بالتل تسرقنا في وضح النهار..فهل من منقذ؟؟!!

clip_image002_f2e8d.jpg

هناك ثمة سر عميق وراء تجديد الرخصة الممنوحة لمجموعة الاتصالات الفلسطينية لعشرين عاماً قادمة مقابل 290 مليون دولار أمريكي كمشغل وحيد، دون نشر مسودة اتفاقية التعاقد الجديد قبل التوقيع عليها للقيام بالرقابة المجتمعية للمساهمة في إغناء هذه المسودة بالنقاشات والبحث في آلية تطوير قطاع الاتصالات الفلسطيني.

المتتبع لأرباح مجموعة الاتصالات السنوية للعام الماضي والبالغة نحو 120 مليون دولار إذا ما قورن بالمبلغ المتفق عليه لتجديد الرخصة نحو 15 مليون دولار بالعام، وهو مبلغ قليل جدا، وهذا يعني أن السلطة الفلسطينية لا تلتزم بمعايير الشفافية، لأن توقيع اتفاقية على تلك الشاكلة تلحق خسارة فادحة بالاقتصاد الوطني الفلسطيني، إضافة إلى إلحاق الأذى بالمواطنين وتأخير نمو قطاع الاتصالات.

شركة الاتصالات الفلسطينية أحد أذرع مجموعة الاتصالات تتجنى على المواطنين الفلسطينيين في قطاع غزة، وتواصل تقديم الحجج وتتخذ إجراءات غير مسبوقة ضد القطاع المنهك أصلاً، حيث الانقطاع المتواصل لساعات طويلة لخط نفاذ الانترنت مدعية أن الانقطاع يتعلق بأسباب انقطاع التيار الكهربائي وبطاريات المقاسم تنفد شحناتها دون أن تدري تلك الشركة أن في تلك الحالات يجب أن تقلص قيمة الفاتورة المستحقة بناء على الخدمة المقدمة للمواطن.

كذلك تواصل تجنيها على المواطنين بفرض رسوم إضافية على خط الهاتف الثابت، والبالغة 20 شيقلا (5.6 دولار) شهرياً بل والتحايل على القانون باستبدال رسوم الاشتراك إلى بدل الخدمة الشهرية بعد صدور حكم محكمة النقض ببطلان تلك الرسوم، وفرض رسوماً أيضاً على خط النفاذ حسب السرعة (فمثلاً 4 ميجا بت وهي السرعة الدنيا) تفرض شركة الاتصالات رسوما تصل لـ58 شيقل (16 دولار) شهرياً، فتلك الرسوم غير قانونية والتي حكمت محكمة النقض بتاريخ 16/11/2015 ببطلانها لأن شركة الاتصالات هي شركة خاصة لديها رخصة تشغيلية احتكارية بالسوق بل أن المخول بفرض تلك الرسوم هي الدولة بقانون.

من الواضح أن أرباح مجموعة الاتصالات الفلسطينية السنوية التي تجبيها من المواطنين والبالغة قيمتها 120 مليون دولار أي ما قيمته 476 مليون شيقل من حجم إيرادات يتعدي ملياري شيقل، تعد الأعلى في المنطقة مقارنة بأرباح شركات الاتصالات الإسرائيلية ومنها شركة بلفون التي بلغت أرباحها 373 مليون شيقل، أما شركة سلكوم بلغت أرباحها السنوية نحو 354 مليون شيقل. وبالإشارة إلى رسوم الاشتراكات الشهرية في فلسطين بلغت 80 مليون دولار في العام الواحد، في الوقت الذي تخدم الشركة أربعة ملايين فلسطيني، بينما رسوم الاشتراكات في السوق المصري على سبيل المثال والذي يخدم 80 مليون مواطن لا تتجاوز قيمتها 20 مليون دولار في العام.

