الحريري (لا) ينسق مع الأسد ضد اللاجئين؟

يشهد لبنان، منذ أسابيع، أعمالاً مثيرة للجدل من قبل الجيش اللبناني ضد اللاجئين السوريين نتج عنها إحراق عدد من مخيماتهم والتنكيل بمئات منهم واعتقال وتعذيب العشرات مما أدى إلى مقتل أربعة مواطنين أثناء توقيفهم.

ساهمت أجهزة أمنية وقضائية لبنانية عديدة بإخفاء طبيعة القتل تحت التعذيب وعزا الجيش وفاة اللاجئين الأربعة إلى «أسباب صحية» كما قدم رواية ركيكة عن تعرضه لهجمات «انتحاريين» خلال اقتحامه المخيمات، وقال إن أحدهم قام بتفجير نفسه فقتل ابنته، لنكتشف بعد ذلك أن الفتاة (حسب رواية النائب اللبناني خالد الضاهر) ماتت نتيجة صدم آلية عسكرية لخيمتها وأن أباها ليس انتحارياً وأنه لم يمت أصلا.

وجدت روايات الجيش تقبلا لدى رأي عام لبناني، يكره بعضه اللاجئين السوريين (والفلسطينيين من قبلهم وبعدهم) على أسس طائفية وعنصرية، وجزء آخر يعتبر نفسه متضررا من وجود اللاجئين، وحين خرجت بعض الأصوات للتنديد بالانتهاكات ودعا بعض الناشطين للتظاهر احتجاجا تزايدت حملة التأجيج المحمومة وقام بعض اللبنانيين بأخذ مسألة إهانة السوريين على عاتقهم عبر التنكيل والتحريض ببعض الأبرياء والمساهمة بحماس في حملة على وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام الطائفي والرسمي.

الحماس الذي تم رفعه على رايات احترام الجيش اللبناني ما لبث أن تعرض للإحراج بعد أن تكشفت الأهداف السياسية والعسكرية لما يجري.

دخل «حزب الله» اللبناني على الخط من باب الدعوة لإخراج «المسلحين الإرهابيين» من جرود عرسال مطالبا الجيش اللبناني بالعمل على قتالهم. تبعت ذلك فعلاً تحشيدات للجيش اللبناني حول المدينة لحصارها ثم جاءت موافقة رئيس الوزراء سعد الحريري على الخطة قائلا إنها تتم «من دون تنسيق مع جيش النظام السوري». النظام السوري، من ناحيته، قام بالتمهيد للمعركة، التي لا يريد الحريري تنسيقها معه، بقصف مواقع «المسلحين».

يحمل ما يجري العديد من المفارقات لأن «حزب الله» الذي دخل إلى سوريا بدعاوى تبدلت بالتدريج من حماية مرقد السيدة زينب إلى «محاربة التكفيريين» وحماية النظام الممانع في دمشق بحيث وصل عناصر الحزب إلى حمص في وسط سوريا وحلب في شمالها ودير الزور في أقصى شرقها، وبالتالي فإن الحزب كان أولى بإكمال «المهمة» التي ادعاها لنفسه بدلا من توريط جيش لبنان.

يرتبط انخراط «حزب الله» في الدفاع عن النظام السوري ارتباطا شديدا بالأوضاع التي يعيشها لبنان الآن، فهذا القرار باجتياز الحدود اللبنانية نحو سوريا أعطى المبرر للتنظيمات المناهضة للحزب في الساحة السورية بالدخول إلى لبنان، كما أدى لهروب مئات آلاف اللاجئين السوريين إلى لبنان.

الجيش اللبناني، الذي كان مغلوبا على أمره (إن لم يكن متواطئا مع تدخل «حزب الله» في سوريا) استيقظ فجأة ليدافع عن سيادة البلد التي اكتشف انتهاكها من جانب اللاجئين و«الإرهابيين» فحسب.

لا يتعلق الأمر بحسابات أطراف الساحة اللبنانية فقط الذين يريدون التخلص من نتائج أفعال النظام السوري وحلفائه لأنهم لا يستطيعون مواجهة أسبابها، بل أيضاً بالحسابات الإقليمية العربية التي تشهد بدورها تغيرات سلبية، فانشغال السعودية بتبعات العمل الحثيث لتوريث العرش لابن الملك محمد بن سلمان فتح المجال للإمارات ومصر للضغط باتجاه تمرير أجندتهما والتي تضغط باتجاه حلول عسكرية وأمنية لإنهاء أي أمل بالتغيير.

ولهذه الأسباب وجدنا سعد الحريري الذي كان طرفا مضادا للنظام السوري و«حزب الله» في بداية الأزمة، وكان رجاله وسطاء أساسيين في تمويل وتسليح المعارضة السورية، يتحمس هو أيضاً لقيام الجيش اللبناني بـ«عملية مدروسة» في عرسال، وتناغم ذلك مع دعوة حسن نصر الله، أمين عام «حزب الله» للخلاص من التهديد الذي يشكله اللاجئون، وقيام الجيش السوري بقصف أولئك «المسلحين» بالطيران.

الحريري (لا) ينسق مع الأسد ضد اللاجئين؟

رأي القدس

وسوم: العدد 730