن السياسي في البلاد، كما أن مشاركة الإصلاح تعطي تجربة فريدة في العالم العربي والإسلامي تتمثل في تشكيل ائتلاف حكومي يضم اليمين المحافظ المتمثل في المؤتمر الشعبي العام، واليسار المعتدل المتمثل في الحزب الاشتراكي، والوسط الإسلامي المتمثل في التجمع اليمنى للإصلاح، كما أن مشاركة الإصلاح في السلطة ستخفف من حدة النزعات المتطرفة التي بدأت في الظهور، وخاصة في المحافظات الجنوبية والشرقية التي كان يحكمها الاشتراكيون قبل الوحدة كرد فعل على تطرفهم.

 

ومن الفوائد المرجوة من مشاركة الإصلاح في الحكم، إتاحة الفرصة أمام العديد من كوادر الإصلاح للتأهل والتدريب على ممارسة الحكم، وصناعة القرار، والإحاطة بآليات إدارة السلطة وأسرارها وخفاياها.

 

وكذلك إتاحة الفرصة أمام الإصلاح ليقدم نموذجًا جيدًا يتسم بدقة الإنجاز وطهارة اليد وسلامة الضمير وعلمية التخطيط ومحاربة الفساد الشامل في كل مرافق الدولة.

 

وبعد خوض الانتخابات استطاع الإصلاح أن يحتل المرتبة الثانية بعد أن تحصل على 63مقعدًا, والاشتراكي 56مقعدًا, والمؤتمر 127مقعدًا، والمستقلون 47مقعدًا، والبعثيون 7مقاعد، والوحدوي الناصري مقعد واحد، والناصري الديمقراطي مقعد واحد، والتصحيح الناصري مقعد واحد، وحزب الحق مقعدين، وبحصول الإصلاح على المرتبة الثانية تأكدت مشاركته في السلطة، حيث دعا الرئيس على عبد الله صالح ونائبه على سالم البيض إلى اجتماع مشترك مع الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر، زعيم الإصلاح، اتفق فيه الزعماء الثلاثة على تشكيل ائتلاف حاكم بحيث تتوزع الرئاسات الثلاث على الأحزاب الثلاثة، فتكون رئاسة الدولة للمؤتمر، ورئاسة البرلمان للإصلاح، ورئاسة الحكومة للاشتراكي.

 

بدأت المفاوضات حول تشكيل الحكومة الجديدة، ووزعت الحقائب بحيث حصل المؤتمر على أربع عشرة حقيبة تنازل عن واحدة منها للمستقلين، وحصل الاشتراكي على تسع حقائب منها حقيبة رئيس الوزراء وحقيبة نائب رئيس الوزراء وسبع حقائب وزارية, بينما حصل الإصلاح على ست حقائب من بينها حقيبة لنائب رئيس الوزراء تولاها الأمين العام للتجمع الأستاذ عبد الوهاب الآنسى، وخمس حقائب وزارية هي الإدارية المحلية وتولاها الأستاذ محمد حسن دماج، والتموين والتجارة وتولاها د. عبد الرحمن بافضل، والصحة العامة وتولاها الدكتور نجيب غانم، والأوقاف والإرشاد وتولاها الدكتور غالب القرشي، والشئون القانونية وشئون مجلس النواب وتولاها الأستاذ عبد السلام خالد.

 

ولم تمضى شهور قليلة على تجربة الإصلاح في المشاركة حتى دخلت البلاد في أزمة سياسية انتهت بالحرب بين القوات النظامية والقوات الموالية للحزب اليمنى الاشتراكي الذي أعلن من طرف واحد انفصال الجنوب عن الشمال، وبعد شهرين من المعارك الدامية (قتل فيها حوالي سبعة آلاف شخص) تمكنت القوات النظامية من دخول آخر معاقل الانفصاليين بعد سقوط مدينتي المكلا وعدن وفرار زعماء الاشتراكي إلى خارج البلاد.