وبالمقارنة مع الأردن، وحسب مجموعة المستشارين العرب (متخصصة في الأبحاث والدراسات التحليلية في مجال الاتصالات والإعلام)، فإن معدل العائد الشهري لكل خط جوال في فلسطين هو 11.29 دولارا، بينما في الأردن يساوي العائد الشهري سبعة دولارات فقط لكل خط جوال، ولا يمكن هنا تجاهل مقدار الخدمات التي يتلقاها المشترك في كلا الدولتين، إذ يشمل السعر في الأردن خدمات الإنترنت للجيل الثالث بالإضافة إلى الاتصالات الصوتية، بينما تتركز الخدمة في الشركات الفلسطينية على المكالمات الصوتية والرسائل النصية فقط.

واللافت أن العقد الاحتكاري لمجموعة الاتصالات الفلسطينية لعشرين عاماً دون منافس يبرز أن هناك أطرافاً في السلطة الفلسطينية ساهمت في غياب المنافسين واقتصار العقد على شركة واحدة دون الاهتمام بهموم المواطن، وتأكيداً على ذلك انه رغم صدور قانون رقم (15) لسنة 2009م  بشأن الهيئة الفلسطينية لتنظيم قطاع الاتصالات، ولكن من المؤسف أن هذا القانون لم يجر تطبيقه حتى الآن.

إن شركة الاتصالات جددت عقدها لعشرين سنة قادمة بموجب العقد القديم الذي يمنحها ذلك والمؤرخ بـ10/11/1996. حيث أن القانون الأساسي الفلسطيني في العام 2002 وما جرى عليه من تعديلات في العام 2003، احتوى على أحكام تتعلق بمنح الامتيازات العامة تتعارض مع الصورة والطريقة التي تمت فيها الاتفاقية مع شركة الاتصالات. وفي العام 2003 قدمت الدائرة القانونية للجنة الاقتصادية في المجلس التشريعي رأيا قانونياً تعتبر فيه أن الاتفاقية المعقودة ما بين شركة الاتصالات ووزارة الاتصالات تحتاج إلى إصدار قانون يشرعنها على اعتبار أن هذه الاتفاقية هي شكل من أشكال الامتياز الذي أكدت المادة 94 من القانون الأساسي على أن تُنظم بقانون.

لكن هناك تساؤلات عدة أبرزها، لماذا تتهاون الحكومة الفلسطينية ممثلة بوزارة الاتصالات مع مجموعة الاتصالات الفلسطينية عندما تسطو الأخيرة على أموال الناس وحقوقهم دون إعطاءهم أية خدمات بل وتواصل وضع التبريرات الغير مقنعة. فمن الرئيس إلى رئيس الحكومة إلى الوزراء والنواب والوكلاء يتحملون المسؤولية ويعدون شركاء بها طالما لم يقفوا سداً منيعاً في وجه تلك الفضيحة التي تجري في وضح النهار أمام أعين الجميع.

وللأسف لم يعد مفيداً أن نتجاهل أننا بتنا بعد ربع قرن من مسيرة أوسلو، أمام سلطة تقودها الشرائح العليا من البيروقراطية المتحالفة، إلى حد الاندماج تقريباً، مع الكومبرادور الفلسطيني، الذي يعتاش على تبعيته الاقتصادية لإسرائيل، والذي يرى في استقرار الحالة الراهنة، مصلحة له، والذي في الوقت نفسه، لم يعد يتردد في تغليب مصالحه الفئوية على حساب المصالح الوطنية العليا، يبني لنفسه قاعدة اجتماعية، من المستفيدين من دوام السلطة، ويعمل على توسيع هذه القاعدة بالمزيد من الإغراءات المالية والاجتماعية بحيث يرتبط مصير هذه القاعدة بدوام السلطة واستقرارها. ولعل هذا ما يفسر السكوت على تجديد رخصة مجموعة الاتصالات دون أية دراسة ونقاش.

وسوم: العدد 725