 

لقد كان دور الإصلاح في المحافظة على وحدة اليمن عظيمًا، والتف الشعب اليمنى المناصر للوحدة والمنابذ للفرقة حول الحكومة الشرعية والحزبين الكبيرين الإصلاح والمجتمع, واستطاعوا بفضل الله ثم جهودهم أن يمحوا الحزب الشيوعي الاشتراكي من الوجود بعد أن عاث في الأرض فسادًا.

 

واستمر الحزبان المتحالفان في الحكم، وتركت مشاركة الإصلاح في السلطة أثرًا إيجابيًا على المستوى الشعبي، وأوجدت أملاً لدى المواطنين في إمكانية التغيير إلى الأفضل، فسمعة الإصلاح ظلت نقية طوال الفترة الماضية قبل الوحدة وبعدها، فالناس أدركوا من خلال تجارب فترة ما قبل الوحدة أن أكثر الوزراء والحكام الإداريين (المحافظين) نجاحًا وإخلاصًا في عملهم هم أولئك الذين ينتمون إلى الحركة الإسلامية تنظيمًا أو فكرًا أو سلوكًا، ولم ينس اليمنيون إنجازات الإسلاميين على صعيد التعليم والحركة التعاونية وفي مجالات التشريع والثقافة والإرشاد, وبعد انتخابات عام 1997م أصبح الإصلاح في المعارضة وضرب أروع الأمثلة في المعارضة السلمية النزيهة البعيدة عن المزايدة والكذب والتزوير والخداع ([5]).

 

إن تجربة الإصلاح في العمل السياسي تعتبر من أنضج التجارب المعاصرة في العالم الإسلامي.

 

 

وكذلك تجربة حزب الرشاد السلفي في اليمن في الوقت الراهن تعتبر من النماذج الطيبة والجهود المباركة والتي نسأل الله أن يوفقهم لما فيه الخير والصلاح والرشد والتوفيق والرشاد .

 

ولكن للأسف الشديد فإنه في الوقت الحالي نخشى عودة الفتن والإنقسامات وعودة الحروب والفوضى والتي نرجو من الله أن يجنب اليمن وبلاد المسلمين الفتن .

 

فإنه في الفترة الأخيرة هذه من عام 2014 وللأسف الشديد والبالغ فقد قام وأقدم بعض الأشخاص والعناصر والأفراد من الحوثيين بمظاهرة في اليمن وسواءً (قلوا أو كثروا ) فليس هذا المهم وإنما المهم أنهم صدق عليهم حديث رسول الله بأنهم غثاء كغثاء السيل ، فلاخير فيهم ولابركة بهم وأغلبهم من المؤيدين لتنظيم وجماعة الحوثي في اليمن وبشكل ملحوظ فقد أقدموا على المخاطرة والبدء في مسيرة ومظاهرة راجلة وراكبة وماشية تدعوا للفتنة وللإنقسام وقد حصل ذلك خلال يوم الجمعة بتاريخ : 22-8- 2014 م - وللأسف الشديد فقد استجاب كثير من دعاة الفتن  لمثل هذه المظاهرات والمسيرات الداعية للفتنة ولترغيب الأمة والعالم في التشيع والإنجرار وراء الفكر الحوثي المنحرف المنتشر في اليمن بدعم إيراني بحت ولأغراض تشيعية واضحة ولنشر الفكر الشيعي في اليمن .

ويقول البعض بأن الحوثيين قد دخلوا في الشعب اليمني مدخلاً كبيراً وواسعاً وأصبح لهم إنتشار ونفوذ وهذا غير صحيح وخاصة مقابل التوسع الإسلامي الصحيح السني والمتمثل بحزب الرشاد السلفي والتجمع اليمني للإصلاح وأبناء وعلماء ومشائخ جامعة الإيمان وغيرهم ممن يمثلون المنهج الحق والقويم في نشر المنهج الإسلامي المعتدل في اليمن . إلا أنه مع ذلك فقد استجاب للأسف الشديد عدد من محبي الفتن في اليمن وأكثرهم من الحوثيين للمشاركة في مظاهرة ومسيرة تزعم وتدعي أنها تريد المطالبة بحقوق الشعب اليمني الفقير والبائس ولكن الحقيقة الخفية هي إستغلال الأوضاع في اليمن وإنتهاز الفرص وإشعال الفتن وبث المشكلات وإعادة اليمن إلى العصر الإمامي وإلى التخلف والجهل السابق والسائد والمنتشر بشكل واضح على مدى عشرات السنوات سابقاً .

إلا أنه بات واضحاً أن الحوثيين في اليمن أصبحوا يشكلون خطراً على اليمن بشكل خاص وعلى المناطق المجاورة لليمن كالسعودية ودول الخليج وسلطنة عمان وغيرها بشكل عام وذلك بهدف نشر الفكر الإيراني والتشيع المنحرف وبث السموم في الشعوب والمجتمعات الجاهلة والفقيرة وذلك عن طريقين اثنين واضحين وهما :-

1- استغلال فرصة جهل الشعوب والمجتمعات بخطر الفكر الإيراني والتشيع المذهبي والقيام بنشر الأفكار والكتب والمناهج والعقائد الشيعية الإثناعشرية التي تحرض على قتل المسلمين وتزيد الفتن في بلاد المسلمين وتزيد الحقد على أهل السنة وخاصة في اليمن بشكل خاص وفي دول الخليج بشكل عام .

2-انتهاز فرصة فقر وجوع وحاجة الشعب اليمني والمجتمعات والتجمعات والأحزاب في اليمن وكذلك في كثير من القرى خارج اليمن وفي الدول المجاورة والحدودية لليمن والقيام بتقديم إغراءات مادية ومالية كبيرة لهم وذلك بدعم من طرفين إثنين وهما :-

-أ- دعم خفي أحياناً وواضح وعلني أحياناً أخرى وذلك من قبل الرئيس السابق لليمن علي عبد الله صالح .

-ب- دعم خفي أحياناً وواضح وعلني أحياناً أخرى وذلك من طرف إيران لجماعة الحوثي في اليمن وذلك مقابل نشر الفكر الشيعي الإيراني والتوسع في المشروع الإيراني الإثناعشري وتكثير سواد الشيعة في العالم وإدخال وإقناع من هب ودب من الناس والشعوب والمجتمعات في المنهج الشيعي الإثناعشري الإيراني.

وأصل جماعة الحوثي في اليمن خرجت من صعدة شمال اليمن وانتشرت بعد ذلك وتوسعت للأسف الكبير حتى وصلت إلى مناطق مختلفة في شمال اليمن مثل عمران – وهمدان – وصنعاء نفسها – العاصمة السياسية – وكذلك معبر – مدينة السلفيين – ومدينة ذمار – مرتكز الحوثيين بعد صعدة .

وقد خاضت الدولة اليمنية والحكومة في اليمن حروب كثيرة ومتتالية ضد الحوثيين في اليمن وذلك منذ عام 2004 وحتى عام 2010 – 2011م – ونخشى أن تعود الفتنة والحرب مرة أخرى في هذا العام 2014 أو خلال الأعوام القادمة ونسأل الله أن يكفينا شر الحوثيين وأتباعهم وجنودهم وأشياعهم من الجن والإنس إنه ولي ذلك والقادر عليه والله الموفق والحمد لله رب العالمين وصلى اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

               

([1]) انظر: مشاركة الإسلاميين في السلطة، ص 152.

([2]) المصدر نفسه، ص 155.

([3]) انظر: مشاركة الإسلاميين في السلطة، ص 158، 159.

([4]) انظر: مشاركة الإسلاميين في السلطة، ص 161، 162.

([5]) انظر: البحث الذي أعده نصر طه مصطفى في مشاركة الإسلاميين في السلطة ص (141- 170).